المسألة النسائية في الفكر الإسلامي المعاصر: مقاربة منهاجية
المسألة النسائية في الفكر الإسلامي المعاصر: مقاربة منهاجية
The Question of Woman in Contemporary Islamic Thought An Innovative Approach
* ذ. إبراهيم بلوح
ملخص:
ما يزال واقع وضع النساء في المجتمعات الإسلامية رهين خطابات إيديولوجية ضيقة حينا، وحبيس فقه متكلس طورا، وموضوع مزايدات سياسوية أحيانا أخرى. هذا التعاطي مع “المسألة النسائية”، في اعتقادنا، لا يسهم بشكل فعلي في اقتراح عناصر منظورية ومنهجية للتفكير في أبعاد ودلالات هذه المسألة. وتحاول هذه الورقة تسليط الضوء على أحد المفكرين الإسلاميين الذين جلوا بدراساتهم صورة حياة المرأة في علاقتها، أولا، بذاتها وبمعنى وجودها تحقيقا لخلاصها الفردي، وفي ارتباطها، ثانيا، بالمجتمع الذي تحيا ضمنه تحقيقا أيضا لخلاص جماعي من كل أشكال الارتهان والاستغلال. إن ما يميز المنظور المقاربي للأستاذ عبد السلام ياسين في معالجته للمسألة النسائية هو زاوية نظره التي تعتمد منهجا نقديا حواريا متعدد الأبعاد. فالقارئ يجد نفسه أمام نص متعدد المداخل المعرفية والحقول الفكرية بين ما هو فلسفي، وما هو ديني، وما هو علمي، لا ينفصل فيه الفقهي عن السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إذ أن المرأة انحطت في نظره بانحطاط المجتمع، وانحط المجتمع بانحطاط نظام الحكم، وانحباس الفقه، لتدور الفتوى في حلقة ضيقة وسط غفوة العقل المسلم الذي لم يعد رائدا في مجالات العلوم الكونية كما كان سابقا في فقه الشرع. وما يميز خطابه أيضا هو سؤال المعنى والغاية والوجود في قضية المرأة، والذي لا مكان له في بلاد العقلانية الفلسفية، كما في كثير من فصائل الخطاب النسائي.
الكلمات المفاتيح: نحلة الغالب – دين الانقياد – الفقه المنحبس – المنطق الدوابي – المجتمع الرجولي.
Abstract:
What distinguishes the approach of Abdessalam Yassine in addressing woman’s issue is the angle of his gaze, which adopts a critical method that is based on multi-dimensional dialogue. The reader of his oeuvre encounters a text that integrates multiple disciplines, ranging between the philosophical, the religious, and the scientific, and making a composite whole that cuts across jurisprudential, political, social and economic discourses. In his view, the degeneration of woman is the outcome of the decline of society which, in its turn, declined as a result of the degeneration of the system of rule and the self-enclosure of jurisprudence. Consequently, fatwa circulated in a narrow circle, taking advantage of the slumber of the Muslim mind which ceded its pioneering position in the sciences. Another significant aspect of Yassine’s approach to the issue of woman is his emphasis on the question of meaning, purpose and existence; questions that have no place in the land of philosophical rationality as in several contemporary discourses on woman.
Key words: dominant doctrine – religion of docility – locked up Fiqh – animalistic logic – patriarchal society.
تقديم:
ما تزال “المسألة النسائية” تثير إلى يومنا هذا مجموعة من القضايا والإشكالات التي صارت موضوع جدل وحوار وبحث، تتعدد مداخله المقاربية، وتخصصاته المعرفية، ومنطلقاته الإيديولوجية؛ سواء في مجتمعات الشمال أو مجتمعات الجنوب. وهو ما يجعل منها قضية مجتمعية ذات بعد كوني. كما أن “قضية المرأة” تشغل حيزا محوريا داخل حقل العلوم الاجتماعية المعاصرة.
لقد بات الاهتمام اليوم، في أشكال وجود المرأة داخل المجتمع، ينصب بشكل أكبر حول العلاقات الاجتماعية بين المرأة والرجل، باعتبار هذه العلاقة تتمحور حول سؤال السلطة واتخاذ القرار من خلال أدوار اجتماعية كانت بالأمس القريب حكرا على الرجل، مما يجعل كلا من المرأة والرجل في حالة صراع ومواجهة دائمة، لاسيما وأن المرأة باتت تشغل مناصب مجتمعية عليا، وهو ما من شأنه أن يمكنها من إعادة موقعة نفسها داخل أشكال وجود جديدة.
وقد أفرزت مختلف الدراسات والأبحاث التي اضطلعت بالمسألة النسائية العديد من المفاهيم والنماذج الإرشادية والتفسيرية من قبيل: الهيمنة الذكورية والمجتمع الباطرياركي، والعلاقات الاجتماعية للجنس، وتقسيم العمل على أساس الجنس، وسؤال الإنتاج وإعادة الإنتاج، والتراتب الاجتماعي… صحيح أنها مراجع تحليلية، لا يمكن إنكار قدرتها على التفسير أو تجاوزها في الثقافات السائدة بالدول المتقدمة؛ إذ تظل حاضرة، ولو بأشكال مختلفة خفية، غير معنلة أو رمزية[1]؛ بينما في دول الجنوب ما تزال جلية في كثير من القيم والتصورات والمواقف والسلوكات بمختلف فضاءات ومؤسسات المجتمع.
كما يستفاد من قراءة مجمل ما كتب حول قضية المرأة في الفترة الراهنة، نزوع تلك الدراسات والأبحاث إلى حصر القضية النسائية إما في مشكلات وقضايا المرأة، أو شرائح نسائية فقط، أو تلك التي اشتغلت، في مقاربتها للقضية النسائية، على قطاعات بعينها، كمشكل التعليم أو الشغل أو الممارسة والحضور السياسي أو بعض القضايا الحقوقية والقانونية … ويظل محور البحث الذي يربط بين جميع فروع البحث النسوي هو الرغبة في تحرير النساء عبر تغيير وضعهن ومكانتهن في المجتمعات الحديثة.وهي بالمجمل، سواء كانت دراسات في العلوم الاجتماعية، أو مقاربات سياسية أو حقوقية، تجعل من المساعي المادية للمرأة ولمكانتها داخل المجتمع، الدائرة حول سؤال التمثيلية والمساواة بين الجنسين الهدف الأساس، من دون طرح سؤال المعنى والوجود، أي معنى وجود المرأة، وكيف تنظر إلى نفسها ومهمتها في العالم المتقلب. ليصير سؤال المعنى مسكوتا عنه في كثير من النماذج التفسيرية.
فكيف ينظر إذن الأستاذ عبد السلام ياسين للعلاقات الاجتماعية للجنس؟ هل هي علاقات مواجهة أم تعاون وتكامل؟ وما المفاهيم التي يستدعيها في مقاربته للمسألة النسائية، في قدرتها على قراءة وتفسير القيم والتصورات والمواقف والسلوكات من جهة، وفي علاقتها بالمفاهيم التحليلية في الأدبيات السوسيولوجية السابقة؟ وما مكان سؤال المعنى والوجود في منظوره للقضية النسائية؟ وهل زاوية النظر التي يقارب من خلالها ذات القضية تنحو منحى التجزيء السابق للمسألة، أم أن منظوره لها شمولي لا ينفصل فيه السياسي عن الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعل منها قضية كلية بتعبير مارسيل موس؟ وهو ما يدفع أيضا في اتجاه سؤال: ما المنهج والمداخل المقاربية التي اعتمدها في تناوله للقضية النسائية؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، قسمت هذه الورقة إلى ثلاثة محاور. يتناول المحور الأول المسألة النسائية: المكانة والبواعث، ويبسط المحور الثاني وضع المرأة الاجتماعي ونظام الحكم: اتصال أم انفصال؟. أما المحور الثالث؛ فيطاول قضية المرأة: بين المساعي المادية وسؤال المعنى.
وقبل ذلك، ارتأيت عرض ثلاث عتبات، أعتقد بأنها حاسمة في الإلمام بالإشكالية موضوع الدراسة. وتتعلق بعتبة السياق، وعتبة المفاهيم والمراجع التحليلية، ثم عتبة المنهج والمداخل المقاربية.
المبحث الأول: عتبات
العتبة الأولى: السياق
لا شك أن السياق كفيل بإنتاج المعنى، لذلك فاستحضار سياقية المنجز تقرب الباحث والقارئ على السواء من فهم الكثير من دلالاته. وفي بحثنا للاطلاع على “المسألة النسائية” في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين من خلال مؤلفاته التي تربو عن الأربعين منجزا، رصدنا ثلاثة مراجع حول القضية قيد الدرس، وتتعلق بمنجز: “تنوير المؤمنات”، بجزأين، فضلا عن كتاب العدل، ثم مؤلفه المعنون بــ: “الإسلام والحداثة”. وبالرجوع إلى سنوات إصدار هذه الكتب، تبين أنها تندرج ضمن العقد الأخير من القرن العشرين.
وقد شهد العالم خلال هذه الفترة أحداثا عديدة مست مختلف مناحي الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية. وكان لهذه الأخيرة تأثيرا بليغا على مختلف دول المعمورة، وبشكل أكثر تحديدا على دول العالم الإسلامي. فعلى المستوى السوسيوسياسي، انهارت دول وتوحدت أخرى[2]، وسادت مناطق أخرى حروب مدمرة[3]، وحروب “تطهير” عرقي[4]، وأعمال عنف وترهيب[5]…
وقد تأثر الحقل الفكري بدوره بمختلف تلك الأحداث؛ فتميزت هذه الفترة بصدور العديد من الكتابات، من أبرزها كتابين أثرا في نظرة الفاعلين للعالم الذي بدأ يتشكل وفق نظام جديد، تحتل فيه التباينات الثقافية أحد أبرز مظاهر التوتر والنزاعات. ويتعلق المنجز الأول بكتاب: “صدام الحضارات” لصامويل هنتجتون، والثاني بكتاب: “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما.
وقد أسهمت الثورة المعلوماتية التي شهدها هذا العقد في الانتشار الكبير للأفكار والقيم الغربية والرأسمالية، غازية بذلك دول الجنوب، بما فيها الدول الإسلامية والعربية والإفريقية.
كل تلك الأحداث والتحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وجدت لها صدى في مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين، وهو ما يبرر استحضاره لها ونقده إياها، ارتباطا بقضية المرأة.
- العتبة الثانية: المفاهيم والمراجع التحليلية
تتأسس السوسيولوجيا على المفاهيم. إذ تعتبر بمثابة مراجع تحليلية أو عناصر رئيسة “تقودنا على حد تعبير فتغنشتاين (Wittgenstein) إلى إجراء أبحاث. إنها تعبير عن اهتمامنا الذي توجهه.”[6].
وفي بحثنا عن أبرز تلك المفاهيم التي استدعاها الأستاذ عبد السلام ياسين في مقاربته للقضية النسائية نجد مفهومين مركزيين، استدعاهما من مقدمة ابن خلدون. ويتعلق الأمر بمفهومي: “نحلة الغالب“[7]، و”دين الانقياد“. وقد وظفهما لما لهما من قدرة على تفسير وضع المرأة الذي لا يختلف عن وضع الرجل داخل المجتمع على حد تعبيره: “توارث أجيال رازحة تحت نير الملك العاض والجبري من عادة الخضوع للحاكم، إلى أن يصبح ذلك الخضوع عقيدة راسخة متجذرة في النفوس.”[8]. فضلا عما أصاب هذا المجتمع بسبب الاستعمار، وما تسبب فيه هذا الأخير، باعتباره الغالب، من إصابات ذهنية ونفسية وثقافية خضعت لها النفوس كرها، ثم استحالت عقيدة ومذهبا ونمط حياة وأسلوب حضارة وغاية وجود، فكلها رواسب متراكمة في هذا المجتمع.
مفهوم ثالث يعكس وضع المرأة الموسوم بالقهر الأنثوي الذي لا تزال النساء يرزحن تحت نيره، نجده حاضرا في تحليل الأستاذ عبد السلام ياسين، ويتعلق الأمر ﺑ”المجتمع الرجولي“، الذي نجد له مرادفا في المراجع التحليلية السوسيولوجية الغربية أي: المجتمع الذكوري، أو ما يحيل على كل أشكال الهيمنة الذكورية[9]. فالأستاذ عبد السلام ياسين لا ينكر وجوده بالمجتمعات العربية والإسلامية، كما لا ينكر أن هذا المجتمع قهر المرأة المسلمة فعلا.
أما المفهوم الرابع الذي يحيل على مختلف تلك الأحكام والاجتهادات الفقهية في تفسير وتأويل النص الديني، والتي رسخت فهما محرفا لبعض أحكام الشريعة الإسلامية. ويتعلق الأمر بمفهوم “الفقه المنحبس” الذي رسخ في المرأة على مر العصور الشعور بالدونية والعجز، أو ما يسميه أيضا بفقه السجن الذي يريد للمرأة، على حد تعبيره، “أن لا تخرج من البيت إلا مرتين: مرة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومرة من بيت زوجها إلى القبر.”[10].
وفي سياق نقده للثقافة الغربية ولأزمة مشروع الحداثة وما تلاها، واستحالتها لنقيض ما وعدت به خلال فترة ما كان يعرف بالأنوار، إذ انتهت آمال الإنسانية في السيطرة على الطبيعة إلى تهديد حياة ومعنى وجود الإنسان نفسه، من خلال نزوعها المستمر إلى تشييء الذوات البشرية وضرب القيم الإنسانية، يسوق لنا الأستاذ عبد السلام ياسين مفهوما خامسا أسماه ﺑ”المنطق الدوابي“. إنه منطق دائر، على حد تعبيره، “حول الحياة باعتبارها لذة ومتعة و«سعادة» فهي الـمَطلَب لا غيرُ، وفيها يركض الناس خلف الاستهلاك والمتعة والشهوة، وتكون المرأة والحرية في الزنى بلا حدود، والإجهاض وسائر «المكتسبات» الإباحية هي قمة الحضارة.”[11]، فهو إذن منطق في جوهره دوابي يعلي من شأن القيم الحسية والأخلاق النفعية دفعا بالميول والغرائز التي تنزع إلى اللذة المباشرة على حساب القيم الإنسانية.
العتبة الثالثة: المنهج والمداخل المقاربية
إن كل معرفة علمية لا توصف بكونها كذلك إلا إذا اعتمدت منهج علمي معين في تناولها ومعالجتها لظواهرها وموضوعاتها؛ بحيث تكون مقولاتها قابلة للإثبات أو الدحض بشكل علمي. والحديث عن المنهج يحيل على: “الطريقة التي يقود الإنسان بمقتضاها فكره، ويعبر عنه وفقا لمبادئ المعرفة.”[12].
وفي تناوله للمسألة النسائية يستند الأستاذ ياسين إلى نظريته في المنهاج النبوي باعتبارها نظرية متكاملة للتغيير، محورها الإنسان المدعو لأن يعود إلى قراءة قرآن ربه، وأن ينهض وينعتق فردا وجماعة من مختلف أشكال الارتهان. فالمنهاج السلوكي يقول: جاءتنا به الرسل، والمنهجية طريقة للنظر في المنهاج. وليس بالإمكان أن نعرض المنهجية النظرية بمعزل عن المنهاج السلوكي. إنها نظرية المنهاج النبوي بمنهجية نبوية[13].لكنه في تناوله ذاك، ومن خلال رؤيته المنهجية الخاصة، اعتمد أيضا في أسلوبه التحليلي على العديد من المقاربات والتخصصات المعرفية العلمية، وما تتيحه من إمكانات النظر العقلي، ندرج أهمها فيما يلي:
- مقاربة سياسية لنقد مختلف النظم السياسية القديمة والحديثة والراهنة التي رسخت وعملت على تأبيد الوضع المأزوم للمرأة. إذ يشدد الأستاذ عبد السلام ياسين على أن الظلم الاجتماعي الواقع على المرأة ناتج عن التسلط السياسي.
- مقاربة حقوقية للتعبير عن الوضع البئيس لفئات مختلفة من النساء: فئة النساء المغربات: تلك الطبقة المنبهرة بأضواء الحضارة المادية بفنونها وإغرائها وأفكارها وفلسفتها ونمط سلوكها[14]، وفئة “المكدسات في مصانع الخياطة والتعليب وخدمة الآلة الصاخبة (..)، وفئة ثالثة أُميّات وأنصاف أميات غير مؤهلات يصير مشوارهن مُشْرَعا إلى سوق النخاسة البشرية والزنى مباشرة (..)، وفئة رابعة تسلك إلى سوق المهانة أي طريق الخدمة في البيوت، وهوان الخدمة في البيوت.”[15].
كما استدعى أكثر من تخصص معرفي، فتجده يستدعي علم التاريخ لاستحضار مختلف عوامل الماضي التي أنتجت وضع المرأة الراهن. وتتجلى هنا قدرته الكبيرة على استدعاء كل تلك الأزمنة التاريخية، والنظر إليها من أعلى لفهم ما جرى من خلل في القيم ومن انسجام بين هذه الأخيرة والواقع المعيش، بانتقاله من فترة زمنية إلى أخرى حسب ما يقتضيه معنى ومبنى الفكرة التي يخاطب بها المتلقي، بدءا من انتهاء الخلافة الراشدة (41ه)، مرورا بالقرن الرابع الهجري المؤشر على ملامح الانحطاط من تاريخ ملوك الطوائف، وانتهاء بالفترة الاستعمارية، أي منذ القرن التاسع عشر، وامتدادات هذه الفترة من خلال وكلاء الاستعمار اليوم داخل مختلف البلدان الإسلامية.
وفي نقده أيضا للنموذج الإرشادي الغربي المرتبط بالقضية النسائية في سياق زمن الحداثة وما تلاها، والذي يحاول فرض نفسه على كل الثقافات والأجناس والألوان، بصرف النظر عن خصوصية كل ثقافة، نراه يقارب المسألة النسائية من خلال حقل الفلسفة والسوسيولوجيا والأنثربولوجيا، يستدعي هذه الحقول المعرفية ومناهجها بقدر ما تكون، على حد تعبيره، معبرا للحوار[16]بين فلسفة عقلانية ورجال الدعوة الإسلامية.بل ويستدعي أيضا في نقده لهذه الفلسفة العقلانية تراكمات ونتائج العلوم الفيزيائية ليكشف عن ضآلة العقل المغرور بأشيائه وعلومه وقوته أمام مختلف القضايا التي يعجز هذا العقل على الإجابة عنها، ولعل أبرزها قضية هي: سؤال المعنى.
إن القارئ إذن يجد نفسه أمام نص متعدد المداخل المعرفية والحقول الفكرية؛ حيث يتداخل ما هو فلسفي بما هو ديني، بما هو علمي. يستدعيها لينتقدها أولا، وينتقد الواقع الإنساني، بما فيه واقع المرأة، الذي لم تتمكن هذه الحقول المعرفية بعقلانيتها الفلسفية من انتشال الإنسان/ المرأة من المآزق التي حشرته فيها، ليعرض أخيرا سؤال الفطرة على الفرد والمجتمع والإنسانية بأكملها.
ينتقل من خلال كل تلك التخصصات موظفا لمنهج نقدي حواري: نقدي حواري من حيث كونه يعمل على محاورة ونقد مختلف نماذج التحليل في تناولها للقضية النسائية، وبما هو حوار مع نقد الأفكار والنظريات، ونقد أيضا للمجتمع ومؤسساته الإعلامية والصناعية والرأسمالية الداعمة لثقافة التشييء والاستهلاك، والتي يكون ركنها الأساس هو المرأة. إنه منهج، على حد تعبير عالم الاجتماع العراقي إبراهيم الحيدري “يسمح بأن تتكامل فيه المناهج التعددية الحديثة كلها في تفاعل وتلاقح وتداخل منهجي كما استخدمته البنيوية والشكلانية والتفكيكية والتأويلية وكذلك التاريخية والاجتماعية والواقعية وغيرها.”[17]. ويظهر هذا المنهج جليا عند تناوله للمرأة المسلمة في مجالها الخاص والعام، تفكيكا ونقدا، بما فيه تعريةواقع الاستلاب تحت تأثير نحلة الغالب، وانزلاق المرأة المسلمة إلى الاتباع غير المشروط لنظيرتها الغربية.
المبحث الثاني: المسألة النسائية: المكانة والبواعث
إن ما يعتمل في الواقع الراهن من ظواهر ووقائع تشي بتحولات على مستوى الأفراد كما على مستويات البنيات والأنساق، إنما هي نتاج لواقع سابق شهد منعطفات تاريخية وتغيرات مجتمعية، الأمر الذي يجعل من الظاهرة الإنسانية في الأساس ظاهرة زمانية. لذلك فكل قراءة لهذه الأخيرة، تقتضي من الباحث العودة إلى الماضي من أجل تفسير أسبابها وبواعثها، عبر تتبع أطوار انبناءاتها ومآلاتها. وهذا ما حدا بابن خلدون إلى أن يعتبر “سائر ما يحدث… في العمران البشري بطبيعته من الأحوال…”[18]. ومن هنا تبدو هذه العودة إلى التاريخ وجيهة كعلم بالغ الأهمية.
وفي مقاربة الأستاذ عبد السلام ياسين للمسألة النسائية، لم يغفل العوامل التاريخية التي أنتجت الوضع الحالي للمرأة المسلمة. ولم يكن هذا الرجوع إلى التاريخ من أجل اجترار أحداثه، والتسلي بها، أو التوقف عندها، أو الاكتفاء بعرض مظلومية المرأة ومحنتها، بل امتد طموح أطروحته إلى “واسع الحاضر وفسيح المستقبل معا، مراقبة واستكشافا وتطلعا.”[19]،أملا في محاولة الإجابة على الأسئلة الحارقة التي تخص راهننا.
ومن خلال قراءتنا لمؤلفاته السابقة الذكر التي يقارب من خلالها المسألة النسائية، يرجع الأستاذ عبد السلام ياسين الوضع المأزوم للمرأة إلى ثلاثة عوامل أساسية تتداخل فيما بينها، وينتج بعضها عن بعض، لأن الحديث، في اعتقاده، عن تحرير المرأة وإنصافها، وعن تاريخ بلائها دون ربط ذلك بالسياق التاريخي السياسي الاقتصادي الفقهي الاجتماعي فصل اعتباطي لما لا ينفصل[20].
وتتمثل هذه العوامل فيما يلي:
- العامل الأول: النظام السياسي
يرصد الأستاذ عبد السلام ياسين بداية انحطاط المرأة المسلمة مند تدهور نظام الحكم في الإسلام حتى صار “ملكا عاضا وراثيا بمقتضاه ينتخب الوالد ولده، ويعهد إليه أمر المسلمين يورثه إياه كما يورث من المتاع. ولم تلبث المرأة أن أصبحت سلعة في السوق وجارية في القصور ومحظية وكما مهملا.”[21]. وللتدليل على ذلك يسوق مثالان على انحطاط المجتمع وتبخيس المرأة وانحباس الفقه في ارتباط بالمؤسسة السياسية العضية التي “أباحت لحامل السيف أن يقتطع من البلاد ما يدفعه لخلفه كما منقادا. ليتحول الأرقاء من الذكور يدا عاملة مجانية، ولتصير المرأة جارية حسناء بضاعة مطلوبة في الحريم. وهو ما يعكس المثال الأول أي الرق”[22]. أما المثال الثاني فعيني تاريخي يرجعه الأستاذ عبد السلام ياسين إلى ملامح الانحطاط من تاريخ ملوك الطوائف كنموذج للحكم العاض التسلطي في الأندلس أي الفترة الممتدة من سنة 422ه إلى سنة 484ه، وما عرفته من تفتت وتناحر وقبلية، عجلت بسقوط الأندلس. أما المرأة فكانت “مكانتها تنبئ به أشعار الغزل وأخبار الجواري والقصور، في الحريم مع مئات الجواري.”[23].
ويستأنف في تفكيكه لواقع المرأة التشديد على أن الظلم الاجتماعي الواقع على المرأة إنما هو ناتج عن التسلط السياسي[24] المستند إلى ركن الانحطاط في تاريخنا ومنبعه. هذا التسلط الذي يريد بالمسلمين، والمرأة جزء مهم منهم، الخلود تحت وطأة حامل الأسطرلاب.[25] والذي لا يختلف عن النظام السياسي الراهن، إذ في عصرنا هذا “يتخذ الحاكم العاض مستشارا له في رصد الطوالع واستشارة النجوم في باريز ولندن.”[26].
ولعل هذا النقد التاريخي للنظم السياسية بين الأمس واليوم هو ما ميز طرح الأستاذ عبد السلام ياسين، إذ يلاحَظ في مجمل فصائل الخطاب النسائي تغييبها لتداعيات النظام السياسي وتأثيره في الوضع النسائي، ويتم حصر بواعث الإقصاء التي ترزح تحت نيره النساء من جهة، في تلك النزعة البطريركية السائدة داخل الأسرة كما في باقي مؤسسات المجتمع، وفي هيمنة الفكر التقليدي الديني من جهة ثانية، بل حتى في نقدهم للخطاب الديني المرتبط بقضايا المرأة، لا يتساءلون، كما فعل الأستاذ عبد السلام ياسين، قائلا: لماذا يحارب العقل المنحبس والفقه الواقف البدع والشرك في صفوف الجهلة من ضعاف المسلمين، ويسكت عن الشرك السياسي، وهو أعظم؟[27]. وحتى من أشار إلى هذا العامل السياسي؛ فغالبا ما يتم حصره في ماضي “الأحكام السلطانية”، دون إعمال ذات النقد على النظم السياسية الراهنة للعديد من البلدان الإسلامية، وكأنها قد بوأت المرأة المكانة المجتمعية المفترضة.
- العامل الثاني: الفقه المنحبس
يحيل هذا المفهوم، كما سبقت الإشارة إليه آنفا، على اجتهادات فقهية، تنحو منحى التضيق في تفسير وتأويل النصوص الدينية من قرآن كريم وأحاديث نبوية شريفة، مرسخة فهما محرفا لبعض أحكام الشريعة في ارتباط بمكانة المرأة وأدوارها داخل المجتمع. وفي مقاربته للمسألة النسائية يعود الأستاذ عبد السلام ياسين إلى هذا العامل للتنقيب عن مختلف أنماط الفعل والسلوك التي أنتجها وأعاد إنتاجها الفقه المنحبس، بالشكل الذي صارت معه متجذرة في الفكر والعادات والمواقف. إنه فقه منحبس رسخ في المرأة على مر العصور الانحطاطية الشعور بالدونية والعجز والارتهان، وأفقدتها الثقة بنفسها وبقدرتها على المشاركة والفعل، فأنى لها ذلك وقد “بترت منها حاسة المسؤولية خارج نطاقها الضيق وأشغالها الخاصة وهمومها وآلامها وأميتها.”[28]
ولعل واقع المرأة، على سبيل التمثيل لا الحصر، في الغرب الإسلامي، وتحديدا بالمغرب الأقصى، بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر يشهد على تأثير هذا العامل في وضع المرأة الذي عرف مدا وجزرا تبعا للدول المتعاقبة على حكم المغرب. ففي الوقت الذي حظيت فيه بمكانة متميزة خلال فترة حكم المرابطين، مكنتها من اقتناء الثروات والتمتع بالنفوذ، وشاركت أيضا في اتخاذ القرارات التي تهم الحكم، تراجعت مكانتها في عهد الدولة الموحدية، واتهمت بالسفور وعدم الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية[29].
إن ذلك القهر الأنثوي الذي ما تزال النساء تجر قسما منه إلى يومنا هذا، والذي ينتجه ويعيد إنتاجه المجتمع الرجولي المستند إلى أحكام الفقه المنحبس، ما يزال حاضرا في المجتمعات العربية والإسلامية، مما دفع المرأة المسلمة إلى الارتماء في أحضان تقليد المرأة الغربية التي تحررت من عنصرية الرجال، تلك العنصرية المستقاة من نظرة الكنيسة إلى المرأة؛ فقد ظل رهبان الكنيسة يتجادلون على امتداد قرون هل للمرأة روح، وكيف تُحْرَق الساحرات، وكيف يتطهر الرجل من رجس الشيطان ومطيته[30]. بل وصل التمرد ببعضهن إلى نبذ دين الإسلام، واعتناق قومية المرأة وعالمية حقوقها[31]، علهن ينفلتن من عقال الدين كما تأتى ذلك لبنات جنسها اللائي تحررن من عقال الكنيسة. فالكنيسة عدو المرأة، وكل دين كنيسة، والتحرر من الدين فضيلة كل امرأة حرة. ويظل هذا الواقع في حياة المجتمعات الإسلامية أحد المرتكزات التي يستند إليها العديد من دعاة /داعيات التبعية لمقارنة اضطهاد الكنيسة بالحيف الواقع على المسلمة. فالإسلام كنيسة يجب التحرر منها.[32]
إنه مرتكز كثيرا ما يظهر في العديد من فصائل الخطاب النسائي عند انتقادها للتيارات الدينية، من خلال الفتاوى والأحكام الفقهية التي عملت على تأويل بعض النصوص الدينية بوضع كل تلك الاجتهادات في سلة واحدة بعمومية مثيرة للاستغراب[33]،باعتبارها تحيل على أصولية منغلقة تتبنى فكرا ظلاميا يقصي ويصادر حقوق المرأة، مستندةفي ذلك على “أضيق التأويلات الفقهية وأعسر المذاهب في حق المرأة”[34]، وإغفالها لبعض المفكرين الإسلاميين الذين جلوا بدراساتهم[35]، على حد تعبير الأستاذ عبد السلام ياسين، صورة حياة النساء المؤمنات على عهد النبوة هي أبعد ما يكون عن فقه سد الذرائع الذي حشر المسلمة في ركن حرج[36]، الأمر الذي يحيل على النهج الانتقائي عوض الاستقرائي أو الاستقصائي، وتغليب الخلفية الإيديولوجية كما تقتضي ذلك الدراسة والقراءة العلميتين. وهو ما ينتقده كذلك عالم الاجتماع مصطفى محسن بحديثه عن بعض هذه الفصائل التي تركز على الإرث الماضوي التقليدي الذي لم يستثمر منه إلا جوانبه المظلمة، ليتم حصره في ذلك الإرهاب الفقهي الذي استحال غولا يخافه المسلمون وينفر المسلمون من دينهم لما تَعِيثُ في الأرض من تهويل وتكفير وتبديع[37]، وذلك على حساب الجوانب المشرقة من التراث العربي الإسلامي.[38]والتي تعكس ذلك الإسلام المستحق (غير المكتوب) تجاه جملة من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
- العامل الثالث: الاستعمار وتياراته التغريبية
يعد هذا العامل بمثابة ثالثة الأثافي التي أصابت الدول الإسلامية في مقتل. إذ أن الظاهرة الاستعمارية لم تكتف بتخريب العمران وقتل البشر ونهب الثروات المادية والرمزية، وهذه الخسائر بأكملها يعتبرها الأستاذ عبد السلام ياسين “أمرا هينا وإصابة في الحواشي”[39]، إذا ما قورنت على حد تعبيره بالنكاية العظمى التي أصابت أجيالا متعاقبة، فتحت أعينها على النموذج الغربي المتفوقبعلومِه وأفكاره وفلسفته ونمط عيشه. وهو ما دفع بالعديد من النساء المقهورات الرازحات تحت نير التضييق والجهل، المكتشفات لأضواء المدنية الغربية الجذابة، إلى التطلع إلى هذا النموذج والإقبال عليه.
ويستحضر الأستاذ عبد السلام ياسين السياق التاريخي لانتشار الفكر التغريبي الاستلابي للمرأة وقضيتها داخل البلدان المسلمة بحلول عصر اللاييكية، عصر وكلاء الاستعمار الذي بشر المرأة المسلمة بدخولها عصر الحرية، لتنتحل هذه المغربة نحلة الغالب سيدة لجسدها، وتنعتق من ربقة كانت فيها كما مهملا وسلعة[40].لاسيما بعد صدور مؤلف قاسم أمين المعنون ب “تحرير المرأة” في مصر سنة 1899، والذي شكل لواء تقاتل تحته النساء وتناضل، كما أحدث في زمنه زلزالا فكريا ورد فعل عنيف من جانب العلماء في العديد من البلدان الإسلامية[41].
وقد انتقلت فكرة “تحرير المرأة” هذه إلى ربوع أخرى، مثل تركيا إبان حكم الزعيم القومي التركي ضياء كوك ألب الذي دعا إلى الانسلاخ عن التقاليد، أي الإسلام، والانخراط في الحضارة الغربية.[42] ولقيت تأييدا أيضا بالهند من خلال سيد أحمد خان الذي بدأ حياته مصلحا مسلما، ثم عاش في إنجلترا سنوات حيث عاشر الطبقة الراقية وغشي القصور ومحافل الكبراء والمفكرين، ثم رجع إلى الهند يدافع عن النموذج الغربي، خاصة في علاقته بالمرأة وقضية تحريرها. وتكررت نسخة من قاسم أمين، أكثر جرأة على الفقه الإسلامي، منتقلة من مجال النظر إلى مجال التطبيق، ويتعلق الأمر بزعيمها الحبيب بورقيبة الذي جعل من قانونه مطية لترويج أفكاره، وتوطيد مكانته وزعامته[43]، لاسيما وأن هذه الأفكار والقيم نالت استحسان المستعمر باعتبارها أضمن لمصالحهم من الاستعمار المباشر، وأسرع في تدمير المقومات الدينية للإسلام والمسلمين.
ليخلص الأستاذ عبد السلام ياسين من دراسته للمد الاستعماري التغريبي إلى ملاحظة جوهرية، يوردها في معترك قضية المرأة وهي “أن المرأة المراد تحريرها لا تنتسب في عبارة القول لشيء غير جنسها. فهي امرأة من مصر أو الهند أو تركيا صلتها ببنات جنسها في باريس ولندن وروما هي بطاقة تعريفها بقطع النظر عن كل هوية دينية. الدين أمر منسي لا يذكر في المحافل الحضارية … وفي أحسن الأحوال مسألة شخصية.”[44]. بل تعدى الأمر ذلك ليصير الدينمتهما في سوق الفكر والسياسة، بأنه عدوُّ المرأة، بل إن أول ما يُذكَر في وسائل الإعلام الغربية المعادية «للتطرف الديني» هو التهديد الذي يشكله «الأصوليون» على مستقبل المرأة.”[45].
إنه واقع ينتج ويعيد إنتاج التضليل والاستلاب الإيديولوجي الذي تمارسه أطراف سياسية وإعلامية، وتوظفه أيضا بعض الجهات التي سماها عالم الاجتماع مصطفى محسن ﺑ”سماسرة الأزمات” داخلية أو خارجية متناولة قضايا اجتماعية بعينها نسائية أو إثنية أو لغوية أو دينية … وهو ما يرى فيه أيضا اختزالا للقضية النسائية من كل مكوناتها العقدية والاجتماعية والثقافية … اختزال يتمثل في انحصارها في مقترب الجنس، وتجاهلها للبعد الديني الذي ما يزال مشكِّلا ومتحكما في نفس الآن للعديد من قيم ومعتقدات وسلوكات وأنماط فعل المجتمعات العربية والإسلامية.[46]
هذا المنزلق الذي لم تفلت منه أيضا العديد من فصائل الخطاب النسائي التغريبية، بإسقاطها على هذا الحاضر مفاهيم أنتجها سياق سوسيوثقافي ومعرفي غربي مغاير. وهي بذلك تسقط إما ضحية نزعة مركزية ذاتية، أو ضحية منظور استشرافي متعال يحاول إخضاع الواقع للنظرية، وبالتالي هو ما يبعد الباحث عن روح الممارسة العلمية التي تضع في الاعتبار الأول الاسترشاد بالنظرية لفهم الواقع المبحوث مع استحضار خصوصية الواقع، وذلك مغبة السقوط في كل توجه استغرابي مستلب.[47]
كما يلاحظ على فصائل الخطاب هذه تغييبها للتأثير الاستعماري، وما فعله في كيان الأمة الإسلامية من تغريب وسلب للهوية والذات، وتشويه لمقومات هذه البلدان الدينية والفكرية والثقافية، وكأن الاستعمار، على خلاف إرثه ومخلفاته وامتداداته وأشكاله الإمبريالية الجديدة المتطورة، العاملة على تأبيد وإدامة الظروف المعيدة لإنتاج شروط التبعية والتخلف والارتهان، قرارا ومصيرا، لمراكز القوى المهيمنة على المستوى الكوني”[48]، قد فتح عيون هذه البلدان على العلوم والمعارف الحديثة، ووضعها على سكة التنمية الشاملة، بل ولا يتورع الكثير من الباحثين عن طرح سؤال: ما الذي كان سيحل بنا لو لم نستعمر؟
إن كل تلك العوامل الثلاثة في تلازمها وتجادلها العلائقي مع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني، عملت على تكريس ثقافة «نحلة الغالب» التي استحالت دينا انقياديا يخضع له السياسي والمثقف والإعلامي ورجل التقنية وكثير من الناس، نحلة وعقيدة تتغيى تقليد الغالب المتفوق، “تحملنا الرغبة في التشبه به على تبني عاداته ومظاهره ومذاهبه في الحياة. بل يكون الانتحال أقوى ما يكون وأشمل إذا كانت الغلبة والتفوق شاملين في المجالات السياسية والاقتصادية والصناعية والابتكارية، وكان في الجانب المغلوب فراغ وفاقة واحتياج في هذه المجالات…، فيميل المغلوب إلى ستر ضعفه بأصالة مزيفة من تحتها يزاول انتحاله … ويرفض كل ما يذكره بتخلفه المادي، ويهرب من الواقع، ويفر بدينه إلى المثال المعشوق، أو إلى كهوف الانعزال، أو إلى التشدد العنيف.”[49]
إنها صورة تعكس واقع المجتمعات العربية والإسلامية اليوم، بما هو واقع لم يستطع أفراده ونخبه وفاعلوه أن يفرزوا ثقافة أصيلة أو حديثة مستوعبة لمجمل قيم الحداثة والحرية والكرامة والمساواة وتقدير الإنسان. ما جعل هذه المجتمعات تعيد إنتاج القهر السياسي والفقهي والأنثوي داخل منظومات القيم والمعتقدات الاجتماعية، والتي يعاني منها العديد من المهمشين والمستضعفين رجالا ونساء، غير أن النساء هن أكثر الشرائح الاجتماعية تضررا من وضع الارتهان والتخلف والاستغلال هذا، الأمر الذي يحيل على علة سياسية اجتماعية اقتصادية كلية.
المبحث الثالث: وضع المرأة، الوضع الاجتماعي ونظام الحكم: اتصال أم انفصال؟
تمت الإشارة في مقدمة هذه الورقة على أن مقاربة المسألة النسائية تتعدد مداخلها وتخصصاتها المعرفية ومنطلقاتها الإيديولوجية؛ غير أن الثابت الذي يلاحظ على مجمل تلك الدراسات والأبحاث هو نزوعها نحو التجزيء في مقاربتها لقضية المرأة، وتبقى رهينة التحليل الفروق الاجتماعية على أساس الجنس، من خلال حقل معرفي بعينهحسب واحدة من الثنائيات الخمس المتمثلة في: المرأة والتربية، المرأة والصحة، المرأة والشغل، المرأة والقانون، وبمقاربات عملية أكثر منها علمية، بغية توجيه نظر أصحاب القرار إلى تلك الفروقات للحد منها وللحيلولة دون تفاقمها.[50]
بيد أن ما يميز المنظور المقاربي للأستاذ عبد السلام ياسين هو زاوية نظره تلك التي لا ينفصل فيها الفقهي عن السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إذ أن “المرأة انحطت في نظره بانحطاط المجتمع، وانحط المجتمع بانحطاط نظام الحكم، وانحباس الفقه، لتدور الفتوى في حلقة ضيقة وسط غفوة العقل المسلم الذي لم يعد رائدا في مجالات العلوم الكونية كما كان سابقا في فقه الشرع.”[51]. إن تشظي العقل المسلم إنما هو نتاج للانشطار السياسي[52]الذي وقع فيه المسلمون ارتباطا بالفتوى، خاصة فتوى تسويغ الاستيلاء على الحكم بالقوة[53]. وهذا يحيل على اشتباك السياسي بالديني، وهو ما ينعكس حتما على وضع المجتمع برمته. هذا المجتمع الذي ظل عطبه الأول والأخير “خلل في الانسجام المثالي… وقصور هذا المجتمع عن تحقيقه مرده إلى فساد الطبائع، وإلى الفقر المفسد للطبائع، وإلى الظلم الجاثم على الصدور.”[54]وهو واقع لا يختلف، على الرغم من تباعد الفترتين الزمنيتين السابقة والراهنة، عما يعيشه المسلمون اليوم من اشتباك والتفاف النظام السياسي/الدولة بالفقه المنحبس/الدعوة ساقاً بساق “منذ نصرت سيوف آل سعود دعوة ابن عبد الوهاب. والالتفاف اليوم أشد وَثاقاً بين أموال النفط، أموال الله المنهوبة، وبين الفقه المتألف في طبعات فاخرة وجامعات زاخرة ورابطات كاثرة وفتاوٍ ناهية آمرة.”[55].
إنه وضع ينتج ويعيد إنتاج قهر النساء، بل ويعمل على إدامته وتأبيده، إذ لا ينكر الأستاذ عبد السلام ياسين أن “الشكاوى التي تبثها حال المرأة المسلمة ويدعو بها دعاة تحريرها أمس واليوم لها نصيب كبير من الصحة، ونجد أيضا ذات وجهة النظر في الأطروحة التي تدفع بها فاطمة المرنيسي، إذ أن المرأة تعيش داخل عالم منشطر: بين غرب يعمل على تمزيق كل الأنساق وكل القيم التي لابد لكل حداثة أن تنتظم فيها، ومجتمع ذكوري يتعمد إقصاء المرأة وإبعادها من ممارسة فاعليتها داخل المجتمع. وعلى هذا الأساس فكل من الغرب والمجتمع الرجولي العربي يقهران المرأة.[56]
وتتجلى بعض أوجه وملامح القهر الأنثوي في المعاملة المهينة، ورسوخ الأمية الأبجدية، والجهل، والأجور البئيسة، والاستغلال في المعامل، والتعدد الاعتسافي، والطلاق الجائر، وإكراه الفتيات على الزواج، والتحايل على نصيب المسلمات من الإرث ..[57]. كل هذه مآسي يرجعها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى عدم إيجاد حلمن صميم الفقه الإسلامي، الذي انحط ميدان الاجتهاد فيه منذ نهاية القرن الرابع بانحطاط الحكم من جهة أولى، ومن عمل الحاكم الإسلامي من جهة ثانية[58].
أمام هذا الوضع، انحدرت المجتمعات الإسلامية، على حد تعبير الأستاذ عبد السلام ياسين، وبهبوطها “هانت المرأة بعد عز، وسكتت، بل أُسكتت، بعد إفصاح، وألجمت بعد انطلاق. ألجمها فقه منحسر منحبس، وأهانها وأسكتها تعسف الرجال في ممارسة «الدرجة»[59] المسؤولية، وقد تحولت «الدرجة» استعلاء.”[60] مما يحيل على ارتباط مفهوم الفقه المنحبس، بوضع المرأة تحت قهر الرجل. ويلاحظ من خلال هذا القول أن الأستاذ عبد السلام ياسين لا ينكر تلك الهيمنة الذكورية التي لا تزال قائمة إلى اليوم، حاضرة في كثير من المواقف وأنماط السلوك، ومفسرة أيضا لواقع المرأة المسلمة؛ إلا أنه لا يرجع هذا الوضع حصرا إلى تلك السيطرة الرجولية التي عانت منها النساء ولا تزال داخل الأسرة أو خارجها، كما تذهب إلى ذلك كريستين ديلفي في مؤلفها L’ennemi principal، إذ تعتبر القهر النسائي بمثابة نسق، وتعد البطريركية بمثابة النظام السوسيواقتصادي الذي ينظم قهر النساء، وقاعدته هي نمط الإنتاج المنزلي. وبالتالي فبالنسبة إليها كل آليات الهيمنة الذكورية تجد جذورها داخل الاستغلال المادي[61].أو كما يظل ملاحظا في كثير من فصائل الخطاب النسائي المرتبطة بقضية المرأة، خاصة في طروحات النظرية النسوية في بداياتها الأولى[62].
فعلى الرغم من عدم إنكار الأستاذ عبد السلام ياسين للقهر الممارس من قبل الرجل على المرأة، إلا أن هذا الأخير بدوره لا يخرج عن دائرة الانحطاط المجتمعي، مما يحيل على تردي وضعية المرأة والرجل معا[63]. ولينهضا معا من ربقة التخلف الذي ينخر مجتمعهما معا لا بد من أن “يتحرر الرجل والمرأة من النظرة الدونية التقليدية التي كانت تحيل المرأة إلى عضو مكفول مهمش وتقنعها باعتبار نفسها كذلك.”[64]، ويضيف مؤكدا رؤيته بأن “المرأة المسلمة كانت مظلومة ولا تزال، هي زميلة الرجل المسلم فيما تعانيه أمس وهي سجينة أمية، واليوم وهي بين نار الدعوة التغريبية ورمضاء المخلفات الانحطاطية.”[65] الأمر الذي يكشف عن اشتباك شأن المرأة بشأن المجتمع وشأن الحكم.
إن قضية المرأة المسلمة إذن وقضايا المسلمين الأخرى شأن واحد، والعلة سياسية اجتماعية اقتصادية كلية. وهو ما تشدد عليه أيضا الفيلسوفة الأمريكية نانسي فريزر (Nancy Fraser) في شأن انتقادها لفصائل الخطاب النسائي خاصة ذات التوجه الليبرالي، إذ تعتبر أن النسوية التي تقول: «نحن لن ننظر إلى هذه القضايا، بل سنقتصر على الحديث عن النساء»، ستنتهي إلى أن تحصر حديثها في شريحة محظوظة من النساء.”[66] ولعل هذا المنطق الاصطفافي هو الذي تنتظم من خلاله العديد من فصائل الخطاب النسوي.
ونجد ما يشابه هذا الطرح من منظور سوسيولوجي هذه المرة لدى آلان تورين الذي خلص من خلال مؤلفه “عالم النساء” إلى اعتبار سوسيولوجيا النساء مدخلاً أساسيا للسوسيولوجيا العامة التي تجعل من المجتمع مختبر اشتغالها. فالنساء اليوم أشبه ما يكون في فكر الرجل بالطبقة العمالية التي تحارب على واجهتين: إحداهما تتمثل في مواجهة للحتميات والسلط السياسية والاجتماعية التي ترزح تحتها النساء، والواجهة الأخرى تتمثل في صراع النساء في مطالبهن بالحقوق والحريات.[67]
ويذهب الأستاذ عبد السلام ياسين أبعد من ذلك ليربط استقرار المجتمع بالاستقرار الذي يحصل داخل الأسرة وعلى رأسها المرأة. بل إن القيم التي تعيد إنتاجها المرأة داخل النواة الأولى للمجتمع: أي الأسرة، والمتضمنة لمعاني الثبات والوفاء والقرار … متى لم يتغذى منها المجتمع استحال “ساحة مفتوحة للنهب.”[68]. ومن ثمة فمكانة النساء في المجتمع معيار وعنوان لنهوض الأمة أو سقوطها.
المبحث الرابع: القضية النسائية: بين المساعي المادية وسؤال المعنى
يعد سؤال المعنى أحد الأسئلة التي تكاد لا تجد لها حضورا في العديد من فصائل الخطاب النسائي. إذ، ومن خلال قراءة جملة ما كتب حول هذه القضية، يلاحظ أن ما يشكل مبلغ غايات أبحاثها هو الحديث عن وضع المرأة داخل المجتمع، بما هو وضع نسائي يهيمن فيه التقسيم الجنسي للأدوار الاجتماعية، على الرغم مما تشهده مختلف الميادين الاجتماعية والسياسية والثقافية والمدنية من حضور متنام للنساء. وقد يتفاوت هذا الحضور من بلد لآخر تبعا للنظام السياسي للبلد ولتشريعاته القانونية والحقوقية، وتبعا أيضا لأنماط السلوك والقيم والأفكار السائدة داخل هذا البلد أو ذاك. ولذلك نجد معظم تلك الأبحاث تعمل على تفكيك مختلف العوائق التي تحول دون ولوج النساء بنسبة معادلة للرجال في مختلف المجالات المجتمعية. وتدفع في اتجاه التمكين النسائي، وهو ما يقتضي العمل على عدة واجهات ومجالات مجتمعية. ما يثير دائما سؤال/ مطلب التمثيلية النسائية ومسألة إدماج النساء أيضا في مراكز اتخاذ القرار الذي يعد أحد الرهانات الرئيسة للنظم الديمقراطية المعاصرة بحسب الباحثة أسماء بنعدادة.[69]
لكن السؤال/ الإشكالية الذي يظل مغيبا، يرتبط بسؤال المعنى الذي يحيل على وضع المرأة المسلمة اليوم في مجالها الخاص والعام من خلال مختلف أشكال وجودها، أي المعنى الذي تضفيه النساء على وجودهن وأفعالهن ومواقفهن، في علاقة ذلك كله بالاستجابة الفطرية لنداء السماء. إنه سؤال المعنى والغاية والوجود الذي يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين على أن لا مكان له في بلاد العقلانية الفلسفية.[70]
يطلعنا الأكاديمي المغربي إدريس مقبول في كتابه: “سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين” على أن الأستاذ عبد السلام ياسين أسس منهاجه النبوي، باعتباره نظرية متسقة في فلسفة الإنسان والتاريخ والجمال، على جملة من التقابلات لتفكيك عقلانية الحضارة الغربية، وما تلاها من علوم يسكنها وهم التفوق وهواجس التعدي على الآخر. ولذلك تراه يستدعي تلك العلوم بمسبار “الخبير بقضاياها الفكرية والفلسفية والعقلية، ليحدثك حديث المعنى والمصير والقلب، لإيمانه ويقينه أنه أقصر الطرق للفطرة وأصفاها … فالمنهاج النبوي بالنسبة إليه مشروع الدفاع عن الفطرة.”[71].
وفي قراءته للقضية النسائية دائما ينطلق الأستاذ عبد السلام ياسين من مسلمة مفادها أن “الغرب كتلة واحدة بمادياتها ومبادئها وقوانينها. والإسلام كل لا يتجزأ. وما قضية المرأة إلا موقع معركة من معارك التناقض الشامل.”[72]. لذلك يؤكد على عدم جدوى “مجاراة الماديين في حديثهم عن المرأة، والانزلاق إلى منطقهم طوعا أو كرها، وتجريد المرأة من معناها الوجودي لنتبارَى معهم ونقارِن المزايا التشريعية على بساط أرضيٍّ محض.”[73]. حجته في ذلك أن المرأة والرجل معا نقطتان تميِّـزان مُنطلقنا في الحياة والفكر والسعي عن منطلَق الآخر، إذ أن وجودهما مقرون بسؤال معنى المرور من الدنيا[74]. ومن ثمة فإن علاج القضية النسائية من خلال “المقارنة بين برنامج وبرنامج خارج الإطار الكلي والالتزام الكلي والنية الكلية والمشروع السياسي الاقتصادي الاجتماعي الكلي من هذا الجانب وذاك، إنما هو تشريح لدُمَّلٍ يراد شفاؤه بآلة ملوَّثة.”[75].
إنها زاوية النظر التي ينظر الأستاذ عبد السلام ياسين من خلالها للمسألة النسائية بمجهر سؤال /فلسفة المعنى والوجود، باعتباره نموذجا إرشاديا يحاول الإجابة بواسطته عن الأسئلة الوجودية الأساسية التي عجزت الفلسفة الغربية عن الإجابة عنها: من أنت ولم أنت أنت؟ ولا كيف أنت أنت؟[76] إنها أسئلة تسائل المرأة المؤمنة عمن تكون؟ ولماذا هي هنا؟ وكيف تنظر إلى نفسها ومهمتها في العالم المتقلب؟ وأي وظيفة لها في هذه الحياة؟ وأي دور للتجربة الدينية في السمو بـالمعنى في أشكال وجودها؟
لذلك تجده في محاورته للمرأة العربية والمسلمة من خلال الأسئلة الأنطولوجية السابقة، يستدعي منهجه النقدي السجالي، محاورا به هذه الأخيرة، ومنتقدا في نفس الآن النموذج الغربي بعلومه المهووسة بالنزعة الموصوفة ﺑ”العقلانية”، والتي تخضع العقل لعبودية الالتزام بالغاية النفعية المترتبة عليه، لتغدو عندها قيمة الإنسان صعبة المنال، بل تظل موضوع استفهام تنخره توترات القلق واللامعنى، فلا تتحقق مشروعية الإنسان إلا بمقدار فقدانه.[77] فقدانه لإنسانيته التي انمحت وتشظت بفعل مطرقة الاستبداد السياسي من جهة، وبفعل مطارق الاستهلاك العولمي التي لم تبق في الإنسان إلا على بعد واحد هو البعد الاستهلاكي، الأمر الذي جعله يستحيل إنسانا أحادي البعد في نظر هربرت ماركيوز (Herbert Marcuse). إنه سؤال المعنى إذن، والذي يأتي لانتشال الإنسان وإخراجه من براثن الأنانية التي أنشبت أظافرها فيه.[78]
ويسترسل الأستاذ عبد السلام ياسين في محاورة المرأة المسلمة بقوله: “هل في مكتسبات المرأة الغربية ما يغري المسلمات؟ هذا والاستقلال الاقتصادي لا تزال المرأة الغربية تجري وراءهُ، وهو مكسب هائل لو تحقق. نفرض أنه تحقق لها هناك، فما ثمنه؟ إن كان القانون الغربي انتزعت منه المرأة الغربية بنضال وتطور اجتماعي بعض الإنصاف في أجر العمل، وفرص التعلم والرقي الاجتماعي، فإن الثمن من إنسانيتها باهظ. صيرتها الثورة الجنسية لعبة مبتذلة. واختلس منها الرجال من جانب ضعفها النفسي أضعاف ما خوله لها القانون من جانب قوتها النضالية”.[79]
وتعزز الفيلسوفة الأمريكية نانسي فريزر هذا الطرح في نقدها للنظام الرأسمالي في نسخته الجديدة النيوليبرالية، إذ أن إخضاع النساء في المجتمعات الرأسمالية موجود في كل منحى بذات البنيوية التي للاستغلال الطبقي، من خلال قولها: “كنت غير راضية حيال المنحى الذي كانت تتبعه النسوية الليبرالية أو السائدة/ mainstream”.[80]، منتقدة تلك النسوية التي تبشر بها كريستين لاكارد أو هيلاري كلينتون، والتي تجد لها انعكاسا في كتاب «Lean-in» لمؤلفته شيريل ساندبيرغ.[81] فمن دون أن يعي الكثيرون ذلك، تقر نانسي فريزر بأن الحركة النسوية كانت “تسهم إسهاما جوهريا وفعالا في النيوليبرالية. لقد أكسبناها نوعا من الكاريزما والشرعية، سامحين لها بأن تستخدم كاريزمانا الاستقلالية والتحررية على أنها نوع من الأداة التبريرية التي تشرعن للنظام الاقتصادي السياسي الجديد الذي كان بصدد النشوء.”[82].
ويستأنف الأستاذ عبد السلام ياسين نقده للوضع النسائي الغربي محاورا من خلاله المرأة المسلمة، خاصة وأن هذه الأخيرة تعيش اليوم معاناة مضاعفة، فهي ممزقة بين الواقع التعس الذي فرضه عليها الظلم الذكوري المحلي من جهة والتشديد الفقهي من جهة أخرى، وبين النموذج الغربي المغري بحريته الظاهرية[83]، بدعوتها للتأمل في واقع المرأة الغربية فيما يصنعه رجل الإشهار بصورتها وأوضاع جسمها، وما يفعله مالكو شركات الأزياء والتجميل والجراحة بجسدها، وما يفعله كل هؤلاء الرجال بأجرتها عاملة، وبماهيتها موظفة. أي استقلال وأية مساواة! بل أي استعباد واستغلال![84]
غير أن هذا الطرح لا يجب أن يفهم منه دعوة المرأة المسلمة إلى الانكماش والانزواء في ركن البيت، بل على العكس من ذلك، يرتهن انتشال المسلمين مما يتخبطون فيه، وهي مهمة شاقة تستدعي تطوع الجميع، بضرورة انخراط النساء جنب الرجال. لذلك يشدد الأستاذ عبد السلام ياسين بأنه على عاتق “المؤمنات جهاد لاقتحام عقبات التقاليد، وعوائق العقل والعادات والأنانيات والذهنيات المتخلفة. قضية المؤمنات إذن لا تحل إلا في إطار شامل يشاركن فيه متزعمات مع الرجال لا تابعات.”[85]، ولا سبيل إلى “خروج الأمة من ربقة التخلف إلا بالاستفادة من جهود كل أبنائها وبناتها”[86]، من دون أن تؤثر كل تلك الأدوار الاجتماعية على دور المرأة الحيوي المرتبط بتحقيق الاستقرار الذي تعد محوره في نظره، بل محور تلك السعادة الأسرية،[87]داخل النواة الأولى للمجتمع، وإلا فرخت الأسر مآسي إنسانية توشك أن تعجل بمرض المجتمع الذي تعد المرأة المسلمة ما تبقى من حصونه.
وتأكيدا على ما سبق، يسوق الأستاذ عبد السلام ياسين كلمة للفيلسوف برتراند راسل (BertrandRussell) في حق المرأة العاملة المزهوة باستقلالها الاقتصادي قائلا: “إن الأسرة انحلت باستخدام المرأة في الأعمال العامة.”، بل إن هذا الاستقلال الاقتصادي الذي حققته المرأة والذي نتج عنه التقدير الاجتماعي الذي سعت خلفه سرعان ما لم يصمد لدى العديد من النساء، خاصة وأنه يطمس زمنهن الاجتماعي كنساء بما هو زمن تنفق طاقته على حد تعبير سيد قطب في كتابه: “معالم في الطريق” في صناعة الإنسانية عوض “الإنتاج المادي”، أو صناعة الأشياء،[88]
وهنا يظهر إيمان الأستاذ عبد السلام ياسين بمبدأ تقسيم الوظائف/ بين الرجل والمرأة باعتباره مبدأ فطريا وعقلانيا. وبما يقتضيه تقسيم العمل ذاك من قوة اقتحامية يجاهد في طليعتها النساء فيما يليهن، ويجاهد الرجال فيما يليهم، لتلتقي الجهود في إطار من التكامل الوظيفي.[89]هذا التكامل الذي “تنكره داعيات «تحرير المرأة» ودعاته. ينكرون هذا المبدأ ويأبون إلا أن يكون للمرأة مثل ما للرجل كتِفا على كتف، تزاحمه هي في مجالاته إن كان هو لم تجهزه فطرته وخِلقته الجسدية النفسية ليزاحمها في مجال تخصصها الفطري. ينكرن مبدأ التخصص، وضرورة التكامل، وإمكانية حياة منسجمة على نمط غير النمط الصراعي بين الرجل والمرأة.”[90]. ولا ينفك هؤلاء الدعاة، في الداخل والخارج، عن «نصح» المسلمات بتدارك “التخلف التاريخي” لمجتمعنا عن ركب المجتمعات الغربية. لكن تلك المحاكاة العمياء للحضارة الغربية إضافة إلى التيه الروحي الذي ينتج عنها، تقود، في اعتقاد الأستاذ عبد السلام ياسين، مباشرة إلى المأساة الاجتماعية والأخلاقية التي تعاني منها المرأة في البلدان المتقدمة.[91]صحيح أن هذه الأخيرة تحررت من الأطر الدينية والتقليدية والجماعات الصغيرة وجماعات الانتماء الأولي …، لكن تم القذف بها في السوق، أو ما يدعوه الأستاذ عبد السلام ياسين بمنطق السوق، وسيطرة السوق، وإشهار السوق، الذي حول المرأة إلى «شيء» يلهث وراء «أشياء» يستهلكها وتستهلكه … ولا تنفك من سلطان الاستهلاك الذي لا يتوقف عن قيادتها …[92]
وإعمالا لمنطق الانتقائية الملاحظ لدى العديد من فصائل الخطاب النسائي في مقاربة القضية بالإصرار على تغييب الانحباس الذي يشهده عالم ما بعد الحداثة اليوم، خاصة فيما يرتبط بالوضع النسوي، ولعل منهم من يأمل في تحقيق هذا الوضع، بل يراه أفقا يتحتم الوصول إليه. وهو ما يرفضه الأستاذ عبد السلام ياسين، إذ لا يريد أن يصير مستقبل المرأة المسلمة كحاضر المرأة الغربية الذي يتسم بميسم انتشار الرساميل الحرة، وشيوع ثقافة الاستهلاك المستمر الذي لا معنى ولا غاية ولا هدف، إلا المزيد من الاستهلاك والإشباع الفوري والمؤقت للرغبات، وتشيئ الذوات الإنسانية، وعلى رأسها المرأة، بإفقادها لسؤال المعنى والجوهر لحساب المظاهر والقشور.
ويمكن أن نجد ما يوافق هذا الطرح، على سبيل المثال لا الحصر، لدى عالم الاجتماع زيغموند باومن (Zygmunt Bauman) لدى حديثه عن الحداثة السائلة التي تتجلى في سيولة المعنى، أي معنى وجود الإنسان ذاته في حركاته وعلاقاته التي لا تعرف الاستقرار، وهو ما أدى بها إلى التفكك[93]. كما تردد هذا الصدى عند حنة أرندت (Arendt Hannah) في كلامها عن الحالة الإنسانية التي باتت تفترض إعادة طرح سؤال ما الإنسان؟ وما معنى هذا الأخير؟ داخل واقع تتحكم فيه التقنية، ويهيمن عليه الاستبداد السياسي، من خلال سيطرة أنظمة شمولية، ليتحول إلى كائن مستلب وفاقد للمعنى. ونجد أيضا حالة البؤس الإنساني هذه عند فلاسفة النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت.
صحيح أن هذه المتون الفكرية استحضرت سؤال المعنى باعتباره علامة دالة على أزمة ما بعد الحداثة، لكن حدود الكشف عن تجلياته ودواعيه ومآلاته تنحصر بالنسبة لها، فيما هو إنساني، أي في علاقة الإنسان مع الآخر، بمعنى إرجاء كل تجليات أزمة المعنى المأساوية إلى ما هو إنساني، بعيداً عن كل التفسيرات اللاهوتية والقيمية، ومن دون الاستناد إلى أية مبادئ مطلقة تحيل إلى ما هو مقدس أو ديني؛ بينما الحديث من منظور الأستاذ عبد السلام ياسين عن قضية المرأة يجب أن يُدار بمعايير الإيمان التي تعطينا الوجهة والمعنى لحركة الإنسان في هذا العالم[94]، لا بمسلمة دوابية حيك حولها وبني على أساسها مجتمع المنفعة واللذة والأنانية[95]، الذي يرفض سؤال الوجهة والمصير والمعنى الوجودي للفرد.
خاتمة:
يستند المنظور المقاربي للأستاذ عبد السلام ياسين للمسألة النسائية إلى نظريته المتكاملة في التغيير، والتي يجعل الإنسان محورها، يستحثه لينهض فردا وجماعة من استضعاف وهامشية واستلاب وارتهان مطلق لسلطة قاهرة مستكبرة أو ترف عابث أو نحلة غالب إلى استعادة الوعي بالذات واقتحام العقبة، بل عقبات الذهنيات والعادات والأنانيات، من أجل تحقيق خلاصه الفردي بتحقيق ذاته ومعرفة معناه وجوهره، وخلاص جماعي للأمة والإنسانية من قهر الاستكبار وسلاسل الاستغلال ودوامة العبث والاستهلاك.ومن ثمة فتناوله للمسألة ليس الغاية منه التوعية فقط: توعية بقضايا المرأة المسلمة مثل التوعية السياسية أو الثقافية، وإنما حمل هذه الأخيرة على مواجهة ذاتها بالسؤال الجوهري حول وجودها: معناه وغايته.
لائحة المراجع:
- ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، بيروت، مؤسسة المعارف، ط1، 2007م.
- باومن، زيغموند، الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر، تقديم: هبة رؤوف عزت، سلسلة الفقه الاستراتيجي:3، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2016.
- بنعدادة، أسماء، المرأة والسياسة، دراسة سوسيولوجية للقطاعات النسائية الحزبية، منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، سلسلة أطروحات (2)، الطبعة الأولى، 2007.
- بوخريص، فوزي، حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع، مجلة عمران للعلوم الاجتماعية، العدد 11/3، شتاء 2015.
- بورديو، بيير، الهيمنة الذكورية، ترجمة د. سلمان قعفراني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2009.
- محسن، مصطفى، في الثقافة والاختلاف … نحو مقاربة سوسيوثقافية للمسألة النسائية، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى: 2018.
- المرنيسي، فاطمة، نساء على أجنحة الحلم، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، بيروت، المركز الثقافي، 1998.
- المستعين، عبد الباسط (تنسيق وتقديم)، المرأة في الغرب الإسلامي: الصفحات المشرقة والتحديات المحدقة والأسئلة العالقة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء،2016.
- مقبول، إدريس، سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2014.
- الهروي، الهادي، الأسرة، المرأة والقيم، تساؤلات سوسيولوجية في قضايا المرأة، أفريقيا الشرق، المغرب، 2013.
- ياسين، عبد السلام، الإسلام غدا، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1973.
- ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، دار الآفاق، الطبعة الأولى، مارس 2000.
- ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، الطبعة الأولى: 2000.
- ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1989.
- ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، الجزء الأول، الطبعة الأولى، دار البشير للثقافة والعلوم، طنطا، مصر.
- Anne-Marie Daune-Richard et Anne-Marie Devreux, Rapports sociaux de sexe et conceptualisation sociologique, in revue Recherches féministes, Vol V, N 2, 1992, pp. 7–30.
- Autain, Clémentine, Autour du livre de Christine Delphy L’ennemi principal, La découverte, Travail, genre et sociétés, 2000/2 (N° 4), pp 157 -200.
- Dumez, Hervé, Qu’est-ce qu’un concept?, Le Libellio d’AEGIS, Vol 7, N1 Supplément, Printemps 2011, pp.67-79.URL: https://halshs.archives-ouvertes.fr/hal-00574166/document – Consulté le 28 mars 2019. à 20.22.
- Fraser, Nancy (Entretien), Le féminisme à l’ère du néolibéralisme, Dialogue global Magazine, Volume 8, Numéro 3, Décembre 2018.
- Sandberg, Shyrel, En avant toutes: Les femmes, le travail et le pouvoir, (Marie Boudewyn, préf. Christine Lagarde), Jean-Claude Lattès, Paris, 2013.
- Touraine, Alain, Le Monde des femmes, Fayard, Paris, 2006.
- Vogel, Lise, Marxism and the Oppression of Women: Toward a Unitary Theory, New Brunswick, New Jersey: Rutgers University Press, and London: Pluto Press, 1983.
- https://www.cnrtl.fr/definition/m%C3%A9thode
- https://www.aljamaa.net/
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413913
* باحث في علم الاجتماع – جامعة ابن طفيل – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – القنيطرة – المغرب.
[1]يعزو الباحث مصطفى محسن سبب ذلك إلى أن كل المجتمعات تجر خلفها تاريخا مثقلا “بالقهر الأنثوي” وبكل أشكال الوصم والعسف والإقصاء … فعلى الرغم من خصوصيات السياقات السوسيوحضارية لكل مجتمع، ففي مجمل هذه المجتمعات، وبحسب ما تكشف عنه مختلف الدراسات السوسيولوجية والأنثربولوجية، يعاد إنتاج الاختلاف والتراتب الجنسي عبر العلاقات الاجتماعية والتبادلات المادية والرمزية بين الجنسين كما لو أن الأمر مألوف وطبيعي. انظر: محسن، مصطفى، في الثقافة والاختلاف: نحو مقاربة سوسيوثقافية نقدية للمسألة النسائية، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى: 2018، ص: 24.
[2]1990: إعادة توحيد ألمانيا. 1991: بدأ انهيار الاتحاد السوفييتي، وحل “الكتلة الشرقية” .
[3] 1990: الغزو العراقي للكويت، الحرب الأهلية بلبنان والصومال. 1991: بدء العشرية السوداء بدولة الجزائر. 1994: شهدت الحرب الشيشانية الأولى، وفي نفس السنة شهدت اليمن أيضا حربا أهلية. 1998: بدء الحرب بكوسوفو واستئناف الحرب الثانية بالكونغو.
[4] 1994: شهدت روندا حربا أهلية، أقدمت خلالها قبيلة الهوتو على ارتكاب مجازر فظيعة ضد التوتسي.
[5] 1992: حدثت تفجيرات باليمن، وفي نفس السنة اغتيل الرئيس الجزائري محمد بوضياف.
[6]Dumez, Hervé,Qu’est-ce qu’un concept?, Le Libellio d’AEGIS, V7, N1 Supplément, Printemps 2011. URL: https://halshs.archives-ouvertes.fr/hal-00574166/document – Consulté le 28 mars 2019, à 20.22.
[7] يقصد ابن خلدون بدين الانقياد وضع الأمم حين تنقاد لحكامها. فبعد أن يتحكم هؤلاء في مصير الناس بالقوة والقهر، يتجدر في عقائد المحكومين وجوب الطاعة والتسليم لهم؛ حيث يقول في مقدمته الشهيرة: “فإذا استقرت الرئاسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحداً بعد آخر في أعقاب كثيرين ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم وقاتل الناس معهم على أمرهم قتالهم على العقائد الإيمانية فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة بل كأن طاعتها كتاب من الله لا يُبَدل ولا يُعْلم خلافه.”. انظر: ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، مؤسسة المعارف، بيروت، ط1، 2007م، ص 173-174.
[8] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، الجزء الأول، الطبعة الأولى، دار البشير للثقافة والعلوم، طنطا، مصر، ص: 19.
[9] بورديو، بيير، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2009، ص: 27-28.
[10] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 44.
[11] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، الطبعة الأولى: 2000، ص: 255.
[12]https://www.cnrtl.fr/definition/m%C3%A9thode. Consulté le 15 mars 2019, à 21.22.
[13] ياسين، عبد السلام، الإسلام غدا، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1973، ص: 17.
[14] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 32.
[15] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 95.
[16] الإسلام غدا، م س، ص: 16.
[17]http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413913 . Consulté le 15 mars 2019, à 23.22.
[18] ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، بيروت، مؤسسة المعارف، ط1، 2007م، ص: 27.
[19] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 4.
[20] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 22.
[21] المرجع نفسه، ص: 21.
[22] خليفة له من الجواري خمسمائة للفراش، وآلاف من الوخش للخدمة. وذاك الغني أهدى لهذا الأمير مائة جارية … انظر: المرجع نفسه، ص: 23.
[23] المرجع نفسه، ص: 25.
[24] العدل: الإسلاميون والحكم، م س، ص: 280.
[25] حاكم طليطلة “القادر” إبان عصر الأندلس كان يحمل في يده عندما أخبروه أنها الهزيمة والرحيل أسطرلابا يرصد به النجوم ليعرف الطالع السعيد لوقت رحيله. انظر: ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، م س، ص: 25.
[26] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 27.
[27] المرجع نفسه، ص، 207.
[28] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 16.
[29] المستعين، عبد الباسط (تنسيق وتقديم)، المرأة في الغرب الإسلامي: الصفحات المشرقة والتحديات المحدقة والأسئلة العالقة، أفريقيا الشرق، 2016،الدار البيضاء، ص: 309.
[30] المرجع نفسه، ص: 79.
[31] المرجع نفسه: ص: 34.
[32] المرجع نفسه: ص: 79.
[33] الهروي، الهادي، الأسرة، المرأة والقيم، تساؤلات سوسيولوجية في قضايا المرأة، م س، ص: 56.
[34] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 31.
[35] على سبيل المثال لا الحصر، يمكن مراجعة كتاب: “تحرير المرأة في عصر الرسالة” لـعبد الحليم أبو شقة.
[36] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 31.
[37] المرجع نفسه، ص: 218.
[38] في الثقافة والاختلاف … نحو مقاربة سوسيوثقافية للمسألة النسائية، م س، ص: 29.
[39] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 29.
[40] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 21.
[41] المرجع نفسه، ص: 31.
[42] المرجع نفسه، ص: 32.
[43] بعد خمسة أشهر من استقلال تونس سنة 1956، أصدر بورقيبة قانون حقوق المرأة الذي يعد أكثر القوانين جرأة على المقومات الدينية. انظر: م س، ص: 39.
[44] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 32.
[45] العدل: الإسلاميون والحكم، م س، ص: 255.
[46] في الثقافة والاختلاف … نحو مقاربة سوسيوثقافية للمسألة النسائية، م س، ص: 29
[47]المرجع نفسه.
[48]المرجع نفسه، ص: 29.
[49] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 109.
[50] بوخريص، فوزي، حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع، مجلة عمران للعلوم الاجتماعية، العدد 11/3، شتاء 2015، ص: 151.
[51] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 21.
[52] نفس المرجع، ص: 206.
[53] فتوى الإمام أحمد كما يرويها الحنبلي الفقيه أبو يعلى في كتابه: «الأحكام السلطانية»، ذلك الكتاب الذي اجتمع فيه مع الفقيه الشافعي من قبله الماوردي في العنوان وفي قضايا أخرى، أهمها فتوى شرعية الاستيلاء على الحكم بالقوة. قال الإمام أحمد رضي الله عنه كما ينسب إليه أبو يعلى: «من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يَبِيتَ ولا يراه إماما. بَرّاً كان أو فاجرا». وقال: «تكون الجمعة مع من غلب»، واحتج بقولة ابن عمر عام الحرة. انظر: م س، ص: 206-207.
[54] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 81.
[55] المرجع نفسه، ص: 214.
[56] المرنيسي، فاطمة، نساء على أجنحة الحلم، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المركز الثقافي، بيروت، 1998.
[57] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 41.
[58] المرجع نفسه، ص: 51
[59] المقصود بالدرجة الآية القرآنية (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.) سورة البقرة الآية: 227.
[60] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص : 155.
[61]« Autour du livre de Christine Delphy L’ennemi principal », Travail, genre et sociétés, 2000/2 (N° 4), p. 158. DOI : 10.3917/tgs.004.0157. URL : https://www.cairn.info/revue-travail-genre-et-societes-2000-2-page-157.htm. consulté le 20.12.2019 à 22.22
[62] كانت أولى معارك هذه النظرية النسوية الماركسية الكشف عن الأبعاد الاقتصادية للمهام المنزلية والعلاقات الأسرية، والتنديد أيضا بالقهر الذي يطال النساء، من خلال محاولة الكشف عن كواليس الهيمنة وعلاقات السلطة بين الرجال والنساء داخل الأسرة، وتبعية هذه الأخيرة ودونيتها في سوق الشغل، ما ينتج عنه أيضا تقسيم، شبه طبيعي ولصيق بالنساء للمهام المنزلية. لقد عملت هذه النظرية على إعادة النظر في مجموعة من المفاهيم المفاتيح لسوسيولوجيا العمل من قبيل مفهومي العمل والإنتاج وإعادة الإنتاج، والقطع كذلك مع كل النظريات الكلاسيكية التي كانت تفرق بين العمل وخارج العملhors travail، أي كل المهام المنزلية والأسرية التي كانت تزاولها النساء فضلا عن عملهن المهني.انظر:
Anne-Marie Daune-Richard et Anne-Marie Devreux, Rapports sociaux de sexe et conceptualisation sociologique, in revue Recherches féministes, Vol V, Numéro 2, 1992, pp. 7–30.
[63] أمر تنكره مقاربة النوع، وتقدم نفسها كما لو كانت هي المقاربة الوحيدة الممكنة. انظر: في الثقافة والاختلاف… نحو مقاربة سوسيوثقافية للمسألة النسائية، م س، ص: 57.
[64] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 111.
[65] المرجع نفسه، ص: 41.
[66] Fraser, Nancy (Entretien), Le féminisme à l’ère du néolibéralisme, Dialogue global Magazine, Volume 8, Numéro 3, Décembre 2018, p :7.
[67] Touraine, Alain, Le Monde des femmes, Fayard, Paris, 2006, p 37.
[68]ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، م س، ص: 268.
[69] بنعدادة، أسماء، المرأة والسياسة، دراسة سوسيولوجية للقطاعات النسائية الحزبية، منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، سلسلة أطروحات (2)، الطبعة الأولى، 2007، ص: 3.
[70] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 183.
[71]مقبول، إدريس، سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، أفريقيا الشرق 2014، المغرب، ص: 16.
[72] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 110.
[73] العدل: الإسلاميون والحكم، م س، ص: 259.
[74] نفس المرجع، ص: 255.
[75] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص : 110.
[76] سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، م س، ص: 95
[77] يرجى الاطلاع على قراءة نقدية لمنجز الأكاديمي إدريس مقبول “سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين” للباحث مراد ليمام على الموقع الإلكتروني التالي: https://www.aljamaa.net/ أطلعت عليه يوم 20.02.2019 على الساعة العاشرة ليلا.
[78] نفسه.
[79] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 156.
[80] Fraser, Nancy (Entretien), Le féminisme à l’ère du néolibéralisme, Dialogue global Magazine, Volume 8, Numéro 3, Décembre 2018, p: 5.
[81] Sandberg, Shyrel, En avant toutes: Les femmes, le travail et le pouvoir, (trad. Marie Boudewyn, préf. Christine Lagarde), Jean-Claude Lattès, Paris, 2013.
[82] Le féminisme à l’ère du néolibéralisme, Op.cit, p : 6.
[83] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، دار الآفاق، الطبعة الأولى، مارس 2000، ص: 209.
[84] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 157.
[85] نفس المرجع، ص: 63.
[86] العدل: الإسلاميون والحكم، م س، ص: 281.
[87] سؤال المعنى في فكر ياسين، عبد السلام، م س. ص: 31.
[88] العدل: الإسلاميون والحكم، م س، ص: 282.
[89] نفس المرجع: ص: 157.
[90] نفس المرجع: ص: 161.
[91] الإسلام والحداثة، م س، ص: 214.
[92] سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، م س. ص: 35.
[93] باومن، زيغموند، الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر، تقديم: هبة رؤوف عزت، سلسلة الفقه الاستراتيجي:3، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2016، ص: 31.
[94] سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، م س، ص: 28.
[95] تنوير المؤمنات، الجزء الأول، م س، ص: 125. XeltovoPrime