نقد النظريات الأخلاقية المعاصرة، وتأثيل مفهوم “المسؤولية”

0

نقد النظريات الأخلاقية المعاصرة، وتأثيل مفهوم “المسؤولية”

Critique of Contemporary Moral Theories The Conceptualization of “Responsibility“

* د. جمال الدين ناسك

ملخـــص:

تعالج إشكالية هذا المقال سؤال تفاعل “النظرية الائتمانية” مع الحداثة الغربية ونقد نظرياتها الأخلاقية، وذلك من خلال مقاربة مفهوم “المسؤولية”، ونقد الدكتور طه عبد الرحمن للنظريات الفلسفية النقدية الأخلاقية التي تأسست حوله.

لبيان ذلك؛ حاولتُ تقريب مفهوم المسؤولية في المشروع الفلسفي للدكتور طه عبد الرحمن ببيان دلالاته وأبعاده ومستوياته، وامتداداته الفلسفية خاصة في باب الحوار والمناظرة، فقد تناولتُ هذه القضايا في ثنايا ثلاثة فصول؛ تكفل الفصل الأول بتأطير إشكالية البحث ببيان الأسس الفلسفية العقلانية للحداثة الغربية التي أنتجت آفاتها الأخلاقية، كما عرضتُ فيه بإجمال للفكر الأخلاقي المعاصر الذي حاول جاهدا تصحيح آثار هذه الحداثة على الواقع الإنساني والطبيعي، وتحديدا ما أضحى يدعى بالأخلاقيات التطبيقية ونظرياتها، مركزا على نظرية “المسؤولية” لواضعها الفيلسوف الأخلاقي جوناس هانس. أما الفصل الثاني فقد خصصته لبيان نقد الفيلسوف طه عبد الرحمن لتلك النظريات التصحيحية؛ بإيراد اعتراضاته العامة عليها، وكذا اعتراضاته الخاصة على نظرية المسؤولية. فيما تكفل الفصل الثالث بتقريب مفهوم المسؤولية في “الفلسفة الائتمانية” بعرض دلالاته المعرفية النظرية، وبيان أبعاده الأخلاقية العملية، والكشف عن علاقاته المفاهيمية في مجمل الجهاز المفاهيمي الفلسفي الطاهائي، مركزا على وظيفة “المسؤولية” في تخليق الحوار، وتحقيق الإبداع الفلسفي المطلوب في السياق الفكري العالمي.

 

Abstract:

This article addresses Taha Abderrahmane’s “trusteeship theory” and its critique of modern Western moral theories by approaching the concept of “responsibility.” To fulfill this task, I spotlight this concept in Taha Abderrahmane’s philosophical project by unveiling its significance and philosophical implications, namely in dialogue, debate, and philosophical creativity, three issues that consummed his early philosophical efforts. Accordingly, the paper falls into three sections. In the first section, I frame the problematic of the research by highlighting the inherent relationship between the philosophical foundations of Western modernity and its moral crisis. In the same section, I briefly discuss the attempt of the contemporary Western applied ethics to correct the negative effects of modernity, focusing in particular on the moral philosopher Jonas Hans’s theory of “responsibility.” The second section is devoted to the discussion of Taha Abderrahmane’s objections to these corrective moral theories in general, and to Jonas Hans’s theory of “responsibility” in particular. And in the third section, I discuss the concept of responsibility in Taha Abderrahmane’s “trusteeship theory”, by highlighting its epistemological as well as its practical moral dimensions and by tracing its conceptual relations with his philosophical conceptual apparatus. I conclude this section with a discussion of the significant function of “responsibility” both in carrying out dialogue and in the achievement of the philosophical creativity. Finally, I close my paper with a summary of the research paper and important remarks.

مقدمة:

ينهض المشروع الفكري للفيلسوف طه عبد الرحمن على ركن أساسي يتمثل في النقد والتفكيك، المتوجه أساسا إلى الفلسفة الحداثية الغربية والنظام العلمي- التقني المتولد عنها؛ مفككا معايير تعريفها ومفاهيمها المركزية، ومبينا آفاتها الأخلاقية ومآلاتها التطبيقية العملية[1].

وفي هذا السياق المنهجي القائم على الوصل بين التفكير النقدي والتفكير الإبداعي، فقد ركزت الرؤية الفلسفية لطه عبد الرحمن على نقده لمفاهيم “العقل” و”الحداثة” وتفكيكه لمسلمات وأسس “عقلانية” النظام العلمي- التقني، ونتائجها المدمرة على الإنسان والطبيعة؛ بما هي عقلانية علمانية “دهرانية المشرب”؛ قائمة على إسقاط معيار التقويم الأخلاقي.

ولئن تداعت بعض النظريات الفلسفية الأخلاقية، وجرُأت على طرح الحدود والمعايير الأخلاقية للنظام العلمي- التقني في صلته بالطبيعة والإنسان، لتصحيح مسار هذا النظام ودرء مفاسده وتجنب ومهالكه، كما هو الحال مع “نظرية المسؤولية” لصاحبها الفيلسوف الألماني “جوناس هانس”؛ الذي دعا إلى ضرورة إقامة ميثاق بيننا وبين الطبيعة كما أقمنا ميثاقا من قبل بيننا وبين المجتمع، ميثاقا نتحمل فيه مسؤوليتنا كاملة إزاء وجود الطبيعة، فإن النقد الطاهائي لهذه النظريات عموما ركز على تفكيك مفاهيمها وتفحص مقولاتها، وتبين أسسها الفلسفية في تصورها للأخلاق عموما ولأخلاق المسؤولية خصوصا، القائمة على “نمط المعاني الأخلاقية العلمانية” التي “تنزع عن الأخلاق لباسها الروحي وتكسوها لباسا زمنيا”.

في المقابل؛ فقد انكب الفيلسوف طه عبد الرحمن على إعادة بناء مفهوم “المسؤولية” في سياق فلسفي أخلاقي ضمن مشروعه الموسوم بـ”الفلسفة الائتمانية”، ليرفده بدلالات منهجية وبأبعاد معرفية أرحب؛ كونها تمتح من معين “الأخلاق الدينية” بما به تبلغ الذات “الأمينة” و”المسؤولة” أعلى مراتب الحكمة المسددة، من حيث هي جمع بين “التخلق الحكيم والتعرف البصير” المرقي تلك الذات إلى حال العبودية.

لذلك تطمح هذه الورقة إلى تقريب مفهوم “المسؤولية”، في المشروع الفلسفي الائتماني، ببيان دلالاته ومرجعياته وأبعاده ومستوياته وامتدادته، في ثلاثة فصول؛ يتولى الفصل الأول بيان أسس الحداثة الغربية العقلية، وآفاتها الأخلاقية، كما عرضنا فيه بإجمال الفكر الأخلاقي المعاصر المصحح لآثار هذه الحداثة، مركزين على نظرية “المسؤولية” لواضعها الفيلسوف الأخلاقي جوناس هانس. أما الفصل الثاني فقد خصصته لبيان نقد الفيلسوف طه عبد الرحمن لتلك النظريات التصحيحية؛ بإيراد اعتراضاته العامة عليها، وكذا الخاصة بنظرية المسؤولية. فيما تكفل الفصل الثالث بعرض مفهوم المسؤولية في الفلسفة الائتمانية ودلالاته المعرفية والأخلاقية وأبعاده الحوارية.

المبحث الأول: روح الحداثة الغربية، وآفاتها الأخلاقية

  • المعرفة العلمية الحداثية: الانفصال عن المعنى ومآلاته:

لا مراء في أن من أهم سمات المعرفة العلمية الوضعية، والعقل الحداثي الغربي منذ عصر النهضة استبعاد البعد الأخلاقي في مجال البحث العلمي، وإقصاء كل اعتبار معياري أو مقوم غيبي، وذلك بحجة أن هذه الاعتبارات منافية “للموضوعية العلمية” و”الصرامة المنهجية” و”الحياد الأخلاقي” للباحث العلمي، و”تعذر المعرفة الغيبية”، وغيرها من المبادئ التي تشكل مقومات المنهج العلمي في النسق المعرفي الغربي الحديث، مما أدى إلى حرمان المعرفة العلمية المتولدة عن هذا النسق من كل وسائل التسديد وجلب الهداية[2]، حتى صار من السمات المميزة لهذه المعرفة، وروحها المهيمن هو “العقلانية المجردة” التي تقضي بإنزال العقل “منزلة السلطان الداخلي الذي يملكه الإنسان لإصدار أحكامه على جميع الأشياء، ولإتيان أفعاله على مقتضى هذه الأحكام”[3].

وبالرغم من الهيمنة الشاملة لهذه “العقلانية” التي توحي بكونيتها وإطلاقيتها، فإنها سقطت في آفات منهجية تمثلت أهمها في “استرقاق الإنسان”، بدل تحريره وتوسيع آفاقه، وذلك باستلابه لصالح نموذج تهيمن فيه التقنية؛ “يحتوي الإنسان احتواء، ويستحوذ على إرادته وتغيب آفاقه عن عقله، أو إن شئتَ قلتَ، يسترقه، بعد أن كان هذا الإنسان يُمني النفس بأن يُسخر الكون له تسخيرا. وما هذا الانقلاب على الإنسان إلا لأن التقنيات أخذت تستقل بنفسها، وتسير وفق منطقها الخاص بغير بصيرة من الإنسان”[4]. وهكذا تحول العلم من نشاط معرفي إلى تقنيات تطبيقية، حيث أصبحت المنفعة العملية هي المعيار الأول الذي بمقتضاه يتم توجيه النشاط العلمي إلى موضوعات وميادين بعينها، مع ما يعنيه ذلك من استبدال الوسائل بالغايات، وقيمة المنفعة الخاصة للإنسان على سائر قيم البحث العلمي وعلى رأسها البحث عن الحقيقة.

وقد نتج عن هذه الروح التي هيمنت على المنهج العلمي الحديث نشوء نموذج معرفي لا أخلاقي، بفعل تحالف العلم مع التقنية؛ والذي تتلخص أهم مبادئه في استبعاد كل اعتبار أخلاقي في البحث العلمي، عملا بمبدأ “أن كل ما كان ممكنا وجب صنعه”[5]، مما كان من نتائجه المباشرة تقرير سيادة الإنسان المطلقة على الطبيعة، في تحلل تام من كل القيم والأخلاق التي تستلزمها علاقة الإنسان بالطبيعة. بل إن حقل القيم، هو كذلك، قد تميز في هذه المنظومة المعرفية الحداثية بطابع النسبية والتغير والتحول المستمر، اعتبارا لطبيعة هذه المنظومة القائمة على النقد والتحول المتواصل، وبحجة التزام الموضوعية وقصر المنهجية العلمية على التجربة الحسية في المقام الأول، أو الاستنباط العقلي والمنهج الاستقرائي، وهي الاعتبارات التي أصبحت قيمَ العقلانية المجردة، وأخلاق المنهج العلمي -التقني، في حين “أصبحت المعاني الدينية والقيم الأخلاقية تُعَد عندها بمنزلة عوائق أو عقبات تثبط العمل العلمي وتخرجه عن حقيقته وفائدته”[6].

خلاصة القول فإن النسق المعرفي الوضعي الذي طبع الحياة العقلية والعملية للأزمنة الحديثة والمعاصرة، بما عرفته من تحولات حضارية كونية جذرية عميقة، قد تميز بالسمات والخصائص الآتية:

  • “العقلانية الكونية.
  • الإيمان المطلق في العلم والتقنية.
  • سيطرة وتسلط الإنسانية على الطبيعة.
  • الإيمان بداهة في القدرة المطلقة للإنسانية”[7] (مركزية الإنسان وموت الإله والعدمية، بتعبير نيتشه)
  • نسبية القيم والأخلاق، أو بتعبير جاكلين روس: “إفلاس المعنى، والفراغ الأخلاقي النظري”[8]
  • الترميم الأخلاقي للعقلانية الحداثية وآفاتها المنهجية

2-1: الفكر الأخلاقي المعاصر في مواجهة التقنية (النظريات الأخلاقية المعاصرة، والأخلاقيات التطبيقية):

وأمام ما أحرزه العلم من تقدم وما حققه من طفرات هائلة على المستويات المعرفية والمنهجية والتطبيقية، بدأ تنامي الشعور بضرورة التأطير الأخلاقي لهذا النشاط العلمي المحموم والمتفلت من كل القيود والمبادئ الأخلاقية، حيث بدأنا نشهد ظهور فلسفات أو تيارات فلسفية تنادي بتخليق العلم، وإن اختلفت مشاربها ومناهجها، إلا أنها تُعد تعبيرا عن عمق الأزمة الأخلاقية التي انحط إليها النظام المعرفي الغربي، وتعبيرا عن التوتر الحاد بين العلم والتقنية بما تتسم به من تقدم وتحول متسارع لا يتوقف، وبين القيم والأخلاق بما تتميز به من خصائص المحافظة والثبات. لأجل ذلك ظهر ما يُدعى بـ”الأخلاقيات التطبيقية” المرتبطة بقطاعات علمية محددة؛ و”هي مجموعة من القواعد الأخلاقية العملية المجالية، تسعى لتنظيم الممارسة داخل مختلف ميادين العلم والتكنولوجيا وما يرتبط بها من أنشطة اجتماعية واقتصادية ومهنية، كما تحاول أن تحل المشاكل الأخلاقية التي تطرحها تلك الميادين، لا انطلاقا من معايير أخلاقية جاهزة ومطلقة، بل اعتمادا على ما يتم التوصل إليه بواسطة التداول والتوافق، وعلى المعالجة الأخلاقية للحالات الخاصة والمعقدة أو المستعصية  casuistique”[9]، وتتمثل أبرز هذه الحقول الأخلاقية التطبيقية في المجالات العلمية التالية: (أوردت منها الباحثة جاكلين روس خمسة ميادين، أُضيفت إليها ميادين أخرى لأهميتها العلمية والعملية)

  • أخلاقيات الطب والبيولوجيا” أو “البيوإتيقا La bioéthique
  • أخلاقيات البيئة L’éthique environnementale
  • أخلاقيات الاقتصاد L’éthique économique
  • أخلاقيات المعلومات L’éthique de l’informatique
  • أخلاقيات الإعلام والاتصال L’éthique des mass média
  • أخلاقيات التكنولوجيا La technoéthique
  • أخلاقيات تكنولوجيا الفضاء L’éthique de la technologie spatiale

إجمالا، فإن الأخلاقيات التطبيقية السالفة الذكر تتأطر داخل الفكر الأخلاقي الغربي المعاصر (تحديدا خلال النصف الثاني من القرن العشرين)، الذي جَرُأَ على مساءلة النظام العلمي – التقني بقصد ترميمه، وتصحيح مساره، ونقد بعض أسسه الفلسفية العقلانية وتقويمها، لكن دون الجرأة على التفكير خارج تلك الأسس أو تجاوزها، بما أنها تبقى نظريات أخلاقية تقترح قواعد براغماتية وعلمانية وتدولية توافقية، بمعنى أنها تدور في فلك الفكر الفلسفي الأخلاقي الغربي، التقليدي والحديث، وبالتالي سقطت في آفاته المنهجية والمعرفية، كما يستنتج ذلك الدكتور طه عبد الرحمن، وهو ما سنتبينه من خلال إيراد اعتراضاته على هذه النظريات الأخلاقية عموما، ونظرية المسؤولية خصوصا التي هي موضوع الفقرة الموالية.

2-2: نظرية المسؤولية لجوناس هانس: عرض وتقديم

يعتبر الفيلسوف الألماني، جوناس هانس (JONAS HANS)، تلميذ هوسرل وهايدغر وبولتمان، فيلسوفَ الفكر البيئي بحق، الذي اقترح حلولا “جذرية” تحد من الحريات الفردية[10]حين تشكل هذه الأخيرة خطرا على استمرارية البشرية. فقد كان رهان فلسفته الأخلاقية هو إحياء إحساس الإنسان بأهمية المنظومة الكونية التي هي حاضنة وجوده ونطاق نشاطه وحركته، ومن ثم مسؤوليته تجاه عناصرها ومكوناتها، وفق مبدأ “عش بالطريقة التي تتيح بها أن تستمر الحياة بعدك”. وبما أنه “قد أصبحت لدينا القدرة على تدمير الطبيعة، فإنه بسبب أفعالنا هذه يجب أن نتحمل المسؤولية على استمرار الحياة على كوكب الأرض في المستقبل”[11]؛ لذلك فقد دعا في كتابه المتميز“مبدأ المسؤولية: أخلاقيات من أجل الحضارة التكنولوجية”[12]؛ إلى “إقامة ميثاق بيننا وبين الطبيعة كما أقمنا ميثاقا من قبل بيننا وبين المجتمع، ميثاقا نتحمل فيه مسؤوليتنا كاملة إزاء وجود الطبيعة باعتبار هذا الوجود موضوعا متمتعا بمشروعية قانونية تضاهي، إن لم تتجاوز، مشروعية وجود المجتمع”[13]. لأجل ذلك فقد صاغ مبدأ أخلاقيا اعتبره ملزما يلخص فيه “أخلاق المسؤولية” بقوله: “لِتَأْتِ فعلكَ على الوجه الذي يجعل آثاره تصون الحياة الإنسانية الحقة على وجه الأرض”[14]، أو بتعبير مختلف: “تصرف دائما بالشكل الذي يجعل نتائج أعمالك غير مدمرة لمستقبل الحياة على الأرض”[15].

يؤسس ج.هانس نظريته الأخلاقية هذه بعد نقد لاذع لـ”العقلانية الحداثية” ومآلاتها التطبيقية المدمرة على الطبيعة المتمثلة في النموذج الآلي، وكذا نقد ما يعتبره “أخلاقا تقليدية” من جهة كونها متمركزة حول النوع البشري L’éthique traditionnelle est anthropocentrique، والمؤطرة لتفاعلاته وأنشطته، مُغفلة بذلك علائق الإنسان مع محيطه البيئي وحاضنه الطبيعي. لذا فقد صار لزاما، لتجنب الكارثة، إعادة تعريف مسؤولية الإنسان وتحديد نطاقها، من أجل حماية المستقبل والأجيال القادمة من مختلف التجاوزات التي قد تهدد الحياة واستمراريتها، وفي نفس الوقت تعدية هذه المسؤولية لتشمل جميع الكائنات الحية.

والذي يجذر ذكره أن فلسفة ج. هانس كما لاقت حفاوة من طرف كثير من الفلاسفة الأخلاقيين المعاصرين، في المنظومة الفلسفية الغربية ذاتها؛ كما هو الحال عند كارل بوبر الذي خص ج. هانس بمقالات متعددة لإبراز مقاصد فلسفته الأخلاقية والتطبيقية، وتحليل تداعياتها على مستوى إدراك الأبعاد الكونية والإنسانية حالا واستقبالا[16]، في المقابل فقد لاقت “نظرية المسؤولية” نقدا لاذعا من آخرين، أذكر منهم الفيلسوفة الفرنسية كاترين لارير Catherine Larrère المناصرة لأخلاقيات المسؤولية ولكن في اختلاف مع أطروحة ج.هانس الذي يعتقد أن قوتنا هي مقياس مسئوليتنا، بينما ترى كاترين لارير أن حدود قوتنا إن لم نقل عدم قدرتنا هي المحدد الفعلي لمسؤوليتنا[17].

المبحث الثاني: نقد طه عبد لرحمن للنظريات الأخلاقية الـمصححة للنظام العلمي- التقني

  • الاعتراضات العامة:

في معرض نقده للعقل الحداثي الغربي، وما تولد عنه من نموذج علمي –تقني، تعرض الدكتور طه عبد الرحمن لنقد النظريات الأخلاقية المصححة لهذا النظام المعرفي، مستهلا بنظرية المسؤولية السالفة الذكر، لذا فإننا سنستهل عرضنا في نقده لهذه لنظرية، بإيراد الاعتراضات العامة على تلك النظريات الأخلاقية، والتي يمكن تقسيمها إلى اعتراضات منهجية، وأخرى معرفية (فلسفية)

1-1: الاعتراضات المنهجية:

منهجيا؛ يورد طه عبد الرحمن على هذه النظريات اعتراضين اثنين، من خلالهما يمكن استنتاج ما يعتريها من قصور معرفي:

1-1-1: الأخلاقيات المعاصرة فلسفة “تقليدية” في مضمونها.

ومعنى ذلك أن هذه النظريات لم تخرج عن مضمون القيم التي كانت موضوعا للفكر الأخلاقي التقليدي اليوناني، رغم ادعائها التجديد فيها وطرحها بدائل أكثر اتساعا وجرأة؛ نحو: “الميثاق الطبيعي” و”محبة الأرض” و”المجتمع التواصلي غير المحدود” وغيرها[18]، لإخراج الإنسانية من الأزمات التي تكابدها. بل إنها تتوسل بنفس الجهاز المفاهيمي الأخلاقي التقليدي، أو ما يرادفه، مثل: مفاهيم “الحفظ” و”الصيانة” و”الكف” و”الإمساك” و”التلطف” و”لاعتدال”…

بهذ الاعتبار، فإن هذه النظريات الأخلاقية تظل تعَقُّلِية (بمعنى اللجم والتحكم) في مضمونها، أي التحفُّظ في اصطناع كل تقنية ممكنة والتَّصوُّن في الإكثار من هذه الوسائل، كما هو منهج الأخلاق التقليدية ذات الأصل اليوناني.

1-1-2: الأخلاقيات المعاصرة فلسفة “حديثة” في مقصِدها

والمقصود بذلك أنها أخلاق “علمانية” المشرب؛ بمعنى انفصالها عن الدين (كما سيأتي تفصيله)، وبذلك فهي تحاكي الفكر الأخلاقي في الفلسفة الحديثة (ق17)، من منطلق اقتناعها بتعذر الجمع بمبدأ السيادة الذي هو أحد مبادئ العقلانية الحديثة مع الأخلاق التقليدية، ومعنى ذلك منهجيا أن “نمط التنظير للمعاني الأخلاقية الذي ابتدعته العلمانية انتقل إلى هذه النظريات التصحيحية”[19]، وبذلك فهي لا تخرج عن مقاصدها التوجيهية رغم تبنيها المحتشم لبعض المعاني الأخلاقية الدينية.

1-2: اعتراضات فلسفية:

  • 1-2-1: غياب المعنى وتفكيك المرجعيات: (الانفصال عن الأخلاق الدينية)

بما أن هذه النظريات هي نتاج العقل الحداثي الغربي، فإنها لا تعدو أن تكون أخلاقا ترميمية، أو بتعبير طه فهي “أخلاقيات السطح”؛ بماهي “الأخلاقيات التي وضعها الحداثيون وما زالوا يضعونها من أجل دفع أسباب الشر أو الأذى الذي لحقهم، وما يزال يلحقهم بما كسبت يد الحداثة”[20].

وبديهي، أن تفكر هذه الأخلاقيات بشروط العقلانية الحداثية ومبادئها المؤسّسة؛ أقصد مبدأ الانفصال عن الأخلاق الدينية، من منطلق نفي هذه العقلانية لكل مرجعية غير مادية في النظام العلمي- التقني، خارج نطاق “البرهنة الرياضية المنطقية”، أو نطاق ” التجربة الاختبارية”، بحجة التزام الموضوعية، مغلقة بذلك الباب أمام كل دليل تقويمي معياري يعلو درجة فوق إمكاناتها المادية، حيث “أصبحت المعاني الدينية والقيم الأخلاقية تُعَد عندها بمنزلة عوائق أو عقبات، تُثبط العمل العلمي وتُخرجه عن حقيقته وفائدته”[21].

باختصار؛ فإن نمط التنظير العقلاني العلماني للأخلاق انتقل للنظريات التصحيحية للنظام العلمي- التقني، بما فيها “نظرية المسؤولية”، وغاية ما صنعت هذه الأخيرة هو استبدال المرجعية الدينية بمرجعيات تعويضية تشكل معادلا موضوعيا لأزمة الإطار المرجعي الحامل للقيم الذي تنكره، ومن تم فهي نظريات تَنَكُّرية في وصف طه عبد الرحمن (لا إنكارية كما هو الأخلاق العلمانية) “تنزع عن الأخلاق لباسها الروحي وتكسوها لباسا زمنيا”[22]، مما حرمها من أوصاف التسديد والتأييد التي هي سمة “الأخلاق الروحية”، مع تأكيد الفيلسوف طه عبد الرحمن على أن هذه النظريات لا تصرح بنفي الأخلاق الدينية، كما لا تدعي تبنيها في نفس الوقت؛ لكن “ترك مبدأ الانقطاع عن الأخلاق الدينية، لا يبرز أبدا فيما يقرره أصحابها من دعاوى ولا فيما يحررونه من مسائل”[23].

 

1-2-2: تصور براغماتي وتداولي للأخلاق

لا يمكن إنكار الفوائد الجمة التي أحدثتها هذه الحقول (الأخلاقيات التطبيقية) في حراسة القيم الأخلاقية للعلم، وتوجيه النشاط العلمي الوجهة الصحيحة لتحقيق خير الإنسانية، وبالكيفية التي تحفظ حقوق الأنواع الأخرى التي تشاركنا المجال الطبيعي، إلا أنها بدورها لم تخل من نقد فلسفي؛ كونها تعبير عن نزوع براغماتي وتصور نفعي للأخلاق، ورؤية نسبية للقيم وذلك بسبب غياب مرجعية إرشادية ثابتة، إضافة إلى أن إخضاع العلم وتطبيقاته للمعايير القيمية الأخلاقية يفترض استقلال هذه المعايير معرفيا ومنهجيا عن العلم ذاته، وهو ما لم يتحقق في هذه الأخلاقيات التطبيقية، عند بعض الاتجاهات على الأقل، التي ترى أنه لا “سبيل لقيام (علم الأخلاق)  سوى أن يصطنع المناهج العلمية، ويعتمد على الوصف والتجربة. وبدلا من إصدار الأوامر والنواهي لما ينبغي وما لا ينبغي، ليتها تكون أخلاقا وضعية تضع في اعتبارها الظروف الفعلية التي يعيشها الناس، وقدرتهم على التحمل والخضوع”[24]. بل إن الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، صاحب هذا النص، يصرح بوضوح: “إن عبارة: ينبغي أن أفعل كذا، هي عبارة تنطوي على مضمون عاطفي”[25].

من هذا المنطلق فإن النقد الطاهائي لهذا الفكر الأخلاقي الجديد ركز على قصوره التوجيهي، بنقد جذوره العلمانية كما بينا في الفقرة السابقة.

  • نظرية المسؤولية: الاعتراضات الخاصة

يَحْمَد طه عبد الرحمن لجوناس هانس في “نظرية المسؤولية”، خلخلته لمفهوم “التنبؤ” باعتباره أحد سيادات النظام العلمي-التقني الثلاث؛ فقد “صرحت هذه النظرية بأن للتنبؤ حدودا لا يمكن أن نكف عن تعديها إلا بالتصالح مع الطبيعة”[26]. كما أن هذه النظرية “لَمَّحَتْ إلى وجوب العمل بمبدأين من مبادئ الأخلاق الإلهية: أحدهما؛ مبدأ تعظيم الخَلْق لنزول الخَلْق منزلة الآية الدالة، أي منزلة الدليل على الخالق. والثاني: مبدأ الاستخلاف الذي يجعل عمارة الأرض أمانة يحملها الإنسان”[27]، تلميح لهما فقط دون تصريح.

في المقابل؛ يتفحص طه مفهوم “المسؤولية” عند ج. هانس، ليحكم عليه بالضحالة، لربطه “المسؤولية” الأخلاقية حصرا بالمستقبل في هذه الحياة وغياهبه، أي مستقبل الأنظمة البيئية على الأرض، مادام هذا المستقبل ليس هو الباعث على شعور الإنسان بالتكليف و”الخوف” المقترن به، والذي هو أهم مفردات “المسؤولية” الأخلاقية ولوازمها. موضحا أن مبعث الخوف فينا هو غيب المستقبل في الحياة الأخرى “لكن يوناس أبى إلا يُلْبِس الحياة الدنيا ما حقه أن يُذكر بشأن الحياة الأخرى”[28].

المبحث الثالث: بناء مفهوم المسؤولية في النظرية الائتمانية

يلاحظ الدارس للمفاهيم في المشروع الفلسفي لطه عبد الرحمن، دقة تأثيلها، وتشعب مستوياتها، ومنهجية تشغيلها. ولا غرو في ذلك إذا كان متهمِّما بإبداع فكري وفلسفي يقتضي اصطناع جهاز مفهومي مأصول غير منقول[29]، يكون حاملا بجدارة للبناء النظري والفلسفي الذي يعكس مضامينه ويختزل مقولاته في قوالب لفظية اصطلاحية تحمل من المضامين والمعاني الموسعة ما تتجاوز به شكلها اللفظي الوضعي، لذلك فقد عُد المفهوم “نظرية بالقوة، ومحور النظرية بالفعل”[30].

من هذا المنطلق؛ ونحن نحاول الإمساك بدلالات مفهوم “المسؤولية” واستخلاص أبعاده ومستوياته، وإدراك علاقاته المفهومية في مجمل البناء الفلسفي للرجل الموسوم “بالنظرية الائتمانية”، يلزمني التنبيه إلى الملاحظات الشكلية والمنهجية الآتية:

  • إن هذا المفهوم (المسؤولية) قد ورد في المتن الطاهائي؛ إما ورودا أصليا، تأصيلا واستشكالا، كما نلحظ ذلك في كتابيه “روح الدين” و”سؤال العنف”، وإما ورودا تبعيا أو لزوميا (دلالة الالتزام) في مواضع شتى من هذا المتن، بمعنى ورد لازما عن مفاهيم مركزية أو أصلية اقتضى الاستدلال المنطقي أن يكون مفهوم المسؤولية أحد لوازمه أو توابعه، كما سيتضح لنا عند تفكيك “مبدأ الأمانة” في النظرية الائتمانية.
  • تتعدد أبعاد تشغيل مفهوم “المسؤولية” في النظرية الائتمانية، الأمر الذي اقتضى من طه عبد الرحمن إعادة النظر في التوظيف الفلسفي لهذا المفهوم في “الفلسفة الغربية” كما أوضحنا سابقا، إلى جانب نقده في التراث الفقهي الإسلامي مبينا جوانب القصور في تصوره، ومستدركا على هذا التراث بتوسيع آفاق هذا المفهوم وتحميله بدلالات فلسفية أرحب تتعلق بمدلوله الأخلاقي تحديدا.
  • يعتبر مفهوم “المسؤولية” من أهم “المبادئ” التي تشكل أركان أي نظرية أخلاقية، إلى جانب الإلزام، والجزاء، والنية، والجهد..؛ بما هي “الأسس” التي تنبني عليها القاعدة الأخلاقية، ومن خلالها تتحدد شروط إعمالها، وترتسم معالم نتائجها التقويمية التربوية، كما أنها تُكسِب النظرية الأخلاقية التماسك المنهجي خاصة في بعدها النظري المعرفي. وعلى ذلك؛ أمكننا فهم اهتمام فيلسوفنا بتأثيل هذا المفهوم في معمار نظريته الأخلاقية “الائتمانية”، حيث اتخذ هذا التأثيل والاستشكال عدة مستويات نقاربها في الفقرات الآتية:

1 – التحديد الإبستيمولوجي لـمفهوم “المسؤولية”:

في الفكر الأخلاقي النظري؛ ينظر إلى “المسؤولية” باعتبارها المجلى العملي لمبدأ “الإلزام الأخلاقي” وأهم مقتضياته بما يترتب عليه من جزاء، بل إن المسؤولية هي في حقيقتها التوقيع الفعلي عن الإلتزام الأخلاقي؛ لإفادتها تحمُّلَ الإنسان لنتيجة أفعاله التي التزم بها أو قررها أو اختارها، سواء كانت من الأفعال المحمودة أو الأفعال المذمومة.

أما في الفكر الإسلامي، العقدي والتشريعي بالخصوص؛ فإن “المسؤولية” تتعلق بالمكلف من حيث تحمله لأمانة التكليف، وبالتالي خطابُه بالحكم الشرعي التكليفي، متى ما كان متحققا بشروطه وخليا من موانعه، “بحيث يصير مستحقا للجزاء، ثوابا أو عقابا، إن في العالم المرئي أو في العالم الغيبي”[31].

يُلاحَظ أن كلا المنظورين يعلقان المسؤولية على فعل الإنسان وتصرفاته “التدبيرية” واختياراته العملية، لذا فإن طه عبد الرحمن سيركز بداية في تحديده المفهومي لهذا المصطلح على الاستشكال العقلي المنطقي للمفهوم، جريا على عادته في بناء المفاهيم التي تنطلق من وضعها في السياق الفلسفي النظري ببيان أسسها المنطقية العقلية، ثم العبور بها إلى سياقها التداولي، لذا سنلحظ أنه يتخذ عنده عدة مستويات توافق فلسفته الإبداعية؛ معرفيا (سؤال التنظير)، وعمليا (سؤل العمل)، مع ما يقتضي ذلك من تتبع لعلاقات هذا المفهوم مع باقي المفاهيم المركزية في هذه الفلسفة.

في كتاب “بؤس الدهرانية”، يحرص طه على بيان الأسس المنطقية والمبادئ العقلية التي تنهض عليها “الفلسفة الائتمانية”، ويتعلق الأمر بـ: “مبدأ الشهادة” ومبدأ الأمانة” ومبدأ التزكية”، والتي تقابل المبادئ الثلاثة “للفلسفة غير الائتمانية” التي اصطلح على أنها مبادئ العقل الأولى في الفلسفة القديمة، أقصد مبدأ الهوية، ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع.

ضمن هذا الإطار، يندرج مفهوم المسؤولية في بمبدأ “الأمانة” بطريق اللزوم (دلالة الالتزام)، بما أن المسؤولية هي القدرة على تحمل الأمانة، “بدءا بالمسؤولية عن الأفعال وانتهاء بالمسؤولية عن المسؤولية، مرورا بالمسؤولية عن الذات والمسؤولية عن الناس والمسؤولية عن سواهم من الكائنات الحية والمسؤولية عن الأشياء، بل المسؤولية عن العالم، لأن كل الموجودات في العالم الائتماني، عبارة عن أمانات لدى الإنسان”[32].

لكن الدلالة المنهجية (العقلية) التي يضطلع بها مفهوم المسؤولية عند هذا المستوى، هي أكثر تجريدا من مدلولاته التي عددها آنفا؛ إذ إنه يقوم بوظيفة إسناد الاتساق العقلي في الفلسفة الائتمانية، وتقويم الفكر بربطه بالمسؤولية عن نتائجه ومآلاته، فيحفظه مما لا يُحفَظ منه بدونه وهو التردي إلى التناقض النظري وعدم الانسجام العملي الأخلاقي، وبيان ذلك أنه إذا كان “مبدأ عدم التناقض” الذي تأخذ به الفلسفة غير الائتمانية “يقضي بأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان، فإن مبدأ الأمانة يقيد هذه القضية المجردة، إذ يقضي بإن الشيء ونقيضه لا يجتمعان متى كان العقل مسؤولا، بدءا بالمسؤولية عن عدم الجمع بين الشيء ونقيضه، وانتهاء بالمسؤولية عن نتائجه النظرية وآثاره العملية”[33]. بمعنى أن الضامن لعدم تناقض العقل في نشاطه هو استحضار المسؤولية في التفكير، والمسؤولية عن آثاره.

وبذلك يصير مدلول الاتساق أبعد من عدم التناقض العقلي في الفكر والنظر، لتضمنه شرط الانسجام العملي، وما حصل ذلك إلا لأن هذا الاتساق حُلِّيَ بالمسؤولية أو بتعبير فيلسوفنا “ازودوج” بها؛ إذ إن “وجود المسؤولية في طي الاتساق خير من عدمها، (…) فالعقل المسؤول يمنعه اتساقه عن أن ينتج ما قد يضر بالوجود”[34].

خلاصة القول في هذا المستوى أن الفيلسوف طه عبد الرحمن اشتغل على تأثيل مفهوم المسؤولية من خلال استشكال هذا المفهوم فلسفيا، وبنائه بناء نظريا ينسجم مع أسس التفكير الفلسفي من منطلق اشتغاله بإبداع فلسفة إسلامية أصيلة.

2 – التحديد التدبيري لمفهوم المسؤولية (سؤال العمل)

     في سبيل تجاوز آفات العقل المجرد ومعالجة مشكلاته النظرية، يجتهد طه عبد الرحمن في تكميل هذا العقل بربط النظر العقلي بالعمل ووصله بأسبابه، “حتى إنه لا عقل بغير عمل، ولا عمل بغير عقل، إلا أن يكون فعلا غُفلا لا يستحق أن يحمل صفة العمل”[35]. ولما تبين أن صفة العقل التي تمنعه عدم التناقض هو تحليه بالمسؤولية بالتفكير بها، أمكننا القول بتقويمه نظرا وعملا في الفلسفة الائتمانية، أولى وأقوى من أي فعل سلوكي ظاهر، وفقا للقاعدة التي قررها في كتاب سؤال العمل “النموذجية الخلقية والعملية للفعل العقلي”[36]

وعلى ذلك، يتبوأ مفهوم المسؤولية منزلة تصحيحية للعمل التدبيري الإنساني، بمعنى أنه ينزل رتبة “أخلاقية” تقويمية، تتخذ أبعادا ومستويات متعددة، من منطلق تقويمه للفعل العقلي[37]، لأن كل عمل ناشئ عن “اختيار” و”حرية” يستلزم الشعور بالمسؤولية، سواء كان هذا العمل الصادر من الإنسان عملا “تعبديا” بمعنى تكليفا ربانيا، أو عملا تدبيريا “تَعَيُّشِيا” يتعلق بتعامله مع الناس قياما بمتطلبات العيش والتعايش، وتعامله مع مطلق المخلوقات التي هو مؤتمن عليها بمقتضى المسؤولية. وذلك هو مضمون ما يدعوه طه عبد الرحمن بمبدأ الائتمان الفطري، “الذي ينص على تحمل المسؤولية تجاه جميع الكائنات”[38].

– المسؤولية والحرية:

عند هذا المستوى كان لزاما على طه تحرير القول في مسألة “الحرية” باعتبارها لازمة منطقية للحديث عن مفاهيم الأمانة والائتمان والمسؤولية..، بما أنها مفاهيم تصدُر كلها عن نفس الحقل الدلالي “الأخلاقي”، إذ إن “الأمانة لا توجد بغير مسؤولية، ولا مسؤولية بغير حرية؛ فيلزم أن يكون الفعل العقلي الذي هو مناط الأمانة فعلا حرا حقا”[39].

من أجل بناء فلسفي ائتماني لمفهوم الحرية ينطلق طه عبد الرحمن  من نقد مفهوم الحرية اللازم عن المسؤولية في السياق الفلسفي الغربي “غير الائتماني”، مستعرضا التصورات السياسية الحديثة لهذا المفهوم، ومؤكدا على إطلاقها (عدم التقييد) فيما يتعلق بسلوك الإنسان مع الطبيعة وتسيبها الكامل في هذا لمجال لإخلالها بشرط “الأمانة”، إذ “لا خلاف أن الأمانة تقيد التصرف بالمؤتَمن عليه، صيانة ورعاية، والمؤتمن عليه هنا هو العالم بأسره؛ في حين أن الحرية قد تخرج عن كل قيد وتقع في التسيب الكامل، غير مُكترثة بما تُحدثه من فساد في الأرض، فتكون الأمانة، بذلك، أوفى من الحرية بشرط التزكية، إذ تُقَوم أخلاق الناس بما يجعلهم يعاملون خيرات العالم، لا على أنها مجرد موارد يستغلونها، وإنما آيات لها اعتبارها”[40]. وفي هذا تجاوز واضح لمبدأ جوناس هانس الذي يضع المسؤولية عن النطاق البيئي في سياق الخوف من المستقبل لدفع الأسوأ كما بينا آنفا، وليس في سياق الأمانة الاختيارية التي تحمَّلها الإنسان، فتأتي أفعاله وفقا لمقتضيات هذه الأمانة ومسؤولياتها.

3 – “المسؤولية”؛ مطلبا أخلاقيا للحوار:

بقدر ما اجتهد الفيلسوف طه عبد الرحمن في صياغة الأسس المنهجية للحوار (والمناظرة كأحد تجلياته) بوضع القواعد المنطقية واللغوية الضابطة لفعالياته، فقد تألق، بالقدر نفسه، في بناء الأسس المعيارية للحوار بوضع قواعده الأخلاقية القيمية. وكلا المسلكين يشكلان عنده “أصول الحوار” وضوابطه.

وفي سياق التنظير المعياري لهذا الحوار يؤكد على مبدأ المسؤولية، بما هو القاعدة الأخلاقية الباعثة عليه، إلى جانب كونها المقوِّم المعياري لممارسته ونتائجه.

3-1: المسؤولية؛ باعثا على الحوار

لتجاوز محدودية السؤال الفلسفي (بما هو محاورة وتناظر)[41] بشكليه: اليوناني القائم على آلية  الفحص لإبطال دعوى المحاوَر بإبراز تناقضاتها، وكذا السؤل الفلسفي الأوروبي الحديث القائم أساسا على النقد لذي يتوسل بمعايير العقل وحده[42]؛ يقترح طه عبد الرحمن شكلا حواريا جديدا، أو ثالثا، يسميه بـ”السؤال المسؤول” ومفاده أن الباعث للعقل الفلسفي في سؤاله ليس حصرا نقده أو فحصه لدعوى خصمه، وإنما نقده لنفسه بتفحص مقولاته قبل إيقاعها على الآخر، وذلك هو معنى المسؤولية في الحوار والمناظرة؛ لأن السائل/المـُناظر “مسؤول عن كل أفعاله، جليلها ودقيقها، بما فيها سؤاله نفسه، ولأنه مطالب بتفريغ ذمته من هذه المسؤولية؛ فشعوره بهذه لمسؤولية هو الباعث له على دوام المساءلة، عسى أن يظفر بما به يجيب عن الأسئلة التي تحيط بوجوده وتهجم عليه من كل جانب، وتجعله مسؤولا قبل أن يكون سائلا، ابتداء من حق السؤال وواجب الجواب نفسهما نحو: لم تسأل؟ عم تسأل؟ ومن تسأل؟ ولم ينبغي أن تجيب؟ وعم ينبغي أن تجيب؟ ومن ينبغي أن تجيب؟”[43]. فيصير بذلك أن أصل الفلسفة ليس السؤال كما استقر في الأذهان، وإنما “المسؤولية”، الذي به تكتسب الممارسة الفلسفية الحوارية البعد الأخلاقي المطلوب، “ومعلوم أنه لا تفلسف بغير تخلق”[44]، وقد عبر عن هذا المنطلق الأخلاقي للممارسة الحوارية لاحقا في كتاب “سؤال العنف: بين الائتمانية والحوارية” بالمساءلة التي تعني “الحوار الذي تتحدد فيه مسؤولية المحاور”[45].

ولمزيد من الإحكام المنهجي، فقد اجتهد طه عبد الرحمن في البناء المفهومي للممارسة الحوارية المسؤولة، والتي وسمها بالنظرية الائتمانية للحوار؛ والمؤسسة على أربعة أركان هي: الميثاق، الأمانة، الشهادة والـمُخالقة؛ بما هي المفاهيم المركزية التي تشكل صلب النظرية الائتمانية، في سياق نقد النظريات الأخلاقية الغربية عموما، ونظرية المسؤولية عند جوناس هانس تحديدا، وكما تبرز هنا كمقابل لما أسماه بحوار “المواجهة” عند إيمانويل ليفيناس Emmanuel LEVINAS (1906-1995)، التي تتحدد بكونها عبارة عن “المساءلة التي يسأل فيها الإنسان عن أداء واجبه”[46]، والتي تمتح من المصدر الديني التوراتي في حكايته لقصة حوار الله تعالى لقابيل عقب حادثة قتله لأخيه هابيل، حيث حكم طه عبد الرحمن على هذه المواجهة الحوارية “بتغييب المسؤولية”.

في المقابل تنتصب الممارسة الحوارية في القرآن الكريم، كتذكير بالميثاق الذي يشغل ذمة الإنسان منذ لحظة تكوينه وخلقه، فتتخذ الممارسة الحوارية في هذا السياق صورة مساءلة أسماها بالمواثقة؛ بما هي “المساءلة التي يسأل فيها الإنسان عن الميثاق الذي أخذ منه”[47]، ومعلوم أن “المسؤولية التي يتحملها المواثِق غير المسؤولية التي يتحملها المواجِه، إذ الأولى تستند إلى ميثاق مأخوذ منه، بينما الثانية لا تستند إلى هذا الميثاق؛ لذا، اختصت مسؤولية المواثق باسم يميزها عن مسؤولية المواجه، وهو الأمانة؛ فإذن الأمانة عبارة عن المسؤولية التي تشغل ذمة المواثق”[48]

تبعا لذلك؛ وبتشغيل آلية الاستدلال المنطقي، اجتهد طه في تأثيل باقي أركان النظرية الحوارية الائتمانية؛ أقصد: ركن الشهادة وركن المخالقة[49].

3-2: المسؤولية؛ شرطا للإبداع الفلسفي.

إذا تبين أن السؤال الفلسفي (وهو أرقى صور الحوار) يقتضي المسؤولية ليمارس النقد على نفسه وعلى آلياته العقلية والحجاجية، وأن بفضلها يتحول العقل الفلسفي من مجرد ناقد وفاحص إلى عقل مسؤول،  حيث يعلو بها رتبة زائدة عن نظيريه، بأن حلَّتْهُ بالشرط الأخلاقي الذي طالما استُبعد في  الممارسة الفلسفية غير الائتمانية بدعوى أنه “لا أخلاق في العقل”؛ وجب الاستنتاج لزوما أن “المسؤولية” هي شرط الإبداع الفلسفي العربي المطلوب عند الفيلسوف طه عبد الرحمن، وبها تغدو الفلسفة أخلاقا،  حيث يصير السؤال الفلسفي نقدا مسؤولا يمارس النقد على نفسه كما يمارسه على منقوده وعلى وسيلته العقلية. وبهذه الروح تنفتح آفاق الإبداع لدى المتفلسف العربي، الذي هو مطالب، حسب الفيلسوف طه عبد الرحمن، باستشكال مفهومين “ليس أضر منهما بالقول الفلسفي العربي، تسلطا عليه وتجميدا له، وهما: مفهوم “الفكر الواحد” ومفهوم الأمر الواقع””[50].

أ – استشكال مفهوم الفكر الواحد:

يقصد بهذا المفهوم هيمنة نمط فكري واحد على مختلف الثقافات، وفرضه بالسلطان لا بالبرهان، لغلبته الاقتصادية والسياسية؛ فتقتضي مسؤولية الفيلسوف العربي مدافعة هذا الفكر والاشتغال بنقده ببيان آفاته التي أجملها في اثنتين:

الآفة الأولى: الإخلال بمبدأ المسؤولية الذي تتحدد به الفلسفة، باعتبارها ممارسة تقتضي الحرية والاختيار، وتضطلع بمهمة التحرر من كل التبعيات، في حين أن هذا الفكر الواحد هو من آثار الضغوط العولمية التي لا نملك إزاءها إلا التسليم بآثارها، ومن تم يجب لزوما التحرر من هذا الوضع بنقد فكره وهيمنته.

الآفة الثانية: الإفضاء إلى نقيض المقصود؛ لأنه يُلزم غيره بالتسليم بكونيته ومن تم بواحديته، مما يحيله إلى فكر عقدي دوغمائي منغلق، أو فكر علمي تنوب فيه الآلة مناب الإنسان. أما إذا أراد هذا الفكر الدخول في الممارسة الفلسفية والانضباط بشروطها؛ فلا مناص له من أن ينقلب إلى نقيضه، أي إلى فكر متعدد، فينقلب بذلك عن نقيض مقصوده[51].

ب – استشكال “الأمر الواقع”، بما هو مفهوم سياسي يسعى إلى تكريس الهيمنة الثقافية للفكر الواحد بالآليات السياسة، ومن هنا خطورته، وتتحدد مسؤولية الإبداع الفلسفي العربي في دفع آثار هذا الواقع ببيان إخلاله بشرط التفلسف لمضادته مبدأ الاعتراض ومخالفته مبدأ الحق.

خاتمـة:

نخلص في ختام هذا البحث حول مفهوم “المسؤولية” في فلسفة طه عبد الرحمن “الائتمانية” إلى جملة من الخلاصات نذكرها بإيجاز:

  • في معرض نقده للحداثة الغربية ونموذجها المعرفي المتولد عنها المتمثل في النظام العلمي- التقني؛ تعرض طه عبد لرحمن لنقد العقل الأخلاقي الحداثي المصحح لهذا النظام، مبرزا قصوره وعلمانيته، مخصصا بعض النظريات الأخلاقية بالفحص والنقد، منها “نظرية المسؤولية” للفيلسوف الألماني جوناس هانس.
  • أما في سياق الإبداع فيجتهد طه في تأثيل مفهوم “المسؤولية”، وتشغيله في نظريته الفلسفية الأخلاقية التي اصطلح عليها بالفلسفة الائتمانية، بأن جعله أحد مفاهيمها الرئيسة؛ كون “المسؤولية” هي المجلى الأخلاقي والعملي لمبدأ الأمانة، أحد المبادئ الثلاثة التي تشكل أركان هذه النظرية.
  • تميز الإبداع الطاهائي في بناء هذا المفهوم من خلال تحديده له تحديدا ابستيمولوجيا منطقيا، قبل تشغيله في سياق النظرية الائتمانية، لإيمانه بأهمية الشرط المعرفي قبل الإدلاف إلى بيان الوظيفة العملية للمفهوم، والتي اتخذت منحى أخلاقيا خالصا في هذه النظرية.
  • اجتهد طه عبد الرحمن في تحديد شبكة العلاقات التي ينسجها مفهوم “المسؤولية” مع المفاهيم الأساسية التي تشكل معمار نظريته الأخلاقية، وقد حاولنا في هذا الصدد بيان علاقة المسؤولية بالحرية ونتائج هذه العلاقة.
  • ختمنا هذا البحث ببيان علاقة المسؤولية بالحوار، أو قل بيان أهمية شرط “المسؤولية” في إنتاج الحوار وتخليقه، متخذين المناظرة والسؤال الفلسفي شكلا لهذا الحوار، بما يفضي إلى الإبداع الفلسفي الذي يلخص مشروع الفيلسوف طه عبد لرحمن والذي يمكن وسمه بـ”الفلسفة المسؤولة”.

 

لائحة المصادر والمراجع:

  • كتب طه عبد الرحمن:
  • سؤال الأخلاق؛ مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 2006.
  • سؤال العمل: بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1،
  • سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1، 2017.
  • العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 1997.
  • روح الحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006.
  • بؤس الدهرانية، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط2، 2014.
  • الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 2006.
  • روح الدين، المركز الثقافي العربي، الدر لبيضاء، ط2، 2012.
  • كتب أخرى:
  • بوحناش، نورة. الأخلاق والحداثة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، 2013،
  • روس، جاكلين. الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة: عادل عوا، دار عويدات، بيروت، ط1، 2001.
  • بوفتاس، عمر. الأخلاقيات التطبيقية ومسألة القيم، ندوة: سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، 1432/2011.
  • بدوي، عبد الفتاح محمد. فلسفة العلوم، دار قبااء الحديثة، القاهرة، ط (د.ر)، 2007،
  • عارف، نصر محمد. نظريات التنمية السياسية المعاصرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتب بيروت، ط4، 1427/2006.

– Hans JONAS, mortality and morality, a search for the god after Auschwitz Lawrence Vogel, Northwestern University Press, 1996.

– Hans JONAS, Le Principe responsabilité. Une éthique pour la civilisation technologique, trad. Jean Greisch, Paris, Flammarion, 1998.

– Ricœur Paul, Responsabilité et fragilité. In: Autres Temps. Les cahiers du christianisme social. N°36, 1992.

 

*  جامعة السلطان مولاي سليمان –  بني ملال – المغرب.

[1] – مع قدرة فائقة على وصل هذا التفكير النقدي بالتفكير الإبداعي، أو قل بين النقد والبناء من خلال اقتراح حداثة مبدعة واصلة بين الموضوع والمعنى، بين أسباب العقل العلمي التقني ومحدداته الأخلاقية المسددة، كما سيأتي تفصيله في سياق هذا البحث.

[2]– ينظر: عبد الرحمن، طه. العمل الديني وتجديد العقل، مرجع سابق، ص: 148- 149.

[3]– عبد الرحمن، طه. روح الحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006، ص:101.

[4]– طه، عبد الرحمن. سؤال الأخلاق، مرجع سابق، ص: 65.

[5]– طه، عبد الرحمن. العمل الديني وتجديد العقل، مرجع سابق، ص: 45.

[6]– المرجع نفسه، ص: 67.

[7]– بوحناش، نورة. الأخلاق والحداثة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، 2013، ص29.

[8]– روس، جاكلين. الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة: عادل عوا، دار عويدات، بيروت، ط1، .2001ص: 13

[9]– بوفتاس، عمر. “الأخلاقيات التطبيقية ومسألة القيم”، ندوة: سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، 1432/2011، ص: 111.

[10] – لهذا يعتبر ج. هانس ناقدا للنظام الديموقراطي من خلال المساءلة الأخلاقية لمآلات التمركز حول الإنسان وتوسيع حرياته الفردية على غيره من المخلوقات.

[11] – Hans jonas , mortality and morality, a search for the god after Auschwitz , p 12  .

[12]–  Hans JONAS, Le Principe responsabilité. Une éthique pour la civilization technologique, trad. Jean Greisch, Paris, Flammarion, 1998,

[13]– عبد الرحمان، طه. سؤال الأخلاق؛ مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 2006، ص: 124.

[14]– Hans JONAS, Le principe responsabilité, p. 40.

[15] – Ibid, p :40

[16] – ينظر مثلا : Ricœur Paul. Responsabilité et fragilité. In: Autres Temps. Les cahiers du christianisme social. N°36, 1992

[17] – بامي، جمال. “الفلسفة البيئية وأخلاق الأرض”، مجلة الإحياء، ع32-33، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، 2010، ص: 140.

[18] – ينظر: سؤال الأخلاق، ص: 130.

[19] – المرجع نفسه، ص: 131.

[20] – سؤال الأخلاق، م.س، ص:26.

[21] – المرجع نفسه، ص: 67.

[22] – بؤس الدهرانية، ص: 13

[23] _ المرجع نفسه، ص: 131.

[24]– المقولة للفيلسوف: برتراند راسل في كتابه: An outline of philosophie، نقلها عنه: بدوي عبد الفتاح محمد، فلسفة العلوم، دار قباء الحديثة، القاهرة، ط (د.ر)، 2007، ص: 380.

[25]– المرجع نفسه، ص: 380.

[26] – سؤال الأخلاق، م.س، ص:125.

[27] – المرجع نفسه، ص: 125.

[28] – نفسه، ص: 125.

[29] – أو إعادة إبداع المفهوم المنقول عن السياق الفلسفي الغربي بما يجعل هذا المفهوم يحمل الجديد  عند إعادة تشغيله في تصور فلسفي آخر، حتى كأنه إبداع ابتداء، فيصير بذلك هذا المفهوم المنقول بمنزلة المأصول (ينظر: روح الحداثة، ص:12)

[30]– عارف، نصر محمد، نظريات التنمية السياسية المعاصرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتب بيروت، ط4، 1427/2006ص:227.

[31] – روح الدين، ص:453.

[32] – بؤس الدهرانية، ص: 15

[33] – المرجع نفسه، ص: 16.

[34] – المرجع نفسه، ص:16

[35] – سؤال العمل، ص:58.

[36] – المرجع نفسه، ص: 84.

[37] – يؤكد طه عبد الرحمن على صفة الفاعلية في تعريف العقل، متجاوزا بذلك التصور القائل بأن العقل جوهر، أخذا عن التعريف الأرسطي.

[38] – سؤال العمل، ص:220.

[39] – المرجع نفسه، ص: 85.

[40] – سؤال العمل، 221.

[41] – يعتبر السؤال الشكل الابرز للحوار، بما هو تفاعل خطابي لغوي بين طرفين، لكون أن الأصل في الكلام أيا كان شكله ومضمونه يعتبر حوارا.

[42] – والفرق بين “الفحص” والنقد”؛ أن الأول يوجب الدخول في الحوار والقصد هو إفحام المحاور، أما الثاني فيوجب التفكير في المعرفة والهدف هو الوقوف على حدود العقل.

[43] – الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، ص: 15

[44] – المرجع نفسه، ص: 15

[45] – طه، عبد الرحمن. سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1، 2017، ص: 167

[46] – المرجع نفسه، ص: 168.

[47] – المرجع نفسه، ص: 168

[48] – نفسه، ص169

[49] – للتوسع: يرجع لقسم: الممارسة الحوارية بين المسؤولية والأمانة، من كتاب سؤال العنف.

[50] – المرجع نفسه، ص: 16.

[51] – المرجع نفسه، ص:18. Drezinex

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2