الإسلام والحداثة في ضوء تقرير لجنة الحرّيات الفردية والمساواة (بتونس)

0

الإسلام والحداثة في ضوء تقرير لجنة الحرّيات الفردية والمساواة (بتونس)

Islam and Modernity in Light of the Report of Individual Freedoms and Equality Committee (Tunisia)

* د. عبد الباسط الغابري

ملخص:

يعدّ موضوع الإسلام والحداثة إشكالية محورية في الفكر العربي الإسلامي المعاصر والراهن وفي ما يعرف بتقرير الحريات الفردية مدار بحثنا خاصّة. فبقدر ما أحدث هذا التقرير الذي أصدرته الرئاسة التونسية خلال شهر جوان من سنة 2018 في أكثر من مائتي صفحة جدلا واسعا سواء في المشهد التونسي أو حتّى المشهد العربي، فإنّه لم يثمر بحوثا علمية حقيقية يمكن في ضوئها التقييم الموضوعي له.

تستمد إشكاليتنا المطروحة أهمّيتها من ناحيتين على الأقل: تهمّ الناحية الأولى بنية التقرير المفاهيمية. إذ شكّل مفهوما الإسلام والحداثة ثنائية جامعة شاملة تفرّعت عنها بقية الإشكاليات مثل المساواة في الميراث بين الجنسين وأهميّة تطوير التشريعات وتنقيحها وغير ذلك…

أمّا الناحية الثانية فهي امتداد للناحية السابقة من جهة مدى تمثيل التقرير لأرضية مسهمة في تنوير الفكر العربي الإسلامي انطلاقا من الحالة التونسية.

وقد اعتمدنا منهجا تفاعليا ينطلق من بنية التقرير للنفاذ إلى أهمّ الأفكار والمواقف المتّصلة ببحثنا. فحرصنا على استقراء كلّ ما له صلة بثنائية الإسلام والحداثة دون إثقال كاهل العمل بتفاصيل ثانوية لا ضرورة لها. وقد حرصنا بالتزامن مع ذلك على مناقشة الأفكار المطروحة وتقييمها ومحاولة التأليف بينها ضمن اقتراحنا لبعض الحلول كلّما كان ذلك مفيدا وفيه إضافة جدّية.

وفي ضوء ذلك استقرّ رأينا على تفريع الإشكالية إلى ثلاثة عناصر كبرى متّصلة في ما بينها اتّصالا وثيقا. فبحثنا في العنصر الأوّل عن أوجه حضور المرجعية الإسلامية في التقرير ثم اهتممنا في العنصر الثاني بكيفية تمثّل الحداثة والالتباسات الناجمة عنها. بينما خصّصنا العنصر الثالث لتحديد علاقة الإسلام بالحداثة مستفيدين ممّا وفّرته لنا مختلف مراحل التحليل السابقة وتفرّعاتها.

-الكلمات المفاتيح: تقرير-إسلام-حداثة-نصّ-عقلانية-لجنة.

 

Abstract:

The entangled relationship between Islam and modernity stand out as a problematic issue in the report of Individual Freedoms and Equality. Issued in more than 200 pages by the Tunisian presidency in June 2018,  this report, generated a great controversy  in Tunisia and in the Arab World at large. However, the controversy has not so far produced any genuine scientific research that would enable us to evaluate it objectively. In this paper, I adopted an interactive approach that relies on the structure of the report to access the most important ideas and attitudes that are related to my research. In the course of my analysis, I discuss and evaluate these ideas, trying to put seemingly contradictory ideas together as proposed solutions to the contentious relationship between Islam and modernity whenever this constitutes a useful and serious addition. Correspondingly, my research addresses three issues. The first part investigates the presence of the Islamic reference in the report; the second part inquires about the ways in which modernity is represented and the ambiguities that are ensue as a result; and in the third part, I attempt to determine the nature of the relationship between Islam and modernity, benefiting from the various stages of the previous analysis.

– Key words: report – Islam – modernity – text – rational – committee.

مقدّمة:

يتطلّب الوصول إلى أحكام رصينة في خصوص القضايا الخلافية الراهنة الاحتكام إلى نزعة نقدية مبنية على دراسة مستفيضة لتلك القضايا تشفع باستنتاجات دقيقة. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ ما يعرف بتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بتونس بقدر ما أثار جدلا واسعا، فإنّه لم يخلّف حصادا فكريا هاما. وترجع هذه النتيجة الضحلة المباشرة في نظرنا إلى عدم استفراغ الجهد في دراسة بنية التقرير الخطابية مقابل التركيز على النقد الأخلاقي والخارجي[1].

اخترنا تناول مفهومي الإسلام والحداثة بناء على ما لاحظناه من حضور واسع لهما في بنية تقرير الحريات الفردية والمساواة. وهو حضور مزدوج تراوح بين الإضمار والإظهار. وقد اقترن اختيارنا المذكور آنفا بسؤال محوري يهمّ مدى نجاح التقرير في صياغة تجانس حقيقي بين الإسلام والحداثة.

تكمن أهميّة هذا السؤال أساسا في أنّ تناوله الإشكالي يسهم في كشف الخلفيات المعرفية والأيديولوجية التي وجّهت ذلك التقرير. إذ أنّ التطرّق إلى المرجعيتين العربية الإسلامية والغربية يحدّد مدى تماسك الأنساق المعرفية والفكرية. ولا شكّ أنّه في كلّ تحديد لذلك التناسق يحسم الجدل حول مدى الإضافة المنتظرة على الصعيدين الفكري والحقوقي.

تترتّب عن ذلك السؤال المحوري أسئلة فرعية تهمّ كيفية حضور المرجعيتين الإسلامية والحداثية ومستوياتهما المتعدّدة. إضافة إلى أوجه العلاقة القائمة بين مفهومي الإسلام والحداثة ضمن تقرير لجنة الحريات.

اعتمدنا في طرحنا لهذه الأسئلة على مقاربة نقدية تبحث في بنية التقرير نصّا وخطابا فتستقرئ تجلّيات حضور مفهومي الإسلام والحداثة وتأثيرهما في تماسك وجهة النظر التي تدافع عنها اللجنة المعدّة للتقرير. وقد استقرّ رأينا على تفريع الإشكالية المدروسة إلى ثلاثة عناصر كبرى: يبحث العنصر الأوّل في أوجه حضور الإسلام في التقرير، أمّا العنصر الثاني فيتعلّق بتجلّيات الحداثة أو على الأصحّ تمثّلاتها في تصوّر التقرير، بينما خصّصنا العنصر الثالث للبحث في حدود التماثل والتجاوز من خلال مفهومي الإسلام والحداثة مثلما صاغهما تقرير الحريات الفردية.

-أوّلا: أوجه حضور المرجعية الإسلامية: لئن تعدّدت أشكال حضور المرجعية الإسلامية في تقرير الحريات الفردية والمساواة[2]، فإنّ ذلك الحضور احتكم إلى استراتيجيا خطابية دقيقة تستهدف بثّ خطاب تطميني لجمهور المتقبّلين. ويجب الانتباه إلى هذه النقطة جيّدا لأنّه سيكون لها تأثير عميق على مدى تماسك التقرير بين منطلقاته النظرية الأساسية ومآلاته النهائية.

قمين بنا قبل تقييم ذلك الحضور الذي شكّلته المرجعية الإسلامية في بنية التقرير الإشارة إلى أمرين مهمّين.

يتعلّق الأمر الأوّل بكون مماثلتنا بين الإسلام والمرجعية الإسلامية تستند إلى مفهوم الدائرة الثقافية الإسلامية الواسع الذي نفترضه في تصوّرنا لعلاقة التماثل والترادف والتجاور بين مفاهيم الإسلام والمرجعية الإسلامية والدائرة الثقافية الإسلامية. إذ لا جدال في تداخل هذه المفاهيم الثلاثة وترابطها بحكم اشتراكها في تمثّل نصّ الحضارة الإسلامية المؤسّس المتمثّل في القرآن الكريم. فحيثما وجّهنا النظر في جوانب تلك المفاهيم الثلاثة، فإنّنا سنصطدم بتأثير النصّ المؤسّس البيّن. فمثلا سواء في تصوّرنا للمرجعية الإسلامية أو لمعنى الثقافة الإسلامية يستحيل نظريا وعمليا تجاهل تداعيات تمثّل ذلك النصّ المؤسّس وتأويله في مختلف أنظمة التعبير والتفكير التي برزت في الحضارة الإسلامية.

يهمّ الأمر الثاني ضرورة تحديدنا لمختلف أوجه حضور النفس الإسلامي في بنية التقرير. وبهذا المعنى فإنّنا سوف لن نقتصر على ما تمّ اقتباسه من آيات القرآن الكريم في سياق حجاجي، وإنّما سيشمل أيضا بقية امتدادات ذلك النفس الإسلامي سواء في ما يخصّ المصدر الثاني للتشريع الإسلامي المتمثّل في السنة النبوية أو غيره من أشكال إنتاج المعرفة المتّصلة بــ”البراديغم” الإسلامي.

ولئن بدا في عملية الاستقراء التي سنباشرها لاحقا جانب من الرتابة، فإنّها ضرورة لا غنى عنها باعتبارها سبيلا قويما لتثبيت الملاحظات وتركيز الاستنتاجات تجنّبا للارتجال والأحكام الانطباعية. واستنادا إلى كلّ ما ذكرناه آنفا فإنّنا، سنستقرئ حضور المرجعية الإسلامية في مستويات القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الإسلامي والمدرسة المقاصدية الزيتونية بقسميها المحافظ والتجديدي.

أ-القرآن الكريم: إذا كان من اليسير حصر مختلف الآيات القرآنية الواردة ضمن تقرير الحريات الفردية والمساواة في جدول محدّد، فإنّ هذا الاختيار لن يساعدنا في فهم المنطق الذي وجّه عملية انتقاء تلك الآيات القرآنية وتوظيفها. ومن ثمة تهدر إمكانيات الظفر بمؤشّرات الصلات المحتملة بين قطبي الإسلام والحداثة. لذلك فإنّنا فضلنا ذكر أبرز الآيات القرآنية في أهمّ سياقاتها التي اقترنت بها اقترانا واضحا لا لبس فيه.

–جدول أوّل: آيات في سياق تأصيل الحريات الفردية:

-الآيات– موضعها في المصحف– موضعها في التقرير
-“وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”.-الكهف: 29.ص8.
-“لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”.-البقرة: 256.ص8.
-“وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”.-فاطر: 18.ص8.
-“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا”.-الحجرات: 12.ص10.
-“وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.-البقرة: 189.ص10.
-“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”.-النور: 27.ص10.

 

–جدول ثان: آيات قرآنية في سياق تأصيل المساواة (الثواب والعقاب أو التكليف والاستحقاق).

-الآيات-موضعها في المصحف-موضعها في التقرير
-” إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا”.-الأحزاب: 35.ص15.
-“وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا”.-النساء: 124.ص15.
-“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.-الحجرات: 13.ص15.

 

–جدول ثالث: آية في سياق توزيع الإرث[3].

-الآيات-موضعها في المصحف-موضعها في التقرير
-“يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ…”.-النساء: 11.ص16.

 

–جدول رابع: آيات في سياق إثبات ميراث المرأة لنصف ما يرثه الرجل.

-الآيات-موضعها في المصحف-موضعها في التقرير
-“وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ”.-النساء: 11-12.

 

 

 

ص16-17.

-“يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”.

-النساء: 176.ص19.

 

–جدول خامس: آية الوصية.

-الآية-موضعها في المصحف-موضعها في التقرير
-“كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ”.-البقرة: 180.ص16.

 

-جدول سادس: آية في سياق الهبة أو العطية.

-الآية-موضعها في المصحف-موضعها في التقرير
-“لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا”.-النساء: 7.ص17.

 

-جدول سابع: آيات في سياق الحثّ على الاجتهاد واستخدام العقل والحكمة.

-الآيات-موضعها في المصحف-موضعها في التقرير
-“كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ”.-البقرة: 151.ص17.
-“وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ”.-آل عمران: 48.ص17.

 

  • ملاحظات: لئن تعدّدت مواضع انتقاء الآيات القرآنية في التقرير، فإنّها خضعت خضوعا تاما للرهان الأساسي الذي لأجله أعدّ التقرير. يعني ذلك أنّ رهان ترسيخ الحريات الفردية والمساواة بين المرأة والرجل في الميراث والنفقة والجنسية وإسناد اللقب العائلي للأبناء والمساواة بين الأبناء الشرعيين والطبيعيين تحكّمت في قراءة لجنة التقرير للنصّ القرآني ووجّهته.

-عندما لا تتوافق بعض الآيات مع غرض التقرير يتمّ إحياء آلية الناسخ والمنسوخ مثلما حصل مع آية الوصية[4].

-على خلاف ما يرويه بعضهم من عدم إلمام لجنة التقرير بعديد الحالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل في الشرع الإسلامي، فإنّ التقرير تضمّن إشارة صريحة إلى توفّر عشر (10) حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل[5].

-تثبت الملاحظة السابقة أنّ غرض تكريس المساواة المطلقة في الميراث على أساس نوعية الجنس كان أقوى من كلّ تقنين آخر. وهو ما يجعل من مقولات النسبية والتاريخانية التي يرتكز عليها بناء التقرير النظري محلّ تساؤل وشكّ.

-ب: الأحاديث النبوية: بدا حضورها في التقرير نادرا. بيد أنّ ذلك الحضور توزّع على مستويين: مستوى صريح ومستوى ضمني. يتمثّل المستوى الصريح في ذكر حديثين نبويين يتمثّلان في ما يلي:

-“إنّما النساء شقائق الرجال”[6].

-“كلّكم لآدم…”[7].

أمّا المستوى الضمني فيخصّ إشارة التقرير إلى محدودية الأحاديث النبوية المحدّدة لأنصاب الإرث. إذ لا يوجد في صحيح البخاري إلا ستة (6) أحاديث نبوية في هذا الغرض[8].

بقدر ما انسجمت طريقة توظيف الأحاديث النبوية مع أهداف التقرير، فإنّها تفرض أسئلة متّصلة بالبناء النظري والمسار المنهجي للتقرير. فمن المعلوم أنّه لطالما وجّه نقد صارم يصل إلى حدّ التشكيك في صحة نسبتها إلى الرسول، وربطها بالإسرائيليات والمخيال[9]. والمتمعّن في بنية التقرير يتأكّد من انتماء معدّيه إلى ذلك التيار النقدي ولا أدلّ على ذلك من عزمهم على تقنين الحرية والمساواة بمعزل عن كلّ مرجعية دينية. لذا فإنّ حضور بعض الأحاديث النبوية لا يعدو أن يكون إلاّ استراتيجيا خطابية غايتها إرضاء جمهور المتديّنين المسلمين أكثر من كونها قناعة فكرية أو حجّة معرفية.

ج-سيرة الخلفاء والصالحين: عمر بن الخطاب نموذجا: ربط التقرير بين تنزيل قيمة الاجتهاد في الإسلام والاستدلال بنموذج الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب في فهم مقاصد القرآن وتأوّلها بما يسهم في إقامة العدل وازدهار العمران البشري.

لا نرى مانعا من تفصيل أهمّ الأمثلة التي استدلّت بها لجنة التقرير في إثبات تحرّر الاجتهاد العمري من الفهم الحرفي للنصّ القرآني. إذ سيمكّننا ذلك من تعزيز نظرتنا إلى البناء النظري والجهاز المفاهيمي لتقرير الحريات في ما يخصّ مسألة الإسلام والحداثة. يمكن ذكر موقفين اجتهاديين لعمر توقّف فيهما التقرير وهما كما يلي:

-قطع عمر بن الخطاب للزكاة عن “المؤلّفة قلوبهم”[10] بما أنّ شوكة المسلمين قد قويت. فسقطت ذريعة ترغيبهم بالمال للدخول في الإسلام. وفي نفس هذا السياق رفض تقسيم أرض السواد بالعراق على الفاتحين مثلما جرت به العادة، مفضّلا إبقائها وقفا على بيت مال المسلمين عامة[11]، على الرغم من تبرّم بعض الصحابة من ذلك واحتجاجهم.

-تمكين عمر زوجة عمر بن الحارث إثر وفاته من نصف ثروة زوجها. استنادا إلى كونها كانت تنسج وتصنع بينما اقتصر دور زوجها على الترويج والبيع[12].

بقدر ما يعدّ عودة التقرير إلى المرجعية الحضارية الإسلامية لترسيخ مفاهيم الاجتهاد والعقلانية والعدالة وغيرها من الفضائل أمرا يقتضيه شرط الانبعاث الحضاري الحقيقي، فإنّه ظلّ محتكما إلى نفس الاستراتيجيا الخطابية المعتمدة في تدبّر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وهو ما يحدّ من التماسك النظري للتقرير الذي يهدف إلى ترسيخ مفاهيم وضعية. كما أنّ ذلك يتناقض مع ما عرف به توجّه بعض معدّي التقرير البارزين من نقد شديد لمسيرة الخلفاء سعيا لنزع القداسة عنهم وترسيخ تاريخية الإسلام.

إضافة إلى كلّ ذلك يغيب عن تصوّر واضعي التقرير أنّ تلك الاجتهادات العمرية متنزّلة في سياق مأسسة الإسلام وتعزيز فعاليته الحضارية. ومن ثمة لم تكن تلك الاجتهادات تنازلات ناجمة عن إملاءات خارجية، أو ضمن وصاية دولية تحت عناوين مخادعة شأن الاتفاقيات الدولية والمنظمات الحقوقية المزدوجة المعايير في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

د- التراث الإسلامي: تنوّعت المصادر التراثية التي استأنست بها لجنة التقرير، إذ يمكن الحديث عن علوم تفسير القرآن وعلم الكلام وعلم المقاصد. غير أنّ ذلك التنوّع ظلّ خاضعا لرهان التقرير الأساسي تأييدا وإثباتا. ويمكن التأكّد من هذا المعطى بالرجوع إلى أهمّ تفاصيل توظيف تلك الحقول التراثية.

أحال التقرير في ما يخصّ علم التفسير إلى اتّفاق العديد من التفاسير على عدّ آية الوصية منسوخة. لذا حدث اختلاف بيّن في تصوّرها لقسمة المال بعد الوفاة[13].

لا شكّ أنّ اختيار لجنة التقرير لهذه المستندات التفسيرية القرآنية خضع لما يعرف بظاهرة المحو والإبدال. إذ هناك عدد آخر من التفاسير “الأصولية” تبنّت فهما حرفيا للآية المذكورة وتشبّثت بتقاليد قسمة الإرث المتداولة في الفقه الإسلامي جيلا عن جيل في تجاوز صارخ للمستجدّات التاريخية وتبدّل الأحوال…

أمّا بالنسبة إلى الفقه فقد تمّ استحضار القاعدة الفقهية الشهيرة “الأصل في الأشياء الإباحة”، وهي قاعدة تمّ تهميشها وتجاهلها تزامنا مع تكلّس الثقافة الإسلامية وانغلاق باب الاجتهاد.

كما تمّ في هذا المضمار الاستئناس بفتوى ابن عرضون الكبير في القرن العاشر الهجري[14]. وهي فتوى متحرّرة تنسجم مع تصوّر التقرير لمسألة توزيع الميراث.

إذا كان هذا التوظيف الفقهي يطرح إشكاليات سبق لنا تناولها ولا فائدة من إعادتها، فإنّه من المهمّ الانتباه إلى أنّه يمكن بدل آليتي الانتقاء والإحياء اعتماد آلية القياس رغم مآخذها العديدة. إذ يتمّ جمع مختلف الفتاوى والاجتهادات في نازلة ما ثم اعتماد القياس للخروج منها بحكم فقهي. بيد أنّ هذه الآلية قد لا تكون مجدية إذا علمنا أنّ الفقه الإسلامي لم يواكب التطوّر المأمول وظلّ لقرون يجترّ كمّا هائلا من الأعراف والتقاليد.

بينما اقتصر استحضار علم الكلام في ما يمكن تسميته بالتراث العقلاني الإسلامي ممثّلا في المعتزلة وبعض الأعلام السالكين في ذلك التوجّه مثل الجاحظ. وللإشارة فإنّ التيّار الاعتزالي كثيرا ما تمّ الاحتفاء به في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، على أمل استئناف النزعة العقلانية وتأصيلها في الثقافة الإسلامية. على الرغم من أنّ بعض الدراسات خلصت إلى استحالة نجاح تلك العملية نظرا لاقتران التيار الاعتزالي ببراديغم معرفي قديم محوره الإنسان المكلّف قبل أيّ شيء آخر.

أمّا علم المقاصد فيهمّ ما سماه التقرير بالمدرسة المقاصدية الزيتونية[15] التي تبنّت قرار إلغاء الرقّ المعلن عنه بواسطة أحمد باي سنة 1864. فكان ذلك التبنّي توجّها رياديا على الصعيدين الإسلامي والدولي.

يمكن في نفس هذا التوجّه إدراج استحضار التقرير لموقف الطاهر الحداد المستنير في فهم الإسلام. إذ تمّ التذكير بقولته البليغة المتمثّلة في تساؤله المرير: “هل نقف عندما جاء به الإسلام أم نتطلّع إلى ما جاء من أجله؟”[16].

ولئن كان هذا التذكير بالاجتهاد الزيتوني مهمّا من الناحيتين السيكولوجية والتاريخية، فإنّه لم يبرز في اختيار لجنة التقرير وفي أعمالها. إذ لم يتم إشراك ولو مختص واحد في علم المقاصد أو علم الفرائض أو غيرهما من العلوم الدينية ضمن تركيبتها[17].

بقدر ما حاول خطاب التقرير إقامة صلات بين تصوّراته للحريات الفردية والمساواة والنزعة الاجتهادية العقلانية التي اصطبغت بها الحضارة الإسلامية في فترات متقطّعة من تاريخها، فإنّ ذلك الربط بدا بالنسبة إلينا غير متجانس ويغلب عليه التصنّع، بل التناقض الصارخ بين المنطلقات النظرية والمنهجية للتقرير والمآلات التي انتهى إليها في مستوى الربط المذكور آنفا.

سنكتفي بالتركيز على نقطة مهمّة تكشف بصورة لا لبس فيها ما سميناه بعدم التجانس والتناقض. تتمثّل هذه النقطة في كون خطاب التقرير تضمّن دعوة صريحة إلى فهم تاريخي للإسلام[18]. فأين اختفت هذه النزعة التاريخانية المنوّه بها في فهم تلك الومضات المستنيرة من تاريخ المسلمين؟ هل فعلا الوضع التاريخي الحالي لتونس والعالم العربي ككلّ يقتضي تحرّرا من كلّ المحدّدات الأخلاقية والأعراف الاجتماعية لإباحة التنقّل الحرّ بصيغة مطلقة لا تحديد فيها لجنسية المتنقّلين وإباحة المثلية والتجاهر بما ينافي الحياء إذا لم يتمّ إلحاق ضرر بالآخرين، والمساواة في النفقة بين المرأة والرجل بينما قسم هامّ من النساء مازلن عاطلات عن العمل ومحرومات حتّى من نصف ميراث الرجل، والمساواة بين الأبناء الشرعيين والطبيعيين في وقت تشهد فيه الأسرة “النواتية” تصدّعا في أركانها؟ بأي معنى يمكن الحديث عن الحرّيات الفردية في ظرف تاريخي يشهد تسارع الوصاية الدولية باستغلال مسألة الأقلّيات الدينية والثقافية والفهم المعياري لحقوق الإنسان للنيل من سيادة الدول واستنزاف مواردها؟ وكيف يمكن الحديث عن أهميّة المساواة المطلقة بين الجنسين في ظلّ غياب العدالة الاجتماعية وتحوّل الدولة الوطنية إلى دولة ريعية أو جبائية لا همّ لها إلاّ حماية امتيازات الأقليّات وإثقال كاهل الأجراء وصغار الفلاحين بالضرائب، بينما تمنح قطاعات أخرى مثل السياحة والبنوك تعويضات سخية من ميزانية الدولة دون محاسبة المتسبّبن في أزمات البنوك الحكومية مثلا؟

يمكننا القول بأنّ تمثّل الإسلام في استراتيجيا التقرير الخطابية قد أفضى في النهاية إلى فشل مزدوج فلا هو التزم بتصوّراته النظرية والمنهجية المضمرة في بنيته ولا هو نجح في إرضاء جمهور المتديّنين فأقنعهم بتساوقه مع تعاليم الإسلام وقيمه. ولا أدلّ على ذلك من ردود الفعل التي وصلت إلى حدّ التظاهرات في بعض المدن[19].

ثانيا-تمثّل الحداثة في التقرير: يختلف البحث في هذا المستوى عن المستوى السابق من هذه الورقة البحثية لعديد الاعتبارات التي يمكن حصرها في النقاط التالية:

-أوّلا: إنّنا لا نجد مفهوما واضحا للحداثة، إذ هناك خلط بينها وبين التحديث وإمكانيات تطبيقاتها المختلفة.

-ثانيا: يغيب المعنى الجوهري الذي تقوم عليه الحداثة بصفتها نقيضا للسكونية والإطلاقية[20] و”مشروعا غير مكتمل”[21] لا ينفكّ عن الاستزادة والتطوّر. لذا فإنّ حصرها في نماذج أوروبية محدّدة مثل فرنسا وسويسرا[22] يعدّ إهدارا فظيعا لإمكانياتها الخلاّقة في بناء الإنسان وبناء الحضارة والعمران.

-ثالثا: ليس من السهل ضبط تمثّل الحداثة بما أنّ خطاب التقرير لم يشر إلاّ لماما إلى مصادره المرتبطة بفكر الحداثة وفلسفتها وقوانينها. يحفّزنا كلّ ذلك على تأوّل تمثّلات الحداثة في تصوّرات التقرير وفق مختلف الإشارات المذكورة في تصدير هذا العنصر قبل أن نخلص في ختام البحث إلى قراءة نقدية لها وفق مقاربتنا الخاصّة لمهوم الحداثة.

أ- تحديد المفاهيم الحقّانية: لئن لم نسجّل اهتماما كبيرا في بنية التقرير وخطابه بالمسألة المفاهيمية[23]، فإنّه قد توفّر حدّا أدنى  في ما يخصّ هذه الناحية. إذ تمّ التوجّه إلى محاولة التحديد الوظيفي لمفهومي الحرّيات العامة والحريات الفردية.

  • الحرّيات العامة: لم يكن الإتيان على تحديد الحرّيات العامة غرضا مقصودا لذاته وإنّما كان في إطار الاستدلال على قيمة حرّيات الفرد. وبهذا المعنى فإنّ الحرّيات العامة لا قيمة لها إذا لم يتم ضمان كرامة الفرد. وقد توسّل التقرير في تحديد الحرّيات العامة بتنزيلها ضمن المنظومة الحقوقية والدستورية خاصّة دستور الجمهورية التونسية الحالي.

تمّ تعريف الحرّيات العامة بأنّها “تلك الحرّيات التي تمارس في إطار المجموعة كحقّ التنظّم في أحزاب أو جمعيات، وحرّية الاجتماع، وحرّية التظاهر، وحرّية الانتخاب…وهي حرّيات تتعلّق في مجملها بالشأن العام”[24].

وقد بدا لنا هذا التحديد مهمّا من ناحيتين على الأقلّ: ناحية عامة وناحية خاصّة.

تحيل الناحية العامة على حقيقة المسار الديمقراطي التونسي، إذ رغم تعدّد عوائقه وهنّاته فإنّه ظلّ صامدا. لذا فهو حقيقة تاريخية اليوم. ولو كان الأمر خلاف ذلك لما تسنّى للجنة التقرير الحديث عن الحريات العامة بطريقة “تحصيل حاصل”.

أمّا الناحية الثانية فتهمّ انتظام تنظيمات الشأن العام. إذ يستحيل أن يكون للمجتمعين المدني والسياسي حقيقة دون حرية فعلية تتجاوز أشراط الاستعراض والدعاية الأيديولوجية والحزبية إلى تمكين الأفراد من حرية وكرامة حقيقية. وهو ما سعى التقرير إلى ضبطه وتفصيله.

  • الحريات الخاصّة: تعدّ الغرض الأساسي الذي انبنت عليه فلسفة التقرير. وهو معطى لا يمكن استكناهه من عنوان التقرير الذي حمل في جزئه الأكبر تسمية تقرير الحريات الفردية، وإنّما كذلك من أقسامه الكبرى والفرعية[25] ومضامينه.

وقع تحديد الحريات الفردية انطلاقا من المجال الثقافي الغربي في إقرار عميق بغربة هذا المفهوم عن الخطاب العربي وثقافته. فقد تمّت الإحالة على ريفرو Rivero وجاك روبار Robert والإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1789[26]. ولئن تمّت محاولة “تبيئة” هذا المفهوم من خلال الإشارة إلى ما سنّه الدستور التونسي في هذا الغرض[27]، فإنّ التخلّص لم يكن حسنا. كما لم يكن التأصيل المعتمد في إقامة مماثلات بين حرية المعتقد والفكر وحرمة النفس في الإسلام والحرية الفردية بالمعنى الحقّاني المعاصر المتعارف عليه مقنعا. إذ كان أقرب ما يكون إلى التكلّف والافتعال والمخاتلة مثلما أشرنا إلى ذلك في العنصر الأوّل من هذه الورقة البحثية[28].

لعلّ ما يسترعي الانتباه في تحديد التقرير لمعنى الحريات الفردية حرصه على إثبات الفردانية نزعة يتميّز بها المتمتّع بهذا النوع من الحرية. إذ تمّ التنصيص على أنّ حماية الفرد في ضوء مقترح المجلّة المزمع بعثها يتمّ في إطار “صفة تلك الفردية” والتي لا يحتاج في ممارستها إلى مشاركة غيره[29].

إنّ هذا الربط الميكانيكي بين النزعة الفردانية ووجوب “انفصال الفرد عن المجموعة سواء أكانت عائلة أم قبيلة أم مجتمعا”[30] بقدر ما يشكّل مؤشّرا إيجابيا على تطوّر الوعي بقيمة الإنسان الفرد في تحقيق التطوّر والتعدّدية والعدالة، فإنّه في سياق مجتمعات متخلّفة وفي دول يتهدّدها شبح الفوضى والانهيار يطرح أسئلة عدّة حول الرهانات الحقيقية والمرام البعيدة لهذا الحرص على تثمين النزعة الفردانية المنفلتة عن كلّ الروابط الجماعية لا سيما أنّنا سجلنا في الغرب دعوات للعودة إلى القيم العائلية والتضامن ضمن مراجعات تيّارات ما بعد الحداثة عامة والجمعاتية خاصّة[31].

ﺑ-التدقيق: كان من الممكن إدراج هذا الجانب ضمن المستوى المفاهيمي لطبيعة العلاقات العميقة الجامعة بين التحديد المفاهيمي والتدقيق. غير أنّنا فضّلنا تمكينها من تفريع مستقلّ تجنّبا للالتباس بين المستويات التحليلية المختلفة وحرصا على استيفاء بحثنا لأهمّ ضوابط الموضوعية العلمية المأمولة.

يمكن عدّ التدقيق أمرا منتظرا في تقرير حقوقي يهدف إلى تقنين قيمتي الحريات الفردية والمساواة. فإضافة إلى أنّ اللغة في مجال القانون تنزع غالبا إلى الإيجاز والصرامة أو ما يحلو لبعضهم تسميته ﺑ”الاقتصاد في اللغة” لكي لا تترك مجالا تأويليا مطلقا، فإنّ الحجّة الأساسية التي قام على أساسها التقرير تربط بين تجاوز الزمن للعديد من التشريعات التونسية المتّصلة بالحقوق والحريات الفردية وضرورة تنقيحها وتطويرها. ولا جدال في أنّ التنقيح والتطوير يقتضيان تدقيقا صارما قطعا وراء كلّ التباس مفترض.

وبمقتضى ذلك فإنّه يصعب الإلمام بجميع مواطن التدقيق في التقرير ومواضعها. لذا فإنّنا سنكتفي بالإشارة إلى ناحيتين مهمّتين:

تتعلّق الناحية الأولى بتحديد بعض الجرائم وضبط أركانها. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى جريمة التجاهر بالفحش بصفة خاصّة وكلّ ما يتّصل بالحياة الخاصّة عامة التي برع التقرير في رصدها وتفصيلها. إذ دعت لجنة التقرير إلى ضرورة تحديد عبارتي “الفحش” و”التجاهر بما ينافي الحياء”[32]. وهي بهذا المعنى تدعو إلى إعادة ضبط الفصل 226 من المجلة الجزائية وتدقيقه.

ولئن كان التدقيق في هذا المضمار ينحو منحى تبسيطيا. إذ هو عبارة عن تساؤل يهمّ كنه أمر بديهي مسلّم به، فإنّه في مواضع أخرى مثل تحديد معنى الصمت الذي كان يفسّر على أساس كونه دليل مصداقية أو إدانة تدقيق مهمّ[33].

أمّا الناحية الثانية من التدقيق فتتّصل باعتماد الجداول البيانية في توزيع مواد التقرير ومحاوره لمزيد إحكام الصياغة وتسهيل الرصد والملاحظة والمقارنة بين مختلف التشريعات الدولية والتشريعات التونسية ثم تشفع تلك المقارنات بتحديد أوجه القصور والتوصيات المطلوبة[34] لتدارك الحال وضمان حسن المآل.

يمكن القول استنادا إلى ما تقدّم بيانه أنّ التدقيق بصفته آلية مقترنة بالنزعة العلمية وإحكام الصرامة المنهجية قد تمّ توظيفه بما يتناغم مع رهان التقرير وغاياته التي من أهمّها تحرير الحياة الخاصة من كلّ أشكال الوصاية الدينية والأخلاقية والاجتماعية. ولا يهمّ لجنة إعداد التقرير بعد ذلك أن تكون قد وقعت في براثن وصاية سياسية مزدوجة داخليا وخارجيا. كما لا يعنيها تناقض هذا التصوّر الوثوقي لمسألة الحريات الفردية في مجال الحياة الخاصة مع الطابع الديناميكي للحداثة التي يجعلها محلّ مراجعة وتطوير مستمرّين.

ج-المراجعات: تشكّل المراجعات علامة بارزة في مفهوم الحداثة. إذ لم تقتصر على مراجعة التصوّرات والأنساق المعرفية القائمة، وإنّما شملت كذلك مفهوم الحداثة. وما الحديث عمّا بعد الحداثة وما بعد مابعد الحداثة و”الحداثة السائلة”[35] ونظريات التعدّد الثقافي والاعتراف والعدالة إلا ترسيخا لمبدإ المراجعة وفلسفته التي يقوم عليها نسق الحداثة.

قام التقرير على فرضية أساسية مفادها أنّ التحوّلات السوسيولوجية تقتضي تقنين تشريعات مواكبة لها. ففي ضوء هذه الفرضية تمّت عملية الاستدلال على صحّتها انطلاقا من مراجعة تهافت فصول عديدة من المجلة الجزائية ومجلة المرافعات المدنية والتجارية، بل أيضا التلميح إلى تعارض بعض فصول الدستور مع توصيات المنظّمات الحقوقية الدولية[36].

تعدّدت الفصول التي راجعتها لجنة التقرير واقترحت تعديلها[37]. ومن الممكن الاطّلاع عليها في الجداول البيانية التي تضمّنها التقرير. لذا نرى من الأجدى الاقتصار على أهمّ ما تمحضت عنه تلك المراجعات.

يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى مسألتي إلغاء عقوبة الإعدام وتقنين جريمة الدعوة إلى الانتحار. فبالنسبة إلى المسألة الأولى فقد اقترح التقرير إلغاءها أو تعديلها خاصّة في الجرائم التي لا يترتّب عليها موت إنسان[38]. أمّا بالنسبة إلى تجريم الدعوة إلى الانتحار والتحريض عليه فقد كشفت مراجعات لجنة التقرير وجود ثغرات قانونية في المجلّة الجزائية التونسية كامنة في عدم تجريم القانون التونسي لدعوات الانتحار والتحريض عليها. لذلك اقترحت إلغاء الفصل 205 من المجلة الجزائية وتعويضه بالفصل التالي:”يعاقب بالسجن لمدة عامين وخطية قدرها عشرة آلاف دينار الإنسان الذي يدعو أو يحرّض  غيره على الانتحار”[39]. وللإشارة فقد وقع التدرّج في تشديد العقوبات حسب درجة الضرر واقترانها بالأطفال دون سنّ الثانية عشرة[40].

تكمن الملاحظة الأساسية التي يمكن استخلاصها في هذا المستوى التحليلي في أنّ الجسارة والجرأة اللتين رافقتا مراجعات لجنة التقرير للمنظومة الثقافية الإسلامية والمنظومة القانونية التونسية لم تمتدّ إلى مبدإ نقدي شامل يستوعب كلّ المجالات بما فيها توصيات المنظّمات الحقوقية الدولية وتصوّرات التطبيق الحداثي الغربي. وهو ما يدفع إلى الشكّ في صحّة مراجعات التقرير ومراميه البعيدة. فظاهرة ازدواج المعايير غالبا ما تفضي إلى مزالق ومفارقات يصعب تبريرها وتجاوزها.

د-المنهج التاريخي: يعدّ هذا العنصر امتدادا للعناصر السابقة المنضوية ضمن القسم الثاني من هذه الورقة البحثية المخصّص لاستقراء تجلّيات الحداثة في تقرير لجنة الحريات فتحديد المفاهيم والتدقيق والمراجعات من معالم المناهج العلمية. وكما سبق أن أشرنا سابقا فإنّ حرصنا على الوضوح وتجنّب الالتباسات، قادنا إلى تفريع تلك العناصر.

يسّر لنا كلّ ذلك حصر بحثنا في المنهج في النزعة التاريخانية البيّنة التي تحكّمت في رؤية التقرير للإسلام ولنوعية العلاقة الجامعة بين التشريع والمجتمع.

فقد بدا حضور المنهج التاريخي في الموقف من الإسلام انطلاقا من الدعوة إلى فهم تاريخي للإسلام لا يخرج أحكامه في ما يخصّ المساواة في الإرث بين المرأة والرجل عن سياقها التاريخي[41]. يعني ذلك أنّه لولا الظروف المادية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والحضارية المختلفة لما تمّ الاكتفاء بتمكين المرأة من نصف ما يرثه الرجل مثلا. ومع أنّ التقرير تضمّن إشارات إلى وجود العديد من الحالات الأخرى التي ترث فيها المرأة نصيبا مماثلا أو حتّى أكثر من الرجل[42]، فإنّ لجنة التقرير تمسّكت بهذا الفهم التاريخي للتشريع الإسلامي امتثالا منها لضوابط المنهج التاريخي ولرهانات التقرير أكثر من أيّ شيء آخر.

يبدو الموقف من علاقة التشريع بالمجتمع غير منفصل عن ناحية نوعية الرؤية التاريخية الموجّهة لموقف الفهم التاريخي للإسلام. إذ تظنّ لجنة التقرير أنّ الوقت قد حان لرفع ما سمته ﺑ”القيود الدينية على الحقوق المدنية”[43]. وحجّتها في ذلك عوامل سوسيولوجية وحقوقية موثوقة الصلة بالتقارير الدولية والرسمية التي تثبت كلّها عمق التحوّلات في نظام الأسرة التونسية التي تحوّلت إلى أسرة “نواتية”[44]. ولم تعد أسرة موسّعة مثلما كان في السابق. كما شهدت نسبة تمدرس الإناث وإعالتهن لعائلاتهن طفرة كمية[45].

بيد أنّ هذا الحماس للمنهج التاريخي الموظّف في التقرير يذهل عن النقد الذي لحق التاريخانية إلى حدّ وصف فيه منهجها بالعقم[46]، بل أكثر من ذلك لا ينتهج نفس النهج في ما يخصّ الموقف من الحداثة الغربية. على الرغم من أنّ مفهوم الحداثة ديناميكي يتنافى مع منطق السكون والثبات. وهو ما أوقع التقرير في فهم تبسيطي للحداثة لم يبرح مفهومها الأداتي التقني[47].

ﻫ-الإنسان كائن حقّاني: لئن نزّلت المنظومات الدينية الإنسان منزلة هامّة. ففي الإسلام أضحى الإنسان مكلّفا باستخلاف الله في الأرض انطلاقا من كونه اختار بنفسه أمانة الاستخلاف الجسيمة التي أشفقت بقية المخلوقات من الملائكة وغيرها عن تحمّلها[48]، فإنّ تلك المكانة ظلّت محدّدة ضمن نطاق “الإنسان المكلّف” أكثر من أيّ شيء آخر. بينما أخرجت الحداثة الإنسان إلى نطاق الفرد أو الكائن الحقّاني[49]. فخرج الإنسان بذلك من دائرة الخطيئة الأبدية إلى دائرة الحقوق المستحقّة (حسب منظور الحداثة). وقد كانت صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان صياغة تأليفية لتلك الحقوق.

يكاد يكون التقريركلّه احتفالا بحقوق الإنسان بصفته فردا قبل أيّ شيء آخر. وقد استعرضت تلك الاحتفالية تفاصيل جزئية مثل حماية المعطيات الشخصية المتّصلة بضوابط بطاقة التعريف البيومترية[50] وحرمة السكن[51] وحرمة المراسلات والاتصالات[52] وحرية التنقّل واختيار مكان الإقامة[53] وحرية الفنون والحريات الأكاديمية[54]. إضافة إلى العديد من الحقوق الأخرى التي كنّا أشرنا إلى بعضها سابقا، شأن تجريم الانتحار وإلغاء عقوبة الإعدام.

بقدر ما يمثّل التركيز على حقوق الإنسان الفردية عنصرا مهمّا يتوافق مع مقتضيات التفكير الحداثي الذي جاء لتحرير الإنسان من أشكال القيود التي تعيق طاقاته الإبداعية وتعطّل فعاليته التاريخية، فإنّ الاستغراق في تجزئة تلك الحقوق وتفاصيلها قد أنشأ لنا ما سمّاه ماركيز Marcuse ﺑ”الإنسان ذو البعد الواحد”[55] فتضخّمت الذات الإنسانية وتقوقعت في زوايا السلعنة والتشيئة. ولعلّ ما نشاهده اليوم من تقلّص قيم العمل والواجب والإيثار والتماسك الاجتماعي بداية من الأسرة ووصولا إلى المجتمع والدولة تثبت كلّها الحاجة إلى إيجاد معادلة تكاملية تنصهر فيها الحقوق والواجبات ويتكاملان مما يرتقي بالإنسان ويوجّهه إلى مصير أكثر إنسانية ويضمن سعادة حقيقية.

يتّضح ممّا تقدّم في هذا القسم التحليلي من ورقتنا البحثية أنّه بقدر ما تحكّمت المرجعية الغربية والفرنسية خاصّة في توجيه الرؤية الفكرية والمنهجية للتقرير انطلاقا من الفلسفة السياسية الحديثة والمواثيق الحقوقية الدولية، فإنّها ظلّت خاضعة لمنطق أيديولوجي يسلّم بالمركزية الثقافية الغربية. ولذا فهي لا ترى الحداثة إلاّ من منظورها وكلّ مغايرة لذلك التصوّر لا يمكن إلاّ تصنيفها ضمن الرؤية التقليدية أو ما قبل الحداثية. وهو أمر لا يستقيم معرفيا باعتبار أنّ لكلّ ثقافة حداثتها الخاصّة بها كما نبّه إلى ذلك تشارلز تايلور Taylor[56].

ثالثا-علاقة الإسلام بالحداثة في ضوء تقرير الحريات تماثل أم تجاوز؟

لقد وفّر القسمان السابقان معطيات عديدة تهمّ تمثّل مسالة الإسلام والحداثة في ضوء التقرير. لذلك سنقوم في هذا المستوى التأليفي باستثمار أهمّ تلك النتائج دون إسهاب كبير في التفاصيل.

بيد أنّ العلاقة بين الإسلام والحداثة ليست بالبساطة التي يمكن فيها رصد أوجهها. فبقدر ما يعطينا التحليل معطيات مفيدة لكلّ مركّب من تلك المسألة، فإنّنا نحتاج إلى تدبّر عميق لصياغة نوعية العلاقة بينهما. إذ أنّ أسئلة عديدة يمكن طرحها في هذه الحالة مثل هل الإسلام المتشكّل في تصوّرات التقرير واحد أم متعدّد؟ وإلى أيّ حدّ وقع تجنّب الخلط بين مفهومي الحداثة والتحديث أو على الأصحّ التطبيق الغربي للحداثة؟ هل كان غرض التقرير تحديث الإسلام أم أسلمة الحداثة أم يتجاوزهما معا إلى غايات بعيدة متّصلة بمراكز صنع القرار واستراتيجيات الهيمنة؟

سنحاول الإجابة الضمنية على هذه الأسئلة استنادا إلى نقطتين بارزتين تهمّان علامتي التبسيط والتناقضات اللتين وسمتا علاقة الإسلام بالحداثة في تقرير الحريات قبل أن نخلص في النهاية إلى إبراز إمكانية تجسير الفجوة بين الإسلام والحداثة ضمن عقلانية موسّعة تتجاوز الأداتية الصارمة.

أ-التبسيط: بدا الفهم التبسيطي لمسألة الإسلام والحداثة بمثابة “عائق ابستمولوجي” حرم التقرير من صياغة معادلة ناجحة وتحصيل مكسب تنويري مهمّ. ففي ما يخصّ الإسلام يمكن أن نذكّر بموقف لجنة التقرير من الفصل الأوّل من الدستور مثلا. فقد عدّت لجنة التقرير ما أجمع عليه المؤسّسون الأوائل واللواحق لدستوري الجمهورية التونسية سنتي 1958 و2014 خطآ جسيما تسبّب في ما تعانيه مجلّة العقود والالتزامات من تناقضات[57]. إضافة إلى مخالفته لمبدإ حرية المعتقد التي لا تقتصر في نظرها على الأديان الكتابية وإنّما تشمل كذلك ما سمته ﺑ”الأديان الإلحادية”[58].

يفضح الموقف المذكور آنفا فهما تبسيطيا للدين وللإسلام تحديدا. ذلك أنّه حتّى في صورة عدم التنصيص على دين الدولة التونسية، فإنّ الواقع الاجتماعي والحضاري سيفرض ذلك لأنّ الإسلام في تونس وغيرها من البلدان العربية ليس دينا فقط وإنّما كذلك ثقافة وحضارة مترسّخة في الضمير الفردي والجمعي فأنّى للتشريعات أن تغيرها، بل إنّه من المحتمل حدوث نقيض ما تأمله اللجنة فتتدعّم نزعة التشدّد أو المحافظة. ومن الضروري أن نتساءل في هذا السياق أين اختفى المنهج التاريخي مكوّن التقرير المنهجي أساسا؟ إذ لطالما كان التشدّق بارتباط التشريع بالحراك الاجتماعي حاضرا سواء في التقرير أو في تصريحات أعضاء لجنة التقرير وبقية النصوص المصاحبة؟

إنّ وجود بعض الحالات الدينية والثقافية الخاصّة لا يلغي بالضرورة حقّ الأكثرية بقطع النظر عن المشروعية التاريخية والحضارية.

يمكن الإشارة إلى موقف آخر أكثر دلالة وأبعد غورا لمن يدرك عمق المفاهيم وتحوّلاتها. ويتّصل هذا الموقف بتصوّرات التقرير المتعلّقة بانتقاء آيات قرآنية وأحاديث نبوية وما تيسّر من سيرة بعض الخلفاء والمجتهدين المسلمين مثل عمر بن الخطاب والجاحظ والحداد للاقتناع بعدم تعارض طروحاتها مع مبادئ الإسلام[59]. فهذا التصوّر بقطع النظر عن تناقضه مع القول بتاريخية الإسلام وتأثّر التشريع بالمجتمع فهو تصوّر قاصر أخلاقيا ومعرفيا. إذ كيف يمكن أن يستوعب عقل المسلم العادي التعدّى على نصوص صريحة في ما يخصّ الوصية في الميراث ويقتنع بالاجتهادات “العمرية” أو المقاصيدية والاعتزالية في نفس الغرض؟

إنّ الالتجاء إلى آلية الناسخ والمنسوخ واختلاف آراء المفسّرين غير مقنع لأنّه سيواجه بأدلّة أخرى من نفس النوعية كالإحالة على أحكام فقهية أو تفسيرات قرآنية تشدّد على أحكام مسألة الميراث مثلا.

أمّا الفهم التبسيطي للحداثة فهو نتيجة لنفس المسار الخاطئ في فهم الإسلام بحكم الاعتماد على العقلانية الأداتية في تفهّم ظواهر مركّبة تحتاج إلى تنويع زوايا النظر إليها وتعدّد آلياتها. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى مثالين مهمّين.

يتعلّق المثال الأوّل باختزال تطبيقات الحداثة في فتح المقاهي خلال شهر رمضان الكريم[60] ورفع قوانين بيع الخمر من التشريع التونسي التي أصبحت مهجورة وتجاوزها الزمن[61]. ففي هذا المثال تناست لجنة التقرير أنّ التشريع لا يمكن أن يكتسب قيمة حقيقية في ظلّ غياب مناخ اجتماعي يقبله ويكيفه في الواقع. كما أنّ السؤال المطروح في هذا المقام أنّه إذا كنّا نرى بعض النخبة السياسية التونسية في الاحتفال اليهودي السنوي بالغريبة – جربة – تلتزم بآداب زيارة المعبد اليهودي مثل تغطية شعر الرأس بالنسبة للنساء وغيرها، فكيف نقنع أغلبية أهل البلاد المسلمين بجواز التجاهر بما ينافي أعرافهم خلال شهر له قدسية خاصّة في المخيال والشريعة الإسلاميين؟

والأخطر من كلّ ذلك كيف سيكون تقبّلهم للحداثة التي بدلا من أن تمكّنهم في هذه الحالة من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية المنهوبة تحت لواء الحريات الفردية والمساواة تقدم على إيذائهم نفسيا ومعنويا وكأنّها تقاسمت عملية انتهاكهم مع الاستبداد والفساد؟

يكشف المثال الثاني بما لا يدع مجالا للشكّ فهم لجنة التقرير التبسيطي للحداثة وضعف تمثّلها لها. ويهمّ هذا المثال الاستدلال الذي أقامته في ما يخصّ إلغاء جريمة التجاهر بما ينافي الحياء[62]. فقد استدلّت بتجارب أوروبية ألغت هذه الجريمة وعقوباتها[63]. وفي هذه الحالة تحوّلت الحداثة إلى مجاراة للتطبيق الغربي أو على الأصحّ لتجارب التحديث الغربي. ولا يخفى البون الشاسع بين الحداثة بما هي تغيير في تصوّرات الإنسان وصياغة مبتكرة لمفاهيم الإنسان والعالم بما يعزّز فعالية الذات الإنسانية في التاريخ ويحقّق سعادتها ضمن أفق إنساني أرحب، والتحديث بما هو تطوّر تقني وتكنولوجي ومادي قد يطمس بقية الأبعاد الروحية للإنسان إذا لم يتم ترشيده وهو ما عملت تيارات ما بعد الحداثة على تداركه بالتأكيد على أنّ الحداثة مشروع غير مكتمل[64].

ب-التناقضات: لقد حرص التقرير على إثبات تهافت كلّ التشريعات التي لها صلة ما بالشريعة الإسلامية. وقد كان ذلك الحرص مندرجا في سياق تبرير الحاجة إلى تغيير التشريعات المهجورة، وتمّ في هذا الغرض استحضار مسألة بيع الخمر، فقانون تحجير ما حرم الشرع بيعه بين المسلمين يتعارض مع قانون 18 فيفري 1998 المتعلّق بتنظيم تعاطي تجارة المشروبات الكحولية المعدّة للحمل[65].

يعني ذلك التبرير أنّ التحوّلات الاجتماعية الحديثة تتناقض مع التشريعات ذات المرجعية الدينية ولو كانت مقاصدية. وهو ما ينسف جملة وتفصيلا تلك الفرضية التي أقامتها استراتيجيا خطاب التقرير في المماثلة بين الإسلام والحريات الفردية والمساواة. وهذا يؤكّد ما ذكرناه سابقا بخصوص تهافت التصوّرات النظرية والمنهجية للتقرير. وقد كان من المنطقي امتداد تلك التناقضات إلى داخل مقولات التقرير الحقّانية. ويمكن أن نذكر في هذا المضمار مثالين دالين على ذلك التنافر.

يتّصل المثال الأوّل بدعوة التقرير إلى العمل بمبدإ عدم التمييز بين الناس على مختلف الأصعدة سواء اللون أو الجنس أو الإعاقة، بينما سجّلنا انتهاكا لهذا المبدإ في دعوتها إلى إلغاء كلّ ما له صلة بالعبارات المحيلة على “المسلمين” والملة المسلمة، وهي تسع حالات في مجلّة الالتزامات والعقود[66]. ولئن أوهم هذا الإلغاء بنزعة تحرّرية إنسانوية منفلتة عن كلّ تحديد ديني، فإنّ طمس الهوية الحضارية يعدّ في نظرنا جناية تاريخية وحضارية. فعلى الصعيد التاريخي، أليس في الأمر نسف لتضحيات أجيال من التونسيين الذين ناضلوا ضد الاستعمار الفرنسي قناعة منهم بتميّز تونس الوطني والديني. وقد أكّد الزعيم الحبيب بورقيبة نفسه في خطاب له سنة 1958 دور العامل الديني في الدفاع عن الهوية الوطنية لتونس[67]. وبناء على ذلك يمكن التساؤل: هل إذا ربينا ناشئتنا على هذه الهوية الإنسانوية المزعومة التي يدعونا التقرير إليها، من الممكن تنشئة مواطنين مستعدّين للتضحية في سبيل مناعة وطنهم واستقلاله؟

وفي ما يخصّ الجانب الحضاري فهو أشنع لأنّه من المعروف أنّ الإبداع الحضاري لا يمكن أن يحدث دون شعور بالمغايرة الحضارية وتميّزها[68].

أمّا المثال الثاني فيهمّ حرية الرأي والتعبير فبقدر ما لاحظنا إصرار التقرير على اعتماد الحريات الفردية مبدأ راسخا في جميع ما يتّصل بالفرد لدرجة أنّ هذه الحرية الفردية مقدّمة على الحريات الجماعية في تصوّر أصحاب التقرير، فإنّه وقع تقييد تلك الحرية الفردية بالدعوة إلى “ضرورة وضع حدّ أساسي لهذه الحرية وهو منع حرية استعمال حرية التعبير للدعوة إلى الكراهية أو التمييز أو القذف لما في ذلك من نسف للحقوق الإنسانية الأخرى”[69].

بقدر ما يعكس ها المسعى المذكور آنفا حرصا على توفير مناخ سليم للعيش المشترك، فإنّه يثبت بما لا يدع مجالا للشك أنّ للحرية عقالا وإلاّ تحوّلت إلى فوضى لا نهاية لها. ومن المعلوم أنّ هذه “الحرية المسؤولة” ليست بغريبة عن الدين الإسلامي ومقاصده. ومن يعيد الاطّلاع على بعض آيات القرآن الكريم سيثبت لديه تلازم أمانة الاستخلاف مع الحرية المسؤولة في تدبّر ملكوت الله[70]. لذا فإنّ الاضطراب الذي وسم بعض جوانب التقرير نابع أساسا من عقم الخيارات المنهجية والنظرية. إضافة إلى نوعية الرهان الأساسي الموكول إليه تحقيقه.

يذكّر هذا التناقض الذي يسم علاقة الإسلام بالحداثة في التقرير بما أفضى إليه تناول الإسلام والحرية في كتاب محمد الشرفي في هذا الغرض[71] من اضطراب مماثل رغم قيمة الطرح الذي تناول به صاحبه المسألة المطروحة. ولعلّ من الأسباب المشتركة لذلك التهافت غلبة الأيديولوجيا الهوياتية والاحتكام إلى عقلانية أداتية ماثلت بين الظواهر المعنوية الغيبية والظواهر المادية الطبيعية.

ج- العقلانية الموسّعة: إن التناقضات الناجمة عن علاقة مختلّة بين الإسلام والحداثة ترتقي إلى مستوى المفارقات التي يصعب تجاوزها وهي وضعية راجعة إلى منطلقات افتراضية خاطئة واختلال في التصوّرات النظرية والمنهجية المعتمدة. غير أنّ كلّ ذلك لا يمكن عدّه قدرا يستحيل تغييره إذا ما تمّ إعادة النظر في حقيقة الواقع التونسي واحتياجات المجتمع الفعلية واستثمار النقد المعرفي والأخلاقي الذي وفّرته تيارات ما بعد الحداثة.  يمكن إعادة النظر في الواقع التونسي انطلاقا من الإقرار بالمعطيات التالية:

-إنّ الحريات الفردية والمساواة مكاسب مهمّة لا سبيل إلى التقليل منها. بيد أنّه لا معنى للحديث عن مساواة في الميراث أو بين الأبناء الشرعيين والأبناء الطبيعيين وغير ذلك من المسائل الهامشية دون تكريس عدالة اجتماعية في بلد بلغت فيه نسبة التهرّب الضريبي أرقاما مفزعة[72]، ويتحمّل أعباء موازنته المالية الأجراء في نسق تصاعدي جنوني من سنة إلى أخرى[73] وتبلغ نسبة الفائدة لدى البنوك التجارية قرابة 8℅. بينما لا تتجاوز في بلدان أخرى 51¸0℅.

-بقدر ما تتنوّع تركيبة المجتمع التونسي نوعا ما بتواجد بعض الأقلّيات اليهودية والأمازيغية وذوي البشرة السوداء، فإنّ التعدّي على الأعراف الدينية للأغلبية المسلمة لا يمكن إلاّ أن يهدّد السلم الأهلي ويوتّر المناخ الاجتماعي في ظرف يشهد ضعفا غير خفي لسلطة الدولة. والحلّ في اعتقادنا يكمن في دعم تلك التعدّدية الاجتماعية والدينية واحترام ما استقرّت عليه الأعراف الاجتماعية والدينية طالما أنّها لا تهدّد الاستقرار العام أو أيّ فرد من أفراد المجتمع التونسي أو من الوافدين إليه.

-يثبت الواقع التونسي في مسألة المساواة في الإرث بين المرأة والرجل أنّ المرأة التونسية محرومة حتّى من حقّ نصف الميراث في العديد من المناطق. لذا نرى أنّه لكي لا نقع في نفس خطإ المنوال الاقتصادي الذي يسعى إلى البحث عن استثمارات وبعث مشاريع جديدة بدل تحسين قدرة المشاريع القديمة الإنتاجية لترتفع المردودية الإنتاجية، على أصحاب القرار التونسي العمل بجدّ وكدّ لتمكين المرأة من حقّها المنصوص عليه في الشريعة الإسلامية. كما أنّ القانون التونسي لا يحرم المورّث من التصرّف في أملاكه لمن شاء من أبنائه ذكورا أو إناثا أو غيرهم من ورثته.

أمّا استثمار النقد المستفاد من تيارات ما بعد الحداثة، فيكمن في تبنّي عقلانية موسّعة لا تقصي المسائل الدينية أو غيرها من الأعراف الاجتماعية والثقافية من دائرة العقلانية فتزدريها وتهملها، وإنّما على النقيض من ذلك عليها البحث في معقوليتها الخاصّة بها مثلما أشار إلى ذلك إدغار موران E. Morin في مضمار حديثه عن الهاوية التي انزلق إليها العالم المعاصر[74].

من الثابت اليوم أنّنا بحاجة إلى منهج مركّب يستفيد من الإخفاقات المدوّية التي عرفها المنهج التاريخي سواء في فهم التراث أو الحداثة. ولا شكّ أنّه مهما طال الزمن سوف يقع التوصّل إلى تجسير الفجوة التي تفصلنا عن الحضارة الراهنة ونستعيد فعاليتنا الحضارية المعطّلة.

خاتمة:

كشفت لنا مقاربتنا لإشكالية الإسلام والحداثة في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة عمق الهوّة التي تفصل التنظير عن الممارسة.  فلئن كان غرض التقرير الظاهر إثبات عدم تعارض الحرّيات الفردية والمساواة بين الجنسين في الإرث والنفقة وإسناد اللقب العائلي ورئاسة العائلة وغيرها من الحقوق مع المنظومة الثقافية الإسلامية باعتبارها اجتهادا محمودا شرعا وعقلا، فإنّ الحاصل لم يكن في مستوى الغرض المأمول والآمال المنتظرة. إذ ثبت مجدّدا عمق أزمة الفكر العربي وعدم قدرته على تجسير الفجوة بين الإسلام والحداثة. وهذا يعود إلى عوائق معرفية وتاريخية منها عدم القدرة على ابتداع آليات منهجية في فهم التراث واستكناه جوهر الحداثة. وهو ما يفسّر عقم المنهج التاريخي وفشله في صياغة معادلة ناجحة تجنّب التقرير التناقضات والمفارقات.

وبهذا المعنى يمكن القول أنّ لجنة تقرير الحرّيات الفردية والمساواة أهدرت فرصة تاريخية في مجرى ما يمكن تسميته بالثورات العربية. إذ كان من الممكن مسايرة الحريات الفردية والمساواة ميادين العدالة الاجتماعية والديمقراطية الفعلية بدل الاستغراق في جزئيات الحياة الشخصية شأن الميراث والمثلية الجنسية. وهو ما يفرض مراجعة عميقة للتقرير سعيا لتطويره وتنقيحه. وهو مسعى من الممكن مباشرته ضمن مؤسّسات علمية وبحثية وفق مقاربة معرفية بمنأى عن أية وصاية داخلية أو خارجية.

قائمة المصادر والمراجع:

أ-الكتب بالعربية:

– أوزون. زكريا، جناية البخاري: إنقاذ الدين من إمام المحدّثين، ط1، (رياض الريس للنشر، بيروت، 2005).

– باومان. زيجمونت، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، ط1، (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2016).

– بلحاج. حميدة. بشرى وآخرون، تقرير الحريات الفردية والمساواة، (رئاسة الجمهورية التونسية، 2018).

– تايلور. تشارلز، المتخيّلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، ط1، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2005).

– الجزار. المنصف، المخيال العربي في الأحاديث المنسوبة إلى الرسول، (مؤسّسة الانتشار العربي، بيروت، 2009).

– حمزة. محمد، الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث، (المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، 2005).

– حمزة. محمد، السنة النبوية إشكالية التدوين والتشريع، ط1، (المركز القومي البداغوجي، 1997).

– ذويب. حمادي، السنة بين الأصول والتاريخ، (المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء، 2005).

– الزبيدي. عبد السلام، تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، جدل الفضاء الافتراضي: الفايسبوك نموذجا، (دار سوتي ميديا للنشر، 2018).

– الزواوي. بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل دراسات في الفلسفة الاجتماعية، ط1، (دار الطليعة، بيروت، 2014).

– سلطان. صلاح الدين، ميراث المرأة وقضية المساواة، سلسلة في التنوير الإسلامي. (طبعة الأزهر/ دار نهضة مصر، 1999).

– سروش. عبد الكريم، التراث والعلمانية الدين والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات، ترجمة أحمد القبانجي، (دار الانتشار العربي، بيروت، 2009).

– الشرفي. محمد، الإسلام والحرية الالتباس التاريخي، ط1، (دار الجنوب للنشر، 2009).

– عبد الرحمن. طه، روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، ط2، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، 2012).

-عبود. نجم نجم، إدارة المعرفة المفاهيم والاستراتيجيات والعمليات، ط1، (دار الوراق للنشر، عمان، 2005).

– ماركيز. هاربارت، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، ط1، (دار الآداب، بيروت، 2004).

– موران. إدغار، النهج: إنسانية البشرية، الهوية البشرية، ترجمة هناء صبحي، ط1، (هيئة أبو ظبي للثقافة والنشر، 2010).

ب-الكتب الأعجمية:

-Habermas, Le discours philosophique de la modernité, Gallimard, 1988.

-Russ. Jacqueline, La marche des idées contemporaines: un panorama de la modernité, A. Colin, Paris, 1993.

* باحث في علم الاجتماع– جامعة ابن طفيل – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – القنيطرة – المغرب.

[1] – تعدّ الدراسات المهتمّة ببنية التقرير نادرة جدا ولم تتجاوز نطاق المقال الصحفي أو النشر الالكتروني. انظر مثلا مقال الطاهر بن يحي، قراءة تحليلية نقدية للتقرير الحدث: تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (1و2)، www.astrolabetv.com

[2] -سنصطلح على تسميته بالتقرير من هنا فصاعدا طلبا للإيجاز.

[3] -وقعت الإشارة في الهامش إلى مرجع اهتمّ بهذه المسألة وهو كتاب صلاح الدين سلطان، ميراث المرأة وقضية المساواة، سلسلة في التنوير الإسلامي، (طبعة الأزهر/ دار نهضة مصر، 1999)، ص10.

[4] -بشرى بلحاج حميدة وعبد المجيد الشرفي وآخرون، تقرير الحريات الفردية والمساواة، (رئاسة الجمهورية التونسية، 2018)، ص16.

[5] -م ن، ص ن.

[6] -أخرجه الإمام أحمد برقم 5969 والترمذي برقم 105 (كتاب الطهارة).

[7] -أخرجه الإمام أحمد في المسند 2/361.

[8] -التقرير، م س، ص19.

[9] -راجع مثلا المراجع التالية: -زكريا أوزون، جناية البخاري: إنقاذ الدين من إمام المحدّثين، ط1، (رياض الريس للنشر، بيروت، 2005)، 165ص.

-المنصف الجزار، المخيال العربي في الأحاديث المنسوبة إلى الرسول، (مؤسّسة الانتشار العربي، بيروت، 2009)، 656ص.

-محمد حمزة، السنة النبوية إشكالية التدوين والتشريع، ط1، (المركز القومي البداغوجي، 1997)، 220ص.

-الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث، (المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، 2005)، 371ص.

-حمادي ذويب، السنة بين الأصول والتاريخ، (المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء)، 2005.

[10] -أي الوافدين الجدد على الإسلام.

[11] -التقرير، ص18.

[12] -م ن، ص19.

[13] -م ن، ص16.

[14] -التقرير، ص19.

[15] -م ن، ص10-11.

[16] -م ن، ص20.

[17] -للإشارة فقد تمّ الاقتصار على إشراك الأستاذة إقبال الغربي المختصّة في “الأنثربولوجيا” والمنتمية إداريا لمعهد أصول الدين التابع لجامعة الزيتونة.

[18] -التقرير، م س، ص21.

[19] -لا تغيب عنّا في هذا الصدد الخلفيات السياسية التي حرّكت عددا من رافضي التقرير. بيد أنّها لا تقلّل من الرفض الواسع للتقرير حتّى عند بعض الأئمة المعروفين بالاعتدال مثل الشيخ الطيّب الغزّي إمام جامع عقبة بالقيروان ومفتي الجمهورية عثمان بطيخ الذي رفض مبدأ المساواة في الميراث مؤخّرا (26نوفمبر 2018). ويمكن مراجعة كتاب عبد السلام الزبيدي للاطّلاع على رأي مختلف الفاعلين الاجتماعيين. انظر تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، جدل الفضاء الافتراضي: الفايسبوك نموذجا، (دار سوتيميديا للنشر، 2018)، 520ص.

[20] – راجع Russ, Jacqueline, La marche des idées contemporaines: un panorama de la modernité, A.Colin, Paris,1993,p 479.

[21] – راجع: Habermas, Le discours philosophique de la modernité, Gallimard, 1988, p 484.

[22] -يتجلّى ذلك مثلا في المطالبة بإلغاء جريمة المجاهرة بما ينافي الحياء مجاراة لما حدث في فرنسا وسويسرا حسب التقرير.

[23] -كان من الضروري تحديد بعض المفاهيم الأخرى مثل الشريعة والاجتهاد والحقّانية والكونية…

[24] -التقرير، م س، ص24.

[25] -استغرق الجزء الأوّل للتقرير المخصّص لمقترح مجلّة الحريات الفردية مائة وسبع صفحات (107) أي ما يقارب نصف التقرير باعتبار المقدّمة والجداول والفهارس ومقترح مجلّة المساواة.

[26] -التقرير، ص23.

[27] -م ن، ص ن.

[28] -راجع عنصر تمثّل الإسلام في التقرير.

[29] -التقرير، صص105-209.

[30] -م ن، ص24.

[31] -الزواوي بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل دراسات في الفلسفة الاجتماعية،، ط1، (دار الطليعة، بيروت، 2014)، ص69-70.

[32] -التقرير، ص41.

[33] -الصمت حق مكتسب يمكن الالتجاء إليه إلى حين توفّر الضمانات القانونية للمحاكمة العادلة، انظر: م ن، ص120-121.

[34] -راجع مثلا الجدول الثاني من الأحكام المتّصلة بالحقوق والحريات الفردية، التقرير، م س، صص53-55. وراجع كذلك الجدول المتعلّق بالأمان والحرية، م س، صص64-65.

[35] -زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، ط1، (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت)، 2016.

[36] -الفصل الأوّل من دستور الجمهورية التونسية (على سبيل المثال).

[37] -الفصل 175 من مجلّة المرافعات المدنية والتجارية، م س، ص55 (على سبيل المثال).

[38] -تقترح اللجنة عقوبات غير قابلة للحطّ منها، راجع التقرير، م س، ص56.

[39] -م ن، ص58.

[40] -م ن، ص59.

[41] -م ن، ص21.

[42] -راجع القسم الأوّل من هذه الورقة البحثية.

[43] -التقرير، م س، ص ص120-122.

[44] -م ن، ص179.

[45] -م ن، ص ص177-180.

[46] -وهو الوصف الذي خلعه كارل بوبر على هذا المنهج.

[47] -نفضل تفصيل هذا الأمر في القسم الأخير من هذه الورقة البحثية.

[48] – انظر مثلا الآية 72 من سورة الأحزاب.

[49] -عبد الكريم سروش، التراث والعلمانية الدين والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات، ترجمة أحمد القبانجي، (دار الانتشار العربي، بيروت، 2009)، صص85-155.

[50] -التقرير، م س، ص43.

[51] -م ن، ص44.

[52] -م ن، ص46.

[53] -م ن، ص47.

[54] -م ن، ص ص48-49.

[55] -راجع هربارت ماركيز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، ط1، (دار الآداب، بيروت، 2004).

[56] -تشارلز تايلور، المتخيّلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، ط1، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2005)، ص11.

[57] -التقرير، م س، ص33.

[58] -م ن، س ن.

[59] -م ن.

[60] – انظر حول حرية المعتقد والضمير التقرير، م س، ص74.

[61] -م ن، ص ن.

[62] -م ن، ص86.

[63] -وهما فرنسا سنة 1994 وسويسرا.

[64] -ذهب العديد من الفلاسفة والمفكّرين إلى هذا المعنى مثل هابرماس وأكسيل هونث وتايلور. فبالنسبة إلى تايلور لاحظ تراجع الحداثة الغربية في ثلاثة ميادين متمثّلة في الحياة الأخلاقية (غلبة الخبرات المادية)، وثانيا في غياب الغايات الجماعية، وثالثا تراجع الحرية المدنية في ظلّ تزايد ما سماه بالطغيان الناعم. راجع بغورة، ص86.

[65] -التقرير، ص35.

[66] -م ن، ص121.

[67] -راجع خطابه يوم 15 أكتوبر 1959 ضمن سلسلة الخطب المنشورة عن وثائق الحركة الوطنية، (المطبعة الرسمية تونس، 1981).

[68] – انظر مثلا: نجم نجم عبود، إدارة المعرفة المفاهيم والاستراتيجيات والعمليات، ط1، (دار الوراق للنشر، عمان، 2005).

[69] -التقرير، م س، ص39.

[70] –طه عبد الرحمن، روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، ط2، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، 2012)، ص39.

[71] – راجع محمد الشرفي، الإسلام والحرية الالتباس التاريخي، ط1، (دار الجنوب للنشر، 2009).

[72] -أكثر من 40% من الشركات لا تدفع الضرائب و60% من الشركات المصدّرة معفاة من دفعها. وتقدّر خسارة الدولة التونسية السنوية أكثر من مليار دينار. راجع مواقع الكترونية مختلفة مثلا: www.turess.com

[73] -قفزت من 35,7 سنة 1991 إلى 45,4 سنة 2014. وهي نسبة مرتفعة مقارنة بما تدفعه الشركات البترولية مثلا. انظر موقع وزارة المالية التونسية الالكتروني www.finances.gov.tn

[74] -إدغار. موران، النهج: إنسانية البشرية، الهوية البشرية، ترجمة هناء صبحي، ط1، (هيئة أبو ظبي للثقافة والنشر، 2010)، ص131. Drezinex

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2