الوسطية ودورها في تحقيق الأمن الفكري والعقدي
✍🏽 أ.د. أبكر عبد البنات آدم
مستخلص:
الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال في سائر العلاقات الإنسانية، سواء في المنع أو في العطاء. وفي إشباع الغرائز البشرية، وكبح جماح الشهوات والرغبات. لذلك فإن تحقيق تلك الغايات يتطلب منهج رباني يمنع العباد من استغلال حال غيرهم لتحقيق مصالحهم، من خلال النزوع نحو الشدة والغضب. فهو منهج يؤسس لبناء كافة العلاقات الإنسانية على مبدأ التوازن والاعتدال. وقد هدفت الدراسة إلى معرفة دور الوسطية في تحقيق الأمن الفكري والاجتماعي، وكيفية ممارستها في واقع الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية… وغيرها. استخدم الباحث المنهج الوصفي والتاريخي والتحليلي لمعرفة التحديات الماثلة في التعامل مع مفهوم الوسطية في ظل غياب الأمن والأمان.
Abstract:
Islam is the religion of moderation in all human relations, both in prevention and in giving. Satisfying human instincts, and curbing desires. Therefore, achieving these ends requires a rabbinic approach that prevents the slaves from exploiting others to achieve their interests, through the tendency towards the intensity and anger. It is a method that establishes all human relations on the principle of balance and moderation. The study aimed to know the role of moderation in achieving intellectual and social security, and how to exercise it in real life intellectual, cultural, social, economic, political … and others. The researcher used descriptive, historical and analytical methods to study the challenges in dealing with the concept of moderation in the absence of security and safety.
مقدمة:
إنّ من يدرس تاريخ الأمم الغابرَة والحاضرة ببداهةِ واتزان على أن هنالك حقيقةٍ ثابتة ومبتغًى ينشدُه كلّ مجتمع مهما توالت عليه العصور، ألا وهو أنّ مطلب الوسطية والاعتدال في الفكر والعقيدة من المتطلبات الأساسية التي تحفظ للإنسان كرامته الآدمية، فمتى ما اختلّ ذلكم النظام يوماً يشعر المجتمع بالغَيبة والتّيه. لذا جاءت الشرائع السماوية لتأكيد أهميتها الموضوعية والمنطقية، وأنّها غيرُ قابلة للتّردّد أو النزاع أو المساومة، لأن تأثيرها عميق على حياة الإنسان الروحية والمادية، لارتباطهما الوثيق بالعقيدة والفكر ورضى النفس، ولا يمكن تحقيق تلك المبادئ إلاّ بوضع ضوابط أمنيّة صارمة تحقق مصالح البشرية.
أهمية الدراسة: الوسطية من المفاهيم التي تحفظ للإنسان كرامته الآدمية، وبناء مجتمع يسود فيه قواعد الأمن والأمان في إطار المتغيرات الفكرية المعاصرة.
أهداف الدراسة: تهدف الدراسة لتحقيق الأهداف التالية:
- فهم الضوابط التي تتعلق بالأمن الفكري، وما يعتريها من ثقوبٍ في بنيتها التكوينية.
- معرفة دور الوسطية في المحافظة على الأمن الروحي والفكري.
- التأكيد بأن القوة الإيمانية تشكل احدى الضوابط التي تحكم عمليات الطمأنينة والاستقرار في النفس الإنسانية.
منهج الدراسة: استخدم الباحث المنهج الوصفي والتاريخي والتحليلي لمعرفة التهديدات الماثلة في ظل غياب الأمن والأمان في كثير من دول المنطقة على ضوء المتغيرات العالمية.
المبحث الأول: مفهوم الوسطية لغة واصطلاحا
الوسطية لغة: جاءت كلمة (وسط) في اللغة لتدل على عدّة معانٍ مُتقاربة في مدلولها، ويقول المناوي في التعاريف[1]:” الوسط ما له طرفان متساويان في القدر”، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد وفي الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين، والوسط تارة له طرفان مذمومان كالجود بين البخل والسرف، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به نحو السواء والعدل وتارة يقال فيما له طرف محمود وطرف مذموم، كالخير والشر. وقد ذكر الأصفهاني:” أن الوسط هو العدل خيار الشيء”[2].
وقد جاء في معجم مقاييس اللغة:(الواو والسين والطاء): هو بناء يدل على العدل والنصف، وأعدل الشيء أي أوسطه، ووسْط القوم سكونها، وهو أوسطهم حسباً إذا كان في وسط قومه، وأرفعهم محلاً[3]. وقال ابن منظور في “لسان العرب”: “وسط الشيء ما بين طرفيه”، وقد نقل ابن منظور عن أحد الأعراب مخاطباً الحسن البصري قوله:”علمني ديناً وسُطاً، لا ذاهباً فروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً[4]. وقال أعرابي:
إذا رَحَلْتُ فاجعلوني وسطاً *** إني كبير لا أطيق العنادا
أي اجعلوني وسطاً لكم ترفقون بي وتحفظونني، فإني أخاف إذا كنت وحدي متقدماً لكم أو متأخراً عنكم[5]، وقال آخرون:”وسط الشيء أفضله وأعدله[6]. ويقول الفيروز آبادي: “الوسط، أعدل الشئ[7]، لقوله تعالى:{ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}[8]، أي: عدلاً وخياراً، وبسب عدالتهم وحكمهم يحكمون سائر أهل الأديان بالقسط، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول فهو مقبول، وما شهدت له بالرد فهو مردود[9]، ولما جعل الله سبحانه وتعالى هذه الأمة وسطاً، خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، قال تعالى: :{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }[10]، وقال الشوكاني: الوسط الخيار أو العدل[11]، والآية محتملة للأمرين، وقال زهير ابن أبي سلمى في المدح:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * ** إذا نزلت إحدى الليالى العظائم
وقال آخر :
أنتم أوسط حي علموا * * * بصغير الأمر أو إحدى الكبر
وقال آخر :
لا تذهبن في الأمور فرطا * * * لا تسألن إن سألت شططا
الوسطية اصطلاحاً: تعني حالة محمودة تعصم الفرد من الميل إلى جانبي الإفراط والتفريط، أو” هي التوازن والتعادل بين الطرفين، بحيث لا يطغى طرف على آخر، وإنما إتباع للأفضل والأعدل والأجود والأكمل[12]. كما يُعبّر عنها أيضاً بـالتوازن الذي يعطي كل ذي حق حقه دون طغيان كالأطراف المتقابلة مثلاً أو المتضادة: كالروحية والمادية، والفردية والجماعية، والواقعية والمثالية، والثبات والتغيّر وما شاكلها، فالتوازن هو أن يفسح كل طرف مجالاً للطرف الآخر، ويعطي لكل فرد حقه بالقسط أو بالقسطاس المستقيم. ولما كان الوسط مجانياً للغلو والتقصير كان محموداً: فجعل الله هذه الأمة وسطًا في كل أمور الدّين، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في عيسى عليه السلام الذين لا يُنجسّون شيئاً ولا يُحرّمون شيئاً، بل أباحوا ما دبَّ ودرج ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم الذين لا تصحّ لهم صلاة إلاّ في بِيَعهِمْ وكنائسهم، ولا يطهّرهم الماء من النَّجاسات، وقد حرّمت عليهم طيِّبات عقوبة لهم، ويقال فلان أوسط قومه وواسطتهم: أي خيارهم[13].
وقيل الوسط هو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها، مستوياً فيه الفرد والجماعة[14]، وقال ابن حجر:” أن في الجنان أوسط، وهي جنة الفردوس، وذلك عند شرحه لحديث، إنَّ في الجنَّة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدَّرجتين كما بين السَّماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنَّه أوسط الجنَّة، أو أعلى الجنة”[15].
فالوسطية تعني أعدل الأحوال، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم للثلاثة رهط، حين تقالُّوا عبادةَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم:” أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”[16]. وقد فهم الصحابة والسلف ذلك المعنى من خلال مفهوم الوسطية، فنقل عن الإمام علي رضي الله عنهقوله:” عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل”[17]. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “إنّ من أحب الأمور إلى الله القصد في الجدة، والعفو في المقدرة، والرفق في الولاية، وما رفق عبدٌ بعبد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة”[18]. وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالوسطية منذ بعثته بعداً عن الشطط والانحراف واللغو، فقال صلى الله عليه مسلم:” وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”[19]، وقال عليه الصلاة والسلام:” يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا، إنما بعثتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسرين”[20]، أي اسلكوا ما فيه اليسر والسهولة؛ سواء كان فيما يتعلق بأعمالكم، أو معاملاتكم مع غيركم؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من هدْيه أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما أو أوسطهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا، كان أبعد الناس عنه.
لهذا أصبح الإسلام بوسطيته دين الحق الذي لا تفريط فيه، ودين العقيدة والايمان الذي يتطابق مع العقل والمنطق والواقع، ودين النظام الذي يجمع بين مطالب النفس والمادة والروح، وبين صلاح الدنيا والآخرة، لتحقيق السعادة فيهما على السواء. وهو الوحدة الموضوعية الذي يحقق التوازن بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة، من غير أن يطغى اتجاه على آخر، بل هو منهج الحق والعدل والرحمة والتسامح. ولا يمكن للأمة المسلمة أن تنتقل من مرحلة الإدراك الاعقلاني إلى مرحلة العقلاني، إلا بتبني هذا الهدي القاصد الذي لا طغيان فيه. فالميزة التي ميّز الله تعالى بها الأمة الإسلامية عن باقي الأمم هي ميزة الوسطية والاعتدال، فإن تخلت عنها تخلت عن أبرز معالمها، وعن أجمل صورها.
ممَّا سبق، فإن للوسطيَّة معان مترادفة في اللغة والاصطلاح، وتبيّن ذلك من خلال مدى التلازم بين التعريف والمفهوم. فالوسط في بناء العلاقات الاجتماعية بين الطرفين أحدهما محمود والآخر مذموم مثل الكرم والبخل والشدة واللين والقوة والضعف والرفق والعنف، وتختلف باختلاف الأحوال ذماً ومدحاً، ولا يمكن الحكم على الوسطية بالخيرية المطلقة، ولا وصفها وصفاً ظاهراً منضبطاً إلا حين تعني الوسط بين طرفين إما مدحاً أو ذماً[21].
وعلى هذا، فالوسطية هي البحث عن الاعتدال، وتحصيلها والاستفادة منها، ويشمل كل خصلة محمودة لها طرفان مذمومان، فالإنسان مأمور أن يتجنَّب كل وصف مذموم، ويبقى الخير والفضل للوسط. هكذا جاءت الآيات القرآنية الكريمة والاحاديث النبوية الشريفة تشيد بالوسطية والاعتدال وتدعو إلى التيسير ورفع الحرج، قال تعالى:{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[22]، وقال تعالى:{قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ}[23]، وجاء في أقوال الحكماء: “خير الأمور أوسطها، إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا”[24]· وفي حديث آخر:” يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وان أحب الأعمال إلى الله مادام وان قل”[25]. ويرى سيد قطب إلى أن وسطية الأمة تعني الشهادة بيَّن ملامح التصور والاعتقاد في التفكير والشعور… وفي التنظيم والتنسيق… وفي الارتباطات والعلاقات… وفي المكان والزمان… وغيرها”[26].
المبحث الثاني: أنماط الوسطية في الإسلام:
طبقاً للتعريفات السابقة فإن للوسطية ثلاثة أنماط، هي:
1.التسوية: ويقوم على الجمع بين مفهومين مختلفين يقصد منها رفع التناقض بينهما من خلال القيمة المتساوية.
2.التفاضل: أي المفاضلة على تقديم الإيسر بين المفهومين المتناقضين من خلال التقديم والتأخير الزماني والقيمي، وفق النصوص اليقينية، وطبقاً لضوابط موضوعية، وذلك بهدف جلب المصالح ودرء المفاسد.
- التحديد: أي تحديد الأوامر الإلهية بأشكالها التكليفية(الأوامر والنواهي).
المبحث الثالث: معالم ومجالات الوسطية في الإسلام
للوسطية في الإسلام عدة معالم، أهمها:
* توحيد مصادر المعرفة: وذلك بالجمع بين الوحي والعقل؛ فالوحي هو مصدر التشريع، والعقل له دور في فهم الوحي، كما أنه مصدر من مصادر المعرفة في كل مناحي الحياة، بل أنه يجمع بين علوم الشريعة وعلوم الحياة، وهذا ما يضمن استقامة عقيدة الأمة وحياتها.
* التلازم بين الظاهر والباطن: أي أنه يجمع بين أعمال الجوارح وأعمال القلوب، وهذا ما يعرف بفقه الظاهر وفقه الباطن.
* الاتباع في الدين، والإبداع في أمور الدنيا.
* صحة النقل وصراحة العقل: أي الجمع بين منهجي مدرسة الرأي ومدرسة الأثر.
* الجمع بين عمارة الحياة والسمو الروحي: أي الاتزان بين متطلبات الجسد والروح، أو الجمع بين المطلبين وَفْقَ المنهج الرباني.
* التجديد في علم أصول الفقه: فلا يغلق كليةً، ولا يفتح لكلِّ أحد.
* الثبات في الأهداف والمرونة في الوسائل والأساليب.
* التوازن في التعامل وفق مقاصد التشريع الإسلامي.
* التكامل في بناء الإنسان عقلاً وروحاً وجسداً ووجداناً.
* التكامل بين مضمون الخطاب وجمال العرض والأسلوب: فكم من الجواهر الحِسَان ضاعت لسوء عرضها.
* الجمع بين التربية والتعليم والتهذيب والتأديب.
* تحرير المرأة من الفقه المتشدد، ومحاربة العادات والتقاليد والموروثات التي تخالف حرمتها.
* تحرير المرأة من براثن الغربنة، والانصياع للقيم الغربية.
فالوسطية في الإسلام لا تنحصر في العبادات والطاعات الظاهرة فحسب، بل تشمل أخص خصائص الإنسان الداخلية التي ترتبط بذاته، وعلاقته مع أهله وأقاربه وزوجته وأبنائه، ومع مجتمعه، لذلك فإن كل فرد في المجتمع يحتاج إلى التوسط والاعتدال في تحقيق حاجياته الضرورية والتحسينية، ولا يمكن تحقيق ذلك في الفكر الإسلامي إلا بفهم قواعد الإسلام فهماً صحيحاً، وذلك من خلال المجالات التالية:
* الوسطية في العقيدة الموافقة للفطرة الطبيعية: أي الاعتماد على منهج القرآن الكريم والسنة النبوية في أمر العقيدة، والاهتمام ببيان أثر العقيدة على النفس الإنسانية نقلاً وعقلاً.
* الوسطية في ممارسة الشعائر العبادية والتعبدية.
* الوسطية في التجديد والاجتهاد وفق أصول الفقه.
* التوسط بين التمذهب والتقليد: وما أحسن ما عبر عنه الإمام ابن القيم رحمه الله؛ حيث فرق بين التقليد والاتباع؛ فالاتباع عمل بقول الغير مع الحجة والدليل، أما التقليد فهو عمل بغير دليل[27].
* الوسطية في الفتوى بين الكليّ والجزئيّ، والموازنة بين المقاصد والفروع، والربط بين النصوص ومعتبرات المصالح في الفتاوى.
* الوسطية عند الاختلاف والخلاف: والخـلاف ضـربان: ضرب يقع في قضايا الأصول الكلية الاعتقادية، وفي التنـزيل والتأويل كخلاف أهل الأهواء والبدع لأهل السنة والجماعة، وهو خلاف مذموم. وضرب يقع فيما دون الأصول، وهو اختلاف مقبول، ولا بد في الاختلاف من الاتفاق على قواعد الحوار والنقاش والإقناع.
* الوسطية في التعامل مع الآخرين: وهنا يجعل الحوار أساساً للتعامل مع الآخر، وإعطاء الحرية في ممارسة الشعائر العبادية والتعبدية، وذلك بشرط ألا يكون الخلاف دافعاً للعداء أو الاعتداء، بل يجب أن يكون دافعه البحث عن العيش المشترك، والتعاون على البر والتقوى بين أفراد المجتمع.
* الوسطية في تبيين الأحكام: وذلك من خلال تعظيم الأصول، وتيسير الفروع دفعاً للحرج.
* الوسطية في التفاعل الحضاري والثقافي: المسلمون أمة تتمتع بخصائصها الذاتية من خلال التفاعل الإيجابي بين متطلبات الحياة المختلفة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم… “[28].
* الوسطية في المجال الفكري والممارسة السياسية: ترتبط الوسطية الإسلامية في المجال السياسي بمجالَيْ العقيدة والتشريع بناءً على أسس فكرية ترتبط بالعلاقة بين الدين والدولة، والمحافظة على السيادة الوطنية.
المبحث الرابع: مخاطر البعد عن الوسطية
ان البعد عن الوسطية بين الأمة هو الهلاك بعينها، لأن فقدان الطمأنينة في الدين والدنيا يعني بأن هنالك إفراط وتفريط، لقول رسول صلى الله عليه وآله وسلم:” اياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم…”[29] وقال صلى الله عليه وسلم:” هلك المتنطعون”[30] فالمتنطعون: هم المتشددون والمتعمقون المبالغون في التزامهم بالدين بما يخرجهم عن الحد الوسط[31].كما أن آفة الانحراف عن الوسطية أو الشذوذ عنها يقود إلى التطرف والجهل والاستبداد، والتقليد الأعمى، ولذلك تعاني بعض المجتمعات الإسلامية اليوم من تفشي ظاهرة الغلو والتطرف في الدين بين صفوف المراهقين فكرياً، فيتجه البعض إلى تطبيق ممارسات خاطئة بحجة التمسك بالدين، وفي الواقع هم أبعد ما يكونون عن الدين الإسلامي. فالمبتعدين عن وسطية الإسلام ينتهجون منهج القهر والاكراه، ونشر ثقافة الذعر والخوف، واستباحة الأعراض والأموال، فهم يتصفون بالآتي:
- الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية.
- التشدد في أصول الفقه الإسلامي.
- التعصب للمذاهب والفرق.
ولذلك لابد من توعية الأمة المسلمة بمخاطر الغلو والتطرف والتشدد، التي أصبحت اليوم السمة الأساسية في كل من مجتمعاتنا العربية والإسلامية. فالمبدأ الإسلامي في مفهوم الوسطية والاعتدال يقوم على مبدأ قبول الآخر، لذلك يسعى مؤرخو الأديان عبر التاريخ للبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع أصحاب الأديان وتعزيز تلك القواسم للعيش المشترك، من خلال نبذ الفرقة والتعصب والشتات، فالمسلمون الذين عاشوا في قرون خلت لا يعرفون التعصب، فهم دعاة الحق، بل ليسوا إرهابيين كما يصفهم بذلك أعداؤهم، وإنما يدعون إلى الوسطية في الدين، والدعوة إلى معرفة قواعد الشريعة الإسلامية التي بنت الحضارة الإنسانية على أسس وقواعد راسخة في العقائد والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والقيم والسلوك، وعلى ذلك فهم دعاة رحمة وهداية وعلم ونور، لا خلاف ولا اختلاف سواء في المنهج أو في الغاية والأسلوب. ومع تطور الأحداث تغيّرت حال المسلمين من حالة الهداية المشروعة بالكتاب والسنة النبوية الشريفة إلى حالة الكبت النفسي؛ حيث غابت المسؤولية الاجتماعية نتيجة لتأثير كثير من مجتمعاتنا بالثقافات الغربية، الأمر الذي دفع بعض شبابنا المسلمين الجنوح نحو التعصب والتشدد كثقافة جديدة لم تألفها الإسلام والمسلمين من قبل. ولذلك عندما تقهقرت روح الوسطية والاعتدال المجتمع المسلم، ظهر ما يعرف بالاستلاب الفكري والعقلي، فتحولت الأفكار من حالة فكر العافية إلى حالة فكر الأزمة، ومن فكر الجنوح إلى السلم إلى فكر الغلو والتطرف، على الرغم من أن الإسلام لا يقر التطرف والمغالاة والإرهاب، ولا تعصب بأنواعه المختلفة سواء كان تعصباً نفسياً أو مذهبياً أو عنصرياً أو قبلياً أو قومياً، أو دينياً، أو سياسياً أو اقتصادياً، أو ثقافياً، بل يدعو كل الناس إلى الاعتراف بالكرامة الإنسانية، فالفضل تكمن في التقوى، قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[32].
المبحث الرابع: الأمن الفكري في الإسلام
الفكر لغة: قال ابن فارس:”الفاء والكاف والراء تردد القلب في الشيء). ويقال تفكَّر إذا ردد قلبه معتبراً. ورجل فِكِّير: كثير الفكر”[33]، ويرى آخرون بأنه” قوةٌ مُطرِقة للعلم إلى المعلوم[34]. أيضاً هو جملة ما يتعلق بمخزون الذاكرة الإنسانية من الثقافات والقيم والمبادئ الأخلاقية التي يتغذى بها الإنسان من المجتمع الذي ينشأ فيه ويعيش بين أفراده.
أما اصطلاحا: يرى الفيومي بأنه:”هو تَرْتِيبُ أُمُورٍ فِي الذِّهْنِ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَطْلُوبٍ؛ يَكُونُ عِلْماً، أَوْ ظَنًّا”[35]، ويقول جميل صليبا:” إنه يطلق على الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات، أو يطلق على المعقولات نفسها”[36]. فإذا أطلق على فعل النفس دل على حركتها الذاتية، وهي النظر والتأمل، وإذا اطلق على المعقولات دل على المفهوم الذي تفكر فيه النفس الإنسانية[37]، وعرّفه الزبيدي بأنه: “هو الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات؛ أي النظر والتأمل والتدبر والاستنباط والحكم، ونحو ذلك. وهو كذلك المعقولات نفسها؛ أي الموضوعات التي أنتجها العقل البشري”[38].
فالأمن الفكري هو اطمئنان الفرد والمجتمع إلى منظومته الفكرية والخُلقية، وقيمه التي ترتب العلاقات بين أفراد المجتمع. وقد عرّفه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بأنه:” مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى، أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة، وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية في السلوك الخفي، فلا تحس به الأمة المراد غزوها، ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة سهلة المنال، وتكون نتيجته الاستسلام، بل تصبح الأمة مريضة في فكرها الروحي والمادي(داعش)، والإحساس بالدونية، وتحب ما يريده لها عدوها أن تحبه، وتكره ما يريد منها أن تكرهه، وهو داء عضال يفتك بالأمم ويذهب شخصيتها ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها، فالأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها ولا تدري عنه، ولذلك يصبح علاجها أمراً صعباً، وإفهامها إلى سبيل الرشد شيئاً عسيراً”[39]. ولا شك في أن الأمن الفكري في الإسلام ضرورة واقعية لا تستقيم الحياة بدونها، وذلك لسببين، هما[40]:
أولاً: أن الأمن الفكري هو النعمة التي يحفظ كرامة الإنسان في الحياة، ولذلك امتنَّ الله تعالى أمته بهذه النعمة، وهذا ما جاء في حالة كفار قريش، لقوله تعالى:{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}[41].
ثانياً: الأمن الفكري هو إعمال الخاطر، والتدبر والتأمل في استنباط، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}[42].
وللأمن الفكري في الإسلام أهمية كبرى، منها:
- حماية الاخلال بأهمية الثقافة الإسلامية. حيث جعل الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم مَنْ توفر له الأمن كمن حيّزت له الدنيا كلَّها، فقد أخرج الترمذي، وحسَّنه الألباني عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِىّي عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهصلَّى الله عليه وسلَّم:” مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِى جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا[43].
- تأكيد الصورة الحية للأمة الإسلامية:، إن تحقيق التلاحم والوحدة في المنهج هو غاية الإسلام، لقوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)[44]، والإسلام هو مصدر عزها وقوتها، وهو أساس تمكينها في الأرض، قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[45].
- يستمد جذوره من عقيدة الأمة ومسلماتها وثوابتها، وهو الذي يحدد هويتها وشخصيتها وذاتيتها. فالأمن الفكري غايته استقامة المعتقد، وسلامته من الانحراف. لذلك فإن الإخلال به يعرض الإنسان لأن يكون عمله هباءً منثوراً لا ثقل له في ميزان الإسلام، قال تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}[46].
- تحقيق الحماية الكلية للمجتمع من الأفكار الدخيلة والهدامة: جاء الإسلام مرغباً في مصاحبة الأخيار، ومحذراً من مصاحبة الأشرار. قال تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}[47]
- التصدي للجريمة بأنواعها المختلفة: إن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الكليّات الخمسة ومنها حفظ العقل، ولا شك أن في حفظ العقل بالنظرَ والتأملَ في المصادر أو في المناهج تساعدفي تُغذية العقل البشري بالأفكار والعقائد الحميدة؛ سواء أكانت دينية أم اجتماعية أم سياسية أم عسكرية أم اقتصادية، فالعقل إذا غُذِّي بعقائد وأفكار ومعلومات فاسدة يسوء تصوره، ويفسد ويضل، ويصبح أخطر من العقل الخالي من المعلومات[48]. وللتصدي على الجريمة بأنواعها يجب وضع ضوابط لتعزيز الأمن الفكري من خلال الآتي:
1- أن يكون منبثقاً من ديننا الحنيف.
2- تحقيق مقاصد التشريع الإسلامي.
3- ضبط مقاصد الوسطية والاعتدال في التسليم والانقياد.
4- أن ينبسق تعاليمه من مصادر التشريع الإسلامي.
5- ضرورة تحقيق وحدة وتلاحم الأمة الإسلامية.
6- المحافظة على أصالة وقيم الثقافة الإسلامية.
7- السمو بالفرد والمجتمع إلى أعلى درجات الطهر والنقاء، والعفة والنبل.
8- أن يكون القائمون عليه والحامون له هم ولاة الأمر من العلماء.
9- أن يكون بعيداً عن الازدواجية والفوضى الاجتماعية.
المبحث الخامس: مفهوم الأمن الروحي في الإسلام
إن مفهوم الأمن الروحي من المفاهيم الحديثة التي باتت تشكل جزء من الفكر الإنساني، إبان تصاعد موجة الاضطرابات الدينية في العالمين العربي والإسلامي، نتيجة للانحرافات الدينية التي ظهرت خلال العقود الأربعة الأخيرة، لعوامل كثيرة وأسباب عديدة، منها تفشي ظاهرة التطرف في فهم الأحكام الدينية والمقاصد الشرعية، والممارسات وأنماط السلوك التي لا تحمل الصفة الدينية، والتي هي أبعد ما تكون عن تعاليم الدين الحنيف، ومبادئه السامية وأخلاقه الراقية[49]. ومن نتائج غياب ثقافة الأمن الروحي ظهور ما يعرف بالغلو والتشدّد في الدين، والتفسير الخاطئ للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأقوال فقهاء الأمة وعلمائها من ذوي المكانة العالية، لذلك فإن نشأة ظاهرة الانحراف عن جادة الشرع الحنيف تسبب في اضطراب حبل الأمن الروحي، وفي زعزعة الاستقرار خاصة في المجتمعات الإسلامية التي عانت ولا تزال تعاني من هذه الظاهرة الشاذة، والآخذة في الانتشار بين ربوع الأمة العربية والإسلامية، بل العالم أجمع.
فالمقصود بالأمن الروحي هو الحفاظ على العقيدة الدينية من أخطار تأويلية وتفسيرية واستلابية وتغريبية التي تأتي من بعضنا أو من الخارج(التنصير والتغريب)، ولأجل صون الهوية الدينية من الآفات والتشوهات والتحريفات لابد من أن يكون هدف السيادة المذهبية حماية المؤسسات الدينية، على المستويين الاعتقادي والتشريعي قائمة على التوسط والاعتدال الذي يمكن أن يجمع حولها الجماعة الوطنية، والتي تشكل مصدراً للوقاية ضد الأخطار التي تهدد وحدة الأمة الإسلامية، وإشعالا لفتنة بين الناس في دينهم وعرضهم، والتي بدورها تساعد على نشر ثقافة الفوضى والفساد في الاعتقاد، وفي الفهم، وهذا ما حرّمه المولى عزّ وجلّ على عباده. وقد ذكرت مشتقات هذه المادة في أكثر من ثمانمائة (800) مرة في القرآن الكريم، وهذا من نعم الله عزّ وجلّ على عباده، لقوله تعالى{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}[50]. ومن أعظم النعم بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى نعمة الأمن، وهو طمأنينة القلب وسكينته وراحته وهدوئه. بل هو مطلب من مطالب الحياة البشرية، لا تزدهر الحياة ولا تنمو إلاّ به[51]. ولا قيمة للحياة إذا فقد الإنسان الأمن، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”[52].
فالأمن العقدي يأتي على رأس قائمة الأولويات الأمنية لأهميتها وحساسيتها البالغة من مخاطبتها العقول والوجدان، وعرّفه الباحثون في العلوم الأمنية بأنهما: “حماية عقل الإنسان وفكره ورأيه في إطار الثوابت الأساسية والمقاصد الشرعية والحقوق المشروعة المنبثقة من الإسلام عقيدة وشريعة وحياة”[53]. وبمفهوم آخر: هو مجموعة من التدابير المتخذة لحماية المعتقد الديني والسلوك البشري من الزيغ أو الانحراف بكل تلويناته[54].ومهما تعددت تعاريف الأمن فهو في النهاية محصلة للجهود الشاملة والتدابير المتخذة الرامية إلى حماية مصالح الوطن والمواطنين. لذلك لا يمكن معالجة التشدد والغلو ونتائجهما المدمرة، بمقاربة أمنية أو سياسية فقط؛ بقدر ما نحتاج إلى استراتيجية فكرية تعالج جذور المشكلة، ومن هنا يمكن القول بأن للحوار دوراً كبيراً ومتعمقاً في تحقيق الأمن الروحي والفكري خاصة إذا استخدم في صياغ التعاليم الدينية، فالعالم يشهد اليوم تغييرات سريعة ومتداخلة، تتجلى في التواصل والتفاعل بين المجتمعات والثقافات بين مختلف الجنسيات والأديان والأعراق، وهذا يحتم ضرورة إيجاد أرضية صلبة للحوار الذي هو الأساس في بناء القيم الإنسانية المشتركة.
لذا اهتم الإسلام بالأمن والأمان فشرع من الأحكام والأوامر للمحافظة عليه، ونهى عن الفساد والشرور والآثام، وأمر الجميع بالتعاون على البر والتقوى. فالإيمان والأمانة والأمننة كلمات تدل على معنى الراحة والسكينة وتوفير السعادة والاستقرار ورغد العيش والبعد عن الخوف والحزن لمن أطاع الله سبحانه وتعالى، واستحباب لأمره. فلا يتحقق شمولية الأمن إلا بعد الاعتراف بالله رباً وخالقاً ومالكاً ومتصرفاً وإلهاً مستحقاً للعبادة دون سواه، فهو الطريق المؤدي إلى الأمن والسلامة والنجاة لأنه طريق مستقيم لا عوج فيه، أما غيره من الطرق فيؤدي إلى الضياع والحيرة والاضطراب في القيم والسلوك، قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[55].
لذلك فإن من ضرورات الأمن الروحي التصدي لكل الانحرافات الضالة، والمعتقدات الفاسدة والتأويلات المغرضة والتفسيرات الخاطئة التي تثير الفتنة بين البشرية، والتي بدورها تؤدي إلى تمزق النسيج الروحي للمجتمع، وهذا ما يقتضي المواجهة بالأفكار السوية، وبالاعتدال والوسطية في أخذ الحيطة والحذر خاصة مع الذين يدعون إلى الانحراف والتشدد، ويمارسون الاتجار بالدين واستغلاله لأغراض ليست لها علاقة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن هنا يجب على علماء المسلمين الاجتهاد في الفروع والنوازل، وضرورة مقارعة الحجة بالحجة[56].وفي جميع الأحوال، فإن حماية الأمن الروحي تتطلب منا النهوض بالتعليم الديني، ونشر الثقافة الإسلامية، وتعزيز قيم الحضارة الإسلامية.
فإذا نظرنا إلى العالم المحيط بنا اليوم نشاهد أوضاع إنسانية مأساوية طغت عليها لغة العنف والدمار والتشريد والتقتيل باسم الدين، فالقاتل يُشحن بمبادىء وأفكار وقيم لا يقبله الدين ولا العقل السليم ولا المنطق ولا تتماشى مع الفطرة الطبيعية للإنسان. ونتيجة لتلك الممارسات تعرضت الأديان الإلهية لهجمة شرسة طالت معتقداتها ومقدساتها، بل تعرض أتباعها في كثير من الأحيان إلى مضايقات واعتداءات عنصرية نفسية أو جسدية بسبب انتماءاتهم الدينية والعرقية[57]. وهذا ما دفع بعض الأشخاص إلى ردود أفعال غير محسوبة ساءت من وضعية النزعة الدينية في كل مجتمع. وما يملئ علينا اليوم ينبغي التصدي لخطاب الكراهية والتشدد والغلو بكل أشكاله ومصادره، سواء كان ديني أو غير ديني بتغليب لغة الحوار والتسامح والتعايش، على لغة العنف والكراهية والتعصب في المعتقدات والمذاهب، بل الدعوة إلى ترسيخ مفهوم الوسطية لبناء مجتمع يتسم بروح الأمن الروحي، كل ذلك للتخلص من براثن الإرهاب الذي أصبح يهدد السلم المجتمعي والدولي، والذي لا يمكن علاجه بمقاربات سياسية أو أمنية أو فكرية، بل نحتاج إلى منهج روحي تعبدي للتصدي لكل الانحرافات الضالة والمعتقدات الفاسدة والتأويلات المغرضة والتفسيرات الخاطئة التي تثير الفتن الدينية، والعصبيات العرقية والظلم، لأن تلك النوازع النفسية أدت إلى تمزق النسيج الروحي للمجتمع البشري في كثير من أقطار العالم الإسلامي. ومع أن النظريات الكلاسيكية للأمن ترتكز على مكافحة الإجرام بكل أنواعه عبر أجهزة الشرطة المختفلة، وذلك بهدف توفير الطمأنينة للمواطنين والدعوة إلى احترام القانون وحماية الأرواح والممتلكات، إلا أن تطور مفهوم الوسطية بجانب الأمن الروحي قد شمل حماية أمن الأمة في كافة جوانبها المختلفة[58]. فالأمن الروحي يتطلب توفير السكينة والطمأنينة، حتى يستطيع كل فرد في المجتمع أن يؤدي دوره بصورة متكاملة، فالإمام أو الخطيب في منبره يحاول أن ينشر تصوراً معتدلاً عن الدين الإسلامي فهو يساهم في توفير الأمن الروحي، بل لأنه يقف في وجه كل من يريد أن يثير البلبلة والشك عند المسلمين، فهو كالمبشر في تقديم النصح والإرشاد، وفي نبذ الكراهية بين أفراد المجتمع، فوجود المثقف الديني في المجتمع ضروري في عصر انتشر فيه التأويل، والتحليلات المزاجية التي كثيراً ما تساعد في تدهور القيم الأخلاقية.
المبحث السادس: مسؤولية المجتمع في تعزيز الأمن الروحي والفكري
الأمنَ والأمانَ من نِعَمِ اللهِ تبارك وتعالى، امتنَّه على عباده، قال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}[59]، وقال تعالى: {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[60]. ومن نعم الأمن على العباد أن يجد الشخص نفسَه آمناً ومطمئناً، حتى يستطيع أن ُيؤدِّي وظيفتَه في الحياة. ولمَّا امتنَّ اللهُ على قُريشٍ بنعمةِ الأمن؛ أمرهم أَنْ يعبدُوه شكراً له، قال تعالى:{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}[61]، وَلَمَّا كذَّبتْ قريشٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وعصتْ عن أمر ربِّها، ولم يشكروه على ما أنعم به عليهم من نعمةِ الأمنِ، بدَّل اللهُ سبحانه وتعالى أمنَهم خوْفاً، وشِبَعَهم جوعاً عسى أن يعودوا إلى رشدهم، ولكنهم تمادوا في غيهم، فأصابهم الابتلاءات، لقوله تعالى:{وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[62]، ولَمَّا قام المؤمنون بحقِّ الله من إفرادهِ بالعبادةِ بدَّلَ خوْفهم أمناً، وحقَّق لهم وعْدَهُ الذي وعَدَهُم عليها، لقوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }[63]، ومن موجبات الإيمان أن امتنَّ اللهُ تعالى على المؤمنين الصادقين بنعمةِ الأمن في القلة والكثرة، قال تعالى:{وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[64]، لذلك أمر اللهُ تعالى المؤمنين بالحفاظ على الأمنِ والأمانِ، والوقوفِ في وجه كلِّ من يريد أَنْ يُحْدِثَ الفوضى في صفِّهم، ويُثيرَ القلقَ والاضطراب فيهم، لقوله تعالى:{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[65] فالمقصود في الآية الكريمة هي الحرابة التي ضد السلامة، وقد عرّفها الفقهاء بأَنَّها:” خروجُ طائفةٍ مسلَّحةٍ في دار الإسلام؛ لإحداث الفوْضى وسفْكِ الدِّماء، وسلْبِ الأموال، وهتْكِ الأعراض، وإهلاكِ الحرثِ والنَّسْل، مُتحدِّيَّةً بذلك الدِّينَ والأخلاقَ والنِّظامَ والقانون، ولا فرقَ بين أَنْ تكونَ هذه الطائفةُ من المسلمين، أو الذِّمِّيين، أو المُعاهدين أو الحرْبيِّين، ما دام في دار الإسلام[66]، قال تعالى:{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[67]، فالعدول من الأفراد والجماعات هم الذين يخرجون العباد من سفك الدماء، ومن جبروتٍ وبطشٍ الجبّارين، ومن قوَّةٍ وقُدرةٍ قُطاع الطرق إلى السكينة والوقار، وقد تبرَّأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ حمل السِّلاحَ ومن قطاع الطرقَ، حيث قال:” مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا”، فالعبد يُبْعَثُ على ما ماتَ علَيْه، لقول رسول الله صلى الله صلى الله وسلم:” مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، ثُمَّ مَاتَ؛ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً”[68]. ومن سماحة الإسلام وعظمته أَنَّه قَصَرَ الحربَ على المحارِبين، ونهى عن نقل الحرب إلى ميدان الآمنين المطمئنين لحديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بِامْرَأَةٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مَقْتُولَةٍ، فَقَالَ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ” متفق عليه. فالأمن من وجهة نظر دائرة المعارف البريطانية يعني:” حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية”[69]، وقيل إنّه:” أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء”[70]، وأيضاً يعني:” التطور والتنمية، سواء من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ظل حماية مضمونة”. ومن هنا يجب على كل أفراد المجتمع أن يحافظوا على جانب الوسطية في ممارسة حياتهم الروحية والمادية، وأن يستوعبوا المتغيرات الثقافية والحضارية لكل مجتمع.
إن الإنسان بفطرته الطبيعية يعمل على صون المعتقدات وتوجيهها نحو مختلف الاتجاهات، فإما أن يتصف بصفات الانفتاح والتعددية ومرونة التعامل، أو أن يتصف بصفات التعصب والانغلاق والتطرف فهو يملك القدرة في إدارة المعتقدات والمهارات المتعلقة بها ليصبح بعد ذلك المرجع والقدوة الحسنة للبشرية. وقد لعب بعض أصحاب الأديان بما خلفوه عبر التاريخ من كتب وأقوال وتجارب لعبت دوراً إيجابياً في إدارة وتوجيه المعتقدات نحو تنمية المجتمعات، حيث توفرت فيها النزاهة الأخلاقية والعملية، وغاب عنها ما يلوث النفوس بالفساد، فأصبحت المعتقدات الدينية بمثابة جسور لا يستطيع كل فرد عبورها. وحينما تقاطعت المصالح الفردية مع مصالح الدول والأنظمة لجأ البعض إلى استخدم النصوص الدينية والأحاديث المقدسة في غير مواضعها، فانعدم مبدأ الأمانة في نقل المثل والمبادئ والأفكار السليمة إلى البشر، لتصل تلك الأفكار إلى الأجيال المتعاقبة مشوهة منقوصة ومحرفة تحمل في طياتها تعاليم الزيف والضلال وتكون ضد مصلحة الإنسان ووجوده. ومع أن المعتقدات الدينية تدعو إلى الوسطية في الاعتقاد، والتسليم بحقيقة وجود الله الواحد الأحد الذي أرسل أنبيائه ورسله في نقل هذه الأمانة للناس كافة، بقوله تعالى: :{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}[71] وبتطور الأحداث انحرف الإنسان عن هدى الطريق القويم مما أدى ذلك كله إلى تشويه حقيقة الوسطية، فهنالك من وصف الوسطية بالتنازل عن الكليّات، وتفسير المعتقدات الدينية بصورة مغايرة.
لذلك فإن مواجهة التنافس الديني يحتاج إلى مرونة في التعامل مع الموضوعات الدينية، لأن الهدف هو تصحيح كل ما من شأنه أن يهدد الأمن الروحي والفكري، ودفع الشبهات بمنطق وواقعية وشجاعة مراعاة للمصلحة العليا ودرءاً للمفاسد[72]. كما يجب أن يتوسع مجال الإرشاد الديني كي يشمل هموم الناس وما يستجيب لمتطلباتهم. وحتى تكتمل المداخل لصالح البناء الحضاري للأمة المسلمة يجب تكييف الخطاب الديني كي يساهم في تكوين مجتمع إيجابي متعدد الأبعاد يحمل هموم الناس جميعاً، دون أن يخلق لهم أزمات فكرية وعقد نفسية وعوائق سلوكية، تجعلهم عرضة للدجل والشعوذة والخداع الديني.
وفي ضوء تلك المعطيات فمن باب أولى أن يكون هنالك برنامج لتأهيل الأئمة والخطباء في إطار خطة يراعي فيها مسألة تقييم المستفيدين من الخطاب الدعوي، وأن تكون تلك البرامج قادرة على الإنتاج والإبداع في مجال تصحيح القيم والسلوك. لذلك فإن خيرية هذه الأمة تكمن في أمانتها والتزامها بالحبل المتين، لقوله تعالى:{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}[73] وبضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تزداد المنكرات، وبقوته تضمحل وتضعف، فالنفس البشرية إما خيراً أو شراً، لذلك فإن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية جماعية لتعلقها بالأمن الاجتماعي برمته، فإذا تهاون الناس مع أهل المعاصي والمنكرات الفكرية والأخلاقية، انتشر الخبث والخبائث، وحينئذ تنزل العقوبة للجميع صالحهم وطالحهم، فإذا استباح العدو بالأمة فإنه لا يستثنى أحداً.
عليه، فإذا ما استمر أصحاب الأهواء والشهوات في غيهم فعلى المجتمع أن يتحمل المسؤولية حاضره ومستقبله ودنياه وآخرته، لقوله تعالى:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[74]. وفي ضوء المفهوم السابق للوسطية، والذي يعني الاتزان، وعدم الإفراط والتفريط، والبعد عن الغلو والانحلال، والموازنة بين المعاني المتناقضة أو المتقاطعة، وتقديم الأهم على المهم ينبغي أن تنشأ الأجيال الصاعدة على أسس تربوية شاملة غير منقوص، أي بناء كافة الجوانب المعنوية والمادية وفق الضروريات والحاجيات والتحسينيات، والتوازن بين الإيمان بالواقع المحسوس والإيمان بالغيب الذي لا تدركه الحواس، وأيضاً التوازن بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية… وغيرها. قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه
ومن هنا فإن التربية على التوازن يحفظ كيان الناشئ وحياته، وبه يستطيع أن يوازن بين رغباته وشهواته، وبين اعتقاده وسلوكه، وبفقدانه يفقد الإحساس بالراحة والطمأنينة. فالأساس الذي ينبغي أن ينشأ عليه الإنسان، هو ذلك التوازن الذي يبنى على فطرة العقيدة الصحيحة، لإزكاء الميل الفطري نحو الفضيلة ومكارم الأخلاق، من خلال العناصر التالية:
- القدوة الحسنة: المعلم هو أساس التأصيل العلمي الرصين للفكر والاعتدال.
- النزعة الدينية: من المعلوم أن عموم الأديان لجميع الأمم لا يعني خضوع كل أفرادها لنزعة التدين فلا تخلو أمة من منكرين وساخرين يحسبون الحياة لعباً ولهواً، ويتخذون الدين وهماً وخرافة، لكن هؤلاء لا يشكلون إلا جزءاً قليلاً في كل أمة، وهم في الغالب من المترفين الذين لا يضعون للحياة قيمة ولا يدركون أن هنالك أزمات وتحديات قد تعوق مصير الإنسانية.
- الاعتراف بحرية الاعتقاد: إن الاعتراف بحرية الاعتقاد من مقاصد التشريع الإسلامي، لأجل خلق بناء فكري وروحي حر لكل صاحب رسالة.
وبناءً على ما تقد تقوم الآلية التربوية في تحقيق الأمن الفكري من خلال المسؤوليات التالية:
* مسؤولية التعليم: يقع على عاتق المؤسسات التعليمية عبء كبير في عملية حماية الأمن الفكري لذلك فإن هذه المؤسسات تجمع بين فئات المجتمع على اختلاف أعمارهم وبيئاتهم وثقافاتهم، فالذين يقومون على هذه المؤسسات يجب عليهم أن يكونوا من المثقفين والمفكرين الذين تتوفر فيهم الصفات الحميدة والمؤهلات العلمية التي تجعلهم يشعرون بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم.
* مسؤولية العلماء والدعاة: إن تغليب الجانب العلمي والعقلي على الشحن العاطفي في الخطاب الديني من الأمور الضرورية التي تساعد على حفظ الأمن الفكري، وذلك باستدعاء بعض الصور المشرفة للشباب حين يتلقون الخطاب الديني المعتدل. هكذا جاءت الشرائع السماوية بمحاسن وفضائل الأخلاق، فدعت إلى التعاون والتعارف بين بني البشر، لقوله تعالى: {… وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَان…}[75]. ومن مسؤولياتهم، هي:
- إظهار وسطية الإسلام واعتداله وتوازنه: إن ترسيخ قيم الانتماء الديني من أهم مقومات الأمن الروحي والفكري، خاصة لدى الشباب، لذلك من موجبات التفكير العلمي أن يكون الاعتزاز بالوسطية امتثالاُ لقوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[76].
- طاعة ولي الأمر، لقوله تعالى{يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[77]. وقال صلى الله عليه وسلم: “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصى الأمير فقد عصاني”[78].
- التحذير من الأفكار المتطرفة والمنحرفة: إن تحصين الشباب وتعريفهم بأهمية الأمن الفكري يساعد في تقوية البنية الفكرية للمجتمع؛ لأن الفكر الهدام ينتقل بسرعة ويصعب بعد ذلك حجبه، ولقد كان صحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يسأله عن الشر مخافة أن يدركه، لقوله تعالى:{وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}[79].
- إتاحة مساحة كافية للحوار: الحوار هو السبيل الأسمى لضبط الخلاف والاختلاف، وتفعيل قيم التعاون والتآلف والتكاتف، وبدونه تكون الساحة ملئ بالنزاعات والصراعات والحروب والفرقة والشتات، فالحروب الأهلية وعمليات الإقصاء والتهميش والتمييز والتعصب الأعمى ما هي إلا لغياب عنصر التفاهم والتواصل.
* مسؤولية الأسرة: الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وصلاحها يعني صلاح المجتمع وفسادها يعني فساد المجتمع. ولذلك فإن مسؤولية الوالدين في حماية النشء من الانحراف الفكري تتمثل في عدة جوانب منها:
- الجانب التربوي: التربية لا تعني توفير الطعام والشراب والكساء والعلاج فقط، بل بقدر ما تشمل ما يصلح دين الإنسان وفكره وتوجهاته ومنهجه، فإذا صلحت العقيدة صلح ما سواها من أمور. ومن أساسيات العقيدة التي يجب على الأبوين تربية أولادهم على طاعة الله تعالى وحـب النبيّ صلى الله عليه وسلم، هذا بجانب حفظ أرواح المسلمين وأموالهم وأعراضهم من الفساد القيمي والاخلاقي، قال النبي صلى الله عليه وسلم في منى:”أتدرون أيَّ يوم هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال فإن هذا يوم حرام. أتدرون أيَّ بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بلد حرام. أتدرون أيَّ شهر هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: شهر حرام قال: فإن الله حرَّم عليكم دِماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا” فإذا رُبيّ النشء على هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه يعيش في امان مع نفسه ومع الآخرين من حوله[80].
- الاهتمام بجانب التربية العقدية: يجب على الأبوين تربية أولادهم على الاهتمام بالجانب العقدي، لأن في تطبيقه تحقيق لأمن المجتمع، وأنّ اطمئنانه طاعة ولاة الأمر.
- توعية الأبناء: إنّ من ثمرات التربية الرشيدة توعية الأبناء ومحاورتهم ومناصحتهم ومناقشتهم وتصحيح مفاهيمهم الخاطئة، والمساعدة في بناء شخصياتهم الذاتية. ولتحقيق تلك الغايات يجب على الأُسرة أن تقوم بالآتي:
- عزل الأبناء عن وسائل الغزو الفكري والثقافي.
- إبعادهم عن رفقاء السوء، لحديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة”[81].
- توجيه طاقة الأبناء نحو البرامج العلمية والتعليمية.
- تربية وتدريب الأبناء على مبدأ فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى ما سبق، فإن حماية الأمن الروحي والفكري لا يتأتى فقط بالمقاربات الأمنية الرادعة بل بالمقاربات الدعوية بين فقهاء وعلماء الأمة الذين لهم القدرة على معالجة المشكلات المجتمعية، جلباً للمصالح ودرءاً للمفاسد. فالخطر المحدق بالأمن الروحي والفكري كبير وذو جذور عميقة، وذلك لغياب ما يعرف بالاستراتيجية الدينية من أجل زعزعة الخصوصية الروحية والفكرية والمذهبية. وفي ظل غياب تلك المعطيات ظهرت الانقسامات العقائدية والخلافات المذهبية في كثير من المجتمعات سواءً الإسلامية أو الغربية. فأصبح من الصعب في كل الأحوال مواجهة عقيدة الآخر، مما ساعدت في انتشار العقائد الفاسدة، والخرافات والشعوذة والأوهام، ممزوجة بفقه تـقـليدي غير فعّال بالنظر للمستجدات الآفلة في عصرنا الحاضر. وبالتالي فالمنظومة الدينية التي نراها اليوم لا تستجيب لحاجات الأمة الروحية منها والفكرية، فالكثير يسعون لتلبية حاجاتهم إشباعاً لفكرهم ووجدانهم، مستغلين في ذلك قوامهم الدينية، واللقاءات الجانبية إلى غير ذلك من تكتيكات التوغل الناعم، الأمر الذي شكل في كثير من الأحيان مصدر قلق للمرجعيات الدينية. ولحماية الأمن الروحي يجب ضبط الخطاب الديني، وأن تكون هنالك مرونة وواقعية في استنباط الأحكام، وإعادة ترتيب الخطاب الديني وفق مخطط دعوي له أهدافه وأنشطته ووسائله ومصادر تمويله. هذا بالإضافة إلى ضرورة وجود خطة رسمية لتأهيل الفقهاء والعلماء، على أن توفر لهم أدوات تقييمية للمتابعة والمراقبة والقيادة، وأن يشرف على تنفيذها علماء مخلصين لهم خبرة بأصول الدين، ولهم سمعة حسنة في الوسط الاجتماعي والفكري والثقافي.
المبحث السابع: الوسطية وكفالة حق الأمن والأمان
تقوم الوسطية في كفالة حق الأمن والأمان في المجتمع على أمور عدة منها :
- الوسطية في الشمول :إن رسالة الإسلام هي رسالة صالحة لكل زمان ومكان، استوعبت كل مطالب الدنيا والآخرة. فهو رسالة لإصلاح المجتمع والدولة وبناء الأمة، وتجديد الفكر الديني للشعوب.
- الوسطية فهم الأسبقيات: تقوم أسبقية الأمن والأمان في الفهم الصحيح للإسلام، لأن مقاصد التشريع في الإسلام يقوم على عدة مقاصد كلية وجزئية، منها ما هو فرض ومنها هو ناقلة، وفيها المتعدي وفيها اللازم، فالنظرة الوسطية في علم الأصول تقتضي أن نقدم الفرض على النافلة، والمتعدي على اللازم، والكلي على الجزئي. لذلك فإن معرفة الأسبقية أمر في غاية الأهمية، وغيابه يوقع الناس في الكثير من السلبيات، والتي من أهمها:
- العجز عن رد الجزئيات إلى كلياتها، والفروع إلى أصولها.
- تقديم النوافل على الفرائض، أو التحسينات على الحاجيات، أو الحاجيات على الضروريات في مختلف جوانب الحياة، وذلك لافتقاد المنهجية العلمية الرصينة، والنظر الموضوعي للأصول.
- الميل إلى تجاوز الأسباب، وعدم الحرص على الأخذ بها مع تجاهل أن الارتباط بين الأسباب والمسببات مرتبطة بالسُنن الكونية، قال تعالى:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}[82].
- عدم التفريق بين الحق والباطل، الأمر الذي يؤدي إلى رفض الحق إن جاء من غير ثقة، أو قبول الباطل إن صدر من ثقة، لقوله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}[83]
- عدم التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغيّر، فكثير من المتغيرات أصبحت ثوابت نسبة لانتشارها، وكثير من الثوابت حُوّلت إلى متغيرات نسبة للجهل بها.
- البناء الصحيح لمفهوم الدعوة :إن غاية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هي المثل الأعلى والأسمى في تطبيق قواعد الدين في الواقع المعيش، فالنظرة الوسطية للدعوة هو معرفة واقع الأمة، من حيث التفكير في ممارسة الشعائر العبادية والتعبدية، ومعرفة الفرق بين النظرية والتصور، والتطبيق والتجربة.
- التكامل في السلوك والأخلاق :يدعو الإسلام إلى الوسطية في الأخلاق والسلوك للتمييز بين المخالفين الذين تخيلوا أن الإنسان يمكن أن يكون ملكاً فوضعوا له من القيم والآداب ما لا يمكن أن يدركه، وبين الواقعين الذين حسبوه حيواناً فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به، متغافلين أن الله تعالى عندما خلق الإنسان جعل له من الفطرة ما يمكنه من أن يستوعب الغاية من وجوده، فجعل له العقل الذي يستطيع به التمييز بين ما هو حق وما هو باطل، كما أودع الله عزّ وجلّ فيه عقلاً وجسداً وروحاً، وجعل غذاء العقل المعرفة، وغذاء الجسد الطعام، وغذاء الروح(التزكية)، والمقصود أن من يضيع حاجة من حاجات الفطرة السليمة يختل بناؤه ويضطرب تكوينه، وقد تمثلت هذه الوسطية في صفات عدة منها:
- الدعوة للتوسط في المشي بالسكينة، لقوله تعالى:{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}[84].
- التوسط في الحديث بين خفض الصوت وارتفاعه، لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}[85].
- التوسط في الإنفاق بين الإسراف والتقتير، لقوله تعالى:{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}[86].
- التوسط بين الإسراف في المباح وبين الانقطاع عنه، لقوله تعالى:{وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[87].
- التوسط بين الارتماء في أحضان الدنيا، وبين الرهبانية المنقطعة، لقوله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[88].
* الوسطية في التفاعل الحضاري: إن وسطية الإسلام في التفاعل الحضاري تتطلب أن يدرك المسلمون تفرد دينهم وخصوصيته المتمثلة في صحة فكرته، وصواب منهجه وأحكام شريعته وترابط مجتمعاته، غير أن هذه الخصوصية لا يُراد لها أن تعزلهم عن الآخرين، بقدر ما يراد لها أن تمهد الطريق لهم للتعامل مع الآخرين، فالإسلام دين تبدت قدرته على التعايش مع كل الجماعات البشرية على مرّ الدهور والأيام، غير أن ذلك التفاعل كان محكوماً على الدوام بضوابط عدة منها:
- الاعتراف أن الاختلاف بين بني البشر في الدين حقيقة إلهية، لقوله تعالى:{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}[89].
- احترام وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية، لقوله تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[90].
- التعارف والتآلف والتعايش: لقوله سبحانه وتعالى:{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}[91]، فالتعارف هو الأساس الذي دعا إليه القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً، بل هو ضرورة أملتها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن، لذلك فإن إهمال لروح الأخوة الإنسانية، والبعد عن الروابط الاجتماعية بين البشر تؤدي إلى مخاطر وخيمة، لقوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[92]. فالحياة لا تقوم بدون تعايش وتسامح، وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل مع غير المسلمين،لقوله تعالى:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[93].
- التعاون: كثير من القضايا العامة تشكل قاسماً مشتركاً بين المسلمين وغيرهم،، وهذا يمكن أن تشكل منطلقاً للتعايش والتعاون، ومن أهم هذه القواسم المشتركة ما يلي:
* الإيمان بالتعددية الحضارية والثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية، لقوله تعالى:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}[94].
* العمل على تنمية آفاق التواصل الحضاري، وذلك من خلال الإستفادة من الأخرين في تقدم المنهج العلمي والتكنولوجي، والإحساس بقيمة الوقت، وقيمة العدل بين البشر في ظل مناخ كريم، والدعوة إلى قيام شراكة إنسانية قوامها التبادل العادل للمصالح العامة.
* توجيه الضمير الإنساني الغربي تجاه مآسي المسلمين، مثل الذي يحدث في فلسطين والعراق ونيجيريا وسوريا واليمن ومينمار… ونحوهما.
* الدعوة إلى تأسيس فقه الأقليات المسلمة في مجتمع غير المسلمين، وبما يحقق للمسلمين الحفاظ على هويتهم.
* التركيز على المنظومة القيمية في علاقاتنا مع الأخرين، لقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[95].
* العمل على إيجاد القواسم المشتركة، فالحضارات تتقاسم أقداراً من القيم مثل العدل والمساواة والحرية…إلخ.
* مخاطبة المخالفين بموضوعية، رعاية للمصالح المشتركة، والمنافع المتبادلة، تحقيقاً للأمن والسلام العالميين.
* تأكيد الالتزام بالحرية وحقوق الإنسان، وبمشروعية الخلاف الفكري، والتعدد الديني والثقافي والتداول السلمي للسلطة، والدفاع عنها، ونبذ العنف والتطرف الديني.
* الدعوة إلى استكمال التوازن المفقود بين الحضارات الإنسانية.
* العمل على علاج المشكلات العقدية التي تواجه المجتمعات، من انحلال أسري، وتفكك اجتماعي، وانهيار أخلاقي، وانحراف جنسي وتعصب عرقي،… وغيرها.
خاتمة:
أكدت الدراسة على أنّ دعاة الوسطية يجب أن ينظروا إلى واقع البشرية اليوم بفيض من الاعتزاز النفسي، وبآيات تقدير لا تعد، ويتوقون ليوم تسعد فيه الأمة الإسلامية بقيادة البشرية، تحقيقاً لقيم العدالة، ونشراً للسلم وردعاً للظلم. فالمسلمون اليوم ما فتئوا يمرون بأهلك الظروف، خاصة بعد شيوع ثقافة الهيمنة والغربنة والاستهداف والظلم، فمنهم من تعرض لتلك المهلاكات لاعتزازه بدينه، وما به من قيم العدالة والفضيلة، فزاد إيمانه وقوى إرادته.[96]
كما أن التسامح النزيه، والتعامل الشريف، والمخالقة النبيلة، التي يبديها الإسلام للمخالف لا يجوز أن ينظر إليها في إطار غير إطارها، فيظن بالإسلام وأهله ضعفاً وهواناً يفضي بهم إلى الدونية، فيجب على المسلمين أن يعيدوا أمجاد أجدادهم، وأن يتذكروا كيف كان رسول الله صلى الله علية وسلم يعامل المخالفين له في ساعة العُسرة، حيث كان يقول يوم فتح مكة لم أراد إيذائه من القريش:” أذهبوا فأنتم الطلقاء”.
ومن النتائج أيضاً الوسطية ليست شيئاً هلامياً غير واضح المعالم كما يظنه البعض، ولا هي مجرد ثقافة توضع لها الأطر والنظم، أو تقتصر على كونها غذاء عقل وإشباع نفس فحسب، بل هي منهج تفكير وحياة، كما هي مهمة للأفراد والجماعات أينما وجدوا، فلا تقتصر في الإطار العقائدي فقط بل مهمة للحكومات على اعتبار أنها سمة حضارية ترشد المسلمين وغير المسلمين بالاعتدال والتوازن في كافة ميادين الحياة المختلفة. وعليه، على الأمة المسلمة نشر ثقافة الوسطية والاعتدال بينهم، وضرورة التصدي لبعض التيارات الفكرية المعادية للإسلام والمسلمين. هذا بجانب الإهتمام بفقه الضرورة لمسايرة الواقع المعيش، والاهتمام بالمرجعيات الدينية بعيداً عن النوازع النفسية الضيقة.
لائحة المصادر والمراجع:
آبادي، الفيروز مجد الدين محمد (1998م). القاموس المحيط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط6.
ابن القيم الجوزية (1986م). زاد المعاد في هدي خير العباد ، تحقيق: شعيب وعبد القادر الارناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت،ط10.
ابن المفضل، أبو القاسم الحسين بن محمد(بدون تاريخ). معجم مفردات ألفاظ القرآن. تحقيق نديم مرعشلي. دار الفكر، بيروت، ط2.
ابن حنبل، أحمد(1999م). المسند. تحقيق: شعيب الأرنوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2.
ابن عبد البر، أبو عمر يوسف(1978م). جامع بيان العلم وفضله. مصور من الطبعة المنيرية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2.
ابن فارس، أحمد بن زكريا(1411هـ). معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون. دار الجيل بيروت، ط1.
ابن كثير(1385هـ).تفسير القرآن العظيم. دار الأندلس، بيروت، ط1.
ابن منظور(1985م). لسان العرب. دار الحياة، بيروت، ط2.
أحمد، عبد المجيد(1981م). أزمة العقل المسلم، سلسلة المنهجية الإسلامية، عمان، ط1.
الأصفهانى، راغب (1961م ). المفردات فى غريب القرآن . مطبعة مصطفى البابى الحلبى، القاهرة، ط2.
أمامة، عدنان محمد(1424هـ). التجديد في الفكر الإسلامي. دار ابن الجوزي، مكة المكرمة، ط1.
الأيوبي، نزيه نصيف(1992م). العرب ومشكلة الدولة. دار الساقي، بيروت، ط1.
البغدادي، أحمد(1989م). تجدد الفكر الديني. دار القلم، دمشق، ط1.
البهى، محمد (1967م). الجانب الإلهي من التفكير الاسلامى . دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط2 .
التركي، عبدالله عبدالمحسن (1989م). الأمن الفكري. مطابع رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، ط1.
الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى(1962م). الجامع الصحيح. تحقيق: إبراهيم عطوة عوض. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، ط2.
حسين، أحمد (1978م). من قضايا الرأي في الإسلام. دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط1.
الحيدر، حيدر عبدالرحمن(2002م). الأمن الفكري في مواجهة المؤثرات الفكرية، ط1.
الخزيم، صالح بن ناصر (بدون تاريخ). أثر تطبيق الشريعة الإسلامية في منع وقوع الجريمة. مكتبة المنار، الإسكندرية، ط1.
الدغيم، محمد دغيم(بدون تاريخ). الانحراف الفكري و أثره على الأمن الوطني. مطبعة الاندلس، حلوان،ط2.
الدغيم، محمد دغيم(بدون تاريخ). الانحراف الفكري وأثره على الأمن الوطني. مطبعة الاندلس، حلوان، ط1.
الدوسي، حسن بن سالم(2008م). العقل: دراسة مقاصدية في المحافظة عليه من حيث درء المفاسد والمضار عنه. مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، الكويت: جامعة الكويت – مجلس النشر العلمي.
الرازي، أبي بكر(1948م). مختار الصحاح. دار التنوير العربي، بيروت، ط1.
الزاوي، الطاهر أحمد (1981م). مختار القاموس. الدار العربية للكتب، القاهرة، ط1.
الزنيدي، عبدالرحمن (2002م). حقيقة الفكر الإسلامي. دار المسلم، الرياض، ط2.
الزهراني، علي بن بخيت (بدون تاريخ). الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة. درا الرسالة، مكة المكرمة، ط2.
سلامة، غسان (1999م). المجتمع والدولة في المشرق العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1.
سيد قطب (1398هـ). خصائص التصور الإسلامي، دار القرآن الكريم للطباعة، دمشق.
سيف الدين، أحمد (بدون تاريخ). المؤسسات الدينية ودورها في تعميق الوعي الأمني، دار الأندلس، ط1.
الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى(1982م). الاعتصام. الشاطبي. دار المعرفة، بيروت، ط2.
شبار، سعيد (2007م).الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر. مكتبة ابن خلدون، بيروت، ط1.
الشرفي، عبد المجيد (1991م). الإسلام والحداثة. الدار التونسية للنشر، تونس، ط2.
شلق، الفضل (1993م). الأمة والدولة. دار المنتخب العربي، بيروت، ط1.
الشوكاني، محمد بن علي بن محمد (1973م). فتح القدير. دار الجيل، بيروت، ط2.
صليبا، جميل (1982م). المعجم الفلسفي. دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط2.
العريفي، سعود(1419هـ). الأدلة العقلية والنقلية على أصول الاعتقاد. دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط1.
العسقلانى، ابن حجر (1378هـ). فتح الباري فى شرح صحيح البخاري. مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط1.
عمارة، محمد(1998م). معالم المنهج الإسلامي. دار الشروق، القاهرة، ط1.
الغزالي، محمد (1986م) . إحياء علوم الدين . دار الكتب العلمية. دار الكتب المصرية، القاهرة، ط1.
الفيومي، أحمد بن محمد (بدون تاريخ). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. دار الفكر، بيروت، ط1.
القحطاء، فهد محمد (بدون تاريخ). الأمن الوطني. دار الامل، القاهرة، ط1.
اللويحق، عبدالرحمن (1416هـ). الأمن الفكري: ماهيته وضوابطه. جامعة نايف العربية، مركز الدراسات والبحوث، الرياض، ط1.
النسائي، أحمد بن شعيب (بدون تاريخ). سنن النسائي. المطبعة الحديثة، الرياض، ط3.
يتيم، محمد (بدون تاريخ). الوسطية والاعتدال. مكتبة الأمل، الإسكندرية، ط1.
[1]– المناوي(بدون تاريخ). التعاريف. دار الفكر العربي،ط2ص324.
[2] – الأصفهاني، راغب (1961م ). المفردات فى غريب القرآن . مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط2ص454.
[3] – ابن فارس، أحمد بن زكريا(1411هـ). معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون. دار الجيل بيروت، ط1ص127.
[4] – ابن منظور، محمد الفضل(1985م). لسان العرب. دار الحياة، بيروت، ط2ص541.
[5] – التركي، عبدالله عبدالمحسن (1989م). الأمن الفكري. مطابع رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، ط1ص54.
[6] – الرازي، أبي بكر(1948م). مختار الصحاح. دار التنوير العربي، بيروت، ط1ص.189
[7] – آبادي، الفيروزمجد الدين محمد (1998م). القاموس المحيط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط6.،ص289.
[8] – سورة البقرة:ص.143
[9] – ابن كثير(1385هـ).تفسير القرآن العظيم. دار الأندلس، بيروت، ط2:ج2: ص1234.
[10] – سورة الحج: ص78.
[11] – الشوكاني، محمد بن علي بن محمد (1973م). فتح القدير. دار الجيل، بيروت، ط2ص421.
[12] – يتيم، محمد(بدون تاريخ). الوسطية والاعتدال. مكتبة الأمل، الإسكندرية، ط1ص68.
[13] – ابن القيم، الجوزية (1986م). زاد المعاد في هدي خير العباد ، تحقيق: شعيب وعبد القادر الارناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت،ط10ص233.
[14] – الأصفهاني، راغب (1961م ). المفردات فى غريب القرآن . مطبعة مصطفى البابى الحلبى، القاهرة، ط2،ص452.
[15] – العسقلاني، ابن حجر (1378هـ). فتح الباري فى شرح صحيح البخاري. مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط1،ص456.
[16] – البخاري، محمد بن إسماعيل(1313هـ).صحيح البخاري. دار القلم، القاهرة،ط2،ج5:حديث رقم4776
[17] – محمد (1986م) . إحياء علوم الدين . دار الكتب العلمية. دار الكتب المصرية، القاهرة، ط1.
[18] – شبار، سعيد (2007م).الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر. مكتبة ابن خلدون، بيروت، ط1ص34.
[19] – ابن حنبل، أحمد(1999م). المسند. تحقيق: شعيب الأرنوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2 ، ج1/215 حديث رقم1851.
[20] – البخاري، محمد بن إسماعيل(1313هـ). نفس المصدر: حديث رقم5773.
[21] – عمارة، محمد(1998م). معالم المنهج الإسلامي. دار الشروق، القاهرة، ط1ص32.
[22] – سورة البقرة:185.
[23] – سورة القلم:28.
[24] – الحديث من أقوال الحكماء، كما قال ابن عبد البر في الاستذكار، وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية مطرف بن عبد الله معضلا. ، أنظر إسلام ويب.
[25] – البخاري(1410هـ).صحيح البخاري.كتاب اللباس. دار العلوم،بيروت،ط3:حديث رقم:5439.
[26] – سيد قطب،(1398هـ). خصائص التصور الإسلامي، دار القرآن الكريم للطباعة والنشر، دمشق، ط2ص298.
[27] – ابن القيم الجوزية (1986م). زاد المعاد في هدي خير العباد ، تحقيق: شعيب وعبد القادر الارناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت،ط10ص457.
[28] – أبوداؤد(بدون تاريخ). سنن أبي داؤد.حديث رقم4530.، أو البيهقي، السنن الكبرى،ج7ص133.
[29] – النسائئ،ص268، وأخرج أحمد في مسندهج1ص215.
[30] -صحيح مسلم. كتاب العلم: حديث رقم:2670.
[31] -الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى(1982م). الاعتصام. دار المعرفة، بيروت، ط2،ص22.
[32] – الإسراء:70.
[33] – ابن فارس، أحمد بن زكريا(1411هـ). معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون. دار الجيل، بيروت، ط1، ج4ص446.
[34] – ابن المفضل، أبو القاسم الحسين بن محمد(بدون تاريخ). معجم مفردات ألفاظ القرآن. تحقيق نديم مرعشلي. دار الفكر، بيروت، ط2، ص265.
[35] – الفيومي، أحمد بن محمد (بدون تاريخ). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. دار الفكر، بيروت، ط1،ص19.
[36] – صليبا، جميل (1982م). المعجم الفلسفي. دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط2،ص33
[37] – أحمد، عبد المجيد(1981م). أزمة العقل المسلم، سلسلة المنهجية الإسلامية، عمان، ط1،ص31.
[38] – الزبيدي، عبدالرحمن (2002م). حقيقة الفكر الإسلامي. دار المسلم، الرياض، ط2، ص28.
[39] – الأيوبي، نزيه نصيف(1992م). العرب ومشكلة الدولة. دار الساقي، بيروت، ط1،،ص11.
[40] – الحيدر، حيدر عبدالرحمن(2002م). الأمن الفكري في مواجهة المؤثرات الفكرية، ط1.
[41] – سورة القريش:3-4.
[42] – سورة العنكبوت:67.
[43] – الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى(1962م). الجامع الصحيح. تحقيق: إبراهيم عطوة عوض. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، ط2، ج4:حديث رقم:2346
[44] – سورة آل عمران:19.
[45] – سورة النور:55.
[46] – سورة الفرقان:23.
[47] – سورة الكهف:28.
[48] – الدوسي، حسن بن سالم(2008م). العقل: دراسة مقاصدية في المحافظة عليه من حيث درء المفاسد والمضار عنه. مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، الكويت: جامعة الكويت – مجلس النشر العلمي ،ص310.
[49] – سلامة، غسان (1999م). المجتمع والدولة في المشرق العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1،ص31.
[50] – سورة إبراهيم:34.
[51] – سيف الدين، أحمد (بدون تاريخ). المؤسسات الدينية ودورها في تعميق الوعي الأمني، دار الأندلس، ط1،ص57.
[52]– الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى(1962م). الجامع الصحيح. تحقيق: إبراهيم عطوة عوض. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، ط2:ج 3حديث رقم:2346
[53] – أمامة، عدنان محمد(1424هـ). التجديد في الفكر الإسلامي. دار ابن الجوزي، مكة المكرمة، ط1،ص32.
[54] – الزهراني، علي بن بخيت (بدون تاريخ). الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة. درا الرسالة، مكة المكرمة، ط2ص33.
[55] – سورة الأنعام:153.
[56] – شلق، الفضل (1993م). الأمة والدولة. دار المنتخب العربي، بيروت، ط1،ص22.
[57] – الخزيم، صالح بن ناصر (بدون تاريخ). أثر تطبيق الشريعة الإسلامية في منع وقوع الجريمة. مكتبة المنار، الإسكندرية، ط1،ص20.
[58] – القحطاء، فهد محمد (بدون تاريخ). الأمن الوطني. دار الامل، القاهرة، ط1،ص18.
[59] – سورة العنكبوت:67.
[60] – سورة القصص57.
[61] – سورة القريش:1-4.
[62] – سورة النحل:112.
[63] – سورة النور:55.
[64] – سورة الأنفال:26.
[65] – سورة المائدة:33.
[66] – القرطبي، القرطبي(1387هـ). الجامع لأحكام القرآن.دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط2،ص234.
[67] – سورة الحجرات:9.
[68] – العسقلاني، ابن حجر (1378هــ). فتح الباري فى شرح صحيح البخاري. مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط1، ج2حديث رقم6659.
[69] – الدغيم، محمد دغيم(بدون تاريخ). الانحراف الفكري و أثره على الأمن الوطني. مطبعة الاندلس، حلوان، ط2ص167.
[70] – ابن عبد البر، أبو عمر يوسف(1978م). جامع بيان العلم وفضله. مصور من الطبعة المنيرية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2ص276.
[71] – سورة الأحزاب:72.
[72] – اللويحق، عبدالرحمن (1416هـ). الأمن الفكري: ماهيته وضوابطه. جامعة نايف العربية، مركز الدراسات والبحوث، الرياض، ط1،ص1.
[73] – سورة آل عمران:110.
[74] – سورة الأنعام:68.
[75] – سورة المائدة:2.
[76] – سورة البقرة:143.
[77] – سورة النساء:59.
[78] – البخاري،محمد بن إسماعيل(1988مـ). صحيح البخاري.دار القلم،القاهرة،ط2:ج1، حديث رقم:2957، أو كتاب الأحكام: حديث رقم: 6718.
[79] – سورة الأنعام:55.
[80] – ابن عبدالبر، أبو عمر يوسف(1978م). جامع بيان العلم وفضله. مصور من الطبعة المنيرية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2،ص71.
[81] – البخاري( 1988م). مصدر سابق:ج2:345:حديث رقم5432.
[82] – سورة الأحزاب:62.
[83] – الأحقاف:11.
[84] – سورة لقمان:9.
[85] – سورة الحجرات:2-3.
[86] – سورة الفرقان:67.
[87]– سورة الأنعام:141.
[88] – سورة القصص:77.
[89] – سورة يونس:99.
[90] – سورة الإسراء:70.
[91] – سورة الحجرات:13
[92] – سورة التوبة:24.
[93] – سورة الممتحنة:8.
[94] – سورة المائدة:48.
[95] – سورة الحجرات:13.
[96] – ابن كثير(1385هـ).تفسير القرآن العظيم. دار الأندلس، بيروت، ط1 ،ج2ص1276. Drezinex