سؤال المشروعية في التاريخ العربي ومأزق العقل الأخلاقي
✍🏽 د. خالد العسري – باحث أكاديمي، المغرب
ملخص:
تروم هذه الدراسة البحث في إشكالية المشروعية التي أعادتها ثورات “الربيع العربي” المجهضة إلى الواجهة، في محاولة لإعادة صياغة معادلة الاجتماع السياسي وفق قواعد معيارية جديدة، وتعاقد مستحدث يعترف بسيادة الشعب فعليا وليس بشكل مجازي.
وتقوم فرضية البحث أساسا على أن سؤال المشروعية الذي أحياه شباب ثورات الربيع العربي المجهض قد مُني بمعارضة شديدة على واجهتين: واجهة انتصار الثورات المضادة لمنطق المشروعية الإمبيريقية التي تفرض على فئات الشعب القبول بالسلطة دون شراكة حقيقية في تدبيرها، وإلا فإن السلطة تتوعد بما هو أسوأ. وواجهة انتصار الإيديولوجيات المنغلقة سواء منها علمانية أو دينية لقيم معيارية نأت بنفسها عن منطق بناء الدولة المدنية التي تتغيى بناء دولة المواطنة الجامعة، وهو ما يضع تحديا مزدوجا أمام كل تغيير مستقبلي فعلي باستدماج تحرير الوعي مع الانتصار للمبادئ الأخلاقية في بعدها الإنساني.
مقدمة:
يقصد بالعقل الأخلاقي ذاك العقل الذي يؤسسه ويوجهه نظام القيم، فهو في الأولوية سابق على النظام المعرفي، لذلك فهو يقارب موضوعات السياسة كما ينبغي أن تكون عليه، وليس كما وقعت وتقع بالفعل. ومن الواضح أن ثورات “الربيع العربي” المجهضة قد انتصرت لقيم أخلاقية تجلت أساسا في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وإن ظل عدم التوافق حول دلالاتها المرجعية حاضرا لكون الثورات كانت مزجا لرؤى متباينة، وأطياف مختلفة. ومع ذلك فقد كان من أهم ما وقع الاتفاق حوله أن الثورات أعادت إلى الواجهة إشكالا مركزيا في التاريخ السياسي للحضارة العربية الإسلامية المتمثل في مدى أحقية النظام الحاكم في امتلاك السلطة ابتداء، لقد تم “إحياء” سؤال المشروعية La légitimité الذي يُعنى أساسا بتبرير الحق في السلطة، وليس بمسألة تبرير كيفية ممارسة السلطة، وهو ما يشكل لب مطالب أي حراك مجتمعي يتغيى تحقيق تغيير حقيقي.
لا يتوقف مأزق العقل الأخلاقي في مقاربته لسؤال المشروعية عند التوفيق بين المواقف الأخلاقية المبدئية وإكراهات سلطة الواقع، حيث يجد تجلياته في التنازع بين المعيارية الأخلاقية والمعيارية الإمبريقية، ولكنه عانى مأزقا معرفيا خطيرا عندما تمت زحزحة منطق بنيته الداخلية لتتلاءم مع التحولات العميقة التي حصلت مع الدولة الحديثة، وهو ما فرض على العقل الفقهي الأخلاقي إعادة قراءة مقولاته عن مفهوم “السيادة” باعتبارها مقولات نسبية تستجيب لسياقاتها وليست مطلقة تتنزل في كل زمان ومكان، فالسيادة من جهة أولى يمتلكها الشعب مما يسقط ولاية العلماء/ أو أهل الحل والعقد / أو الفقيه على الأمة ووصايتهم عليها، كما أن السيادة تتحقق داخل حدود “الدولة القومية” المعترف بها في القانون الدولي، وهو ما استوجب من العقل الأخلاقي صياغة مقولاته بمنطق “الأمة المواطنة” لا “الأمة المؤمنة”.
لقد استضمر الوعي الجمعي العربي “ثقافة الإجماع” تجاه السلطة الحاكمة التي تتكئ على مشروعيات تقليدية لا تؤمن بمنطق التداول على السلطة، أو شرعية معارضتها والخروج عن إجماعها المتوهم. وفي مقابل هذه الثقافة الإجماعية القسرية تجاه مشروعية إمبيريقية لا تحتكم إلى معايير الدولة الديمقراطية الحديثة تنبت إيديولوجيات منغلقة لا تؤمن إلا بمعايير منظومتها الفقهية أو الفكرية التي تجعله مطلقا يتجاوز سياقات ولادته، وتكره الآخرين على تبنيه، وهو ما يطرح أمام سؤال تصويب مسارات العقل الأخلاقي إشكالا ثنائيا:
- كيف يمكن إضعاف منطق المشروعية الإمبيرقية التي يتكئ عليها الاستبداد والانحياز إلى القيم الأخلاقية غير المساومة على حق الشعوب في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية؟
- كيف تتم إعادة تقييم المشروعية المعيارية الأخلاقية لتتناسب ومنطق الدولة الحديثة، على اعتبار أن منطق العقل الأخلاقي غير مطلق ولكنه كان مظروفا بظرفه؟
المبحث الأول: العقل الأخلاقي ومأزق المشروعية المعيارية
أجمع الفقهاء على ضرورة انعقاد الإمامة العظمى، حيث “إن نصب الإمام واجب قد عُرف وجوبه من الشرع بإجماع الصحابة والتابعين”[1]، كما “أجمع سلف الأمة، وأهل السنة، وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام – أي توليته على الأمة – واجب على المسلمين شرعا لا عقلا فقط”[2]، وقد عرّف ابن خلدون الخلافة كونها “خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”[3]، وما يهمنا في موضوعنا هو التساؤل عن آلية التعاقد التي يتم بها النيابة والخلافة عن صاحب الشرع؟ أي أننا نثير مسألة المشروعية من خلال الآليات المعيارية التي كانت تستجيب لظرفها وزمنها، على اعتبار أن “كل عصر له مفهومه الخاص عن المشروعية”[4]، وهي المعايير التي تم الانقلاب عليها في زمن مبكر (المطلب الأول)، لكنه انقلاب قوبل بمقاومة مبدئية وميدانية من قِبَل العقل الفقهي الأخلاقي في مبتدأ الأمر (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مشروعية السيف بديلا عن البيعة الشرعية
نكون بصدد الحديث عن المشروعية المعيارية عندما تتم الاستجابة إلى “المعايير التي يجب على فاعل، أو مؤسسة، أو نظام سياسي استكمالها ليعتبر بذلك صاحب مشروعية”[5]، إن الأمر يتعلق عندها بتبرير الحق في السلطة، وسلطة ذات مشروعية هي “سلطة لا تحتاج إلا إلى حد أدنى من الإكراه ليتم احترامها وطاعتها”[6]، ورغم غياب المصطلح في الثقافة الإسلامية حينها، إلا أن “غياب كلمة في لغة من اللغات لا يعني بالضرورة غياب المفهوم الذي تفيده”[7].
لقد تأسس الاجتماع السياسي العربي الإسلامي بعد النبوة على قيم جديدة سعت إلى “تجاوز “القبيلة” بالمعنى الضيق للكلمة، وإحلال “الأمة” محلها كمشروع مستقبلي وكواقع تم الشروع فعلا في بنائه، فإن منطق “القبيلة” الذي عالج به الصحابة مسألة الخلافة كان أقرب ما يكون إلى “اختيار الأمة”، إلى العمل برأي “الأغلبية”، الأغلبية لا بالمعنى الكمي الذي يعتمد عدد الأفراد أو الأصوات بل بالمعنى “الكيفي””[8]، وهو ما كان مآله إقرار بيعة تعاقدية بين الحاكم والمحكوم تقوم على مبدأ الطاعة الملازمة لمبدأ الشورى.
أجمع الأصلان القرآني والنبوي على ضرورة لزوم الشورى في الحكم، مع الصمت عن آليات تفعيلها، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لو كنت مستخلفا أحدا دون مشورة لاستخلفت عليهم ابن أم عبد”[9]، ولو افترضنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالأمر من بعده لأحد من آله أو صحبه، لانتفى دور الأمة على امتداد تاريخها، إذ لا يحق لها أن تعزل من عينه نبيها، وكل خليفة إنما سيكون حلقة من حلقات متتالية في سلسلة وراثية ذهبية تتصل بالأصل النبوي، مما يجعل مشروعية حكم الإمام خارجا عن إرادة الأمة في اختيار من يحكمها، ومن ثم فلا موجب عندها لحديث عن البيعة إلا باعتبارها تزكية لواقع التعيين، لا باعتبار المبايعة تعبيرا عن ولاية الأمة على نفسها ومنشئة للسلطة، مع ما تمنحه للأمة من إمكانية فسخ عقدها مع حاكمها إن نقض العقد المتوافق حوله.
لم يستقل “العقل الأخلاقي” في مرحلة الخلافة الراشدة عن “العقل السياسي” بفعل عدم تمايز العلماء عن الأمراء، وعدم انفصال الدعوة عن الدولة، لكن سرعان ما تحول الحكم إلى منطق “العصبية القبلية”، ليغدو بعد ذلك مُلكا يُتوارث وفق معايير غير التي عُرفت في الخلافة الراشدة. حصل هذا التحول المبكر بعد نزيف خطير أودى بحياة الكثير من الصحابة وآل البيت في حروب الجمل وصفين وكربلاء والحَرَّة… وأصبحت المشروعية تُنتزع بمنطق الإكراه والغَلَبة و”الشوكة” و”العصبية” و”الغنيمة”، فمن “الدعوة إلى الدولة، من الخلافة إلى الملك العضوض والإمارة السلطانية: مسار واحد، هو مسار تاريخ ظهور وتشكل العقل السياسي العربي”[10]، الذي تنازل عن فهمه للإمامة باعتبارها تمثيلا للأمة إلى كونها ظل الله في الأرض، ومن تحول المبايعة من عقد رضائي ملزم لطرفين إلى اعتبارها آلية ملزمة للمحكومين دون الحاكمين.
تحولت البيعة من عقد رضائي إلى سلطة تبني ملكها بمشروعية السيف، خطب معاوية بن أبي سفيان الناس بعد أن استتب له الحكم بعد تنازل الإمام الحسن له فيما سمي “عام الجماعة”، فقال: “أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة”[11]، وبعد موت يزيد بن عبد الملك، وتخلي ابنه معاوية عن الملك، قدم مروان بن الحكم على عبد الله بن عمر قائلا: ” ألا تخرج إلى الشام فيبايعونك؟ قال: فكيف أصنع بأهل العراق؟ قال: تقاتلهم بأهل الشام؟ قال: والله ما يسرني أن يبايعني الناس كلهم إلا أهل فَدَك وأن أقاتلهم قيُقتل منهم رجل، فقال مروان: إني أرى فتنة تغلي مراجلها، والملك بعد أبي ليلى(كناية على معاوية بن يزيد) لمن غلبا”[12].
تبدو في هذا الحوار عقليتان: عقلية أخلاقية تحرص على ثلاثية أن يكون عقد البيعة رضائيا، وأن تحصل البيعة بشبه إجماع، وأن تحفظ دماء المسلمين. وفي مقابلها يبدو عقل سياسي براجماتي لا يهمه بأي وسيلة توسل من أجل الوصول إلى السلطة. إنها “ثورة مضادة” على القيم التأسيسية للاجتماع السياسي العربي الإسلامي، وهو ما طرح السؤال الحارق على العقل الأخلاقي في كيفية مواجهته لهذا الانقلاب الكلي والشامل لأسس مشروعية السلطة، وما تشكله من تداعيات سلبية على منظومة القيم المجتمعية.
المطلب الثاني: العقل الأخلاقي ومقاومة “الثورات المضادة”
لا يقيم العقل الأخلاقي الفقهي أدنى تمايز بين الفعل السياسي والسلوك الأخلاقي؛ بل يعتبر السياسة والأخلاق “حقلا معرفيا واحدا ينتمي إلى مجال الإرادة وليس إلى مجال العقل”[13]، وإذا كانت العقلانية المجردة تنحو إلى النسبية، فإن العقل الأخلاقي يجعل من الالتزام المبدئي سلوكا وغاية، ومن الأخلاق معيارا وحجة، ومن العقل واسطة اجتهاد وتنزيل للقيم التي يعتقدها، “ففي المجال الفلسفي الذي يعنينا هنا، تفيد “القيمة” المعنى الخلقي الذي يستحق أن يتطلع إليه المرء بكليته ويجتهدَ في الإتيان بأفعاله على مقتضاه”[14]، لذلك تتجاوز منظومة القيم لدى العقل الأخلاقي مجرد أنها مجموعة خصال يتسم بها الفرد إلى كونها “بالدرجة الأولى معايير للسلوك الاجتماعي والتدبير السياسي ومحددات لرؤية العالم واستشراف المطلق”[15].
تجلت أزمة العقل الأخلاقي مبكرا، فيما يتعلق من موقفه من سؤال المشروعية في التاريخ العربي الإسلامي، من خلال الصراع النفسي الذهني الذي يعاني منه العالم والفقيه، بين أن ينتصر للموقف الذي يسنده الدين والأخلاق، أو الاستجابة لممكن السياسة التي تقول بلامعقولية ذلك الموقف بعد انقلاب منطق “القبيلة” على منطق “الأمة”، وعدم اعتباره إلا لمشروعية السيف في حيازته الملك، وترسيخ الطاعة بمنطق الخوف والاستسلام لعنف السلطة دون حتى البحث عن مسوغات شرعية، ومثاله خطبة الوليد بن عبد الملك في الناس بعد دفنه لأبيه سنة 96 ه قائلا: “… عليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفرد. أيها الناس: من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه”[16].
كان خطاب سلطة “الثورة المضادة” موجها أساسا إلى العصبيات التي تناوئها الحكم، وإلى العالم والفقيه الذي يملك “سلطة التحدث باسم الدين، أي باسم الشرعية، ولأنه، كذلك ، يحظى بمساندة “العامة”، أو ما نعبر عنه نحن اليوم ب “الجماهير الشعبية””[17]، وفي مبتدأ تحول الخلافة إلى ملك عضوض كان التحالف المبدئي قائما بين آل البيت، بما يمثلونه من رمزية وعصبية هاشمية، وأعلام الفقهاء الذين كانوا ينصرونهم في قوماتهم وثوراتهم لوعيهم أنه لا يفُلُّ عصبية قبلية إلا عصبية تماثلها قوة، وقد حفظ لنا التاريخ كيف ساند الأئمة أبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعيُّ أبناءَ عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي في ثوراتهم، حين كانت الثورة هي الاختيار الأول عند آل البيت وعلماء السنة ضد السلطة الناقضة لأسس المشروعية.
تحكي كتب التاريخ أنه بعد وفاة عبد الله بن الحسن العلوي معتقلا في سجن المنصور العباسي خلفه أبناؤه الأربعة في حمل مشعل الثورة، وهم: محمد، وإبراهيم، ويحيى، وإدريس. وقد قام كل منهم في بلدة من البلدان مساندا بأكابر فقهائها وعلمائها، فأما محمد النفس الزكية فقد قاد قومته في المدينة، وسانده جمٌّ كبير من الفقهاء، حتى خاف المنصور على ملكه، فكان يأخذ على الناس أيمان البيعة له طوعا وكرها، “ولهذا لما أفتى مالك رحمه الله بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاةُ عليه، ورأوها قادحةً في أيمان البيعة، ووقع ما وقع من محنة الإمام رحمه الله”[18].
وأما أخوه إبراهيم فقد قاد قومته وثورته في البصرة، فخرج معه “كثير من القراء والعلماء، منهم: هشيم، وأبو خالد الأحمر، وعيسى بن يونس، وعباد بن العوام، ويزيد بن هارون، وأبو حنيفة؛ وكان يجاهر في أمره ويحث الناس على الخروج معه كما كان مالك يحث الناس على الخروج مع أخيه محمد. وقال أبو اسحق الفزاري لأبي حنيفة: ما اتقيت الله حيث حثثت أخي على الخروج مع إبراهيم فقتل! فقال: إنه كما لو قتل يوم بدر. وقال شعبة: والله لهي عندي بدر الصغرى”[19].
وأما أخوهما يحيى فقد قام على الرشيد وأخيه في اليمن، “وبث دعاته في الأرض، وبايعه كثيرون من أهل الحرمين واليمن ومصر والعراقين. وبايعه من العلماء: محمد بن إدريس الشافعي، وعبد ربه بن علقمة، وسليمان بن جرير، وبشر بن المعتمر، والحسن بن صالح وغيرهم”[20].
وأما أخوهم إدريس فإنه بعد نجاته من موقعة فخ، التحق بالمغرب الأقصى حيث استقبله أهلها فولوه عليهم، وتلك كانت بداية دولة الأدارسة.
استمرت الثورات والقومات على امتداد تاريخ المسلمين تحاول رد الأمر إلى نصابه، لكنها منيت بالفشل الميداني لأسباب ليس هنا مجال حصرها. واستتب الأمر للملك العضوض، مما أسعف أصحاب “فقه الاستقرار”، والحفاظ على بيضة المسلمين بالحجة الميدانية في أن الخروج على أئمة الجور لا يجر على الأمة إلا مزيدا من الفتن والويلات، فأصبح للحكام العاضين مشروعية عرفية لا يزيدها التاريخ إلا رسوخا، حتى ندر مع تطاول الأمد القول بالخروج على أئمة الظلم والجور.
روى الحافظ ابن حجر عن الحسن بن صالح: “قولهم: كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور…قال: وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما هو أشد منه”[21]. وبذلك قال القاضي عياض كما حكى الإمام النووي: “قال القاضي: وقيل أن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم”[22]. استقر الأمر على ترك مقولات مدرسة الثورة على مغتصبي السلطة، وهو ما آل إلى تراجع المشروعية المعيارية أمام منطق المشروعية الإمبريقية التي رسخت في الوعي العام بحد السيف.
المبحث الثاني: المشروعية الإمبيريقية بديلا عن المشروعية المعيارية في التاريخ العربي
أصبح القول بالخروج بالسيف على أئمة الجور “مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما هو أشد منه”. إنها مقولة تلخص مرحلة تم فيها إحداث القطيعة بين مذهب جيل التأسيس المنتصر لمبدئية العقل الأخلاقي الذي يتعامل مع السياسة بمنطق كيف ينبغي أن تكون، ومذهب الخلف الذي أعاد قراءة سؤال مشروعية السلطة بمنطق التعامل مع السياسة كما هي واقعة فعلا (المطلب الأول)، ليكرس مفهوم استقرار السلطة بدلا عن استقرار القيم (المطلب الثاني).
المطلب الأول: آليات التداول على السلطة في النظر الفقهي
وقع الانتقال من منطق المشروعية المعيارية إلى التأسيس لمنطق المشروعية الإمبريقية التي تهتم بتصور الجماعة لأسس اجتماعها السياسي والاجتماعي بمعزل عن مدى توافقها أو تنافرها مع الخصائص المعيارية المستمدة من النص القرآني والحديث النبوي وسيرة الخلفاء الراشدين في التجربة الإسلامية. إنها مشروعية إمبريقية “تتعلق بإدراك الجماعة المعنية. وما يصبح عند الناس في اعتبارهم “طبيعيا” و”مطلوبا” يتجسد في معتقداتهم وممارساتهم الاجتماعية”[23]. وإذا كان من صفات العقل الأخلاقي أنه يلتزم بمعايير كلية ومطلقة يجري صدقها في كل ظرف من غير استثناء، ولذلك كان من خصائصها: الثبات والشمول[24]، فإن هذا العقل تغيرت مقولاته إلى النسبية، والتجزيء في المجال السياسي لـتأثره وتفاعله بالسياقات التي اجتهد في معالجتها أو تبريرها.
شكل النزاع على السلطة أكبر نزيف في تاريخ المسلمين، فقد استُلَّ السيف مبكرا بسبب الصراع على الإمامة. كانت مشروعية السيف الذي يجتز الرؤوس، ويطوف بها في المدن، ويصلب الجثث بدعة أموية سرعان ما رسخها التقليد في مختلف السلطنات؛ بل استمرت إلى اليوم مع الجماعات القتالية التكفيرية التي تستحوذ على رقعات جغرافية. روى عبد الملك بن عمير، قال: “كنت عند عبد الملك بقصر الكوفة فجيء برأس مصعب بن الزّبير، فارتعت لذلك، فقال: مالك؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، كنت بهذا القصر مع عبيد الله بن زياد، فرأيت رأس الحسين بن علي بن أبي طالب بين يديه، ثم رأيت رأس عبيد الله بين يدي المختار (يقصد المختار بن أبي عبيد الثقفي) في هذا المكان، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب في هذا المكان، ثم هذا رأس مصعب، فأمر عبد الملك بهدم ذلك الطّاق (أي عقد البناء حيث كان)”[25].
أمام هذه الفتن التي دامت زمنا طويلا، وما صاحبها من تفكيك لوحدة الأمة وأقطارها، ومن استسهال لإراقة الدماء، بحث العقل الأخلاقي الفقهي عن مخارج استثنائية ألجأته إلى قراءة النص بالواقع، بعد أن كان يقرأ الواقع بالنص، شرع في هذا النوع من القراءة تحت فقه الضرورة، ثم أصبح مع توالي الأجيال “فقها أصيلا” لا يخجل من تراجعاته، أو تبرير تناقضاته.
إن أي سلطة لا تستمر باحتكارها وسائل الإكراه فقط؛ بل يلزم أن تؤسس مشروعية حكمها في ذهنية العامة حتى يمتنعوا عن مقاومتها؛ بل والتعاون معها. وهو ما يفترض التأثير على إرادات الرعية لتستسلم طوعا لقواعد السلطوية، مع تنمية الاقتناع لديها أن انقيادها ما هو إلا استجابة لمصلحتها العامة. وبذلك “تمثل المشروعية قيمة مضافة للقدرة، وكما أن غيابها يؤثر سلبا على القدرة، ويجعل أمر احترام القواعد والسلطة مكلفا للغاية، فإن نقص المشروعية يعد سببا في هشاشة الدولة لأنه يمس بسلطتها، وبالتالي يؤثر في قدرتها”[26].
تركت المبايعة الشرعية مكانها تاريخيا لبيعة عُرفية تلزم الرعية بالطاعة المطلقة، وتُحل السلطان من أي التزام، بل له الحق أن يفعل ما يشاء بتفويض من الفقهاء شراح النص الشرعي، أو “الموقعين عن رب العالمين”! بتعبير ابن قيم الجوزية. أصبح مذهب الفقهاء أن “الإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل. والثاني بعهد الإمام من قبل”[27]، أضيف إلى هذين الوجهين اعتراف بشرعية المتغلب بالسيف، قال القلقشندي “الطريق الثالث من الطرق التي تنعقد بها الإمامة: القهر والاستيلاء”[28].
ألزم العقل الفقهي الأمة بعدم جواز الخروج على الإمام حتى وإن نقض شروطا هم وضعوها بأنفسهم. “ويكفي أن ننتبه كيف أن الفقه السني تمايز نظريا عن الفقه الشيعي في أن الإمامة تكون بالاختيار لا بالنص، وهذا يوحي أن الفقهاء ينتصرون لاختيار الأمة لأئمتها، لكنهم ما لبثوا أن جعلوا اختيار الأمة اختيار أهل الحل والعقد فيها، ثم اكتفوا بأهل الحل والعقد في بلدة الإمام، ثم تجادلوا في عددهم فذهب كثير منهم أن الواحد والاثنين منهم كاف، ثم أثبتوا شرعية استخلاف الإمام ابنه أو أخاه، ثم قاسوا عمل الإمام الذي يرتب الإمامة في اثنين أو ثلاثة من آل بيته من بعده على عمل الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أمّر على جيش مؤتة زيد بن حارثة، ويخلفه جعفر بن أبي طالب عند إصابته، ثم عبد الله بن رواحة، ثم انتهى الأمر بالفقهاء إلى الإفتاء أن الإمامة تنعقد بغير بيعة بعد أن جوزوا الاستيلاء على منصب الخلافة بالعنف والقهر”[29].
ظل الفقه يتدحرج في تبرير الواقع حتى صار من قواعده في الإمامة: “من اشتدت وطأته، وجبت طاعته”، و”نحن مع من غلب”، وقد روي عن ابن حنبل[30] قوله: “ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً”. وقال: (…) “تكون الجمعة مع من غلب””[31]، لقد انتصرت مشروعية السيف على مبدئية العقل الأخلاقي في جولات، لكنها لم تحسم معركة المشروعية التي كانت تُرحَّل من جيل إلى آخر، فهي في لحظة كمون سرعان ما تعبر عن ذاتها في أشكال متباينة كلما نضجت ظروف ظهورها.
المطلب الثاني: من استقرار القيم إلى استقرار السلطة
من المقاصد الكلية التي أعاد العقل الفقهي ترتيب أولوياته على ضوئها الحفاظ على وحدة الأمة من أن يعصف بها الاقتتال الداخلي، لا سيما وأنهم عايشوا حروبا أهلية أسعفتهم بالحجة الميدانية أن الناهض لمقاومة الظلمة إنما يهدد جماعة المسلمين بمزيد من الشتات. فضمر في فقههم حضور الأمة، والحرية، والعدالة، والمساواة، بينما استشرى فقه الطاعة، والصبر، والتخويف من الفتنة. غَيَّر العقل الفقهي الأخلاقي توجهاته من الانحياز إلى ثنائية: المشروعية المعيارية لموضوع السلطة، واستقرار القيم. ليتخذ بدلا عن ذلك الانتصار لثنائية: الحفاظ على وحدة “دار الخلافة”، واستقرار السلطة. وهو ما كان مآله انحدارات متوالية خيبت توقعات كل الفقهاء.
فلنتوقف مع المبدأ الأول المتعلق بمقصد الحفاظ على وحدة “دار الخلافة”، والذي عرف ضربة قاصمة بعد تعدد المراكز المدعية للخلافة، إذ بالإضافة إلى “الخلافة العباسية” فقد ادعاها عبيد الله المهدي، وتلقب بأمير المؤمنين سنة 296هـ، وسعى بعد سيطرته على الغرب الإسلامي إلى توسيع نفوذه بمحاولة نحو مصر. وفي الأندلس، أعلن عبد الرحمن الناصر نفسه أميرا للمؤمنين سنة 316 هـ. ولم يقف الأمر عند هذه التحولات المأساوية، بل عرفت خارطة “الخلافة” الإسلامية انقساما مريعا بعد تكاثر الإمارات المعلنة عن نفسها سيدة في رقعتها الجغرافية، وأصبح انتشارها يمتد كالفطر تحت مسميات دولة صفارية وأخرى سامانية وأخرى غزنوية… كل ذلك يقع أمام عجز السلطة المركزية التي كانت لا تستطيع أن تحفظ سيادتها، بله تبعية الأطراف لها.
إن تاريخ المسلمين، بعد استثناء مرحلة الخلافة، “لم يشهد إلا “دولا سلطانية” هنا أو هناك، استضاف بعض سلاطينها “خلفاء” لا يكاد يعرف التاريخ أسماءهم، أو اخترع بعهم الآخر حججا عبر استضافة فقهاء لكسب “شرعية دينية” من هذا الفقيه أو ذاك، أو ادعى لقبا من ذاكرة “خلافة” كادت تنساها تواريخ أخبار الخلفاء وسيرهم بعد أن تمكن “أمراء الاستيلاء” من تشييد “سلطاناتهم” الكبرى أو الصغرى في مختلف أصقاع العالم الإسلامي”[32].
أما فيما يتعلق بالمبدأ الثاني، المتعلق بالانتقال من الانتصار لاستقرار القيم إلى دعم استقرار السلطة، فقد رسخت الأسس الاستدلالية عند الفقهاء أن الحفاظ على وحدة المسلمين شرطه الحفاظ على وحدة السلطة، ولا وحدة للسلطة إلا بالتنازل عن مطلب البيعة الشرعية الملزم عقدها الحاكم والمحكوم، والاحتفاظ بناظمة السمع والطاعة فقط، وهو ما نتج عنه أصلان:
أما الأصل الأول فهو التغييب المطلق للمحكوم لكون مقصد “الطاعة” أصبح محور القيم التي عليها مدار العلاقة بين السلطة والأمة، وهو مفهوم أصبح “في الفكر السياسي الإسلامي قانونا حديديا يحمي به الحاكم “إطلاقيته”، وعوض أن تفهم “عدم الطاعة” بالرفض السياسي لجور الحاكم، تغدو “مفهومة” على أساس أنها معادلة للفتنة حيث ضياع الدين والعودة إلى “الجاهلية””[33].
وأما الأصل الثاني فهو السمو بالحاكم إلى مقام أنه خليفة الله في أرضه، فلا تجوز محاسبته بل طاعته، ولا ينبغي خلعه أو الثورة ضده ولو لم يتقيد بأحكام الشرع. وتم تأويل الملْك باعتباره أحد أوج امتداد الخلافة، في حين مايز الرعيل المؤسس بين الخلافة والملك بمعياري العدل والشورى، والشاهد في معيار العدل سؤال عمر بن الخطاب: “والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك! فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم! قال قائل: يا أمير المؤمنين! إن بينهما فرقا. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق. وأنت بحمد الله كذلك. والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا”[34]، أما الشاهد في معيار الشورى فمقالة أبي موسى الأشعري: “إن الإمرة ما اؤتمر فيها، وإن الملك ما غلب عليه بالسيف”[35].
وقع التحول، وأصبحت طاعة شخص الملِك أصلا من أصول الاعتقاد، تدعمه أحاديث موضوعة[36]، كما أصل فقهاء لسمو مقامهم مما جعل مبدأ المساواة قضية مهملة في الفقه السياسي، بل تم اعتبار موقع الملك من الرعية كموقع الراعي من البهائم، لذلك “قيل: السلطان ظل الله، لأن من حقه أن يُحتذى مثاله فيها، ويحيي رسومه في سكانها. هذا مع أنه جعلهم عُمار بلاده، وسماهم رعاة عباده، تشبيها لهم بالرعاة الذين يرعون السوائم والبهائم، وتمثيلا لرعاياهم بالإضافة إليهم بها. ولهذا المعنى سماهم الحكماء ساسةً، إذ كان محلهم من مسوسيهم محل السائس مما يسوسه من البهائم والدواب الناقصة الحال من القيام بأمور أنفُسها، والعلم بمصالحها ومفاسدها”[37].
عرف العقل الفقهي الأخلاقي انتكاسة خطيرة وهو يتراجع عن قيمه لصالح قيمة الحفاظ على وحدة الدولة والمجتمع بأي ثمن، وقد وجد ظالته بتبني “الموروث الفارسي الذي قدم نموذجا للحكم يقوم على مبدأ: وحدة الدين والدولة، وطاعة “كسرى” من طاعة الله”[38]. رسَّخ التراث الفقهي بعدها، وعبر أجيال متلاحقة، مسلمة أن الاستقرار شرطه استقرار السلطة، وعدم منازعة شخص الحاكم الأمر مهما بلغ منه الجور، وهو استقرار أثبت التاريخ العربي في كل حقبه هشاشته، وإنما قوة الدولة من قوة المجتمع، ولا جامع بينهما إلا الاستقرار على قيم معيارية، وهو ما يستفاد من التاريخ الغربي، والذي رسخ نظامه السياسي باستقراره على قيم إنسانية جامعة: الحرية، والعدالة، والمساواة، ودولة القانون، ومجتمع المواطنة… وهو ما أفرز تلاحما بين الدولة والمجتمع.
يضمن الاستقرار الحقيقي لا الوهمي شراكة المواطنين في بناء دولتهم عوض الانشغال بمقاومة سلطتهم الجائرة، أو الاستسلام الكلي لقدرهم بكل سلبية، لأن “حس المواطنين بالعدالة، وبالنظر إلى خلقهم ومصالحهم كما تشكلت في حياتهم في ظل بنية أساسية عادلة، هو من القوة بحيث يقاوم الميول العادية نحو الظلم. إن المواطنين يعملون إراديا على توفير العدالة واحدهم للآخر عبر الزمن، فالاستقرار يكون مؤمنا بفضل دافع كاف من النوع المناسب تم اكتسابه في ظل مؤسسات عادلة”[39].
إن قيم الحرية والعدالة والكرامة والمساواة … إنما مدخلها الشرطي الاعتراف بسيادة الشعب، وهي سيادة لم يتعرف عليها العقل الفقهي الأخلاقي إلا بعد حصول التثاقف القسري مع الغرب بعد صدمة الاستعمار، تعرف على المفهوم لكن اعترافه به استدعى عقودا من الجدل والتصادم، فقد انتقلت أزمة العقل الفقهي الأخلاقي من أزمة التزام مبدئي في مقاومة سلطة الجور، إلى خلخلة بنيته الفكرية من داخلها، وما استوجبه من إعادة قراءته لموروثه السياسي على ضوء ما استجد في عالم الغرب.
المبحث الثالث: العقل الأخلاقي وأزمة التوافق مع منطق المشروعية المعيارية في الدولة الحديثة
تمثل الأمة السيادة في نموذج الدولة – الأمة، إلا أنه لا يمكن لها تفعيل سيادتها من دون الدولة التي تمكنها من الوجود ككيان مستقل، وبذلك ترمز الدولة إلى استمرارية الأمة، ووحدتها، وتجسيد رغبتها في العيش المشترك. في المقابل، فإن الدولة لا تعد لها مشروعية دون الأمة، وأيما سلطة تمارسها الدولة ضدا على طموح الأمة إنما تجعل منها سلطة استبدادية تخنق ولادة حياة سياسية سليمة، وتؤسس للتنافر داخلها بين النظام السياسي الحاكم والمحكومين. إن ولادة مفهوم المواطنة، والمجتمع المدني رهين بالطبيعة الديمقراطية للدولة، وهي ديمقراطية تتأسس ابتداء على مفهوم السيادة، وهي سيادة رأى فيها العقل الأخلاقي أنها ند للإرادة الإلهية (المطلب الأول)، لذلك شكلت إحدى العناوين البارزة في أزمة تعامله مع طبيعة الدولة الحديثة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: المقاربة العقدية لمفهوم السيادة
لم تعد الدعوات الإصلاحية في أقطار العالم الإسلامي بعد صدمة الاستعمار الغربي تلتفت إلى تراث الذات حصرا؛ بل أصبحت المقارنة تتم مع “الآخر” المتقدم عسكريا، وعلميا، واقتصاديا، وسياسيا. وهو ما ميَّزَ كون “الإصلاح الإسلامي الحديث انطلق من وعي مزدوج بالخلل، أوله من خلال المقارنة بين واقع المجتمعات المسلمة والإسلام، وثانيه من خلال مقارنة هذه المجتمعات “المنحطة” مع الغرب المتفوق.
لقد كان من نتائج المقارنة أن الدولة الحديثة نظر لها فلاسفة الأنوار، وأثمرت دولة المؤسسات والقانون، والتي تستمد السلطة فيها مشروعيتها من سيادة الشعب، وبما أن السيادة إرادة، فإرادة الشعب لا تُعلم إلا من خلال انتخابات حرة ونزيهة، لتفرز مؤسسات تمثيلية تخدم المصلحة العامة بمنطق المسؤولية والمحاسبة. لقد قدمت الديمقراطية أخيرا علاجها الناجع لمرض الاستبداد المزمن.
في المقابل لم ينشأ عن الاستبداد القروني في التاريخ العربي إلا سلطنات ينط بعضها على بعض عند كل فرصة، أما الفقهاء الذين نظروا لواقع الإجماع بمنطق الطاعة المطلقة، فقد انتهى بهم الأمر أن يكونوا من كماليات الديكور في المشهد السياسي والاجتماعي، “ولم يكن إيثارهم في الدولة حينئذ إكراما لذواتهم، وإنما هو لما يُتملَّح من التجمُّل بمكانهم في مجالس الملِك لتعظيم الرُّتب الشرعية، ولم يكن لهم فيها من الحل والعقد شيء، وإن حضروه فحضور رسمي لا حقيقة وراءه، إذ حقيقة الحل والعقد إنما هي لأهل القدرة عليه، فمن لا قدرة له عليه فلا حلَّ ولا عقد لديه، اللهم أخذ الأحكام الشرعية عنهم، وتلقّى الفتاوى منهم، فنَعمْ”[40].
انهزم العقل الفقهي الأخلاقي في التاريخ العربي الإسلامي المبكر بعدما تنازل عن قيم المشروعية المعيارية المستمدة من نصوص الوحي لصالح منطق مشروعية السيف، وبعد التحولات التي لحقت منظومة القيم والبنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أمام الاستعمار الغربي، أصبح العقل الأخلاقي الفقهي يواجه أزمة من نوع جديد استدعتها المقارنة بين قيمه التي أورثته أقطارا ممزعة وأمة مفتتة، وقيم الغرب التي تحكي قصة التفوق في كل المجالات.
لقد كان أمام العقل الفقهي الأخلاقي للاعتراف بسيادة الأمة، وكونها أس مشروعية السلطة، واجب التحرر الثنائي من “دين الانقياد”، والمقاربة العقدية لمفهوم السيادة.
أما ما يتعلق بالتحرر من “دين الانقياد” فهو مصطلح اعتمده ابن خلدون لتوصيف مدى انغراس قيم الاستسلام في نفوس الناس حتى تصبح قيما من الدين، وأن طاعة الحكام من غير شرط من مستلزمات الاعتقاد. قال: “ورسخ في العقائد دينُ الانقياد لهم والتسليم، وإعطاء الصفقة بطاعتهم، وقاتل الناس معهم على أمرهم قتالَهم على العقائد الإيمانية”[41]، وهو ما يفسر مدى استحكام الاستبداد في التاريخ العربي، ورغم تمدد مقولات الديمقراطية وحقوق الإنسان في مختلف دول العالم فإن العالم العربي ظل عصيا على التغيير لتجذر ثقافة الاستسلام للمستبدين في البنى الذهنية والنفسية للنخب والشعب، لذلك كان الفعل الثوري لشباب الربيع العربي فعلا تاريخيا بامتياز، استطاع أن يكسر قشرة الاستبداد الصلبة، وأسقط لفترة عن النفوس “دين الانقياد”، وأعاد سؤال بناء المشروعية بمعايير الدولة الحديثة، لكن انقضاض “الثورات المضادة” في أكثر من قطر أعاد المواجهة كَرَّة أخرى بين المشروعية المعيارية والمشروعية الإمبريقية في صيغة حديثة.
وأما ما يتعلق برفض مفهوم سيادة الأمة من منطلق عقدي، فلكون مفهوم “السيادة” حسب مفكرين إسلاميين اتخذ في “التصور الحديث للدولة الذي يحددها بالسيادة المطلقة، منتحلا السيادة الإلهية”[42]، وهو ما جعل من الواضح حسب أبي الأعلى المودودي “أنه تم رفع “إرادة الشعب” إلى مقام “إرادة الله”، بحيث لا يتنزل على الشعب أي قانون من خارجه”[43]، بينما في التصور الإسلامي فإن “الشكل الصحيح لحكومة البشر في نظر القرآن هو أن تؤمن الدولة بسيادة الله ورسوله القانونية، وتتنازل لهما عن الحاكمية وتؤمن بأن تكون خلافة نائبة عن الحاكم الحقيقي تبارك وتعالى”[44]، ذلك لأن روح التشريع الإسلامي حسب الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري “تفترض أن (السيادة)، بمعنى السلطة المطلقة غير المحدودة لا يملكها أحد من البشر، فكل سلطة إنسانية محدودة بالحدود التي فرضها الله لأن السيادة بمعنى السلطة المطلقة هي لله وحده، فهو وحده صاحب السيادة العليا ومالك الملك، وإرادته هي شريعتنا التي لها السيادة في المجتمع ومصدرها، والتعبير عنها هو كلام الله المُنزل في القرآن، وسنة الرسول المعصوم الملهم، ثم إجماع الأمة”[45].
كانت مطابقة سيادة الأمة ب “السيادة الإلهية” حاضرا في المرجعيات التأسيسية الفلسفية والقانونية للفكر الغربي، فقد رفض جون بودان Jean Bodin (1529 – 1596) الأب المؤسس لمفهوم السيادة في مؤلفه الشهير “الجمهورية” تأسيس مفهوم السيادة على القانون الروماني، أو الحق الإلهي، أو حق الشعب والجماعة. ولم يبذل جهدا لتبيان كيفية نشأتها، “ولهذا نميل للاستنتاج بأن السيادة في نظره مثل الله، موجودة لأنها موجودة”[46]. ولأنها تعد “دينا” بديلا عن الدين الكنسي فهي تتخذ نفس صفات الألوهية في تنظيرات بودان، فهي: دائمة، ومطلقة، وغير قابلة للتجزئة، وهو ما يقارب الخصائص التي قدمها جون جاك روسو للمفهوم ذاته، متأثرا في ذلك بالإرث النظري والعملي للملكية المطلقة، فمنحها قدسية على مستوى الماهية، واستشكالا في كيفية تنزيلها في النص الدستوري والواقع السياسي بعد نجاح الثورة الفرنسية.
كتب كونت سانت سيمون comte de Saint Simon (1760 – 1825) أن “مفهوم السيادة عبر إرادة الشعب لا تعني شيئا إلا بمقابلتها مع السيادة الإلهية. فهما عقيدتان لا يتحقق وجود إحداهما إلا بوجود الأخرى. إنهما بقايا حرب ميتافيزيقية طويلة جرت أطوارها في جميع أنحاء أوربا الغربية منذ الإصلاح”[47]، وهي مقاربات تم تجاوزها في الفقه الفلسفي والسياسي والقانوني الغربي بعد أن لحق مفهوم السيادة تحولات نوعية.
المطلب الثاني: أزمة العقل الأخلاقي التقليدي مع الدولة الحديثة
لم تعد للمقاربة العقدية لمفهوم السيادة تلك القوة التي تميزت بها في مبتدإها، وذلك بسبب تراجع المفهوم في الفقه القانوني الغربي من الإطلاقية إلى النسبية على مستويين: مستوى سيادة الدولة القومية في القانون العام الدولي، ومستوى سيادة الأمة في إطار الدولة القومية، وهما المستويان اللذان يشكلان عقبة كبرى أمام العقل الأخلاقي الفقهي التقليدي للتأقلم والتلاؤم معهما.
بالنسبة للمستوى الأول، فمن المعلوم أن معاهدة وستفاليا – سنة 1648- أفضت إلى وضع تصور جديد للعلاقات الدولية في أوربا الوسطى مبنية على مبدأ سيادة الدول. وقد عرف مفهوم سيادة الدولة تحولات عميقة في القانون العام الدولي، حيث لم تعد السيادة تعني السلطة المطلقة بقدر اعتبارها اختصاصا عاما في إنتاج القانون الدولي والالتزام به، مما يفرض على الدول احترام التزاماتها القانونية، ونتيجة العنف الذي أصبحت تعاني منه شعوب عدة بسبب وحشية أنظمتها السياسية، أو الحروب الأهلية بعد انهيار الدول، أو الاعتداءات السافرة التي تلحق بالأقليات.. فقد تبنت الأمم المتحدة تقريرا أعد من قبل العديد من الخبراء دعم مفهوم السيادة المزدوجة، فالخبراء “وأثناء مشاوراتهم في كل جهات العالم تبين لهم أن السيادة تتضمن مسؤولية مزدوجة: خارجية تتمثل في احترام سيادة باقي الدول، وداخلية تتمثل في احترام الكرامة والحقوق الأساسية لكل فرد يعيش في حدود الدولة”[48]، وهو ما دفع “اللجنة إلى تبني الرأي حول جدل التدخل من أجل الحماية الإنسانية ليس تحت شعار “حق التدخل” ولكن تحت مسمى “مسؤولية الحماية”[49]. لقد تغير مفهوم السيادة المطلقة إلى سيادة مقيدة بمسؤوليات قانونية ملزمة، على المستوى النظري على الأقل مادام أن التدخل الدولي تحكمه في الغالب مصالح الدول العظمى لا مبادئ الأمم المتحدة.
أما بالنسبة للمستوى الثاني المتعلق بسيادة الأمة في إطار الدولة القومية، فقد تطور الفكر الدستوراني الذي ظهر منذ القرن الثامن عشر في أوربا وأمريكا الشمالية، وغلبة كتابة الشعوب لدساتيرها، جعل “أي سلطة سياسية لا تعد مستثناة من احترام القانون والدستور، وهو ما يبدو متعارضا جذريا مع فكرة السلطة “المطلقة” لصاحب سيادة يمانع أي نوع من الرقابة أو الحد من سلطته”[50]، تعد الدستورانية نمط مواءمة بين “نظريتين: نظرية السيادة المطلقة ونظرية السيادة المقيدة. ففي سياق الإجابة عن سؤال مركزي: كيف تكون السلطة السياسية صاحبة سيادة وفي نفس الوقت مقيدة بالقانون؟ تبلور مبدأ سمو الدستور”[51].
لقد نشأت الدولة الحديثة في سياقها الغربي بكل مبانيها المؤسساتية والقانونية والقيمية استجابة لتطور تاريخي طبيعي، أما في العالم العربي والإسلامي فقد نبتت بشكل قسري، حيث “دخلت الدولة الحديثة في الحياة السياسية العربية كثمرة جاهزة، مقطوعة عن الخبرة التاريخية الطويلة التي أنشأتها، وفاقدة لنظم القيم والفكرية الأخلاقية التي تعطي للمجتمع القدرة على التعامل الصحيح معها”[52]، وهو ما يفسر لماذا ظلت الدولة الحديثة فكرة هشة الجذور والمرتكزات، ولا سيما فيما يتعلق بحقل المشروعية الذي يعد الأخطر في بنية النظام السياسي بما له من تأثير على النسق السياسي-الاجتماعي برمته. لقد أفرز العقل الفقهي الأخلاقي عدة مستويات في تعامله مع الموقف من سيادة الدولة في القانون الدولي، وسيادة الأمة في إطار الدولة.
شكل المستوى الأول استمرارا لمنطق العقل الأخلاقي الذي تنازل مبكرا عن منطقه المعياري أمام سطوة المشروعية الإمبريقية، وهو ما جعله وفيا في تكرار مقولات تاريخية رسخت القبول بالسلطوية في كل أشكالها، سواء من خلال تكريس مفهوم الطاعة كأم القيم في علاقة الحاكم بالمحكوم، أو من خلال عدم الاعتراف بسيادة الأمة تحت مقولات أنها تخضع لولاية الفقيه/ أو أهل الحل والعقد/ أو العلماء وهو ما أعاد إنتاج “الدولة السلطانية” في منظومة حديثة في أكثر من دولة عربية، حيث استمر الاحتكام إلى المشروعية التقليدية (ومن أبرزها آلية التوريث)، مع رفض المشروعية الحداثية التي لا تعترف إلا بممر إجباري وحيد لاكتسابها: انتخابات حرة ونزيهة وفق شروطها الديمقراطية المتكاملة.
أما المستوى الثاني لتجليات العقل الفقهي التقليدي، فكان أشد خطورة على بنية الدولة الحديثة، حيث جعل من مباني فقهية استجابت لسياق ولادتها مقولات مطلقة تضاهي الوحي في القوة بل تتجاوزه، ومن بينها اعتباره أن “فكرة السيادة في دار الإسلام تقوم على مفهومي البيضة والعصمة، بمعنى أن سلطة الدولة تمتد حيث يشكل المسلمون أغلبية سكانية في أي منطقة بالعالم لضمان عصمة أنفس ودماء وأموال المسلمين، وهو مفهوم أقرب إلى النطاق الديمغرافي منه إلى النطاق الجغرافي”[53]، وهو ما يشكل أرضية تأسيسية لرفض الدولة الوطنية، وبالتبع مفهوم المواطنة، مع تقسيم العالم إلى دارين: دار الإسلام ودار الكفر. إنها تركيبة فقهية نشأت عنها تنظيمات عابرة للدول، بل للقارات، لا تعترف بسيادة الدول، ولا بسيادة الأمة، وتتبنى “الجهاد القتالي” لتصريف تصوراتها التدميرية من أجل بناء دولة “الخلافة” كما رسخها النموذج تاريخ الدولة-الإمبراطورية.
في المقابل، برز مستوى ثالث من داخل العقل الفقهي الأخلاقي، تمثل في تنظيمات إسلامية وسطية، ومراجع فقهية، وشخصيات علمية اشتركت جميعها في السعي إلى تبني مدخل معياري يقيم التمايز بين الوحي المتعالي عن الزمان والمكان وتراث العقل الفقهي على امتداد التاريخ؛ والذي يظل في محصلته النهائية اجتهادا نسبيا مظروفا بظرفه، والانحسار على ترديد مقولاته إنما ينتج فقها منحبسا عن فهم النص الديني وكيفية تنزيله ومواءمته مع واقع نسبي متقلب، وهو لا يجد مشاحة أو تعارضا في العمل من داخل كيان الدولة الوطنية، والاعتراف بسيادتها وفق ما هو متعارف عليه في القانون الدولي، وتبني المفاهيم الحديثة: الديمقراطية، والدولة المدنية، وسيادة الأمة، والتعددية الحزبية، وفصل السلط، والتناوب على السلطة… مع الحرص على التأكيد “أن سعي الإسلاميين للديمقراطية يجب أن يتم لذاتها، وليس بهدف استخدامها لاكتساب سلطة للإسلام، أي لا يكون اكتسابها وسيلة لأسلمة الدولة رغما عن الأقلية البرلمانية”[54].
عاش “العقل الأخلاقي” في التاريخ العربي الإسلامي أزمة مسؤولية ما بين الانتصار لقيمه المطلقة، واستسلامه لسلطة الأمر الواقع التي انتصر فيها منطق “القبيلة” و”الغنيمة” على منطق “العقيدة”، وكان الاستسلام ابتداء تحت عنوان فقه الضرورة، ثم نشأت أجيال تطاول عليها الأمد حتى صارت سلطة المشروعية الإمبريقية اختيارا عقديا وأخلاقيا !
أيقظت ثورات الربيع العربي المجهضة سؤال مشروعية السلطة، في محاولة لإعادة صياغة معادلة الاجتماع السياسي وفق قواعد معيارية جديدة، وتعاقد مستحدث يعترف بسيادة الشعب فعليا وليس بشكل مجازي. إن التغيير الأصعب يرتبط دوما بحقل المشروعية، لا سيما إن تعلق الأمر بنسق سياسي عربي تجذر الاستبداد فيه لقرون حتى أصبح جزء ماهيته.
لقد خرجت الشعوب في أكثر من عاصمة عربية تطالب بإعادة بناء تعاقد سياسي واجتماعي جديد؛ كان طابع المسيرات والاعتصامات التنوع المعبر عن فسيفساء المجتمع، والباحث عن صياغة مفردات وطن يسع الجميع، لكن سرعان ما قوبل حراك الشارع السلمي بعنف السلطة العاري من كل مسوغ، سوى فرض إجماع قسري، وطاعة إجبارية وإلا أغرقت الدولة في فوضى غير خلاقة، وشلالات دم لا تنتهي؛ بينما يكتفي المحيط العالمي بإحصاء أعداد الشهداء واللاجئين، والتعبير عن “قلقه” أمام حجم الآلام المطلوب تجرعها نحو درب الحرية.
أمام حجم هذه الآلام، تشعبت بالعقل الأخلاقي الفقهي السبل، في تجربة مكررة لأهم فصولها من التاريخ السياسي العربي الإسلامي منذ تحولت “الخلافة” إلى “ملك عضوض”. لقد كان التشعب ناتجا عن اختلاف الاجتهادات في تأويل النص الديني، وكذا طبيعة التقديرات للمشروعية المعيارية المستجدة مع نشأة الدولة الحديثة وركيزتها الديمقراطية. إن هذا التشعب هو ما يضعنا أمام “عقول أخلاقية” متعددة وليس عقلا أخلاقيا مطلقا واحدا، لذلك تتعدد أنماط التدين، أما مواقفه من سؤال المشروعية الذي أثارته ثورات الربيع العربي المجهضة، فقد كان لها عدة تجليات، ومن أبرزها:
- استمرارية حضور “العقل الأخلاقي” التقليدي، الداعم بشكل لامشروط للسلطة المطلقة بمنطق الطاعة للحاكم، ولو جاء عن طريق “ثورة مضادة” وعلى ظهر دبابة، وكل ذلك بمسوغات شرعية وأخلاقية يتم استدعاؤها من التراث الفقهي الذي تعايش مع انقلابات “الثورات المضادة” في مراحل متعددة من تاريخه الممتد، ومنحها أكثر من غطاء ديني، ومسوغ أخلاقي، إنه “عقل أخلاقي” يتقن فقه التبرير، ويرسخ انحيازه للمشروعية الإمبريقية ضدا على قيمه المطلقة.
- بروز “عقل أخلاقي” يسعى إلى الانقلاب على “الدولة السلطانية” ذات السيادة المعترف بها في القانون الدولي بمنطق أبشع من منطقها، وهو ما كانت محصلته الإسهام بفعالية في إعادة إنتاج نمط سلطة ما قبل الدولة- الحديثة، من خلال تبني تصور قروسطوي لدولة “الخلافة”، حيث تقوم مرتكزاته على عدم الاعتراف بسيادة الدول على حدودها، ولا بسيادة الأمة؛ بل يغدو “الجهاد القتالي” هو خلاصة رسالته، وهو ما ينتعش في ظل الفوضى والاستبداد الرافض لأسس الحياة السياسية السليمة. إنه “عقل أخلاقي” ينازع مشروعية سلطة الأمر الواقع بمشروعية معيارية، لكنها معيارية صاغها العقل الفقهي استجابة لتحديات سياقه التاريخي، ومنحها هذا “العقل” إطلاقية تعلو على كل زمان ومكان.
- ترسيخ “عقل أخلاقي وسطي” يعيد قراءة قيمه الدينية والأخلاقية بعيدا عن التفكير بشروط الفتنة التي شكلت الذهنية الفقهية التاريخية، والتي كان مآلها تسويغ الاستسلام لسلطة الأمر الواقع بمنطق الطاعة المطلقة، كما أن مرجعيته مشروعية معيارية تسعى إلى التوفيق بين النص الديني ومكتسبات الفكر الإنساني، لذلك ينحو إلى بناء جسور الثقة مع المختلفين معه بدل اختيار منحى التصادم، والتأسيس لمنطق “القيم المتصادقة” في دولة وطنية تعترف بسيادة الشعب، وبواجب الاختلاف بمنطق السياسة لا بمنطوق العقيدة، وهو اختيار تأثر سلبا بعد الإجهاض المرحلي لأولى موجات الربيع العربي.
لقد جوبهت ثورات الربيع العربي بشدة من قِبل جبهتين: جبهة “الثورات المضادة” التي خرجت تواجه المواطنين في الميادين بعنف أعمى، سعيا لكسر إرادة الشعب في استرجاع سيادته المغتصبة، وجبهة الإيديولوجيات والهويات المنغلقة التي تنتصر لقيم معيارية تنأى بنفسها أن تكون جسرا لتأسيس منطق تشاركي في بناء الدولة المدنية المرسخة لقيم المواطنة الجامعة. وهو ما يضع أمام كل طموح تغييرِ مستقبلي تحديا مزدوجا: تحرير الوعي من أغلال نصوص التاريخ “المقدسة”؛ من خلال إعادة قراءتها في السياق الاجتماعي الذي نشأت فيه، والانحياز المبدئي للمواقف الأخلاقية في بعدها الإنساني، وهو ما يستلزم غير قليل من الجرأة والشجاعة.
قائمة المراجع:
باللغة العربية:
- ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: محمود الأرناؤوط، ( دمشق – بيروت: دار ابن كثير، ط1/ 1986)
- ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، (بيروت: دار الفكر، ط1 /1984)
- ابن حنبل، أحمد، المسند، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون (مؤسسة الرسالة ط1/ 2001)
- ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، أعده: إبراهيم شبوح وإحسان عباس. (تونس: الدار العربية للكتاب، ط1/ 2006)
- ابن سعد، الطبقات الكبرى، (بيروت: دار صادر 1957)
- ابن عبد ربه، العقد الفريد، (بيروت: دار الكتب العلمية. ط1/ 1404ه)
- أبو يعلى بن الفراء، الأحكام السلطانية، (بيروت: دار الكتب العلمية. ط2/ 2000)
- الجابري، محمد عابد، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1/ 2001)
- ——— ، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط4/ 2000)
- ——— ، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2/ 2000)
- الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. (بيروت: دار الكتب العلمية. ط1/ 1990)
- الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، (القاهرة: دار الحديث، 2006)
- رضا، محمد رشيد، الخلافة، (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، ط 1994)
- رولز، جون، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1/ 2009)
- السنهوري، عبد الرزاق أحمد، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، تحقيق: توفيق محمد الشاوي، ونادية عبد الرزاق السنهوري، ( بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية. ط 1/ 2008)
- الشطي، إسماعيل، الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة، (الكويت: مكتبة آفاق، ط1/ 2013)
- شوفالييه، جان جاك، تاريخ الفكر السياسي: من المدينة الدولة إلى الدولة القومية، ترجمة: محمد عرب صاصيلا. (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. ط5/ 2006)
- ضريف، محمد، القانون الدستوري: مدخل لدراسة النظيرة العامة والأنظمة السياسية، (الدار البيضاء: دار الاعتصام، ط1/ 1998)
- ——— ، تاريخ الفكر السياسي بالمغرب: مشروع قراءة تأسيسية، (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، ط2/ 1988)
- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، (بيروت: دار التراث، ط2/ 1387)
- عبد الرحمن، طه، تعددية القيم: ما مداها؟ وما حدودها؟، (مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية،2001)
- ——— ، روح الدين: من ضَيق العلمانية إلى سَعة الائتمانية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة 2/ 2012)
- ——— ، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1/ 2000)
- العسري، خالد، الشورى المغيبة: الشورى بين نصوص الوحي ومسارات التاريخ، (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة. ط1/ 2007)
- غليون، برهان، نقد السياسة: الدولة والدين، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط4/ 2007)
- القلقشندي، أحمد بن عبد الله، مآثر الإنافة في معالم الخلافة، (مطبعة حكومة الكويت. ط2 /1985)
- كوثراني، وجيه، الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين العثمانية والصفوية- القاجارية، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط4/ 2015)
- الماوردي، أبو الحسن، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، (بيروت: دار الكتب العلمية. د- ت)
- ——— ، نصيحة الملوك، تحقيق: الشيخ خضر محمد خضر، (الكويت: مكتبة الفلاح، ط1/ 1983)
- المودودي، أبو الأعلى، الخلافة والملك، تعريب: أحمد إدريس، ( الكويت: دار القلم. ط1/ 1987)
- النووي، يحي بن شرف، شرح النووي على صحيح مسلم (بيروت: دار إحياء التراث العربي. ط 1392)
مراجع باللغة الأجنبية:
Ouvrages:
- Bellina, Séverine et autres , L’État en quête de légitimité : Sortir collectivement des situations de fragilité, (Paris : Éditions-Diffusion Charles Léopold Mayer, 2010)
- Boulaabi, Abderraouf, Islam et pouvoir : Les finalités de la Charia et la légitimité du pouvoir, (Paris : L’Harmatan, 2005)
- Duguit, Léon, souveraineté et Liberté: leçons faites à l’université Colombia (New york), 1920-1921, Librairie Felix Algan/ Paris. 1922. (gallica bibliothéque numérique
Articles et Rapports:
- Jacques Coenen-hunther, Pouvoir, Autorité, Légitimité en marge d’un livre récent d’Alain Renaut, Revue européenne des sciences sociales, (Paris, Librairie Droz Genève, n° 131, 1er éd, Février 2005), PP : 135-145
- Olivier Beaud, « Le Souverain », Pouvoirs, (Paris : éditions de seuil, n° 67, 1993), PP, 33- 45
- Rapport de la commission internationale de l’intervention et de la souveraineté des Etats (CIISE), La responsabilité de protéger, (Ottawa : publié par le centre de recherches pour le développement international, 2001)
[1] عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، أعده: إبراهيم شبوح وإحسان عباس. (تونس: الدار العربية للكتاب، ط1/ 2006)، ص 335
[2] محمد رشيد رضا، الخلافة، (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، ط 1994)، ص 18
[3] ابن خلدون، 334
[4] Abderraouf Boulaabi, Islam et pouvoir : Les finalités de la Charia et la légitimité du pouvoir, (Paris : L’Harmatan, 2005), p. 17
[5] Séverine Bellina et autres , L’État en quête de légitimité : Sortir collectivement des situations de fragilité, (Paris : Éditions-Diffusion Charles Léopold Mayer, 2010), P 21
[6] Jacques Coenen-hunther, Pouvoir, Autorité, Légitimité en marge d’un livre récent d’Alain Renaut, Revue européenne des sciences sociales, (Paris, Librairie Droz Genève, n° 131, 1er éd, Février 2005), p 135
[7] محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1/ 2001) ص 122
[8] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط4/ 2000) ص 141- 142
[9] الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. (بيروت: دار الكتب العلمية. ط1/ 1990)، باب: ذكر مناقب عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود
[10] الجابري، العقل السياسي، 364
[11] ابن عبد ربه، العقد الفريد، (بيروت: دار الكتب العلمية. ط1/ 1404ه) 4/ 171
[12] شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، (القاهرة: دار الحديث، 2006) ج4/ 316
[13] الجابري، العقل الأخلاقي، 20
[14] طه عبد الرحمن، تعددية القيم: ما مداها؟ وما حدودها؟، (مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية،2001) ص 11
[15] الجابري، العقل الأخلاقي، 56
[16] محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، (بيروت: دار التراث، ط2/ 1387)، 6/ 423
[17] محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2/ 2000) ص 66
[18] ابن خلدون، 366
[19] ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: محمود الأرناؤوط، ( دمشق – بيروت: دار ابن كثير، ط1/ 1986)، 1/214
[20] المرجع نفسه، 1/338
[21] ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، (بيروت: دار الفكر، ط1 /1984)، 2/250
[22] يحي بن شرف النووي، شرح النووي على صحيح مسلم (بيروت: دار إحياء التراث العربي. ط 1392)، 12/ 229
[23] Séverine, 40
[24] طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1/ 2000)، ص 69
[25] ابن العماد الحنبلي، 2/42
[26] Séverine, 23-24
[27] أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، (بيروت: دار الكتب العلمية. د- ت)، ص 7
[28] أحمد بن عبد الله القلقشندي، مآثر الإنافة في معالم الخلافة، (مطبعة حكومة الكويت. ط2 /1985)، 1/58
[29] خالد العسري، الشورى المغيبة: الشورى بين نصوص الوحي ومسارات التاريخ، (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة. ط1/ 2007)، ص 116
[30] خضع موقف الإمام أحمد بن حنبل من الخروج على أئمة الجور إلى قراءة تأويلية تكاد تكون وحيدة بتحريمه، مع العلم أن التأويل الأقوى أنه كان يرى الثورة على الظلمة متى توفرت شروط نجاحها، ومؤشرات ذلك أنه رغم فقره كان يقاطع عطايا السلاطين، كما أن فتواه الغريبة بالحكم على الخارج على الظلمة بالفسق، فإن انتصر سماه أمير المؤمنين، لها إحدى دلالتين: إما أن كرسي السلطة هو ما يسبغ الإيمان على صاحبه ! ويستحيل أن يقول بذلك فقيه عاقل، وإما أنه ضد الثورات الانتحارية التي تخرج دون اعتبار لموازين القوى، فتقوي سلطة الظلمة أكثر مما كانت. ويضاف إلى كل ذلك محنته التي تتجاوز الاختلاف الكلامي في مسألة خلق القرآن، إلى أنها كانت ستارا على موقفه من مشروعية السلطة، وهو ما فصل محمد عابد الجابري في سياقاته وحيثياته في كتابه: المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. ص: 65- 118
[31] أبو يعلى بن الفراء، الأحكام السلطانية، (بيروت: دار الكتب العلمية. ط2/ 2000)، ص 23
[32] وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين العثمانية والصفوية- القاجارية، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط4/ 2015)، ص 11
[33] محمد ضريف، تاريخ الفكر السياسي بالمغرب: مشروع قراءة تأسيسية، (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، ط2/ 1988)، ص 11
[34] ابن سعد، الطبقات الكبرى، (بيروت: دار صادر 1957)، 3/307
[35] المرجع نفسه، 4/113
[36] من ذلك، “من أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا أهانه الله يوم القيامة” أحمد بن حنبل، المسند، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون (مؤسسة الرسالة ط1/ 2001)، 34/ 135
[37] أبو الحسن الماوردي، نصيحة الملوك، تحقيق: الشيخ خضر محمد خضر، (الكويت: مكتبة الفلاح، ط1/ 1983)، ص 51
[38] الجابري، العقل الأخلاقي، 78
[39] جون رولز، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1/ 2009)، ص 373
[40] ابن خلدون، 389
[41] المرجع نفسه، 270
[42] طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضَيق العلمانية إلى سَعة الائتمانية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة 2/ 2012)، ص 323
[43] المرجع نفسه. ص 176
[44] أبو الأعلى المودودي، الخلافة والملك، تعريب: أحمد إدريس، ( الكويت: دار القلم. ط1/ 1987)، ص 19
[45] عبد الرزاق أحمد السنهوري، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، تحقيق: توفيق محمد الشاوي، ونادية عبد الرزاق السنهوري، ( بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية. ط 1/ 2008). ص 68
[46] جان جاك شوفالييه، تاريخ الفكر السياسي: من المدينة الدولة إلى الدولة القومية، ترجمة: محمد عرب صاصيلا. (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. ط5/ 2006)، ص 289
[47] Cité par Léon Duguit “souveraineté et Liberté: leçons faites à l’université Colombia (New york), 1920-1921” Librairie Felix Algan/ Paris. 1922. (gallica bibliothéque numérique). P 97
[48] Rapport de la commission internationale de l’intervention et de la souveraineté des Etats (CIISE), La responsabilité de protéger, (Ottawa : le centre des recherches pour le développement international, 2001), p. 9
[49] Ibid. p. 17
[50] Olivier Beaud, « Le Souverain », Pouvoirs, (éditions de seuil, n° 67, 1993), PP, 33- 45. p, 36
[51] محمد ضريف، القانون الدستوري: مدخل لدراسة النظيرة العامة والأنظمة السياسية، (الدار البيضاء: دار الاعتصام، ط1/ 1998) ص 195
[52] برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط4/ 2007)، ص 560
[53] إسماعيل الشطي، الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة، (الكويت: مكتبة آفاق، ط1/ 2013)، ص 59
[54] الشطي، 208 XeltovoPrime