عوائق التغيير في المجتمعات الإسلامية

0

* ذ. عبد الطلحاوي نجيب

ملخص:

يتناول هذا البحث أحد المواضيع التي حاول العديد من المفكرين فك أبعادهـا المعقدة وتحليل أنساقها وملاحقة تحولاتهـا، ولا شك بأن دراسة مفهوم التغيير والعمل على بلورة تصور شامل لكيفية تحققه والاشتغال على تشخيص الأعطاب البنيوية التي تتحكم بأسباب تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي قد أفضى إلـى نتائج متباعدة تباعد القراءات المعاصرة للواقع ومتعددة تعدد المشارب الفكرية والانتماءات الإيديولوجية التي تحول دون حصر الإشكالات والمعالجات الممكنة، وقد حـاولنـا في هذه الورقة طرح رؤيتنـا عن تحديد أهم المعيقات الذاتية والموضوعية التي تسهم في إعاقة حركة التحول نحو الواقع المراد تحقيقه بمنهجية تحليلية، وأملا في ربط ثنائية الماضي والحاضر بالمستقبل سعينـا إلـى تعقب مظاهر تفكك البنية الاجتماعية والسياسية عبر التاريخ الإسلامي وتشخيص مكامن الخلل الذي أصَّل لواقع الانحطاط الرهيب في أنظمة التفكير وتردي الأنساق القيمية بعيدا عن الاصطفافات الإيديولوجية والمقاربات الأحادية التي تمثل عقبة أمـام رسم الصورة الحقيقية للإقلاع الحضاري.

الكلمات المفتاحية: التغيير، الغثائية السياسية، الغثائية الاجتماعية، الاستبداد.

Abstract:

This research is about the concept of change, its catalysts and hindrances. Much research has been carried out on the issue and the results have been inconsistent mainly due to the multiplicity of perspectives and backgrounds of analysis. The present paper puts forward a fresh vision of the concept of change and identifies the most significant obstacles that impede the transition toward the desired outcome. By means of an analytical methodology that attempts to link the past and the present to the future, I seek to trace the disintegration of the social and political structures throughout the Islamic history and to identify the faults that led to the terrible decline in the systems of thought and the deterioration of value structures. In this paper, I tried to steer clear of any ideological alignments or unilateral approaches that often preclude from a clear understanding of the process of civilizational progress.

Keywords: reference; political scum; social scum; tyranny; group.

تمهيد:

حول سؤال التغيير يدور نقاش عريض يخص مفاهيم المسالك والمرجعيات وإنسان المستقبل وحديثٌ عن طبيعة الدولة ونظامها السياسي ومآزق الانسداد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فضلا عن ذلك فيه حديثٌ عن منظومة القيم العليا التي تتحكم في العقل الجماعي وتوجه مساراته الفكرية في خضم الصراع حول الهوية والإيديولوجية الصائبة التي يسعى كل طرف إلى الانتصار لها.

في رحاب عقبات التغيير، من المهم جدا أن نرسم ملامح الطرف المُقاوِم لرياح التغيير بعد أن نكون قد حددنا منـذ البداية طبيعة هذا التغيير ومشروعه العام الذي يطال كلاّ من الدولة و الأمة، فالحديث عن العقبات دون بيان التصور الكلي لهذا التغيير المنشود هو حديثٌ عن عموميات في فضاء جدلٍ لا يُثـمر إلا في رسم وتشخيص جـزء بسيط من الأعطاب الموضوعية التي تقضم مشاريع الإصلاح وتدمر منظومات القيم الأخلاقية و الثقافية، لذلك من الواقعي ونحن نبحث في الأسباب ونكشف عن الأصول الكبرى التي تحول دون نجـاح مشروع الدولة العادلة أن نكون قد امتلكنا عُــدة البناء وأدواته الفكرية وأساساته المنهجية التي تؤهلنا لرؤية المستقبل وتجنبنا من الوقوع في أخطاء الآخرين الذين يقاسمون معنا نفس المرجعية التأسيسية.

من هذا المنطلق نتساءل: ما هي المنظومة المرجعية التي تحدد مشروع التغيير وترسم له مجال الحركة وتُشخَّص بموجبها مكامن الأعطاب في جسد طبقة الدولة بمؤسساتها الفرعية المختلفة؟

لاشك أن الأطروحات التي تتنـاولُ فلسفة التغيير وتقدم مخارج نظرية لمآزق التخلف وإشكاليات التدهور الحضاري التي تعاني منها أمتنا الإسلامية تختلف من حيث مرتكزاتها التوجيهية حسب الإيديولوجيا المؤسسة لمنظومة القيم وإن كان ثمة اتفاق على بعض العناوين الكبرى وتوافق نسـبي عن وجود أمراض شتـى تطال قطاعات السياسة والاجتماع والاقتصاد و الثقافة بل وحتى ضمن نفس المرجعيات نجد من يسلك مداخل للتغيير مختلفة كما نجد مثلا عند أسلوب جمال الدين الأفغاني و محمد عبده ومالك بن نبي وعند بعض رواد الطرق الصوفية  وعند علمـاء السلطة و غيرهم، فهنـاك من “طالبَ بالتربية الشاملة للفرد أي تربيته من كل الجوانب بتثبيت عقيدته وتعزيزه بالإيمان و العبادات و القربات وبناء الجسد بناء صحيحا قويا، وبناء العقل السليم و تسليحه بالوعي في الفقه و السياسة و الفكر، وهناك من ركز على موضوع الثقافة من حيث تصحيح المفاهيم و الأفكار المتعلقة بفهم الإسلام، والبعض ركز على الثقافة من حيث ضرورة الانفتاح على العصر و تصحيح العقل الحضاري الثقافي و تجديد الفقه “[1] .

ولـئن كـانت ثمـة نخب تَـعتبر الإشكال الجوهري في معادلة التغيير منحصرا في بعده السياسي والقانوني فناضلت لأجل الاستقلال السياسي دون الحضاري فإن ثمة أطراف أخـرى أدركت بأن فلسفة النهوض بنية شاملة تغطي جميع الجوانب سواء السياسية منها أو الأخلاقية أو الثقافية، لذلك صارت تجاهد لأجل إعادة الشخصية الحضارية في جوانبها الكلية ونمـاذجهـا التاريخية، و من الطبيعي جدا أن تقع هذه الأطراف في محـن وبلاءات لا حـصر لهـا نظرا لكونها تحمـلُ مشروعا إنسانيا متحررا من قيود الجغرافيا ونظرا لأنها أقامت مُفـاصلات بين الكيانات الحضارية دون أن تصل لحدود التناد المطلق، و لأن مشروع التغيير عند هؤلاء قائم على الامتداد في الزمان والمكان ومستند إلى أصول الهوية الإسلامية المنفتحة فإن دوائر الفكر الغربي والعـربي اللائكي ستظل تمارس حصارا دائما إما عبر تزوير هذا المشروع وخلق كيانات دموية وإما عبر تشويه البعد التاريخي للممارسة الإسلامية في سبيل إحداث وعي مضاد يقابل الوعي المؤسَّس على المنظور الإسلامي.

إن هذا الوعي المضاد المُختَــلق يـمـثل إحدى العقبات التي تحول دون تكوين عقل جماعي قادر على مناهضة السياسات الاستبدادية وبناء تكتلات تملك القدرة على تفعيل المدافعة السلمية ضد موجِدي الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي رغم كونه وعيا يملك في جانبه النظري ترسانـة مفاهيمية هائلة عن “النهضة” و يملك عند البعض تاريخا من الكفاح ضد الاستبداد و الفساد السياسي [2] ،لكنه وعي يصنع تناقضات ويوجِـد مجالات الاحتـراب الداخلي عبر التطاول على الدين والتاريخ ومحاربة النزعات القيمية التي تؤمن بالأبعاد الأخلاقية في ممارسة السياسة وتدبيـر الشأن العام، هـو إحدى العقبات لأن هذا الوعي المضاد ليس إلا نتيجـة لاغتراب الوعـي الذي تكـلس عند حدود نماذج غربية وقدَّم اجتهادات داخل منظومة قيم الغرب.

صحيح أن بعض النخب اللائكية كابدت وقاومت مسارات الدولة الاستبدادية في بعض مراحلـهـا وتعرضت للملاحقات والمحاكمات و أنتجت دراسات نظرية عن آفات الاستبداد و قدمت مشاريع فكرية للخلاص من إشكاليات التخلف و مآزق التغيير ،و صحيح أيضا أن بعض النخب “الإسلامية” وقعت في محاذير سياسية نافحت أحيانـا عن مشاريع الدولة المستبدة و دافعت عن نظام الدولة السلطانية دينيا إلا أن تَـشاركَ الاستبداد مع النخب اللائكية و “الإسلامية” في مشروع محاربة التنظيمات الإسلامية المعتدلة واستمرار تجمد تلك النخب علـى مرجعياتها الثابتة جعلها أطرافا خارج خريطة التغيير الإسلامي الوسطي.

من خلال هذا التحالف ونظرا لمـآلات الوضع المأساوي الذي أنتجه على امتداد قرونٍ من الزمن، ثمة سؤالان مركزيان في موضوع التغيير لا محيد عنهما لأجل التخطيط لمشروع المجتمع: مـا التـغييـر؟ ثم التغيير من ماذا؟

المبحث الأول: سؤال التغيير في المجتمع العربي

قد لا يختلف اثنان في ماهية التغيير باعتباره فلسفة حياة بديلة عن أنماط مُغَـيَّـرة، فهو يحمل مفهوما كِـمِّيا وكيفيا لنوع الوجود السياسي والاجتماعي والثقافي من حيث كونه تجاوزا لوضعيات سابقة على جل المستويات، فهو مرحلة تجاوزية تطال قطاعات مختلفة ناجمة عن إرادة الجماعة البشرية، وبهذا المعنى قد يأخذ التغيير أبعادا متباينة مُـصاغة وفق أصول فكرية ومرجعيات حاكمة مُتحكِّـمة في صور التغيير، الشيء الذي يجعلها خاضعة للتوجيهات الفلسفية المتشبعة بمعتقدات ونظريات، ويُـحوِّلها إلى شكل من أشكال الصراع حول هوية التغيير نفسِه، أهُو تغييرٌ في منظومة الأفكار التي تلقتها أمة مـا بالقبول على امتداد تاريخها الطويل؟ أم هو تغييرٌ في البناءات المُؤسَّسية والدساتير والقوانين السياسية؟ أم هو تغييرٌ في فلسفة الحياة نفسِها بحيث تصير نسخة من فلسفة الآخرين باسم كونية القيم؟ أم هو تغييرٌ في المرجعية نفسِهـا فتُستَبدلَ بمرجعية بديلـة قائمـة علـى مرتكزات مغايرة لا تمت بصلـة لمتواليات التـاريخ الموروث؟

صحيحٌ أنّ كل الأطراف تتبنى محاور الدولة “المدنية” والعدالة والحرية والتنمية والاستقرار والمواطنة وغيرها وتدعو في أدبياتهـا إلى تحقيق هذه الشعـارات العائمة، وصحيحٌ أيضا أن الجميع يقر بوجود فساد كبير وانهيار حادٍّ في المستوى الاقتصادي والسياسي والحقوقي في أغلب الدول العربية، لكن الإشكاليات العـويصة تظهر دوما في جانبها التفصيلي حيث يطفو النزاع حول ماهية تلك المفاهيم وتحديد الإجراءات الكفيلة بتنزيل الخطاب محلّ التطبيق، فالعدل كما تتصوره التيارات الماركسية النخبوية مثلا يحمل مضمونا مغايرا لما يتصوره الليبراليون إذ ينبنـي على ممارسات تستوحي فلسفــتـها من المنظور المادي ومن القراءات التي تـؤمن بالصراع الطبقي، مما ينعكس على اختيار المنهجيات الممكنة التي تخدم تحقيق المفهوم بتعـريفه الفلسفي المجرد.

أمـا الدولة “المدنية” فهـي أيضا من أشد المفاهيم التباسا في خطاب النخب حيث شهدت مـشاحنات و اصطدامات فكرية لأجل فرض التعريف المراد تثبيتـه، بل وصـارَت ذريعـةً لبروز تيارات استئصالية تُمارس الوصاية الفكرية باسم حرية الرأي، لذلك ليسَ غريبا أن يتلون التغيير بلون النظرة الفلسفية للحياة الـمُستنِدة إلى مسلمات قيمية  مستوحاة من فضاءات مختلفة، فالمنادون بضرورة التغيير الشامل على هدي التعريف اللائكي للدولة “المدنية” مثلا ينتصرون لنماذج تغــييـريـة تغـريـبيـة ويؤسسون لنظام حياةٍ قوامه التحرر من السلطة الدينية ومن التفكير الإسلامي في طروحاته وتوجيهاته، ولا يُـقدمون تعريفهم للدولة “المدنية” إلا على مـحمولِ الرؤية الغربية.

الثابت إذن أن التغيير له مرجعية أصولية وأن هذه المرجعية عبارة عن معتقدات ومرتكزات توجيهية تُـصاغ من خلالها جملة من المواقف والأحكام الذاتية تجاه الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، لذلك لا تغيير بلا مرجعية، ولا حديث عن البديل بدون الخوض في النّــزعات و الميولات العقدية والفكرية والتشكيلات الذهنية التي تكونت بفعل القناعة أو التأثر بالنماذج المعرفية المختلفة، فـفلسفة التغيير – في المحصلة النهائية – رؤيةٌ للوجود تُبنـى عبر الزمن في العقل البشري عبر الاحتكاك المتواصل بالمعرفة التراثية بمضامينها المتفرعـة وإنتاجاتها العريضة وبالمعرفة الحديثة والمعاصِرة بروافدهـا الجديدة واختياراتها الفكرية والفلسفية و المذهبية، وفضلا عن هذا تشكَّـلت عبر القراءات والتفسيرات المتعددة والمقيدة بدورها بالخلفية المنتِـجة للمعنى، فالإسلاميون عندما يطرحون نظريات في التغيير (منير شفيق، أحمد راشد، محمد عمـارة، عبد السلام ياسين…) ويحددون ماهيته وآلياتـه ومجالاته عبر قراءة نقـدية للتراث والحاضر على اختلافٍ فيما بـينهم في المنطلقات والمسلكيات، إنما يفعلون ذلك من خلال معالم فارقة لا يشاركهم اللائكيون- على اختلاف ألوانهم – في المستندات التأسيسية والمنطلقات الاستدلالية لوجود تــنادٍّ في المرجعية وتناقضاتٍ في اختيـار الدليل، وحتى لو شرعوا في الاحتجاج ببعض النصوص والمأثورات من داخل المرجعية والاعتماد على بعض المواقف التاريخية والاستشهاد بنزرٍ يسير من الأدلة المعتمدة عند الإسلاميين الحركيين فإنهم يمارسون قراءةً خارجية للتراث نفسِه[3] ويُـصدرون مواقفهم من هواجس معاصرة تأسـرُ العقل وتنمطه تنميطا واحديّا.

يظهر إذن أن العبرة المركزية لا تكمن في المنطلقات والأرضية التراثية المنتمية للمجال التداولي الإسلامي وإنما في طبيعة التأويل اللائيكي المعاصر للأحداث التاريخية والنصوص الدينية وفي التركيبة الذهنية التي تُـوجه المعنى لتتطابق مع الخلفية الفكرية المكوَّنة والمكـوِّنـة للاختيارات الشخصية والأدوات المنهجية حُـيال الظواهر المختلفة.

بنـاء عليه يمكن القول بأن تصور طبيعـة التغيير وتحديد هيكلـه العـام يتغير بموجب الانتمـاء المرجعي الذي يكشف نوعية القراءة للظواهـر، وبعيدا عن المفاصلـة العنيفة بين المجالين الإسلامي والغربي والتي طبعت بعض الكتابات الفكرية الحديثـة فإن مـا نقصده بالتنـاد الكلي ليس الدعوة إلـى إقامـة ونـشر ثقافـة التحريب ضد كـل مـا ينتمـي إلـى الفضاء الغربي ولواحقـه في العالم العربي والإسلامي، وفصل الذات عن كـل مـا يرد علينـا من قيم و أفكـار، وإنمـا يجري الحديث هنـا عن التنـاد الحـاصل في العنـاوين الكبرى التي وجهـت قيم الحضارة الغربية ووسمتهُ بأنمـاطِ حياةٍ اُعتُبِرت قيمـا “كونية” وحضارية لا بديل عنهـا للشعوب.

وعلـى هـذا الأساس لا بد – برأينـا- لكل من يتصدى لمهـام النهوض والتغيير أن يرسمَ مـلامحـه ومنظومته المؤطرة لمجالاته وقيمـه، بدلَ الخوض في العموميات اللفظية في مواضيع السياسـة والاقتصاد والدين والاجتماع، لأن تصور طبيعـة التغيير هـو الذي يورثُ القنـاعة عند المؤمنين بـه ويدفعهم إلـى تبنـي مشروعـه المستقبلي بالعمل والمثابرة واختيار مسالك التحقيق علـى المدى البعيد.

المبحث الثاني: منطلقات التغـيــير وغاياته

تنطلق عملية التغيير من محـطة تشخيص الأعطـاب، وتحديد عوامـل الضعف في جسـد الأمـة، ورصد تجليات الأزمـة الداخلية التـي فتتت الوحدة الجمـاعية ومزقت أوصال المجتمع إلـى كيانـات فردية متنـاحرة ومتقابلة، فالأعطاب والاختلالات كمـا هي مُعَبِّرة عن نفسهـا في الوطن العربي والإسلامي لا تحدهـا حدود في الزمـان والمكـان ولا تنحصـر في قطـاع دون قطـاع ولا تشغـل مجـالا دون مجـال، بل يمتد لهيبهـا لتغوص في بنية التفكير السياسي والاجتمـاعي والاقتصادي والثقافي والديني التي تُحيط بمنطق اشتغـال الدولـة و المجتمع، فـلا أحـد باستطاعتـه إنكـار مـا آلت إليه أوضاع بلداننـا الإسلامية من تخلف وركود وانتهـاك للحريات وتدهورٍ في الخدمـات الاجتمـاعية وانحلالٍ في السلوكـات الشخصية وتردٍّ في الحـالة الاقتصادية وفوضـىً في شؤون العمران ومـا يلحقه من انتشار للعشوائيات الفظيعة، ولا أحد – مهمـا كـانت خلفيته الأصولية – بمقدوره أن يُنكرَ مشكلات البطـالـة وانتشار المحسوبيات والرشاوى والفساد الإداري وهيمنـة الفقر والأمية بمعدلات رهيبـة بين أعدادٍ عالية، فالتغيير يجد أصالته في أزمة الأمة المعاصرة التي تعيش مفارقات على مستوى إمكاناتهـا و أوضاعهـا الواقعية، فالمقارنة “بين إمكانات هذه الأمة و بين واقع هذه الأمة شاهد حي بل   وصارخ على أن عقلنـا يعيش في أزمة “[4] .

إن هـذه التجليات والتغيرات الواقعية وغيرهـا من عوامـل التخلف والانحطـاط تُمـثل القاعدة المشتركـة التي توجبُ علـى أهـل الرأي والاختصاص التفكيرَ في كيفية تجاوز هـذا السياق المُعتل بعاهاتـه الداخلية وتستوجبُ النظر في تحديد الطرائق المنـاسبة ورسم مخـارج فاعلـة نحو فضـاء حيّ يُعيدُ الأمـلَ بعد كـل هـذا الترهـل الذي حطَّمَ حلمَ قيام الدولة العـادلة والمجتمع الآمن.

لقد أدى هذا السياق المتخلف إلى تكوين ثقافة جامدة تحكم التفكير، فصارت بدورها تُـنتِج حلقاتٍ لا منتهية من أشكال الموبقـات العقلية والسلوكية، وصارت أنظمة البنـيان الاجتماعي تتداعى لبنة لبنـة، حتى تفككت الروابط الاجتماعية وتغربت القيم الإسلامية في بيئتهـا وانتشرت شتى ألوان الغثائيات المسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع معا، سواء كانت غثائيات تحت عناوين لائكية أو “إسلامية”، واستحكمت بذلك عوامل القهر الاجتماعي وتثبتت النزعـات الفردانية في طابع التفكير، فكيف إذن دبَّـت الغـثائية[5] السياسية والاجتماعية في المجتمعات العربية وأصبحت أمرا مستحكما في أصولها؟ وكيف استطاعت عبر الزمن التموقع في أنظمة السياسة والاجتماع؟

 1- الغثائية السياسية:

لو تأملنا في المجال السياسي العربي المعاصر لِجُـلّ الأنـظمة لوجدنا تكـوثرا عدديا بلا قيمة سياسية ولَـعثرنا على أحد مراكز التحلل في الخطاب و الممارسة، فعندما يُصاب الجسم السياسي بالغثائية (تضخم عدد الأحزاب، انعدام البرامج الجادة، تلون الإيديولوجيات بالمصالح، ترحـالات سياسية…) وتنعدم الفاعلية الواقعية وتصبح الدساتير كُـراسات ممنوحة وينكفئ الخطاب السياسي على مقولات مستهلكة تستهدف تنويم الجسم الاجتماعي بجرعات من المشاريع الفرعية فإن فضاءَ السياسة لن يكون إلا غثائيا وفاقدا للمصداقية، خصوصا إذا مـا صار هذا الفضاء عبر الزمن يتحرك بنفس المنهجية التي تستبدل أقنعةً متقادمة بوجوه جديدة. إن هذه الغثائية التي نخرتها مُعضلات الصراعات على السلطة وتدبير المؤامرات الحزبية وسيطرة البعد الفردانـي الفئوي واستغلال النفوذ وتراجع منظومة القيم الأخلاقية في السلوك السياسي وتحكم المال السياسي في إرادة الناخبين وغيرها جعلت مجالَنا السياسي الإسلامي أضحوكة اجتماعية أنتجت حالات العزوف عن المشاركة في الشأن السياسي وكشفت عنها سلوكيات المواطنين تجاه الآلة الإعلامية التي تنشط في مثل هذه المواسم الاعتيادية.

تتجلى الغثائية السياسية إذن في انعدام الفاعلية السياسية وانفصال البُعد الأخلاقي عن الممارسات السياسية وتشبع العقل السياسي الغثائي بنزعات الهيمنـة وحبّ الظهور وتمركز السلطات في شخصيات قائدة قاعـدةٍ وغلبـةِ وازع الاستئثـار بالمقعد السياسي وغيرها من تجليات تشوه الممارسة السياسية الراشدة، فهذه الغثائية التي اشتد عودهـا عبر الزمن وصارت لها جذور في مفاصـل الدولة فرّخت ذهنيات اجتماعية جامدة ومآزقَ اقتصادية حادة فضلا عن الانهيار المتسارع في أنظمة العلاقات الجماعية، كما أنها صنعت سياقات متأزمة مشحونة بالتوترات المفتوحة على الانفجارات الشعبية والانهيارات الجماعية، فضلا عن الشرخ الوجداني الذي تكوَّن بموجب السياسـات الخاطئة والتداول المُمَنهج على الاستبداد بدلَ التداول علـى السلطة، و قد تأخذ هذه الغثائية عنوانا “إسلاميا” فتمارس من خلال سياقها السياسي نوعـا من الاستبداد “الناعم” الذي يغطي على المشكلات الاجتماعية والسياسية و الثقافية انطلاقا من شعاره الديني، ففي قضايا التغيير يُنظَر لمدى تحقق النجاعة والفاعلية ولا يُلتفت كثيرا إلى الخطابات النظرية والمهرجانات اللغوية مهمـا كانت مرجعيتها التي يستند إليهـا، ومع كل هذا الانحطاط السياسي الذي تعكسه حالة النفاق المستديم في خطاب عدد من السياسيين والفشل الذريع في إصلاح صورة السياسة في وجدان الشعوب فإن الثرثرة السياسية للنخب وترديد الشعارات وسلك مسار “الدمغـجة” بدل الدمقرطة لا تزالُ سارية المفعول بين قطاع واسع من المستسلمين ولا تزال تستبدل خطابا بخطاب أملا في زيادة جرعات التنويم الطويل.

2-  الغثائية الاجتماعية:

ونـقصد بها حالة الوهن الشديد الذي يتحكم في البعد الجماعي للأمة وحالة الضياع القيمي والثقافي والاقتصادي والديني الذي تعانـي منه المجتمعـات العربية، فهذا التمزق الداخلي والفوضـى العارمـة في أنظمـة الفكر وحـالة الركود  المادي التي نهشت جِسمنـا الجماعي الأخلاقي والعقلي حوّلت الواقع الاجتماعي إلى غثائية عاجزة عن إثبات ذاتها وإلى سوائلَ بشرية مائعة انتشرت فيها كل ألوان التناقضات وسادت فيها عوامل الضعف المدمر للعلاقات الخطية بين مختلف الوحدات الاجتماعية، الشيء الذي أنهك واقعنا الداخلي بكل صنوف التنـاحرات والفردانيات والزعـامـات الفارغة وأفقدَ حركةَ المجتمع فاعليتَها في التدافع فصِرنا نرصد غثائيات لَزِجـة في الجمعيات والأسر والمدارس والشوارع العامة وفي كل المرافق التي تتحكم فيها نزعات اللامبالاة واللامسؤولية والسلوك اللاأخلاقي، باختصار صارت الأوضاع الاجتماعية وحدة متجانسة من الانحرافات الرهيبة في منظومة القيم التي تمزقت عبر الزمن وتشوهت نماذجُها الذاتية المرتبطة بالمجال التداولي الموروث، وبموازاة هذا الضياع القيمي تحركت مرجعيات فكرية تستمد نظامها الحركي من فضاءات غربية وراحت تحلل الواقع الرديء بمقاربات أحادية ترتكز على أبعاد محددة دون الغوص في الاعتبارات الكلية التي أوجدت هذه الغثائية المترامية الأطراف، بل إنّ جل النخب اللائكية وهي تقدم رؤى للخروج من مآزق الغثائية السياسية والاجتماعية إنمـا تطرح زوايا نظر لا تقرأ بدقة بذور الأزمة ولا تفهم طبيعة المجتمع الإسلامي الممزق بين الهويات الدخيلة والاستبداد المتصل.

من المفيد جدا فهمُ تركيبـة هـذا التشتت الفاضح في جسـد الجمـاعـة، ومن المفيد كذلك تتبع متواليات تدهـور العقل الجمعي الذي صـارَ إليه هـذا الوضع الذي أخـذ أشكـال جُزر متباعـدة، فالمجتمع الذي بدأ قويـا في عهـد النبوة فتلاحمت فيه أبعـاد الرسـالة بالهويـة التأسيسية حتى صارت الجمـاعـةُ التعبيرَ الكلي لفلسفـة الرسالة الوجودية الدينية ثم احتفظَ بعد ذلك بشخصيتـه الجمعية بعد تحول السلطة من صورتهـا الشورية إلـى صورتها الكسروية رغـم بروز إرهـاصات الغثائية السياسية صـارَ عبر الزمـن يفقد قدرتـه علـى التأثير الايجـابي بعد أن خضعَ لسلسلاتٍ لا حصر لهـا من التدجين وتقييد حرياتـه والإجهـاز علـى حقوقـه الطبيعية في العيش الكريم فضلاً عن مخططات تفكيك رابطـة الولاء للدين الحق واللعب علـى الاعتبارات اللغوية والعرقية والطائفية لخلق منـاخـات مأزومـة وقابلة للانفجارات وإغراقـه في الأعطـاب الاقتصادية التي ضربت استـقرار الأسرة وفرّخت الأزمـات المـالية المتلاحقة حتـى بدا مطلب “الرغيف” الهـاجس الأكبر الذي يشغل بالَ قطـاعـات واسعـة من النـاس، فكيفَ لا تتصدر الغثائية مشهدَ المجتمع وهـو يئـنُّ تحت نيران سحق الكرامـة الإنسانية ورفس كل الشعارات الحقوقية والسياسية والاقتصادية والدينية؟ كيف لا يتحول الضمير إلـى كيانٍ ميت وقد فارقَ روحَ الجمـاعـة وفـقـدَ الإحساس بالانتمـاء والمواطنـة؟! كيف لا تنعكس الغثائية السياسية علـى مستوى الجمـاعـة وقد اقتلعت جذور العمـل المشترك القائم علـى التضامـن والتدافع وصنـاعـة المبادرات؟

إن هـذا التكاثـر السياسوي اللامجدي في أغلب الأنظمة العربية أنتجَ إشكـالات بنيوية عويصة مع الزمن وأوجدَ سياقـات الغثائية الاجتمـاعية التي شلّت دوافعَ الإصلاح وجمّدت حتـى فلسفة الرغبـة في التفكير في عملية تجاوز الواقع المريض بعاهـاته، فأيّ عـلاقـة تجمع بين الغثـائيـتـيـن؟

3- في البحث عن العـلاقــة؟

تشتـغل الغثائيات علـى مبدأ القعـود و التموقع في الذات ولا يهمهـا أيّ حركـة نحـو بنـاء مستقبل جمـاعي مُتحرر من سلـطة جبر الواقع كما لا تأبـه لاستفحـال الظروف الاجتمـاعية والاقتصادية وانتشـار ويلاتهـا علـى صعيد الدولة     و الجمـاعـة، لذلك تركنُ إلـى المسائل الهـامشية فتُضخم الجزئيات وتُحجِّمَ الكليات وتنتعش في ظل سيادة الهموم الفردية، فالغثائية السياسية طبقـةٌ تخدم ذاتَـهـا وتمـارس وظيفتهـا القائمة علـى الترويج للمشاريع الوهمية والتشدق بالخطابات العقلانية للإيحاء بوجود فضاء سياسي عقلاني يتمركز حول الاشتغـال بالصالح العـام، ومـا هي إلا شكلٌ من أشكـال المـناورات التي تستهدف الإبقاءَ علـى الأوضـاع المتردية حِفـاظـا علـى المكـاسب الخـاصة، والغثائية الاجتمـاعية طبقةٌ فردانية تتكون من خليطٍ بشري مُفكّكٍ من حيث هويته ورسالتـه، مُمَزقٌ في قيمـه، أقصـى أمـانيه “الأنـا”، لا يهمه مصير الآخرين ولا استبداد طاغية تجبَّـر، مُنحَلّ الرابطـة (الإيمـان)، مُدجن السلوك، جـاهلٌ بالمسؤولية، والغثائية الدينية طبقةٌ من “رجـال دين” مُتَقوقعـة علـى الفهم الواحـد، لا تأبـه لحجم الانتهـاكـات الحقوقية والاجتمـاعية، تُوالي المتسلط بسكوتهـا وتُغرِقُ المظلومَ في بحـار جهنم، تتغذى علـى الاختـلافات والأحكـام الفرعية وتصمتُ علـى الجرائم الكلية خوفـًا وذلاًّ. والغثائية اللائكيـة – رغم محدودية قواعدهـا الأفقية – تهـوى نزعة التغرّب نحو الدين وتُعـاكِسُ المجـال التداولي الذي احتضنَ التاريخ الإسلامي المتصل وتُمـارسُ نِفـاقا سياسيا تحكمهـا سلطة النفي لكـل حس إسلاميٍّ، بل وتُوالـي النظام المستبد أحيانا وتتبادل معـه الأدوار في خنق التوجهـات الحركية التحررية القائمـة على رفض المنظومـات التسلطية المعرفية والسياسية الهجينـة، شأنهـا شأنُ الغثائية الدينية التي تتقاطع مصالحهـا مع المستبد في محـاربة الحركـات الإسلامية المعتدلة، فكيف نمت هـذه الغثائية الاجتمـاعية سواء المنظَّمـة منهـا (الدينية، اللائكية) أو غير المنظمة (طبقات شعبية خـاملة فاقدة للمعنى) وتطورت لتصيرَ عقبة حـادة أمـام التغيير الشـامل؟ ومـا علاقتهـا بالغثائية السياسية؟ أهيَ عـلاقة اتصـال أم انفصـال؟ وهـل يمكن أن تنمو الغثائية الاجتمـاعية في نظام سياسي عـادل يخدم المجتمع؟  وهل يمكن أن تنعدم في ظل وجود هيمنـة الغثائية السياسية علـى إدارة الدولة والمجتمع؟

إنّ النـاظر في مسيرة المجتمعـات في عـلاقاتهـا بطبقاتهـا السياسية يُدرك الرابطة الجدلية التي تحكم حركـة التطور الاجتماعي، فالدولة بمفهومهـا الشامـل بمـا تملكه من إمكـانات هـائلة في التأثير على كل فرد من أفراد المجتمع لم تعد تلك الدولـة الصغيرة التي تعجز عن استيعـاب مجموع الجمـاعـة ولم تعد مُختَزلة في وجود مؤسسات و قوانين، وإنمـا تحولت إلـى مـارد سياسي قادر علـى إحداث تغييرات واسعـة في أي مجـال إنساني بمـا يجعله يُراقب كل الوحدات الاجتمـاعية تأثيرا و توجيهـا، ولهذا تُخـاضُ صراعـات وتحالفات وتنشأ جمـاعات لأجـل الوصول للسلطة ومن ثم إدارة مشاريع تمس الأفراد سلبا أو إيجابا، ولهذا أيضـا ترتفع النداءات بضرورة تقوية “المجتمع المدني” والمؤسسات الأهلية المستقلة بغرض التخفيف من توغُّــل تغـــوِّلِ السلطـة السياسية وتسلطهـا الشامـل علـى مختلف الفعاليات الحقوقية  والجمعوية والنقابية والدينية و سائر منـاحي الحياة الاجتمـاعية. من هـذا المنطلق، تأخـذ العلاقة بين الفضاء السياسي والاجتمـاعي منحـىً تأثيريا صاعدا وتُصبحُ ذات بُعدٍ عموديّ يتنزل فيه الفعل السياسي علـى الواقع الاجتمـاعي منزلَ الفاعـل بالمفعول، أي أن الممـارسـة السياسية ترسم إلـى حد بعيد خريطـة الوضع الاجتمـاعي والاقتصادي والثقافي والديني عبر القرارات التشريعية والتنفيذية والسياسات العـامـة التي تُؤثـر في الأوضاع عـامـة، ليس معنـى هـذا أننـا نتعـامل مع المجتمع كشيء لا قدرة له علـى التدافع وليس القصد منه البتة جعلُ العـلاقة بين المجـالين آلية وميكـانيكية بمنطق ثنائية الإثارة و الاستجـابة، فالمجتمع- بصفته مجموعـة أفراد يملكون الإرادة و الاختيار- يظلُّ فاعـلا وصانعـا للمفاجآت في أوقات مجهولـةِ الإحداثيات، ولا يتم تطويعـه تطويعـا حـاسمـا و نهـائيا، إنمـا الغرض إلفاتُ النظر إلـى قدرة السلطة السياسية الفريدة في إحداث أعطابٍ أو إصلاحـات نظرا لموقعهـا السيادي في سن القوانين وتنزيل المشاريع فضلاً عن تعدد أجهزتهـا التي تسمح لهـا بالنفاذ داخـلَ الذهنيات الفردية، ومن ثم تثبيت قنـاعات وإيديولوجيات من شأنهـا تعطيل العقل النقدي وشل طـاقاته الفكرية (الإعلام، وزارة التعليم، القضاء..)، فكيفَ يمكن أن نتصور طبيعـة الواقع الاجتمـاعي بمـا يحويه من تشكيلات وعقليات وممارسات في ظل وجود غثائية سياسية تُهيمنُ علـى مقدرات الدولة – أي دولة – طولا و عرضـا ؟ وكيف سيصير الوجود العـام عندمـا تتصرف الغثائية السياسية مع المجتمع كأجير لـه – بدل العكس- أو كبقرة حلوب تُدِرّ عليه أسباب البقاء؟

بعـد انقضـاء فترة نموذج الخـلافـة الراشدة التـي تـلاحمت فيهـا سلطـة الدولـة مع سلطة الجمـاعـة علـى مستوى المشروع الرسـالي، بدأت إرهـاصات تشكل الغثائية السياسية في شكل نزعـات سياسية تسلطية وقوميات متحكمة، وبدأت منظومـة القيم السياسية تتداعـى بفعل الزعـامـات الطـامعـة في القيادة وسيطرة نزعـات الاستفراد بالحكم عن طريق منطق السيف والغلبة حتـى صارت في وقت وجيز قانونـا راسخـا في الممارسـة السياسية وخِيارا مُفضـلا عند السلاطين الذين شرعوا في تمزيق المنظومـة المُقـاوِمـة للاستبداد ومحـاربة الفقهـاء السياسيين عبر آليات التدجين تارة وعبر الملاحقات تارة أخرى، إذ إنّ سلطة الفقيه ومـا يملكه من “كاريزما” دينية  وشعبية جعلت الغثائية السياسية تسلك مسالك المحاباة والتودد بدايةً خشيةَ الصدام مع الجمـاعـة التي وثقت بهؤلاء بدل الطبقة السياسية المُنتِزة [6]، ومـع تمكن منطق القوة في حسـم الشأن السياسي في تاريخنـا وتحولـه إلـى خيارٍ من خيارات التداول علـى السلطة تكونُ الغثائية السياسية قد بدت ملامحهـا وويلاتهـا علـى الفضاء السياسي والمدني معـاً وتحددت بهـا مـآزق الوطن الإسلامي والعربي بشكل يجعـلنـا نـرى في متواليات الزمن السياسي المُتلاحق صورةً مُتطورة لانهيار العمل السياسي المٌبكر. لقد بدأت الغثائية السياسية تشق طريقهـا نـحو تقاليد الاستفراد والهيمنة فطوّرت معهـا مختلف أساليب إسكـات المعـارضات حتى غدت مع الزمن طبقةً مفصولـة عن مشروع الجمـاعـة، وبدت كمـا لو أنهـا جسم غريب عن منظومـة القيم التي أطّرت المجـال التداولي الإسلامي وحددت خصوصياتـه الأخـلاقية و السياسية، و بالرغم من ذلك وبفعل حيوية الجمـاعـة وقدرة الفاعلين علـى التأثير في الأفراد فإن الدولة لم تكن تملك القدرة علـى مُخـاصمة الإسلام كحضارة نـاظمة لشؤون الحياة ولم يكن بوسعهـا إنتـاج غثائية اجتمـاعية ميتـة، لذلك شهـد عصر الدولة الأموية والعباسية نهضـة حضارية علـى مستوى إنتاج المعرفة بتزامن مـع الركود السياسي وتفشّي نزاعـات الأسر الحاكمة وتحول مجـاله إلـى منافسات علـى الزعـامـة. إلـى هـذا الحـد كان الفضاء السياسي يُعيدُ ترتيب وجود الواقع وينشغـل بكيفية حسم الصراع السياسي وتقويـة أجهزتـه الداخلية لبسط النفوذ علـى مفاصـل الدولـة، لهذا السبب لم توجِد الغثائية السياسية واقعـا اجتمـاعيا خـاملاً ولم تُفكك عوامـل القوة فيـه إلا بعد أن استتبّ المُلك السياسي واستحكم على القرار السيادي في كل دوائر الدولـة، باختصار كـانت الدولـةُ مشغولـةً بذاتهـا محدودةَ الصلاحيات وكـانت الجمـاعـة/الأمة قوية بذاتهــا، أي صارت القوة الجمـاعية والكتلة المجتمعية هي الأصل في بنـاء مسالك التنمية وإنتـاج فنون المعرفة وترميم تصدعـات المجتمع الدينية و القيمية عـامةً، وصارت الدولة الغثائية مُنكفئـة علـى ذاتهـا مُتَمردة علـى الدعوة وفضائهـا الإسلامي الوجودي.

لكن، ومـع تمكّـن منطق السطوة و الانتزاء على الحكم وسيادة فلسفة الشوكـة في حيازة السلطة وإدارة الشأن السياسي وبعد استفحـال أزمـة الشرعية التي ظلت مفقودة طِوال أزمنـة مـا بعد الانكسار التاريخي[7] فإن المفاهيم انقلبت علـى أضدادهـا فصارت الدولـة هي الأصل والأمـة فرع لـها، وتحوَّل العديدُ من الفقهـاء إلـى عبيد السلاطين يُبررون لمنطق “الواقعية السياسية” الذي يوجبُ الاعتراف بمن غلبَ على شيء بحكم الأمر الواقع/القوة، واستمرت عملية التدجين وتخريب الجمـاعـة عبر السياسات الجائرة والاستئثار بالمـال العـام وتطويع “الرأي العـام” لقبول المشهـد السياسي الجديد الذي اعتمد علـى خيار الإكراه والعنف والعسكرة فضلا عن إجراءات استمـالة القوى الفاعلة داخـل الجمـاعـة لإلحـاقهـا بدائرة النفوذ السلطـاني وتسخيرهـا لمصلحـة الطبقة الغثائية السياسية المُشكَّلــة.

لقد كـان طبيعيا أن يفـسُد المجـال السياسي التاريخي لفساد رجـاله نظراً لاعتبارات طغيان الهـوى واعتمـاد المقاربـة الانقلابية وشيوع الترف وتبذير مـال الأمـة ومُخـاصمـة الشورى كآليـة إجرائية وفلسفة حياة فتحوّل مع توالي الأيام والأعوام إلـى بنية وبائية سرَّعـت في انهيار الدولة والدعـوة معـاً وخلقت وقائعَ اجتمـاعية واقتصادية ودينية وثقافية شاذة في تـاريخ الأمـة الإسلامية، أي أنهـا بدأت فعـلا في تفكيك الجسد الجمـاعي القيمي وتحويله إلـى غثائية أولية فاقدة للبعد الرسالي، مشغولـة برغيفهـا، خـاضعـةً لحد السيف قهـراً، بــل ومهّدت مع تداول الأيام لمطـالبات بعض النخب الهجينـة بمنظومـات قيمية مستوحـاة من خارج الفضاء التداولي بفعل مـا رأوهُ استبدادا “إسلاميا” و تخلفا حضاريا، الشيء الذي زاد من تمزق الكيان الجمـاعي وتفتته إلـى ايديولوجيات سائلة لا فعل لهـا غير الضجيج الإعلامي والنقد الفارغ، وممـا فاقمَ أيضا من حـالة الغثائية وترهـل الوجود السياسي والاجتمـاعي مـا صنعهُ “الاستعمـار” من انسدادات غائرة في بنية المجال التداولي، إذ إنّ عقوداً من الزمن كـافيةٌ لتحويل مـا تبقى من عقل المدافعـة إلـى مُعيقات صلبة و إلـى غثائيات منخورة من حيث الولاء بفعل تحطيم قيم التضامن وتغريب العقول ونهب مقومـات الحياة المـادية وتقطيع جمـاعـة المسلمين إلـى كيانـات كرتونية يسهـل قضمهـا والتحكم فيهـا فيمـا بعد الرحيل. وفي هـذا السياق المتأزم سياسيا واجتمـاعيا والمتراكم عبر مسلسل الإخفاق الحضاري كـان لِزامـا ظهور قراءات واحدية عقائدية عنيفة تُقارب موضوع التغيير مقاربة تبسيطية تعتمد علـى ثنـائية الصراع بين “الأنـا” و”الآخـر” وتُقدِّم منهجـا صداميا قائمـا علـى “أنوية” طُهرانية مُؤسسة على الاستئصـال الجذري لكل المخالفين من خلال تبني العنف كآلية للتغيير (القاعدة، داعش، الاتجاهات اليسارية المتطرفة..) فانضافت هـذه المتغيرات إلـى المعادلات المعقدة التي تتطلب تحديد عدة مجـاهيل للبحث عن المخـارج الآمنة لمآزق الركود السياسي والحضاري عـامة، باختصار صارت الغثائية بنوعيهـا أكثرَ استحكـامـا بواقعنـا الراهن وأشدّ صلابـة ممـا كـانت عليه في الأزمنـة الغابرة.

لو دققنــا النظـر في تركيبـة الغثائية المعاصرة مقارنـةً بالمراحـل الأولـى التي تشكلت فيهـا إبـان أزمنـة مـا بعد “الانكـسار التـاريخي” لوقفنـا علـى فارق مركزي، ففي القديم تحركت الغثائية في شقهـا السياسي وتطورت لتصير إشكـالية بنيوية تُعيق عملية النهوض الحضاري وظلت معهـا الجمـاعة مُدركةً لهذا التحول القيمي في الفضاء السياسي، لذلك مارست فعاليات مختلفة حقَّهـا في التدافع ونقد هـذا الانحراف الطارئ قدْرَ مـا كـانت تملك من الجرأة السياسية وظل معهـا المجـال التداولي مُتحكمـا في المسار الاجتمـاعي، في المقابل تلاشى هـذا المجـال فيمـا بعد وتحطمت القواعـد الأخـلاقية النـاظمـة للعلاقات الفردية وتحوَّلَ الكيان الاجتمـاعي إلـى جسم شائخ لا يقدر علـى ممارسـة وظيفته في ردّ ودفع الظلم السياسي والاقتصادي والأخـلاقي و المعرفي، ولــم يكن لهـذا الانحطـاط السحيق ليتطوَّرَ إلـى هـذا المستوى من الضعف لولا فاعلية الغثائية السياسية وتسلطهـا علـى كل القطـاعـات التي أفقدتِ الجمـاعـةَ عبر الزمن كلَّ مقومـات العمل الجمـاعي العقلاني وفرّغت الوجدان الإسلامي والعربي من كـلّ إحساس بالانتمـاء الوطني، يعنـي هـذا أنّ تشكيلات الغثائية صارت ذات تأثير عمودي بدأت من خـلال محـاولة بسط النفوذ السياسي السيفي وانتهت إلـى تخريب الجمـاعـة بكل قواهـا الداخلية ومؤسساتهـا المستقلة.

ولـم يكن تأثير الجمـاعة في القديم في الطبقة الغثائية السياسية إلا تأثيرا جزئيا محدودا استطـاعَ فيه الغثائيّ السياسيّ استيعابَ قوتـهـا الرمزية وامتصاص فاعليتهـا النافذة مع الزمن من خـلال عمليات المنـاورة السياسية والتظـاهـر باحترام الشورى تارة وبنهـج سياسة فرض الأمـر الواقع تارة أخـرى اعتمـادا علـى لغـة التهديد والوعيد كمـا فعلَ العديد من سلاطين بني أمية وبني العباس مع المعارضين، وكلمـا اشتدت الغثائية السياسية عنفًا كلمـا فقدت الفاعليات الاجتمـاعية قدرتهـا علـى ممارسة حق الدفع تدريجيا حتـى تحوّلت بدورهـا مع متواليات الزمن إلـى غثائية قاعدة لا ترى مفراّ من هـذا الجحيم السياسي إلا بالإحجـام عن ذكـر موبقاتـه وجرائمـه الممتدة والصمت علـى المخـالفات العديدة التي يرتكبهـا السلطـان الجـائر/المستبد تحت شعـار “إمـامٌ غشوم خير من فتنـة تدوم”[8]، بل تطوّر هـذا الفكـر الغثائيّ ليصير فيمـا بعد حليفاً استراتيجيا له يُنـظِّــرُ لآفـة القعود وتحريم المدافعـة السياسية السلمية بنـاءً علـى تأويلات مُغرضة لأحاديث شريفة هربًا من واقع المواجهـة الصريحـة التي كـانت ديدنَ سيرة العديد من الفقهـاء عبر التاريخ.

لِنسجّـل إذن بأن تأثير السياسي علـى الجمـاعي كـان أكثر حضورا وقوةً من عكسـه وأنّ ارتداد الفاعليات الاجتمـاعية إلـى منطق الركون والعجز لا يرتبط –كما تذهب بعض القراءات- بالجذور التاريخية الأصلية الخـاصة بالتوجيهـات النبوية التي تحضّ علـى التزام “الجمـاعة” مقابل “الفتنة”[9]، بل يرتبط –برأينـا- بالتراكمـات المتوالية السلبية التـي أنتجهـا الغثائيُّ السياسيّ من ممارسات تسلطية وقمعية أفضت إلـى تأصيل منطق التبرير التاريخي بدلَ التفسير الديني الحقيقي، ولــوْ لَــم تنجــح الغثائيات السياسية في التحكم بكل الدوائر الاجتمـاعية وإسكـات الزعـامـات النـافذة عبر الزمن لمـا وجدَ الغثائيون القاعدون سببـاً للدفاع عن الديكتاتوريات و لَـوجدوا أنفسهم وجهـا لوجـه مـع كلّ تحول طارئ في منظومـة القيم السياسية الراشدة، و لو قُدِّرَ لهـؤلاء أن يُطوروا من مبدأ “الأمـر بالمعروف والنهي عن المنكـر” السياسي لمـا تجرّأ الغثائيّ السياسيّ على التصرف بحرية في شؤون الجمـاعـة وحولهـا إلـى “بقرة حلوب” دائمـة، لكن التبرير والعجز يصنعـان بالأمـة أمراضَ الأزمـة المُستدامـة فتتغلغلُ في الثقافـة والتكوين الاجتمـاعي فتُصابُ بالوهــن.

إنّ تأثير الغثائية الاجتمـاعية في المجـال السياسي يظل محدودا لأنهـا نِتـاجٌ لهـا، لكنـه قد يُحدِثُ تحولات مفاجئة وسريعـة كالهبّـات الجمـاهيرية والثورات الخاطفة و الاحتجـاجات المجـالية الخاصة بفئة معينـة والاعتصامـات المُطـالبة بإصلاحـات فرعية… ومـع ذلك تبقى مجرد تحركـات غير منظمـة اجتمـاعيا ومُعَرضـة للهزات المضادة بفعل تغول جهـاز التسلط وفسـاد القضـاء و الإعـلام، وهـذا مـا حدث بالضبط عندمـا قامت الحركات الربيعية ضد الغثائيات السياسية فاستطـاعت أن تُحقق مكاسبَ ظرفية سُرعـانَ مـا تراجعت نتيجـة تحكم الغثائيين السياسيين بكل مفاصل الدولة والمجتمع (شراء ذمم، بلطجيات، احتكـار السلطة…) و تـسانُـدِ الديكتاتوريات فيمـا بينها فضلاً عن العـامل الغربي الخـارجي الذي انحـازَ للديكتاتوريات العربية العريقة (مصر، سوريا، اليمن…).

بنـاءً علـى مـا سبق، نُجمِــلُ خُلاصتنـا في البحث عن العلاقة بين الغثائيتين في الخطـاطـة الآتـيــة:

                                                                               

      المبحث الثالث: عوائق التغيير: نـحو تشخــيص العقبـات الكــبرى

 كثيرةٌ هي العقبـات التي تحولُ دون انتقالٍ حقيقيّ نحو نموذج سياسيّ و مدني فاعـل، وهـي علـى كثرتهـا تختلف باختـلاف زوايـا النظر تبعًا للمرجعية “الفكرانية“[10] التي تُحدد نمط العوائق وطرحَ البدائل، فالليبراليُّ قد يتصور التغيير فلسفـةً قائمـة علـى الحريات الاقتصادية والعقائدية والتعبيرية فيُقدِّمَ علـى أصولهـا نظرتـه نحـو الارتقاء بالدولـة والجمـاعـة ويُهمِـلَ في المقابل أبعـادًا أخـرى في معـادلة تصحيح الواقع كالقيم الأخـلاقية والموروث التراثي والتوجيهـات الدينية والخُصوصيات العُرفية، والمـاركسيُّ يُـؤسِّسُ رؤيتَـه للمستقبل علـى “الصراع الطبقي” بين الملاكين والأُجـراء ويُحلّـلُ جوانبَ المسـار الاجتمـاعي والاقتصادي والمعرفي والسياسي بنـاءً علـى أصولٍ المادية الجدلية، ويُبعِـدُ في المقابل كلَّ اعتبارٍ آخـر من شأنـه تفسير الانحطـاط المـاديّ في بنية الدولـة والجمـاعـة، والإسلاميّ يطرح رؤيتـه الوجودية انطلاقـا من قراءة خـاصـة للتاريخ مرورا بنقد الجذور المُؤسِّـسـة للجمـود الحضاري والتخلف القيمي ويُقدِّم مشروعَـه الفكري بتوازٍ مـع الموروث والحاضر انطلاقا من تأويلات معينـة للنصوص والظواهـر التاريخية. إنّ المُـلاحَظَ عن هـذه الكتل الفكرية وجودُ تنـاقضات مفصلية علـى مستوى المُحدِّد الإيديولوجي و تباينـاتٍ حـادة على مستوى نمط القراءة التفسيرية، ورغمَ وجودِ كتابات سعتْ لإبراز بعض التوافقات بين تلك المنظومـات الفكرية فقدمت في هـذا السياق كتابات أكاديمية توظف مفاهيمها[11] (الاشتراكية ،الليبرالية، الصراع الطبقي …) فإنّ النظرة الموضوعية في تلك الأدبيات تجعل كلَّ متتبعٍ يرى استحـالةً مطلقة لتقريب المرجعيات بعضهـا ببعض لاختلافٍ في بناءاتهـا النظرية وتصوراتهـا الوجودية وتركيباتهـا الفلسفية القائمـة علـى التمفصل بين المـاديات و الغيبيات، إنّ التناقضات الحقيقية بين التيارات “الفكرانية” المـادية لا تكمن في نَظراتهـا نحـو قضايـا الوجود عـامـة ومشكلات الاجتمـاع البشري وإنمـا في بعض قواعـد تأسيس النظر الفلسفي وفي المعالجـات المختلفـة للمعضلات المختلفة، إذ تختلفُ منطلقات التحليل ومسالك التقويم تبعًا للمشارب الإيديولوجية، ومع ذلك يمكن لنـا إيجاد القاسم المُشتَرك بين المرجعيات المادية التـي تجعلُ من المُعطى الوضعي أرضيةً لازمـة لكل تصويب أو معالجـة، فاللائكية هي الجسر الذي تعبر منه جميع الفلسفات الوضعية، أي أنّ الصراع الأصلي يدور إجمـالا بين الإسلام كدين وجوديٍّ وبين اللائكية كتجلٍّ لمختلف النزعـات المـادية، ونحن نرى العقبات الكبرى مُشخـصة في أربعة عناوين مركزية نذكرها بالتتابع من حيث الجدوى.

1- اللائكيــة أو “العَـلمـانية” المقنَّعَة كعائق وجودي:

كنـا نتحدث عن اللائكية كتجلٍّ للنزعـات المادية باعتبارهـا مقاربـة فلسفية تنصبُّ فيهـا كل التوجهـات التي تُعلي من شأن “العقل المادي” في النـظر في الموجودات وتحليل الظواهـر، وهي بذلك تُمـثِّل مرجعية قائمـة علـى الأحكـام النافية لكل مـا ينتمـي للمجـال المُفارِق لهـا، وقـد تأخذ مواقع مختلفة في السياسـة والاجتمـاع والاقتصاد والثقافة فتصبحُ قالبـا تتجسم فيـه كـلّ ألـوان المعرفة و تتوشح بردائهـا، وعلـى عكس مـا شاعَ بين العديد من المفكرين في اعتبارهـا مقاربـة سياسية لتدبير الشأن العـام و اختزالهـا في عنـاوين كبرى كالفصل بين الدين والدولـة وحيادية الدولة والمساواة المطلقة بين المواطنين في سن القوانين وغيرهـا [12] فإنـنا نراهـا تمظهـرا خـارجيّا لكل نزعـة تؤمن بالعقل المطلق ومُصادَرة لكل تفكيرٍ مُؤسَّس علـى منظورات أخـرى، فهـي نـزعـة سياسيـة واجتمـاعية و اقتصادية وثقافية تطـالُ أبنيـة المعرفة وتُحنِّطهـا بمواقف تتخذ أشكـالا متفاوتـة من حيث العـلاقـة مـع الدين، وعلـى أقلّ تقدير تجعلـه،- كمـا يفعله معظم الكُتّـاب- ظـاهـرة اعتيادية يُمـارِسُ عليه العقلُ أسلوبَـه في تفكيكه وتحنيطه كمـا لـو أنـه يُستَخدَم كلعبـةٍ لمزيد من التسلية والاسترواح.

لقـد كـثٌـرت الكتابات التجريدية والمُطـارحـات النظرية والعبارات المحبوكـة والعنـاوين المُنَمَّـقة إزاء التعـامـل مع “الظـاهرة” الدينية وتحليلِ امتداداتـها الواقعية وإشكـالاتـها التاريخية وصـارَ المثقف يضعُ نفسَـه فوق الدين في معالجة قضايا الدين ويبتكرُ مختلفَ المفاهيم الفلسفية ويتسلقُ شتـى مصاعد الإيديولوجيات لكي يُعيدَ إنتـاجَ المعنـى اللائكيَّ ويبني عـالما من الأوهـام المعرفية التـي تمنحُ له إحسـاسـا بالانتصار المعرفي والنشوة الأكاديمية الأنيقة، وهـكذا يتفنن ويتكلف في صنـاعـة العنـاوين ويصول في ربط المشكـلات بتيارات “الإسلام السياسي” ويجتهـدُ في طرح قراءاتٍ خـاضعـة للمعنـى اللائكيّ تحت أغطيةٍ كثيفـة من الكـلام المُشَقَّـق الذي يُولِّــدُ بعضَـه البعض ويستنـسخُ المعنـى الواحـدَ بدوالٍ لا حصر لهـا من الأبنية اللغوية المُنتَحَـلـة من قواميس “العلوم الإنسانية” والفكر السياسي المعاصر، لكنهــا في الواقع لا تخرجُ عن كونهـا لائكيــة تُدافعُ عن نفسهـا في خضـم الصراع مع المشروعـات التي تُغاير المنطلقات الوجودية للمركزية اللائكية المُتحكِّمـة في هوامش التبريرات والتحـليلات إزاء الظـاهرة “الدينية”.

إنّ هـذا الثابت الفكري (اللائكية) والمشترك بين كـل النزعـات المـادية إنمـا يُـعيدُ في الواقع إنتـاجَ السياقات التي ميزت مسيرة التاريخ الغربي من حيث مواضيعه وقضاياه عبر نقلـه من بُعده التاريخي النسبي إلـى “أنسنتـه” وإضـفاء المطلق عليه فتتخذَ من الأحداث السياسية والفكرية الراهنة ( صعود الإسلاميين، المواقف الدينية…)أدواتٍ لاستنـساخ النمـاذج الغربية قصـد تقديم مزيدٍ من “الثرثرة” الفلسفية التي تنفذ ببطء داخـل “اللاشعور” فتُعَلمنَ” العقل التداولي وتُكبِّلَ تفكيره بأوصـال اللائكية الوجودية القاتلـة للذات.

مـا فتئنـا نـؤكد بأن اللائكية ليست مجرد منظور سياسيّ لشأن تدبير الجمـاعـة وليست غـايةَ فصلِ الدولة عن الدين[13] ، إنمـا مرجعية كلية ثابتـة في الطرح الوضعي لقضايـا الحياة، قائمـةً علـى تحرير الدولة و الجمـاعـة من الدين أو هي بتعريف عبد الوهاب المسيري” فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة في جانبيهـا العام والخاص”[14] إنْ بطريقـة مباشرة عبر التشريعـات المنـاهضة لمقاصـد الدين أو بطريقة غير مباشرة عبر زرع كل الموبقات الأخـلاقية وتفكيك عرى الجمـاعـة تفكيكاً مُتسلسِلا، فهـي ليست “مسألـةً”[15] في مباحث السياسة والاجتمـاع والاقتصـاد وإنمـا ثقافـةً “توتاليتارية” تُحيطُ بالمقاربـات النظرية المبنية علـى تحييد الدين كمنظومـة تشريعية نسقيةٍ وجوديةٍ حـاملةٍ لقيمٍ متراكمة عبر الزمن الحضاري الغربيّ، لذلـك من الخطإ استصحـابُ الثنـائيات الشائعـة الرائجـة في أدبيات اللائكيين: الدولة و الدين، “العلمانية و العلم”، “العلمانية و الاقتصاد”، “العلمانية و حقوق الإنسان”…لأنهـا ثُنـائيات مُتقابـلة بين مرجعية وجودية شاملة مُنـظِّمَـة  محمولـة علـى مواقف توجيهية للحياة والإنسان (اللائكية) وبيـن فروعٍ تُمـثلُ تحصيلَ حـاصلٍ لتجليات المرجعية نفسِهـا، فالديـنُ فضـاءٌ وجوديٌّ عـامّ يحكمُ حركةَ الحياة ويُزوِّدها بأدوات التصويب التي تُتيحُ للإنسان معرفـةَ المعقول من اللامعقول، وعليه لا يمكن اعتبارُه فرعـا معرفيا يُوازي بقيـة المجالات المعرفية التي تخضعُ للنقد الدائم والمراجعـة المستمرة، والدولـة كِيانٌ تصوريّ مُحدثٌ عبر التدافعـات الاجتمـاعية التي تتحرك بموجب توجيهـات ومضامين وقيم الفضـاء الوجودي المتحكم في مسار تشكيلات التصورات المعرفية التي تُثمِـرُ بدورهـا فروعـا معرفية مُستقلة حسِبَهــا اللائكيُّ أندادا للمرجعية الوجودية، لهــذا من المنطقيّ ونـحن نرصـد تشخيصَ عوائق النهـوض وتحديدَ عوامل النكوص منـاقشةَ “العلمـانية” المُقَنَّعَــة برداء المفردات العقلانية و الحداثية والنـظر في مـدى صلاحية استنسـاخهـا بعيدا عن الصخب الفلسفي والمهاترات اللفظية التي تُصـاحبُ الحديثَ عنهـا عند “العلمـانيين العرب”، فثمـة مثقفون يتصرفون مع “العلمـانية” كخيارٍ حتمـيّ[16] لا يفارق تحقيق عدالـة الدولـة ورفاهية الجمـاعـة ممـا أفقدهم القدرةَ علـى إعمـالِ النقـد الحر وتشريح آفاتهـا المدمرة للجمـاعـة أخـلاقيا و عقائديا، لـمْ يلــحظ هؤلاء مجـالَ تداولهم الفكري وتحكّم النزعـة اللائكية في الترويج لخيارٍ مفصولٍ عن ضمير الجمـاعـة التداولية ولم يدركوا بعد بأن المنظومـات المعرفية غير مستقلة عن الفلسفات العـامـة المعاصرة التي تؤثِّثُ المفاهيم والتحليلات والمواقف المعيارية، لذلـك هم يتحدثون من خـارج الفضاء الذي تشكَّـلَ عبر الزمن التاريخيّ ويُسقِطونَ هواجسهم المعاصرة التي نهلت من مَعينٍ إيديولوجيّ وجوديّ علـى كل القضايا والإشكالات التي يعاني منهـا واقعنـا الإسلاميّ في السياسـة والاجتمـاع والتنمية والاقتصاد والثقافة وغيرهـا من شؤون العمران الحضاريّ ويقترحون في المقابل بدائلَ استنسـاخية لا ترى في المنظومـة الغربية القيمية غير النموذج الثابت المطلق، أو علـى أقـلّ تقدير يُقدّمون صيغـا فلسفية عـامـة هجينـة تسكنهـا شعارات “المواطنة” و”الحداثة” و”الديمقراطية” و”العقلانية” و”تحييد الدين” من المجال السياسي…هــي “علمانية” مُقنَّــعــة تنطلق من مسلمـات مطلقة تعتبرُ الدينَ، أيّ دين، جِذراً  كغيرهـا من الجذور المعرفية (الثقافة، الاقتصاد، العلم…) وتوازي بينهـا وبين مختلف الظواهـر المرئية الواقعية، لذلك تكثرُ القراءات اللائكية للدين وتتنوع زوايـا النظر لتشخيص مظاهره وتفسير وظيفته.

بهذا الاعتبار تصير اللائكية عائقا وجوديا أمام كل المساعي نحو توحيد عقل الجماعة بما ينسجم مع مجاله التداولي ويصبح المشروع اللائكي تحت أي يسمى (الماركسي، الليبرالي، القوميّ…) مناقضا لهوية الجماعة بما يجعله حاملا لقيم انحلالية تعاكسُ ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية عبر تاريخها المتصل، كما أنها تمارس عبر شخوصاتها (إعلام، قضاء، تعليم، حُكم…) وظائفَ تفكيكية صامتة للمنظومة القيمية الإسلامية بحكم نزعتها اللادينية التي تجعلُ من الدين معطىً هامشيا لا يرقى لمستوى القيادة والسيادة سواءً على صعيد الحركة الواقعية أم على صعيد المعرفة، فعلى المستوى الأول أُعتُـبِـرَ الدينُ عنصرا اجتماعيا مندرجا تحت مسميات التقاليد الموروثة والطقوس والغيبيات وتصرَّفَ أصحابُـها بهذا الاعتبار في حصر وظيفته وتحجيم فاعليته الوجودية وإقصائه من كل أهلية توجيهية نافذة، وبذلك يكونون قد انتقلوا بالدين من تحويله إلـى جِذرٍ معرفي إلى تــوظيفه كرافدٍ من روافد العادة الاجتماعية المتوارَثة، أمّا على صعيد المعرفة فإن اللائكيين ما فتئوا يتصورون الدينَ “روليجيون” ولا زالوا يتعاملون معه بنفس العقلية التي كان يتعامل بها الغربيون مع المسيحية وأصرّوا على اعتباره بنيةَ ألغازٍ أسطوريةٍ تُحَــلِّـقُ في جغرافية السماء، وبالتالي لا يصلح إدراجُه إطلاقا ضمن مصادر المعرفة التي من شأنهـا بناء نظريات أو تصويبِ تصوراتٍ فكرية حول قضايا الإنسان والاقتصاد والتاريخ وغيرها، لذلك قاوموا مشروع أسلمــةِ المعرفة[17] وعبَّـروا عن امتعاضهم الشديد للقراءات الدينية التي تجعلُ من النصوص منطلقاتٍ منهجية في التحليل واستنتاج المواقف.

إنّ أصول التفكير عند اللائكي عندنا في العالم الإسلامي مُكوَّنــةٌ من مسلمات ٍ/ محفوظات غربية (فصل الدين عن الدولة، المساواة المطلقة، الحرية المطلقة..) ومن بقايا التكوين الموروث من المجال التداولي، لذلك يعمد اللائكيُّ أحيانا إلى تغليف نزعاته اللادينية بوشاحِ ادّعاء الحفاظ على الدين نفسِه ويطرحُ أحيانا استدلالات من داخل المنظومة التراثية لإثبات عدم التعارض بين الإسلام و”العلمانية” كما فعل خليل عبد الكريم وعلي عبد الرزاق وفرج فودة وغيرهم، كما أن عمومَ اللائكيين لا يعـتـرفون بالإنتاجات الفكرية المعاصرة التي جعلت قاعدتَها المرجعيةُ الإسلامية ولا يُـثبتون لها أيَّ امتياز علمي في تناول مواضيع الديمقراطية والاقتصاد والتاريخ… وظلوا يرفضون كل قراءة تُـقارب القضايا الراهنة مقاربةً إسلامية (محمد عمارة، يوسف القرضاوي، أحمد الراشد، الغنوشي…)، فهل يتعلق الأمر ببنية ذهنية مغلقة؟ وهل تملكُ مثل هذه العقليات القدرةَ على الخروج من قُـمقم المنظور الغربي الآسرِ وتنـخرط في تشكيل تكتلات جماعية ضد مخططات التفقير والتجهيل وخنق الحريات؟ وتزدادُ العقبة حدة في العالم الإسلامي اليوم عندما تتحالف اللائكية مع الديكتاتورية السياسية[18] وتـصبح لسانَها الثقافي والأمني فتمارسَ شتـى صنوفَ التنكيل والملاحقة، وتغدو السياسة اللائكية وبالاً على الشعوب وكارثةً ثقيلةً علـى كافة القطاعات والمؤسسات نظيرَ التجربة التونسية البورقيبية ولواحقهـا ونظيرَ مـا يحدثُ في مجمل الدول التي تتجمـلُ بخدعـة “الشريعة مصدر التشريع” في دساتيرها الممنوحـة.

لقـد أورثت اللائكيةُ في العالم الإسلامي عجزاً كبيرا في فهم الوظيفة الوجودية للذات الإسلامية وخلقت أزمـات عويصـة مسّت العلاقات الفردانية والجمـاعية وساهمت في تجفيف منـابع التدين وجرّدت المنظومـة الأخـلاقية من أصلهـا الرباني التي أعطت للحياة قيمةً مثالية، فضلاً عن ذلك حوّلت الإنسانَ المتدين إلـى إنسان وضعي متمرد علـى الفضاء الديني كمُوجِّه قيمي. إنّ هـذا الانهيار الأخلاقي الرهيب استدعـى عند المهتمين الحديثَ عن بدائلَ تحومُ حول عناوين “تخليق المدرسة” و”تخليق الإدارة” و”تخليق الأسرة”…لكنهـا كـانت تتسم بلغة جـافـة مفصولـة عن هدي السمـاء، وبالتالي ستظلّ مجرد اقتراحـات نظرية لن تُغير من أمـر الواقع شيئـا.

 2- الاستبداد كعـائق سياسي:

الاستبداد – سواء كان باسم الدين أم باسم عناوين أخرى – نفيٌ للحرية حصراً وممارسةٌ تسلطية قائمة على منطق الاستئثار بالسلطة والهيمنة على مقدرات الدولـة ومؤسساتهـا التشريعية والتنفيذية والقضائية وتدخّـلٌ في كل القطاعـات النافذة (الحقوقية، الجمعوية..) بغرض التدجين و استدمـاج عنـاصرهـا في بنية الخطـاب الرسمي سواء أكـان استدمـاجـًا كليا فتصير مُلحقاتٍ وأجنحـةٍ من أجنحـةِ الدولة المستبدة أو استدمـاجا جزئيـا عبر استمـالة بعض الكوادر في حـالة استعصـاء التحكّـم الكلي فيهـا، فالاستبداد قبل أن يتحوّل إلـى منظومـة سياسية تَـشكَّــلَ من خـلال إرادة الهيمنـة الفردية التي تتجسّدُ في سلطة الحـاكم الفرد ونزوعـه نحو تثبيت مُـلكه و تأبيده ثمَّ مـا فتئَ أن تطوَّرَ عبر الزمن ليصبح” إمبراطورية” مستقلة عن المجتمع، مُكوَّنٌ من غثائيـة بشرية مُصطنـعة لا هدفَ لهـا غير الاشتغـال علـى تجديد طرائق استدامـة الحكم الفردي وتأصيله في بنية الجمـاعـة وتحويله إلـى واقع اعتياديّ مُتعايشٍ مـع شروط بقاء الجمـاعـة سواءً عبر تسخير فقهـاء سلطانيين يُنَظِّرون لكيفية تبرير “شرعية” الجـائر دينيا أو عبر توظيف “مثقفين” كأدوات لتنميط العقل وتحويل الأنظـار إلـى عوامل هـامشية لفساد المنظومـات السياسية والاجتمـاعية والثقافية و الدينية، فالاستبــدادُ إنمـا هو تـجـلٍّ من تجليات الغثائية السياسية ومظهـرٌ من مظاهـر انحطاط وبؤس السياسة إذ إنهـا صارت أسيرةَ طغيان الفرد الواحد فتتحركُ برغباتـه ومخططاته و تتلونُ بنزعـاته و طموحـاته، وكلُّ مـا عداهُ عبارة عن محيطـات تدور حول مركزيته التسلطية، فلا فعلَ لهـا غير التجميل وتلميع ممارسات الحاكم وتحسين شروط بقائه علـى هرم السلطة.

يستمـدُّ التخلف جذورَه من الاستبداد وينتعش وجوده من السياسـة، فحيثمـا جثـمَ الاستبدادُ على نفوس الجمـاعـة عبر السياسة إلا ورافقهُ التخلف مرافقةَ الظـلِّ لأصله، وحيثمـا تمـكَّـن هـذا المرضُ العضال من بسط نفوذه وتمدَّدَ في جهـاز الدولـة إلا وحـلّ معه خراب عمران الاقتصاد والاجتمـاع والثقافة والدين والأخـلاق وحـوَّلَ الممارسـة السياسية إلـى فضاء من النفـاق العام في السلوك والقول علـى حدّ سواء، فالاستبدادُ آلــة تفكيكية شاملة لا يسْـلَــمُ منه قطاع قــطّ، وأخـطرُ أمراضـه المـُعدية تكمن في تخريبـه البطيء لعقل الجمـاعـة وتجميد طاقاتـه وشل قدرتـه علـى التفكير الصائب، فهو يُنتِجُ عقليات متكلسـة ومتآكـلة سواء علـى مستوى “نخبٍ” تقليدية أو علـى مستوى شعبي عـام، و الاستبداد ” يضطر النـاس إلى استباحة الكذب و التحيل و الخداع و النفاق و التذلل، و إلى مراغمة الحس و إماتة النفس و نبذ الجد و ترك العمل..و ينتج من ذلك أن الاستبداد المشؤوم هو يتولى بطبعه تربية النـاس على هذه الخصال الملعونة”[19].

إنّ إرادة الهيمنة والاستحواذ علـى مقدرات الدولة دون الاحتكـام إلـى إرادة الجمـاعـة يجعلُ أمـرَ التدبير متساوقـا مـع منطق إخضـاع كلِّ أشكـال المُعارضات وفرضِ النموذج الرسمي بمـا لا يُزاحمـه أيَّ منظورٍ آخـر قائمٍ علـى نقد الخطـاب السلطويّ، كمـا أنـه يُنـمّـي نـزعـة الإطغـاء و التسيد وحبّ السيطرة والاستفراد بالقرار وإقصـاء كـل الأصوات الحـرة التي تُنـادي بضرورة تقييد السلطة الحـاكمة وتحجيم نفوذهـا بالشكل الذي يجعلهـا خـاضعـة للمساءلة و الرقابـة لأن تغوّل نزعـة “التسيد” وتضخم “الأنا الدولة” يجعلُ من كل السياسات وسائلَ في خدمـة مشروع الدولة المستبدة وواجهـاتٍ لاختراق كل المؤسسات المستقلة قصد استدمـاجهـا في تشكيلة الدولة السلطـانية، وكلمـا نجحت عملية الإخضـاع وتحكَّمت وبسطت نفوذَهـا في أجهـزة الدولـة كلـمـا تعقدت عملية الإصلاح وتعثرت محـاولات الدمقرطة سواء من الداخـل أو من الخارج، ففي الداخـل سيجد الفاعلون السياسيون أنفسَهم أمـام شروط عملٍ مُحددة وضمن بيئـة فاسدة متراكمة عبر الزمن بحيث لا مفــرّ آنـذاك من المغامرة في تقديم تنازلات والتفاعـل مـع كل الجهـات التي تفرض عليهم إيقاعـات سياسية وتحالفات اضطرارية وقرارات هـامشية، أمـا من الخارج فستكون كـلُّ عمليةِ احتجـاجٍ ومطالبة بالإصلاح الجذري دون جدوى نظرا لتحكم الاستبداد في الدولة وتخريبهـا لعقل الجمـاعـة، لذلك ستظل كلُّ المحاولات الرامية للتعايش مع السلطة المستبدة أو الحدّ من تأثيراتهـا الممتدة في الزمـان والمكـان مجردَ شعارات سياسية وعناوين تسويقية لا تعكسُ لحظة إدراك الوعي ببنية الاستبداد ولا تُفيد إلا في الحملات الانتخابوية والمنافسات الحزبية والصراع علـى الزعـامات السياسية الضيقة، فمـا لم يُتـخَــذ موقف صريح وفاعـل وعملي ضد منطق الهيمنـة على الحقل السياسي والمدني وضد طبيعـة الاستبداد التي تُنتِـج طوفانـا من الأوبئـة السياسية (شراء الذمم، السلطوية، التزوير…) والتصدعـات الاقتصادية والاجتمـاعية فضلاً عن الهشاشة الثقافية التي تُبنـى عبر وسائل التعليم والسياسات الرسمية تُجـاه الثقافة فإن عملية انهيار الدولة/المجتمع ستأخـذ خطـا تصاعديا باستمرار. من هـذا الموقع، يمكن تفسير حـالة التساكن الاضطراري بين الاستبداد وبعض القوى الفاعلة وغلبة منطق التعايش بين النظام السياسي المستبد وعـموم الشعوب المقهورة، باستعصاء إحداث أيِّ تغيير في بنية السلطة وتمددِ الفاعلين المستبدين في كل مفاصل الدولـة، مما يُصيب الواقع الاجتمـاعي بشـلـل قاهـر سواء علـى مستوى التفكير في مقاومـة ضغط الاستبداد أو علـى مستوى ابتكـار أساليب جديدة كممارسـة حقّ الدفع السلمي ضد السلوك اللاعقلاني الذي تُنتِجـه الدولـة الديكتاتورية.

ولو نظرنـا في واقعنـا السياسي وتأملنـا في مسيرة تشكل الدولة في عالمنـا العربي والإسلامي ولاحظنـا تدهورَ الوضع الداخلي للمجتمعـات فسوف ندرك حجم مـا راكمهُ الاستبداد من خبرات متنوعـة في احتواء المعارضات وتدجين القيادات ونصب المؤامرات وفبركة الاتهـامات، ذلك لأن تمكُّـنَ المستبد من البقاء علـى سُـدّة الحكم وصمت أو خوف الفاعلين (فقهـاء، ساسة، مفكرون..) من قول كلمـة الحق منذ بدء ظهـور الإرهاصات الأولية لتشَكُّــل فعل الهيمنة ساهــمَ كثيرا في تعقيد الوضع السياسي القائم وجعلَ المُهتمين بفلسفة التغيير أمـام تحديات عويصـة مُرتبطة بمداخـل الإصلاح ومسالك التغيير، لأن الاستبداد ليسَ عـائقا عـاديا يمكن تجاوزَه بمجرد وضع خُـطة فلسفية تكسوهـا عنـاوين الديمقراطية والتداول السلمي علـى السلطة وفصل السلط واحترام إرادة الناخبين وغيرهـا من المقولات المستهلَـكة في الخطـاب السياسي، بــل صـارَ مُعضلةً بنيويةً وصلت آفاتُهـا حُدودَ عقل الفرد واحتلت نظـامَ اشتغـالِ فكره المُتوقّف عند حدود مطـالب “الرغيف” وهمومه اليومية، وهـو مـا يعني ضرورة إدخـال عنـاصر جديدة في معـادلة التغيير والأخذ بعين الاعتـبار كلّ مـا أفرزه الاستبداد من مُشكلات جمـة بحُكم أنّ أي إهمـال لهذا البُعـد من شأنـه أن يُحوّلـه إلـى عـائق موضوعي آخـر قد يتسبب في إفشـال الانطلاقة الأولى في التفكير في مشروع التغيير.

إن إهمـال دراسة الأبعاد النفسية والاشتغال بدراسة ما دون الأنفس من شأنه أن يقدم صورة خاطئة عن خريطة التغيير ومن شأنه أن يؤدي إلى نتائج كارثية إذا لم يتم تحليل استعدادات و قراءة مدى تحمل النـاس لكُلفة التغيير ، كما أن السلطة المستبدة حتـى وإن تم تقويضهـا عبر ثورة مـا فإن آثارَهـا المتجذرة لا تزال موجودة في بنية الدولة والمجتمع معا، وهـذا ما يجعل الديكتاتوريات قادرة على العودة بسرعة نظرا لإمكاناتهـا المتطورة في التمويه ونظرا لتمركزهـا القوي في كل مؤسسات الدولة (“الثورات” المضادة نموذجـا)، من هـذا المنطلق نرى أن الاستبداد لا يمثل عائقا سياسيا فحسب وإنمـا يُعـبّر عن مأزق اجتماعي حقيقي، فهو سياسيّ من حيث الأصل لكنه اجتماعي من حيث امتداداته وآثاره البعيدة، وأيُّ معالجـة لا تأخذ بعين الاعتبار العقليات السائدة و التشكيلات النفسية والتمزقات الأخـلاقية والإيديولوجيات الموجودة بالقوة والفعل فإنهـا تظلّ معالجات استعجالية سرعان مـا تهوي أمـام فاعلية الدولة “العميقة” التي تستثمـر في عمليات التجهيل الجمـاعي وتُحيطهـا بعناية فائقة وتستغلُّ الإيديولوجيات الحاقدة وتلعب على إعـلام عميلٍ يخدم الاستبداد ويُجمِّل وجهه البغيض، كمـا أنّ الرهان على عمليةٍ إصلاحية تشتغل علـى ثنـائية تجديد العقل والقلب وتحريرهمـا من أغـلال الذات بمنأى عن البحث في إشكـالات السلطة المستبدة وتداعياتها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني لن يُسهمَ برأيي كثيرا في معالجة الاستبداد عبر التدافع نظرا لقدرة الدولة -أي دولة- على نشر كل ألوان الموبقات الاجتماعية التي تعيق بشكل مستمر كلّ محاولة لإصلاح الذات الأخلاقية و العقلية، فمع وجود سلطة مستبدة فاسدة تستصحبُ معها هدمَ كل القيم عبر المشاريع الانحلالية لا يمكن لأيّ قوة اجتمـاعية أن تبني ذاتهـا أو تُوسِّعَ قاعدتهـا الجماهيرية ولا يمكن لهـا البتة مُجاراتهـا في وتيرة التدافع، فكيف لفردٍ يبني ودولة تهدم أن يُحقق طفرة اجتمـاعية تغييرية؟

وترتيبا عليه، ولأجـل تحديد خريطة التغيير واستيعاب فلسفته يكون من اللازم فهمَ أبعاد الطبيعـة التخريبية للاستبداد وإدراك تشعباته الحركية التي تلتهم كل آفاق الإصلاح المجتمعي وملاحقة تحوّل المجهودات الفردية والجمـاعية والانجازات الإبداعية وغيرهـا من جوانب الإشعـاع التنموي إلـى وحدات مُفكَّكـة ومتلاشية وغير فاعلة عبر الزمن نظرا لإفراغ السياسة من محتواها الوظيفي وتمزق منظومة الإصلاح السياسي وتأرجحهـا بين طبقات مُترفـة تعتبرُ المواقع السياسية النافذة مكسباً سلطويا لا انفكاك عنـه.

إنّ تدمير منظومـة التعليم وحدهـا من شأنه إشاعـة كل ألـوان التخلف وتأبيد مـآزق الجمـاعة وخلق كلّ مساحـات التوتـر الداخلية وإنتاج كل نمـاذج الرداءة الفكرية والسلوكية في النظام الأسري، لذلك من الطبيعيّ جدا أن تبدو محـاولات القطاعات الجمعوية والهيئات الثقافية وغيرهـا من مؤسسات المجتمع المدني غير ذات قيمة إضافية وغير مؤثرة في معادلة التنمية لأن فعل الاستبداد وثقل موبقاتـه المتعددة أقوى من أن تصده مُجرد محاولات متقطعـة في مجالات متباعدة هنـا أو هنـاك، فشتـان بين شلالاتٍ استبدادية زاحفة وبين بعض قَـطَـراتٍ تذروهـا الرياح.

من جهـة أخـرى، تجتهـد أنظمتنـا السياسية التقليدية في حجب نزَعاتهـا السلطوية وتعمل باستمرار على خلق هوامش ضيقة للحرية وتُجمّلُ دساتيرهـا بالمفاهيم الحداثية وتُحدِثُ “ثورات” لغوية حول مفاهيم “حقوق الإنسان” و”المواطنة” والتعليم و”الحكـامة”… بل وتُمـارسُ عملياتٍ انتخابوية في مناسبات عدة، وكأنّ الدولة العادلة يمكن الظفَـر بهـا من خـلال استدعـاء الشكليات والإكثار من الحديث عن المفردات السياسية والمدنية في الديباجـات والأوراق الرسمية المُستَهلَكة، لكن الواقع في العديد من الدول وكمـا تكشفه متواليات الأيام يُؤكد بأننـا إزاء أنظمـةٍ عسكرية متوغلة في مفاصلِ جغرافية الدولة ومُتحكمةٍ في سلطة القرار، لا تتصرف إلا بلغة المدفع وقصف المعارضات وتفخيخ التنظيمـات وتدمير المجتمعات واحتواء الزعـامات، هـو منطقٌ مطرد في كثير من الدول التي آثرت خوضَ معركة النَّفس الأخير مع شعوبهـا المقهورة و توظيف خيار القوة في حسم النزاعـات .

3- نزوات الذات كعائق فرداني اجتماعي:

الاستبداد بنية كلية شاملة تتشكل مسيرتها انطلاقا من السياسة كمحدِّد وترسو آثارها في المجتمع، وعندما يتراكم الاستبداد عبر الزمن وتتضخمُ أجهزته البيروقراطية ويُبدع في مجـال القهـر الاجتمـاعي والإفلاس المادي والمعنوي فإنه يُنتِج بدوره بنية اجتمـاعية مليئة بالتناقضات والفوارق وطافحة بمختلف الأزمـات الأخـلاقية والاقتصادية والدينية والثقافية باعتبارهـا تُغذي النزعـات الفردانية وتُحيي الطبائع الفاسدة وتُحوِّلُ المجتمع إلـى كتلة غُثائية فاقدة للفاعلية التنظيمية، بل وتجعلُ الصراعَ محصورا بين فئاته الداخلية التي تتناحر لأجـل تأمين حياة أفضل، أي أن الاستبداد السياسي يعمل على تحييد الطبقات الشعبية من دائرة المنافسة السياسية ويُشغلهـا بمطالب الحياة اليومية التي تتزايد تكاليفها مع الأيام عبر سياساتٍ ظالمة ومناهجٍ تعليمية فاشلة وإفقارٍ منظم وسيولةٍ في محاسبة ناهبي المال العام وإشاعةٍ لكل ألوان الميوعـة الأخـلاقية التي تتم عبر الفضائيات وغيرها من الوسائل التخديرية التخريبية.

وعندمـا تغيب العدالة وتتلاشى المؤسسات الرقابية وتفقد الدولةُ وظيفَتهـا في تنظيم المجـال العام فإنهـا تُوفِّــر بيئةً مناسبة لتكاثر كل أشكـال الانحلالات الاجتماعية خصوصا عندمـا يُصبح الفاعل المدني ضعيفا وغير قادر على ممارسة دوره الاجتماعي (علماء، صحافة، هيئات..)، فكيفَ يمكن الحديث عن تخليق المجتمع وتأهيله تنظيميا وعقلانيا في ظل وجود غثائية سياسية تزرع بذور الجهـل وتشيعُ المجون وتُحارب الفضيلة؟ ومع كثرة الخبث السياسي في أي نظامٍ تكثر معه كل أنماطِ الفوضى العلائقية وأشكـالِ الغثائيات الفردية المتسمة بالأنانيات والانتهازيات  والسلوكات الطائشة وحب الهيمنة والتسلط والممارسات الجنونية وسوء الأدب وتمزق الأسر وغيرهـا من أنواع التصدع في جسم الجمـاعـة، إذ إنهـا تصيرُ معيقاتٍ فاعلة للدولة ومعيقات قاهرة للمجتمع، فهـذه الفوضويات الاجتمـاعية تُمـثل ركـائز مفصلية تُعينُ الاستبداد على البقاء و التجذر من جهـة أن المستبد يستثمـر مـا أوجَدهُ في الحفاظ على مُلكـه السياسي (الدعوة للتصويت على مشاريع لا يعرفها الشعب، استغلال الأمية لتجميل الاستبداد…) ويُدمجُ مـا رعـاهُ في بنيته الاستبدادية، و هي عوائق صلبة للدعوة من جهة أنـها تكبحُ عمل الدعاة والغيورين على بناء مستقبلٍ حضاريٍّ وتوجِدُ لديهم إشكالات حقيقية مرتبطة بكيفية تكوين قواعـد مدنية قادرة على ممارسة حق الدفـع في ظل سيطرة الغثائية الفردية وتمدد الانحطاط الأخلاقي وانحلال عرى التضامن الجمـاعي.

وترتيبا عليه، من اللازم جدا إطـالة النـظر في التكوينات و السلوكات الفردانية والذهنيات وتحليل أنساقها الاجتماعية والبحث في النزوات الذاتية التي تجعل من الفرد إشكالية عميقة أمـام معادلة تغيير الأوضاع الداخلية، إذ إن الرهـان المطلق على الاعتبار السياسي دون تأصيل الأزمـة العقلية والأخلاقية و النزوعـات الفطرية نحو الانحراف من شأنـه إدامـة الوضع الغثائي حتـى وإن تحقق انهيارُ حكمِ نظامٍ سياسيّ استبدادي بشكل فجائي وسقطت رموزه وجبابرته، فالأزمـة في عمقهـا موصولة بنزوات الذات التي تميل إلـى الهيمنـة والاستئثار بالسلطة سواء كانت هذه الذات سياسية أو اجتماعية، وبالتالي فأي مقاربة لا تأخـذ بعين الاعتبار مـا بالأنـفس[20] ولا تُخطط لتغيير الذهنيات المتكلسة والموبقات الأخلاقية والنزعات الهدامة و السلوكات الفوضوية فهي صيغـة غير ذات جدوى في خطـاب التغيير خصوصـا إذا تعلق الأمـر بالاتجـاه الإسلامي الذي يُشخص عمقَ الأزمـة في المعطى الذاتي الفردي، لذلك تبدو عملية الانتقال بالمجتمع والسياسة إلـى وضعهـا الطبيعيّ معقدة وبعيدة المنـال نظرا لاشتداد الأزمة السياسية والاجتماعية معـاً واستعصاءِ الحل السياسيّ الواحدي في خلق نماذج مدنية ترتقي بالأمـة في مصاف الأمم المحترمة على افتراض وجود إرادة سياسية إصلاحية أصلاً، بل ويبدو أمل التغيير مستحيلا في ظل تحكم الديكتاتوريات السياسية و تفشي المعضلات الاجتماعية الحادة (التعليم، الصحة، الاقتصاد…) التي تلتهم القيم وتُحرّف السلوك وتُجمِّد العقل عند حدود “الأنا” الفردية، و لو أضفنـا إلـى ذلك مـا تصنعه التنظيمـات العُنفية من تفجيرات وقلاقل وتشويهات للممارسة الإسلامية يُصبحُ الحديث عن التغيير أمـرا صعبا حيث إن العقلية الغاضبة التي تتصرف بمقتضى رد الفعل السريع تسهم في تخريب مؤسسات الدولة وتُحدثُ اضطرابات عميقة في الواقع السياسي والاجتماعي مما يجعل تراكمات آثارهـا حواجزَ صلبة تُعاكسُ منظومة الإصلاح المتدرج والمتأني وتُطيح بعوامل الاستقرار الأمني، ومع كل ذلك تبقى تحديات إصلاح الذات وتقويم أخلاقيات الممارسة الفردية تُجاه ذاته والآخرين رهـانـا مفصليا في بنـاء مجتمع مُعتدل ومنفتح لا يتنكر لهويته ولا ينغمس في فلسفات النزعـات المـادية التي شوهت نظام الحياة الإسلامية وسحقت عوامل البنـاء الفاعل، فتهذيبُ النفوس وإعادة صقلهـا بالإيمان الدافئ وربط مسيرة الفرد برسالته الخالدة التي تفرض عليه تحمل أمانة الاستخـلاف طريقٌ يجب على الدعاة العمل على إنجـاحه رغم كل هـذه التناقضات التي تشهدهـا الساحات السياسية والاجتماعية ورغم كل التراكمات التاريخية التي أنهكت الجسد الاجتماعي وقطعت أوصاله عن جذوره، فبإصلاح هـذا الخراب الهائل وتجميع القوى الحية وتسليحها بالعزيمة الصلبة في مواجـهة تحديات الداخل والخارج يمكن مدافعةُ مراكز الفساد والحد من مضاعفاتها وتشكيلُ جبهـات وظيفية مؤمنة برسالتها الوجودية الدينية والإنسانية.

لنسجل إذن بأن هـذه الغثائية الفردية المتناثرة وانحطاط النظام العقلي والأخلاقي والأسري في المجتمعات العربية الحالية تمثل أحدَ تجليات الركود الاجتماعي وأنّ نزوع الإنسان إلى الاستغراق في متطلبات الحياة – بما نفهمه من غلبة الرغبة في المتعة – يُفقده الغاية الوجودية الكبرى ويحوِّله ذرةً متطايرة لا وزن لهـا في معادلات المدافعة، فكيف لحباتٍ متناثرة تذروهـا الرياح من كل جانب أن تصمـد في أعـاصير الاستبداد الداخلي والخارجي وتُجابه ضغوطاتها العنيفة؟ كيف لهـا أن تُعيد لحمـة الجسد الواحـد وهي تئـنُّ بعاهاتهـا الذاتية التي أجهـزت على روح المقاومـة وقتلت معنـى الحياة فيه؟ إنّ نظرةً سريعـة لأيّ ملاحِظ على واقع السلوك اليومي لقطاع واسع من طبقات المجتمع وتدقيق النظر في وِجهـة الحياة لديهم يُدرك بأننـا أحيانـا معاولُ هدمٍ لمستقبلنـا وأننـا نحن من نصنـع أجيال التخلف بنظرتنـا التشاؤمية وأخلاقياتنـا الرديئة ونزعاتنـا المادية المُهلِكة وحياتنـا الفردية الضيقة، فمـا لم تُكسَـر أغـلال الوهـن و تُعـاد شحنَ طاقة الإنسان ببطاريات التربية الإيمانية     و العمل الجاد والقطع مع الذهنية الخاملة التي تنتظر أن يُفعَل بهـا فإن كل واحد منـا سيظل يصرخ صراخَ الحيران الضائع بين عجزه وواقعه فلا يجد غيرَ الشكوى بلا  جدوى.

4- الطبقات القاعـدة كعائق جمـاعي:

إنّ العمل على تجديد إرادة التغيير والاشتغـال على مقتضيات تصويب الفعل الأخـلاقي السلوكي العام وإعـادة بوصلة الرسالة للغثائيات الفردية شرطٌ لا بد منه لأجل تقعيد اللبنـات الأساسية لمشروع التغيير الإسلامي، لأنّ تحصين الذات بالهمـة العالية والأدب الرفيع يُحبط المحاولات الرامية لتنميطه وتدجين هويتـه الوجودية ويُنتِج مقاومـات فاعلة ضد نزعـات الاستسلام للواقع الاستبدادي المُثقل بكثرة الرويبضات الإمعـة التي لا يهمهـا غير انتظار المحاصيل النهائية، فلا منـاص من بعث النفوس التواقة للتغيير وبنـاء منظورات جديدة تدفع لاعتناق روح العمل الدّعوي وتغذيـة العقل بإرادة متحررة من سلطة الجبر مع ضرورة اشتمـالها علـى منهجيات تجمع بين النظري والفعلي على مستويات الواقع السياسي والاجتماعي وعدم الانزواء في رهـانات إصلاح الفرد بإطلاق بمعزلٍ عن الشروط الموضوعية التي تُكبِّل فعل النهوض، وإذا كـانت الذهنيات الغثائية والممارسات اللاعقلانية الفردية والنزوات الذاتية التي تدفع العاقل نحو عـالم من الفوضى بمثابـة متاريسَ صلبة تحول دون تكوين نماذج بشرية فاعلة سواء بالنسبة للدولة أو للدعـوة فإن ثمـة معيقات أخـرى لا تقلّ أهميـة عن سابقتهـا خصوصـا عندمـا تأخذ أبعادا جمـاعية تشترك في تبني تصورات سكونية قاعدة بالمطلق، فعندمـا تكثر التنظيمـات والتشكيلات السياسية والاجتماعية التي تحمل ايديولوجية غثائية وترى في هـذا التخلف العربي والإسلامي العريض واقعا يستوجب الإذعان له والتسليم به أو “قدرا” لا بديل عنـه في زمن الفتنة فإن الإشكـالية تصير مضاعفة لأنهـا تستوجب القيام بعمليات تصحيح النظرات الخاطئة التي تُحيط بالجمـاعات القاعدة وبإزالة الغبش الذي يكتنف زوايا النظر التي تُؤسس لمواقف تلك الجمـاعات.

لو تأملنـا في أزمـات الأمة المعاصرة بالخصوص لوجدنـاهـا تكمن في انبطاح الطبقات القاعدة وموالاتهـا للظلم السياسي بصَمتهـا وإعراضهـا عن قول كلمـة الحق، بل ومباركاتها أحيانـا لكل الملاحقات التي تطال المعارضات الشريفة والقوى المناهضة للاستبداد، لذلك تصبح عملية الانتقال الديموقراطي عصية على التحقيق لوجود كيانـات مُقاومـة لرياح التغيير ولوجود هيئات تحكمهـا نزعـات الحقد الايديولوجي و الطائفي، بل وتتحول مع لحظات انطلاق شرارات الهـبات الشعبية إلـى قنـابل موقوتة تنتظر الفرصـة السانحة لانفجار أحقادهـا الغائرة قصد العودة بالأوضاع الداخلية إلـى وضعهـا الغثائي في شقهـا السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فوظيفة الطبقات القاعـدة تتجلى في إطـالة عمر الاستبداد وإمداده بالسندَ “الشعبي” لتثبيت جذور الدولة السلطانية التي تغدق عليها العطايا وتُحـوّلها إلـى نقاط ارتكاز السلطة الجائرة التي تستثمر وجودها لتصفية حسابات شتـى مع المعارضات المطالبة بالتغيير الحقيقي.

وترتيبا عليه، تُحبطُ الطبقات القاعدة كلّ مسعـى لتجاوز أشكـال الحكم العسكري سواء بالفوضى أو بالشغب أو بالخرجـات الإعلامية المضادة وتُحدث زوبعـات قد تنطلي على قطاع واسع من الغثائيات الفردية خصوصـا وأنهـا مدعومـة بسلطة المال والإعلام والقضاء السلطاني فتخلقُ تصدعـات داخلية وهواجس نفسية وشبهـات مختلفة من شأنهـا الحد من الموجـات البشرية الهادرة وتعزل طبقات شعبية من معادلة التغيير البنـاء ممـا يؤدي إلـى انحسار المد الجماهيري وانحصاره في تنظيمـات حركية معزولة عن الاحتضان الشعبي.

إنّ النـاظر في واقعنـا يُدرك مدى اعتبارية هـذا الرأي، ففي تونس مهد الحراك الاحتجاجي مـا بعد الإطاحـة بالديكتاتور  لوحظَ كيف تحركت تنظيمـات لشلّ مـا آلت إليهـا الانتخابات البرلمانية من فرز للأغلبية الإسلامية ومـا رافقهـا من عدم تمكين بعض الأحزاب من تشكيل الحكومة فضلا عن عمليات التحريض  والتشويه المنظم، وفي مصر يظهـر بجلاء كيف وقفت الطبقات القاعدة ضد الاستحقاقات الانتخابية فمارست دورهـا في تغييب الوعي الشعبي والتحريض على أول تجربـة ديموقراطية احتكمت إلـى إرادة الناخبين (طائفية، صوفية طرقية، أحزاب لائكية حقودة، صحـافة ارتزاقية مُبتذلة..). إنّ الأمر هنـا لا يتعلق بالاختلاف في وجهـات النظر بين الطبقات القاعدة وبين التيارات الحركية وإلا لكـانت صناديق الاقتراع الحَكم الأساسي في الحسم في النزاع، وإلاّ لوسعهم فضاء الفكر الحر والنقد الهادئ والاحتكـام إلـى الشعب في رفض أو قبول أي فصيل، لكنه الحقد الذي يعمي العقول والقلوب، ومـا استدعـاء العسكـر إلا دليل علـى خواء الفكر النقدي وبرهـان علـى انكشاف الأحقاد الباطنة التي تُوجه الجماعات القاعدة وتُحد لهم المواقف الكلية.

 خاتمة:

إنّ التغيير المبني على وجود قيادة جمـاعية راشدة تُؤسس لنظرة مستقبلية إنما يستلزم البحث في العوائق الشاملة سواء مـا انتمـى منهـا إلى مجال الدولة الفاسدة أو إلى مجـال الغثائيات الفردية و الجماعية، كمـا أنهـا تقتضي عملية تشخيص عوامل الانحطاط في الأمـة وتحديد المسؤوليات ووضع استراتيجيات بعيدة وحصر الإمكانيات المتاحـة، فالرهـان الكلي على تولي السلطة واعتبارهـا المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق التخلف العقلي والمادي أو المراهنـة الشاملة على تصويب أعطاب السلوك الأخلاقي من دون تحويلهـا إلى رابطة ناظمـة تستشعر مسؤولياتهـا الرسالية الكبرى والانغلاق على الحسابات الضيقة التي لا تأخذ بعين الاعتبار تشابك أنظمـة الفساد السياسي والاجتماعي وتضخم أدوارهـا في إنتاج الغثائيات ليست إلا منطلقات أحادية لا تستوعب التحدي الحقيقي و الشامل، من هنـا يلزم القطع مع النظرات التقليدية الإصلاحية التي تنظر إلـى عملية التغيير نظرة أحادية تفصل الطبقة السياسية عن الطبقة الاجتماعية وتستجدي آليات معالجة ظواهرها بخطاب وعظي صرف، فالأزمـة في واقعنـا المعاصر صارت بنيوية مركبة تحتاج لمنظور جديد قائمة على رصد تأثيرات السياسة على واقع التربية والاقتصاد والأخلاق والمعرفة.

 

لائحة المراجع:

ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق: محب الدين العمروي، دار الفكر، بيروت، 1997.

أركون، محمد، العلمنة والدين، دار الساقي، الطبعة الثالثة، بيروت، 1996.

شفيق، منير، في نظريات التغيير، الدار العربية للعلوم ناشرون، المركز الثقافي العربي، الطبعة 2، 2005.

طه، عبد الرحمان، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2012.

عمارة، محمد، أزمة العقل العربي، مناظرة بين كل من محمد عمارة وفؤاد زكريا، أدار المناظرة سعد الرميحي، الآفاق الدولية للإعلام، القاهرة، د.ت.

عمارة، محمد، الحوار بين الإسلامين والعلمانيين، سلسلة “في التنوير الإسلامي” عدد 44، نهضة مصر للطباعة، القاهرة، 2000م.

الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، بيروت، ابن حزم، 2005.

القرضاوي، يوسف، الإسلام والعلمانية وجهـا لوجه، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة السابعة، 1997.

كمال، عبد اللطيف، مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1992م.

الكواكبي، عبد الرحمان، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2009م.

المسيري، عبد الوهاب، العلمانية الجزئية، العلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، 2002م.

المسيري، عبد الوهاب، العلمانية تحت المجهر، حوار بين المسيري وعزيز العظمة، دار الفكر المعاصر، دمشق، 2000م.

 

*  باحث في الفكر الإسلامي المعاصر –  إمزورن – المغرب.

[1] منير شفيق، في نظريات التغيير، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة 2، 2005م، ص: 65

[2]  لا نعتبر اللائكيين ماركة واحدة وإنْ اشتركوا في مطلب تحييد الدين عن السياسة وإنمـا فئات مختلفة من حيث علاقتهـا بالمنظومة الإسلامية، وقد قام محمد عمارة بتصنيفهم بشكل دقيق في كتابه: “الحوار بين الإسلامين والعلمانيين”، سلسلة “في التنوير الإسلامي” ع 44، نهضة مصر للطباعة، القاهرة، 2000، ص: 12.

[3]  نجد هذا الأسلوب حاضرا بشكل خاص عند كل من الشيخ خليل عبد الكريم في كتابه “الإسلام بين الدولة الدينية وبين الدولة المدنية”، وعند علي عبد الرازق في ” الإسلام وأصول الحكم “، وعند فرج فودة في “قبل السقوط”، و”الحقيقة الغائبة”.

[4]  محمد عمارة، أزمة العقل العربي، مناظرة بين كل من محمد عمارة وفؤاد زكريا بقطر، أدار المناظرة سعد الرميحي، الآفاق الدولية للإعلام، القاهرة، د.ت. ص: 25

[5]  نستعمل مصطلح “الغثائية” بالمعنى الإسلامي الذي ورد في الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهْن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت”. أخرجه أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، رقم (2/210).

[6]  يقدم كتاب محمد أمزيان “في الفقه السياسي، مقاربة تاريخية” صورة تاريخية عن الفقيه كشخصية واعية بالتحولات السياسية والايديولوجية بعيدا عن التمثلات التي انطبعت في أذهـان اللائكيين العرب حول وظيفة الفقيه التاريخية.

[7]  مصطلح “الانكسار التاريخي” استعمله الشيخ الراحل عبد السلام ياسين في بعض كتبه ككتاب: “نظرات في الفقه والتاريخ”، وكتاب: “رجال القومة والإصلاح”. وقد قصد به مجمل ما حدث من وقائع سياسية بعد الفتنة الكبرى التي أودت باستشهـاد الإمام عثمان رضي الله عنه وتحوُّل الخلافة إلـى ملك عضوض لاحقا.

[8]  يُنسَب هذا الكلام لعمرو بن العاص وهو يخاطب ابنه عبد الله قائلا: “يا بنيّ، سلطَان عادِل خير من مطَر وابل، وأسد حطومٌ خير من سلطان ظَلوم، وَسلْطان غَشوم ظَلوم خير منْ فِتنة تدوم”، وقد أورده ابن عساكر في “تاريخ دمشق” تحقيق: محب الدين العمروي، دار الفكر، بيروت، 1997، ج 36 ص: 184، كما أورده أيضا أبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين”، دار ابن حزم، بيروت، 2005، ص: 1441.

 

[9]  تدور مختلف كتب المدرسة السلفية المعاصرة في قضية العلاقة بين الحاكم والمحكوم حول ضرورة الطاعة للحاكم والتزام الجماعة في زمن الفتنة والصبر على ظلم الحاكم مقابل الحفاظ على وحدة الجماعة استرشادا ببعض الأحاديث التي تحث على الطاعة لولي الأمر وإن جـار.

[10]  الفكرانية مصطلح استحدثه الفيلسوف طه عبد الرحمان مقابل لفظ الايديولوجيا المُعرّب عن اللغات الأجنبية، يُنظر “روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة 2، 2012، ص 17.

[11]  تعد كتابات حسن حنفي وحسين مروة ومحمود أمين العالم وخليل عبد الكريم وفؤاد زكريا وغيرهم نماذج حاولت تقديم صورة عن الإسلام كدين لا يتناقض مع الرؤية الوضعية العلمانية في قضايا الحياة.

[12]  هذه المفردات حاضرة في معظم الكتاب اللائكيين الذين حاولوا تلميع “العلمانية” وتقريبهـا من المخيال الشعبي والأكاديمي مثل محمد أركون ومحمد سعيد العشماوي ومحمود اسماعيل وعزيز العظمة وشاكر النابلسي وجورج طرابيشي ورفعت السيد ونصر حامد أبو زيد وفؤاد زكريا وعلي أومليل وفرج فودة وغيرهم.

[13]  يعتبر عبد الوهاب المسيري العلمانية باعتبارها فصلا للدين عن الدولة تعريفا لا يعكس حقيقتهـا الفلسفية، لذلك يسميهـا بالعلمانية الجزئية، كتاب “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، دار الشروق، القاهرة، 2002، 1/6، “العلمانية تحت المجهر” حوار بين المسيري وعزيز العظمة، دار الفكر المعاصر، دمشق، 2000، ص :119.

[14]  عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية، العلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، 2002، 1/6.

[15]  يستعمل فؤاد زكريا لفظ “مسألة” للحديث عن الشأن الإسلامي وكأن الإسلام مجرد شقّ معرفي لا علاقة له بتنظيم الحياة، يوسف القرضاوي “الإسلام والعلمانية وجهـا لوجه”، مكتبة وهبة، ص: 3.

[16]  يُعرف محمد أركون العلمنة قائلا: “هي موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة”، يُنظر “العلمنة والدين” دار الساقي، بيروت، 1996، ص:10، ويُنظر مقالة كمال عبد اللطيف على هامش الحوار الذي دار بين الجابري وحسن حنفي والمنشور في كتابه: “مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي المعاصر”، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1992م، ص: 38.

[17]  انبرى اللائكيون لرفض أي محاولة لأسلمة المعرفة كما طرحها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، نجد ذلك عند السيد ياسين في مقال بعنوان “وهم اسمه أسلمة العلوم” الذي نُشر بمجلة الأهرام الاقتصادية يوم 29 يناير 1990 ، وعند محمود أمين العالم في مقال “حتى لا يكون التكفير غطاء للتجميد والتجهيل والصراعات المجدبة” والذي نُشر في مجلة القاهرة، عدد 127 ،1993 ص 12، وعند نصر حامد أبو زيد في مقاله “أسلمة العلوم والآداب تقود إلى الخطاب السلفي” الذي نُشر في مجلة اليسار العدد الأول عام 1990، وعند عزيز العظمة في “أسلمة المعرفة وجموح اللاعقلانية السياسية” سلسلة قضايا فكرية للنشر والتوزيع 1993… وللمزيد يُنظر مواقفهم ضمن مجلة “إسلامية المعرفة” السنة السابعة،2001، العدد 25، مقال لفتحي حسن ملكاوي بعنوان ” حوارات إسلامية المعرفة: ملاحظات نقدية” من ص 101 إلى 118.

[18]   كشفت الثورات الربيعية عن وقوع اللائكيين في مطبات كبرى من خلال سعيهم المستمر للتحريض ضد التجارب الإسلامية الوليدة في كل من مصر وتونس واستدعـاء تدخـل الجيش لإقبـار أي نموذج مستمد من المرجعية الإسلامية كما هو الشأن مع حلمي النمنم والبرادعي والصباحي ورفعت السيد وغيرهم كثير.

[19]  عبد الرحمان الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. تحقيق وتقديم محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2009، ص 95

[20]  يعتبر منير شفيق بأن تغيير ما بالأنفس وفق الآية (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ليس هو الشرط الوحيد لإحداث التغيير، بل هو جزء من مجموع سنن الله، يُنظر “في نظريات التغيير”، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة 2، 2005م ص:161. XeltovoPrime

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2