الاجتهاد الفقهي | حوار مع الشيخ محمد الحسن بن الددو

0

حوار مع الشيخ محمد الحسن بن الددو الموريتاني

نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس مركز تكوين العلماء في موريتانيا
 ورئيس جامعة الإمام عبد الله بن ياسين في موريتانيا

نشر الحوار في العدد الرابع عشر من المجلة العلمية المحكمة سراج – لندن

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

هل هناك اختلاف بين الاجتهاد الفقهي المعاصر والاجتهاد الفقهي التقليدي منهجا وموضوعا؟

الاجتهاد معناه بذل الجهد في الوصول إلى الحكم الشرعي، وهو مما ميز الله به هذه الأمة؛ فإنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أحال إلى أهل العلم من هذه الأمة عند الجهل فقال: (.فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (سورة النحل:34، سورة الأنبياء:7)، وأحال إليهم عند الخلاف فقال: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ..) (سورة النساء:83) فلم يقل لعلموه جميعا، وإنما قال: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، وهم الذين يعرفون دلالات الألفاظ ويعرفون الأدلة وطرق استعمالها، وتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع الواقعية، وهم أهل الاجتهاد على تفاوت في مراتبه. وقد ذكر أهل العلم للمجتهدين ست مراتب، وهي: المجتهد المطلق، والمجتهد التابع، ومجتهد التخريج، ومجتهد الترجيح، ومجتهد الفتوى، والمتبصر.

والاجتهاد في علوم الشرع هو مثل الاقتصاد في علوم الدنيا؛ فالاقتصاد في علوم الدنيا علم يمكن من خلاله تغطية الحوائج الضرورية غير المحصورة من الموارد المحصورة. فموارد الإنسان محصورة كراتبه أو ربح تجارته أو ما يملكه، وعوارضه وحاجياته غير محصورة؛ فكل يوم تأتيه أمور لم يخطط لها كمرض مريض، أو نزول نازلة، أو مجيء ضيف، أو غير ذلك من اللوازم. والعلم الذي يمكن من خلاله تغطية تلك النوازل من خلال هذه الموارد هو علم الاقتصاد؛ لأنه يدل الإنسان على ترتيب الأولويات وعلى اتخاذ هامش للربح واتخاذ هامش للادخار ومعرفة الأسواق وما يتعلق بالوفرة فيها وما يتعلق بميزان العرض والطلب وغير ذلك من الأمور التي على أساسها يبني الإنسان خطته في كسب درهم معاشه وفي إنفاقه.

كذلك علم الاجتهاد في علوم الشرع هو العلم الذي يمكن من خلاله تغطية النوازل والوقائع غير المحصورة من النصوص المحصورة. فنصوص الوحي قرآنا وسنة محصورة؛ فلا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن هو ما بين دفتي المصحف، وعدد آياته ستة وثلاثون ومائتان وستة آلاف آية على أكثر عد الآي، وآيات الأحكام منه خمسمائة آية كما ذكر الغزالي وغيره من أهل العلم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي رويت عنه عموما، سواء منها ما كان صحيحا وحسنا وضعيفا وبالتكرار وباختلاف الألفاظ لا تتجاوز ثلاثمائة ألف حديث، وأحاديث الأحكام منها لا تتجاوز أحد عشر ألف حديث، ومواقع الإجماع محصورة قليلة، ولذلك كان الاجتهاد يسعى لاستثمار هذه الأدلة لتغطية النوازل والوقائع المتجددة.

والحكم الشرعي مركب من قضيتين: قضية واقعية يعيشها الناس، وقضية شرعية هي التي يعرف بها حكمه المتعلق بها أمرا أو نهيا، صحة أو فسادا وغير ذلك.

ومعلوم أن الأحكام الشرعية تؤخذ من الدليل الشرعي اللفظي من أربعة أوجه: من دلالة المنطوق، ودلالة المفهوم، ودلالة الإشارة والمقتضى والتنبيه، ودلالة المعقول ويقصد به القياس عليه. فهذه الأوجه الأربعة لاستثمار الدليل، ومن خلالها يغطي الدليل الواحد ما لا حصر له من الوقائع، وبذلك تكون الوقائع إلى يوم القيامة مغطاة كلها بهذه الأدلة المحصورة التي بين أيدينا.

ولا فرق بين الاجتهاد عند المتقدمين والمتأخرين إلا في القضايا الواقعية؛ فقد ازداد تعقيد حياة الناس في الواقع الذي نعيشه، وأمثلة ذلك كثيرة في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك.

فمن أمثلة الاجتهاد في قضايا الاقتصاد ما تجدد من العقود في زماننا هذا مما ليس داخلا في العقود المسماة المعروفة لدى الفقهاء، كما تجدد كثير من الأمثلة لعقود سابقة منصوصة لدى الفقهاء كما نجده في المدونة مثلا: “إن باع حمارا بعشرة”، فالمثال في زماننا: “إن باع باخرة أو سفينة أو مصنعا بمليار” ونحو ذلك، وذلك لتطور الاقتصاد وتطور حياة الناس المادية والاقتصادية.

ومن الأمثلة في السياسة ما يتعلق بصلاحيات ولي الأمر في الجانب السياسي، حيث أصبحت الدول اليوم تنظم بـعقد اجتماعي هو الدستور، يحدد ما للراعي من الحقوق وما عليه من الواجبات، وكذلك ما للرعية من الحقوق وما عليهم من الواجبات، ولم يكن ذلك موجودا في أيام المجتهدين الأوائل، فاحتيج إلى الاجتهاد في هذا الزمان على ضوء هذا الواقع.

وإنما يتعلق الفرق بين الاجتهاد المعاصر والاجتهاد القديم بـتغير الواقع وتجدده، بحيث كلما تجدد الواقع وجب تجديد الاجتهاد. وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في كتابه في القضاء: (وَلَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ أَمْسِ فَرَاجَعْتَ الْيَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ).

وبناء عليه، يجب على المجتهد تجديد الاجتهاد كلما عرضت عليه نازلة، ولو كان قد اجتهد فيها قبل شهر أو أقل إذا تغيرت الظروف، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه عرضت عليه مسألة في الميراث وهي التي اشتهرت فيما بعد بـالمسألة المشتركة أو المسألة اليمية أو الحمارية أو الحجرية. فقضى فيها بأن الإخوة لأم يرثون الثلث وأسقط فيها الإخوة الأشقاء، فلما كان بعد ذلك تكررت النازلة فجاءه الإخوة فأراد أن يقضي فيها بمثل ما قضى من قبل، فقال له الأشقاء: “هب أن أبانا كان حمارا أو حجرا ملقى في اليم، أليست الأم تجمعنا؟”. فقال: “أعيدوا علي ما قلتم”، فقال: “هو ذلك الثلث بينكم”، فورثهم كأنهم جميعا إخوة لأم وذلك لأن الإخوة الأشقاء عصبة والإخوة لأم أصحاب فروض، وأصحاب الفروض مقدمون في الأصل على أصحاب التعصيب لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر”. ولكن عمر هنا نظر من جهة أن الأشقاء إخوة أيضا من الأم، فليس كونهم إخوة من الأب مانعا لهم من نصيبهم من التركة فأشركهم مع الإخوة لأم، فسميت بـالمشتركة أو الحمارية أو الحجرية أو اليمية لأنهم قالوا: “هب أن أبانا كان حمارا أو حجرا ملقى في اليم”، فلما جاء الأولون يريدون مراجعة الحكم الماضي، قال عمر: “تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي”، حرصا منه على استمرار القضاء وعدم الفوضى فيه.

 ولذلك فإن الاجتهاد في زماننا -وإن قل أهله- فإن أدواته متوفرة، كما قال ابن عبد السلام التونسي المالكي رحمه الله: “موارد الاجتهاد في زماننا أوفر منها في زمان المتقدمين لو أراد الله بنا الخير”. فالمنهج هو هو، ومقتضاه تصور النازلة حتى يستوعبها المفتي تصورا صحيحا، ثم البحث عما يغطيها أو يناسبها من النصوص، فإن لم يجد شيئا في نص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا في إجماع الأمة، بحث عما يغطيها من فتاوى الأئمة المجتهدين السابقين. وإن لم يجد شيئا من ذلك توكل على الله واستعان عليه واجتهد فيها، فألحقها بما يشبهها من الفروع بتخريج الفروع على الفروع، أو بإلحاقها بما يشبهها من الأصول بتخريج الفروع على الأصول، أو اجتهد في استخراج الحكم بالقياس.

 ما شروط المجتهد في العصر الحديث، خاصة مع التطورات التكنولوجية والاجتماعية؟

 شروط المجتهد هي المنصوصة في أصول الفقه، وهي أن يكون المجتهد مسلما مكلفا عاقلا مستوعبا لأدلة الأحكام من القرآن والسنة، ومواقع الإجماع، مستوعبا للغة العربية التي بها جاء القرآن والسنة، عارفا بدلالات الألفاظ وبقواعد الأصول، مطلعا على مذاهب الفقهاء واجتهاداتهم، وأن يكون صاحب فهم وذكاء يمكِّنه من التفريق بين القضايا.

وهذه الشروط تنطبق على المجتهد المعاصر، ويزاد عليها أيضا استيعابه لحياة الناس، ولما في زمانه من الوقائع والأنظمة والقوانين، فيكون مستوعبا لقضايا الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى اطلاع بالشأن العالمي. ويكفي في ذلك الحد الوسط، ولا يلزم أن يكون متخصصا في الإعلام ولا في القانون ولا في الاقتصاد ولا غير ذلك، كما قال مالك رحمه الله لما سئل عن شروط أهل الحل والعقد: “لا أراها اليوم تجتمع في واحد، فإن لم تجتمع فورع عاقل، فبالعقل يسأل وبالورع يكف أو يعف”.

والتكنولوجيا إنما هي خادمة للإنسان وللعلم، فليست شيئا مستقلا كما يظن بعض الناس اليوم، فيتكلمون عن الذكاء الاصطناعي على أنه طفرة جديدة، والواقع أنه مثل ما كان لدينا من قضية التخزين والمعلومات والبحث العلمي وغير ذلك عن طريق الشبكة، وإنما قضيته قضية السرعة في الوصول إلى المعلومات.

هل الاجتهاد في النوازل المعاصرة يعد فرض عين أم فرض كفاية؟

الاجتهاد كله من فروض الكفايات بحيث يجب على بعض الناس، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولا يمكن أن يكون من فروض الأعيان بحيث يجب على جميع المكلفين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يتصور أن يكون جميع أفراد الأمة مجتهدون في النوازل المعاصرة، ولا علماء في الشريعة.

وقد يتعين الاجتهاد في مسألة من المسائل على شخص فيكون فرض عين في حقه، وذلك إذا لم يكن في البلد من يصلح للإفتاء فيها غيره، فيكون ذلك من فرض الكفاية المتعين على بعض الأفراد لأنه لا يوجد من سواهم ممن يقوم به، وهذا الذي نظمه أحد الفقهاء فقال:

وعــارف مكلف قد سأله ** مكلف عــن الذي يجب له

سائله خاف فوات نازلة ** حتم عليه أن يجيب سائله

عند دخول شهر رمضان من كل عام تظهر إشكالية الصيام في الدول الغربية مما يؤثر على الوحدة الاجتماعية والعبادة الجماعية للمسلمين، فكيف يمكن حل مشكلة اختلاف مواقيت المطالع في الغرب في ضوء الاجتهادات الفقهية المعاصرة؟

الجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”، فإذا رئي الهلال فالأصل أن رؤيته تعم كل الأرض، وهذا هو مشهور المذهب المالكي، ولذلك قال خليل رحمه الله: “وعم إن نقل بهما عنهما” أي وعم حكم الهلال سائر البلدان إن نقلت رؤيته بهما (أي بالعدلين) أو المستفيضة عنهما (أي العدلين أو المستفيضة)، وكذا عن حكم الحاكم فإنه حينئذ يعم حكمه سائر البلدان.

وقد رأى ابن عبد البر استثناء تباعدت الأمصار جدا من الأخذ بعموم رؤية الهلال، وهذا التباعد ليس منصوصا بمسافة محددة، ولكن مثلوا له بمثالين متباعدين وهما كخراسان من الأندلس، وكأفريقية (تونس) من الأندلس، فالمسافة الأخيرة لا تبلغ نصف مسافة خراسان من الأندلس ولا ثلثاها تقريبا، وخراسان الآن فيها أفغانستان وبعض باكستان وبعض إيران. فلذلك رأى كثير من المجتهدين أن العبرة بالتوقيت؛ فإذا كان بلد معين على توقيت واحد مع بلد أو بلدان أخرى فإنه تثبت له الرؤية بكل من هو على ذلك التوقيت، فالبلدان التي على توقيت جرينيتش مثلا أو على زائد أو ناقص عنه فإن أهل تلك البلاد جميعا تلزمهم الرؤية إذا ثبتت لأن التوقيت عندهم واحد.

وبالنسبة للبلدان الغربية التي في أطراف الأرض، فلديهم كثير من المشكلات فيما يتعلق بطلوع الفجر وغروب الشفق ونحو ذلك؛ لأن بعض المناطق كالدول الإسكندنافية قد لا تغرب عنها الشمس مدة طويلة وقد لا تطلع عليها أيضا مدة طويلة، وقد لا يغيب عنها الشفق إلا بعد طلوع الفجر، وكذلك في شمال فرنسا مثلا قد لا يغيب الشفق إلا بعد طلوع الفجر، وعلى هذا فإن تلك البلدان تحتاج إلى اجتهاد مخصوص.

وقد عرضت المسألة علينا في المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي قديما ورأينا فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم حدد لنا وقتين مثلا للعشاء وهما غروب الشفق إلى ثلث الليل أو نصفه، ففقدنا أحد الحدين وبقي أحدهما فنعتبره، فيكون مثلا وقت العشاء هو ثلث الليل دائما، فيصلون العشاء ويقسمون الليل بحسب وقتهم ولو كان الليل ساعة واحدة يصلونه عند ثلث تلك الساعة، ويمكن أن يجمعوا المغرب والعشاء إذا شق عليهم صلاة كل واحدة في وقتها. وكذلك في ثبوت الهلال، فإنهم إذا أخذوا بالقول المشهور في المذهب المالكي بـ عموم الرؤية حل لهم المشكلة، فهو الأقوى دليلا حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته” فهو مصدر مضاف لمفعوله وفاعله محذوف، وذلك يدل على العموم أي أن أي رؤية تثبته في أي مكان، فأول مكان رئي فيه في العالم يلزمهم حكمهم سواء كان رمضان أو شوال، ولا تفريق بين رمضان وشوال على المشهور عند الجمهور، وقد فرق الشافعي بينهما فرأى أن رمضان يثبت بشهادة العدل الواحد وأن شوال لا يثبت إلا بشهادة عدلين، ومذهب مالك أن رمضان وشوال لا فرق بينهما فلا يثبت واحد منهما إلا برؤية عدلين، ومذهب الحنابلة أن رمضان وشوال أيضا لا فرق بينهما فكل واحد منهما يثبت برؤية عدل واحد.

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى الأخذ بـالحساب الفلكي مثل ما صار معمولا به الآن في أوقات الصلاة، ولم يعد الناس ينظرون إلى طلوع الفجر ولا إلى زوال الشمس بأقدام الظل، ولم يعدوا يتابعون أيضا غروب الشمس أو دلوكها، ولا فرق بين أوقات الصلاة وأوقات الصيام، فلذلك رأت طائفة أنه يؤخذ بالحساب الفلكي في وقت الصيام، وهنا ستعرض مشكلة في الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد وقت الصيام والفطر هل المعتبر فيه ميلاد الهلال (أي حصول الاقتران) أو إمكان رؤيته؟ وبينهما فرق؛ لأن هذه المسألة يبحث فيها من ثلاثة أوجه:

أولا: حصول الاقتران، وولادة الهلال أي إمكانية رؤيته.

ثانيا: بقاء الهلال بعد غروب الشمس بالوقت الذي يمكن من رؤيته سواء بالرؤية بالعين المجردة أو الوسائل والمناظير.

ثالثا: فروق التوقيت.

واليوم أصبحت بعض البلدان تأخذ بهذا الحساب الفلكي، بعضها يأخذ بإمكان الرؤية وبعضها يأخذ بمجرد حصول الاقتران، فيثبتونه بمجرد ميلاد الهلال.

والذي يترجح لدي فيما يتعلق بالحساب أنه يؤخذ به في النفي لا في الإثبات؛ فإذا قال أهل الحساب إن الهلال لم يولد وإن الاقتران لم يحصل وإنه لا تمكن رؤية الهلال فحينئذ يؤخذ بالحساب ولو زعم أحد أنه رأى الهلال فلا يؤخذ بقوله، لكن لا يؤخذ به في الثبوت لأنه ليس رؤية والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”. فالإمكان ليس هو الرؤية، والحكم متعلق بالرؤية لا بإمكانه كما هو مصرح به في نص الحديث.

وعموما فإن أهل كل بلد ينبغي أن يأخذوا بقول واحد وبرأي واحد يتفقون عليه ولو كان ذلك بتصويت أهل الحل والعقد منهم، فإذا كان في البلد الواحد مساجد أو مراكز إسلامية فإنها تجتمع قبل وقت الهلال، ويجتمع أهل الحل والعقد فيها وأهل العلم ويصوتون، فإذا جاءت الأكثرية على اعتبار الرؤية في أقرب بلد إليهما أو الرؤية مطلقا (الرؤية العامة) أو على اعتبار الحساب أخذوا بذلك جميعا حتى يتوحدوا ويمنعوا هذا الخلاف.

يتعرض المسلمون في الغرب لاضطهاد ممنهج بتمييز عنصري وقيود دينية وكراهية وهي التي تسمى بـ “إسلاموفوبيا”، كالحظر على الحجاب أو منع الأذان، فما الأسلوب الشرعي لمواجهة هذه المضايقات مع مراعاة مبدأ التعايش والتعارف؟

على المسلمين في هذه البلاد -وقد أصبحوا من مواطنيها ومنهم من سكان تلك البلاد الأصليين قد أسلموا- أن يعرفوا ما لهم من الحقوق التي يضمنها لهم الدستور والقوانين فيطالبوا بها، وأن يستعملوا القضاء والمحامين لإثبات حقوقهم وتحكم لهم المحاكم بها، فإذا حكمت لهم المحاكم فلا إشكال، وما لم تحكم لهم المحاكم فإن الأصل الاحتياط لأنفسهم في هذا الأمر، فعلى المسلمين أن يأخذوا حقوقهم في هذه البلدان بالقضاء، وأن يتغلبوا على كل المضايقات عن طريق القضاء؛ لأن الغرب الآن يخاصم عن الأقليات وحقوقهم في كل بلد ويدافع عنها بالظاهر، والمسلمون أقليات في البلدان الغربية ولهم حقوق، والحقوق يحميها القانون، وبعض الأحيان تحميها الدساتير، فلا بد أن يطالبوا بها عن طريق القضاء.

ما الضوابط الشرعية للفتوى المعاصرة بين فقه النص وفقه الواقع؟

قد ذكرنا أن كل حكم شرعي مؤلف من قضيتين كما قال الشاطبي:  (قضية كبرى شرعية وقضية صغرى واقعية)، ولا فرق في ذلك بين المعاصر والقديم، فلا بد للمفتي أن يفهم النازلة ويستوعبها تماما، لأن التصور سابق على التصديق، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. فإذا استوعبها بحث عما هو الأقرب إليها من النصوص، وإلا قاسها أيضا على الأقرب إليها من الجزئيات وهكذا.

وبالنسبة لـلمقاصد الشرعية فهي ليست دليلا، وإنما هي قرينة، فلذلك يستأنس بها، ويتم الترجيح بناء عليها، ويؤخذ فيها بالمصالح، ولكنها ليست ناسخة للأدلة، ولا يمكن إلغاء الدليل الثابت من القرآن أو السنة أو الإجماع بمجرد هذه المقاصد التي هي استنباطية واجتهادية. ففقه النص مقدم؛ ولا بد أن يدركه الإنسان ثم يفقه الواقع ويفهم هذه النازلة ويستوعب هل هي فعلا داخلة في النص أو ليست داخلة فيه، والنص الذي هو الدليل يمكن أن يكون مطابقا للمدلول مساويا له، ويمكن أن يكون أعم منه، لكن لا يمكن أن يكون أخص منه.

كيف يطبق الاجتهاد المقاصدي في درء المفاسد وجلب المصالح دون مخالفة النصوص؟

المقاصد كما ذكرنا هي من الأمور الاجتهادية فلا يمكن أن تزاحم النص، فلذلك لا يمكن أن تبيح أكل الخنزير أو شرب الخمر أو الزنا أو قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق إلا في الضرورات، كمن اضطر لأكل الميتة، أو أكل الخنزير، أو شرب الخمر لجوعه، أو عطشه المفرط الذي لا يجد ما يسده به، فهذه قضية مقاصدية، وحينئذ يدخل هذا في قول الله تعالى: {.. وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ..} (سورة الأنعام ١٩) وفي قوله: {.. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ..} (سورة البقرة ١٧٣)، ولا يكون ذلك مخالفة للنص لأنه عمل بنص آخر من النصوص التي تثبت أحكام الضرورة.

ختاما، كيف يراعي المفتي مقاصد الشريعة في إصدار الفتوى في القضايا المعاصرة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا؟

لا بد أن يفهم المفتي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن مراعاة المصالح لا بد منها، وأن الشرع جاء أصلا بدرء المفاسد وجلب المصالح.

ولذلك لا بد أن يكون في حال إفتائه مدركا للآثار والعواقب التي تترتب على فتواه. فمذهب الحنفية فيه أن الدار هي التي تحصل بها عصمة المال، ولكن الساكنين في بلاد الغرب لا يصلح لهم أن يأخذوا بهذا المذهب لئلا يستبيحوا أمورا هي في الواقع محرمة، وهذا هو الأصل وهو الاحتياط في أمر الدين. والمجتهد في فتواه يختار للإنسان ما هو الأولى والأرجح والأفضل فيفتيه به، فقد يفتيه بـالرخصة وقد يفتيه بـالعزيمة. فإذا أفتاه بالعزيمة فإنه لم يخرج من نطاق الشريعة، وإذا أفتاه بالرخصة فإنه لم يخرج من نطاق الشريعة أيضا. ولهذا قال الشعراني: “العزيمة والرخصة هما سورا الشريعة، فإذا رأيت مجتهدا قال بالإباحة في مسألة قال فيها غيره بالحرمة، فاعلم أن الذي قال بالإباحة قد اقترب إلى سور الرخصة، وأن الذي قال بالتحريم قد اقترب إلى سور العزيمة ولم يخرجا من الشريعة”.

وبهذا يفهم أن صنعة الفتوى تحتاج إلى عقل وتدبير وإدراك واسع وفهم لوقائع الناس ولقانونهم ولأعرافهم وعاداتهم ولما تنتظم عليه أمورهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقكم ويسددكم ويحفظكم ويطيل أعماركم ويصلح حالكم ومآلكم ويصلح لكم الدين والدنيا والآخرة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2