أسس العدالة الاجتماعية: دراسة تحليلية شرعية
أسس العدالة الاجتماعية: دراسة تحليلية شرعية
The Foundations of Social Justice: an Analytical Jurisprudential Study
* د. توفيق العمراني
ملخص:
تعدّ العدالة الاجتماعية أهم مطالب الأفراد والجماعات في مجتمعاتهم، وأول أسباب الحروب والصراعات منذ القدم، وهي من أهم معايير تصنيف الأمم في سلم الإنسانية المثالية؛ لذا جاء هذا البحث موسوما بأسس العدالة الاجتماعية في التشريع الإسلامي، وسطرت له الأهداف الآتية:
أولها: إبراز أسس العدالة الاجتماعية من منظور شرعي، ثانيها: تشخيص وتحليل الواقع المعاصر لأسس العدالة الاجتماعية، وثالثها: التعرف على الواقع المأمول في حالة ما إذا تم اعتماد هذه الأسس ومدى تأثير ذلك على الفرد والمجتمع. أما بخصوص إشكالية البحث فتتجلى في طرح السؤال الآتي: إلى أي حد عالج التشريع الإسلامي ضعف العدالة الاجتماعية في مجتمع حادث كانت تحكمه كل مظاهر الفساد والانحلال المجتمعي قبل مجيء النظام الإسلامي؟، وما هي أهم المعوقات التي تواجه تطبيق هذه الأسس في مجتمعاتنا المعاصرة؟
اعتمدت في بحثي هذا المنهج التحليلي معتمدا في ذلك على التفسير والنقد والاستنباط، تجلية للموضوع وإبرازا لقضاياه، فكان من أهم نتائجه:
- ربط تحقيق العدالة الاجتماعية في الإسلام بعلة غائية تتمثل في الثواب والعقاب، وهو إجراءٌ تشريعي أساسي ومحوري يكفل مراقبة الوازع الديني والأخلاقي تحقيقا لعدالة اجتماعية مثالية.
- حتى تكون خاصية الإلزام والمراقبة الإجرائية لعدالة اجتماعية فعالة ومتحققة لم يترك التشريع الإسلامي أمرها للأفراد ووازعهم الديني فقط، بل أدخل قوة السلطان أيضا.
- الحملات المغرضة والمشوِهة لعدالة الإسلام الاجتماعية لاترقى إلى الموضوعية وإنما تحكمها الذاتية.
أما بخصوص التوصيات المقترحة فقد توزعت كالآتي:
- على المستوى التشريعي: إعادة النظر في التشريعات الوضعية التي تكرس الفوارق والظلم، وملاءمة هذه التشريعات مع حاجات الأفراد والجماعات
- على المستوى العلمي: إقامة مراكز للأبحات والتكوين تعنى بدراسة التراث في شقه المتعلق بهذه العدالة، والخروج بنتائج وتوصيات تطبق عمليا في إطار تشريعات وهيئات رقابية وتنفيذية.
- على المستوى الإعلامي نشر الوعي بأهمية هذه العدالة من خلال الوسائل الإعلامية المتاحة.
أما بخصوص الكلمات المفتاحية فأهمها: العدل/ الظلم/ العدالة الاجتماعية.
Absract:
Social justice is at once one of the most primordial demands of individuals and groups and one of the major causes of conflict since ancient times. Correspondingly, it stands out as the most significant criterion in the classification of nations on the scale of ideal humane societies. This paper seeks to outline the principles of social justice in the Islamic legislative system by raising the following questions: to what extent were these principles implemented in the Islamic community in the beginnings of Islam? How are they applied in our societies today and what are the obstacles that hinder their application? What is the impact of the application of these principles and values on both individuals and societies? And how does Islamic legislation handle the fragility of social justice in corrupt societies? To this end, this research falls into three sections. In the first, I outline the basic principles of social justice from an Islamic perspective. In the second, I discuss the contemporary challenges that face the application of these principles. Lastly, in the third section I focus on the impact of social justice on both the individual and society. The paper concludes with recommendations and a wrap up of the main findings.
مقدمة:
تعدّ العدالة الاجتماعية أهم مطالب الأفراد والجماعات في مجتمعاتهم، وأول أسباب الحروب والصراعات منذ القدم، وهي من أهم معايير تصنيف الأمم والشعوب في سلم الإنسانية المثالية؛ فالعدالة الاجتماعية هي مرهم الظواهر الإنسانية التي تعيشها المجتمعات اليوم على جميع المستويات؛ لكنها تختلف في بعض جزئياتها باختلاف زاوية الرؤية والقناعة المبنية أساسا على اختلاف الإيديولوجيات وأنماط الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتبعة؛ فنجد -على سبيل المثال لا الحصر- تيارا يدافع عن العدالة التوزيعية التي تعتمد على النتائج النهائية لأفراد المجتمع، وآخر يدافع عن العدالة الإجرائية التاريخية التي ترتكز على كيفية اكتساب الثروة؟ وماهي الظروف الزمنية المحيطة بهذا الاكتساب؟[1] أما العدالة الاجتماعية من المنظور الإسلامي فهي جزء لا يتجزأ من تعاليمه وأخلاقه، وفصل من فصول شريعته، وأصل من أصول عقيدته، فهي قيمة يشترك فيها كل ما هو عقدي وتشريعي وسلوكي، ينطلق ذلك من التصور العام والمتكامل لوحدة الإسلام كتابا وسنة. يقول سيد قطب رحمه الله: «بل الإسلام وحدة متكاملة لا تقبل الفصل بين العبادة والمعاملة، أو بين العقيدة والشريعة، أو بين الدنيا والآخرة، وعن هذه الوحدة الكبرى تصدر التشريعات الاجتماعية والاقتصادية»[2].
وتبعا لذلك فقد وضَع الإسلام. بوصفه نظاما أليق وأصدق وأمثل لحياة البشر ـ للعدالة الاجتماعية أسسا وقواعد تضمن للفرد والجماعة الأمن الروحي والمادي، وتحفظ لهم معاشهم ومعادهم، كما أنها تقودهم إلى كسب الرهان في القيام بمهمة الاستخلاف على الوجه الأحكم في إطار شمولي محكم.
بناء عليه؛ فإن الإشكالية المتعلقة بهذا الموضوع تكمن في معرفة ماهية هذه الأسس والقواعد؟ وكذا تحدياتها؟ والآثار الناتجة عن مراعاتها؟
من أجل الإجابة عن ذلك حاولت جاهدا تفصيل الموضوع في ضوء رؤية استقرائية لنصوص الكتاب والسنة، وذلك كله وفق الخطة الإجرائية الآتية:
المبحث الأول: أسس العدالة الاجتماعية من منظور شرعي.
وهو موزع على مطلبين اثنتين: المطلب الأول في مفهوم العدالة الاجتماعية، والمطلب الثاني في تحديد أسس العدالة الاجتماعية.
المبحث الثاني: التحديات المعاصرة التي تواجه أسس العدالة الاجتماعية تنزيلا.
هذا المبحث توجه للنظر في التحديات المادية (المطلب الأول)، والتحديات المعنوية (المطلب الثاني).
المبحث الثالث: أسس العدالة الاجتماعية وأثر مراعاتها في حياة الفرد والمجتمع.
وذلك من خلال مطلبين: الأول في ذكر الآثار المادية، والثاني في ذكر الآثار المعنوية.
وتفصيل ذلك كالآتي:
المبحث الأول: أسس العدالة الاجتماعية من منظور شرعي
المطلب الأول: مفهوم العدالة الاجتماعية
1)ـ مفهوم العدل والظلم:
تدل مادة (العين والدال واللام) على «معنيين متقابلين متضادين؛ الأول يدل على الاستواء، والثاني يدل على الاعوجاج، فالأول ضد الجور، والثاني يقال عدل بمعنى انعرج»[3].
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: «العدل: خلاف الجور، وهو في اللغة: القصد في الأمور، وهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وأصل الظلم: الجور ومجاوزة الحد ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الوضوء: “فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ”[4]، والظلم عند أهل اللغة: «وضع الشيء في غير موضعه المختص به.
وفي الشرع: عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل»[5].
2). مفهوم العدالة الاجتماعية:
اختلفت تعريفات العدالة الاجتماعية باختلاف زاوية التناول: فالفلاسفة الإغريق وضعوها في إطار الفضيلة وكانت مقابلا للرذيلة، في حين نجد المفكرين الاجتماعيين جعلوا مفهومها المساواة بين الأشياء غير المتساوية، وآخرون عرفوها باعتبار مشتملاتها ومجالاتها فقالوا: هي تلك الحالة التي ينتفي فيها الظلم والاستغلال والقهر والحرمان من الثروة أو السلطة أو من كليهما، والتي يغيب فيها القهر والتهميش والإقصاء الاجتماعي…[6]، إلى غير ذلك من التعاريف المتعددة التي لا يتناسب المقام وعرضها، بل الذي يعنينا هنا هو مفهومها في الإسلام.
.. يمكن القول إن مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام مفهوم يتسم بالشمولية لجميع مناحي الحياة بحيث ينشأ عن تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية احترام الحقوق والواجبات وتبادلها بشكل سليم وصحيح، لتعيش بذلك الأفراد والجماعات حياة تسودها القيم المادية والمعنوية في سلك ونظام واحد لا يطغى بعضها على حساب الآخر.
فتحقيق العدالة الاجتماعية يعني علاج مختلف مجالات الحياة أي تحقيقها بتصور إسلامي صحيح؛ يقول سيد قطب رحمه الله: «إن الإسلام وهو يتولى تنظيم حياة الإنسانية جميعا، لم يعالج نواحيها المختلفة جزافا، ولم يتناولها أجزاء وتفاريق، ذلك أن له تصورا كليا متكاملا عن الألوهية والكون والحياة والإنسان، يرد إليه كافة الفروع والتفصيلات، ويربط إليه نظرياته جميعا، وتشريعاته وحدوده، وعباداته ومعاملاته، فيصدر فيها كلها عن هذا التصور الشامل المتكامل، ولا يرتجل الرأي لكل حالة، ولا يعالج كل مشكلة وحدها في عزلة عن سائر المشكلات.
وقد تناول الإسلام طبيعة العلاقة بين الخالق والخلق، وطبيعة العلاقة بين الكون والحياة والإنسان، وطبيعة العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الفرد والجماعة، وبين الفرد والدولة، وبين الجماعات الإنسانية كافة، وبين الجيل والأجيال، ورد ذلك كله إلى تصور كلي جامع ملحوظ الخطوط في سائر الفروع والتفصيلات …»[7].
وبناء عليه يمكن تعريف العدالة الاجتماعية بأنها: تحقيق الحياة الطيبة والعادلة ماديا ومعنويا بعيدا عن الظلم الذي ينتج عن سلب الحقوق والحريات، وذلك باعتبار كون الإسلام يزخر تشريعه بمنظومة متكاملة وشاملة تجلب للبشرية كل مصلحة، وتدرأ عنها كل مفسدة، سواء تعلق الأمر بالجانب العقدي أو التشريعي أو السلوكي، وسواء هم الحياة الدنيوية أو الأخروية؛ قال ربنا عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة/218)، وقال عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر/38) وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء/65).
إذن الاستقامة على الملة شرط، والالتزام بالشرع عقد، والاهتداء بالهدي الرباني قيد للنجاة في الدنيا والآخرة، وسبيل للعيشة النقية؛ يقول خير البرية صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا”[8].
المطلب الثاني: أسس العدالة الاجتماعية
يرسي الإسلام قواعد ودعائم للمستويات الاجتماعية والاقتصادية للبشر تضمن للكافة عدالة تجنبهم الظلم والطغيان والقهر والحرمان، وهذه الأسس والدعائم يمكن إجمالها في الآتي:
1)ـ مشاطرة المال والإحسان فيه:
إن الإنسان ليس حرا في ملكيته بإطلاق، فهو خاضع لقيود وشروط منها: الإسهام في تحقيق التكافل الاجتماعي، والتصرف وفق كل ما يصب في بناء المجتمع؛ والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل/90)، وهذا مسلك كثير من الصحابة والتابعين والأئمة الأعلام، وكمثال على ذلك مشاطرة الأنصار أموالهم مع المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين، فهذا مذهب فريد في التضامن والتكافل قل من يفقهه اليوم أو يعمل به؛ والذي يلفت لهذا المعنى أن الأمر بإقامة العدل في الأحكام جاءت مقرونة بمادة (حكم) المنسوبة لمتولي الحكم، مثل قول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء/57)، وأما العدل في المال وهو المشاطرة وإشراك الغير في جزء منه، فقد أحكمها الله ولم يتركها لغيره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ دونما ذكر مادة (حكم)، فإن كان الكل من مشكاة واحدة فهناك فرق بين ما أحكمه الله وبين ما أمر الناس بمراعاته أثناء الحكم فيما بينهم.
المال في الحقيقة مال الله، والإنسان مستخلف فيه إذا ما اكتسبه بإحسان وصرفه بإحسان؛ قال ربنا عز وجل: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، (الحديد/7) وقال عز من قائل: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، (الحديد/10) وقال وهو المنعم المتفضل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾. (الذاريات/15ـ 16)
2). المساواة والعدل وتكافؤ الفرص:
إن من أهم أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام المساواة المحكومة بالحكم والمقاصد الشرعية، وتكافؤ الفرص، والعدل بين الجميع اعتبارا بوحدة الوجود الإنساني البشري، لا باعتبار الخلقة وما يتعلق بها من لون وجنس وعرق أو لغة وغير ذلك مما لا ينضبط؛ والأصل في ذلك قول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، (الحجرات/13) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ”[9]، وفي قوله تعالى: ﴿أَكْرَمَكُمْ﴾ لفت الانتباه لما تأصل وتجدر في الخليقة المكرمة المفضلة؛ ومنه قول ربنا الأعز الأكرم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء/70).
وقد تضافرت نصوص الوحي على التسوية بين الجنسين في غير ما آية، من ذلك قول ربنا عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل/97)، إلى غير ذلك مما يبرز جليا العدل الرباني بين عباده في الدار الدنيا والآخرة. وقد ظهر لكل متأمل ما عابه ربنا على قوم صدر منهم الحيف والظلم في حق الإناث اتباعا للأهواء والظنون التي هي من ضلال إبليس اللعين؛ قال ربنا عز وجل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل/58.59).
وأما التسوية من حيث الأحكام الشرعية، فالمساواة في ذلك ليست حرفية كما يفهمها البعض، وإنما هي راجعة إلى النصوص الشرعية القطعية ثم الاجتهادات الفقهية المعتبرة، ومن هذا الباب قول ربنا الباري: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ( البقرة/ من الآية 226)، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم المساواة مطية للدعوة إلى القيم الأخلاقية كما في قوله صلى الله عليه وسلم لمن استأذنه في الزنا: “أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ”[10]، كما سما الشرع الحكيم في قيمة المساواة حتى جعلها في المعنويات أيضا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”[11].
لكن أساس العدل والمساواة ليس على إطلاقه كما يتبادر للوهلة الأولى، بل تحكمه ضوابط وفروق تختلف باختلاف الأشخاص والحالات، فعند إعمال مبدإ الجدارة فالمجهود المبذول والكفاءة العلمية مقومات تمنح صاحبها درجة أولى من غيره، والفروق الصحية أيضا لها حظ من الاعتبار في هذه الأسس؛ فالفقير والغني ليست لهما نفس القدرة على تحمل دفع الحقوق لأصحابها كمؤسسات الدولة.[12]
3)ـ الحرية:
إن من أسس العدالة الاجتماعية مبدأ الحرية، تلك الحرية المقيدة والمنضبطة بضوابط الشرع الحكيم والموضوعة بوضعه؛ لأن العباد خلْق الله سبحانه، وهو تعالى من يضع لهم أوجه الحرية في دينهم ودنياهم، وهنا نقر بسابقية الإسلام في ذلك لإخراج الناس من الرق إلى الحرية كما أخرجهم سلفا من ذل العبودية إلى عز الطاعة؛ فبدأ بتحرير الفطرة الممسوخة من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ قال ربنا عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، (الفتح/28) وقال أيضا﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة/16. 17. 18) ثم شرع أحكام الكفارات وأدرج فيها عتق الرقاب، كما أنه حث على ذلك بأنواع المرغبات فجعلها من القربات حيث قال خير البرية صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ”[13]، ولله در الفاروق رضي الله عنه حيث قال لواليه على مصر عمرو بن العاص رضي الله عنه: “مَتَى اسْتَعْبَدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرَارً”[14]، فالعبودية مكروهة في البشر كما قال عمر، وكأني به يومئ إلى ما استفحل في زمننا اليوم من قهر الرجال واستحياء النساء في باب واستغلالهن في أبواب، واستضعاف الصغار سرا وجهرا في السلم والحرب.
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الحريات الأساسية التي كفلها الإسلام للبشر شملت جميع المجالات، نذكر منها:
العقيدة والشريعة: من ذلك قول ربنا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف/29)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (يونس/100.99)،﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾(الكافرون/من الآية 1 إلى الآية 6) فهذا كله مما سبيله العدل وإقرار لعين الحق.
حرية الاختيار في القرارات الاجتماعية: من ذلك قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة/230)، وقول خير البرية صلى الله عليه وسلم: “الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا”[15]، وعند أحمد أن رجلا يقال له خِدَامٌ زوج ابنته وهي كارهة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: “يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي وَأَنَا كَارِهَةٌ. قَالَ: “فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِكَاحَ أَبِيهَا”[16].
حرية التعبير والرأي: من ذلك قول ربنا عز وجل: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى/35) ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران/159)، لأن ذلك مبدأ من مبادئ الحياة والحضارة الراقية.
4)ـ تقرير أخوة الوجود وأخوة الدين:
إن الأخوة الإنسانية والدينية مسألة ثابتة في الشريعة الإسلامية كأساس من أسس العدالة الاجتماعية، فالمجتمع الإسلامي منذ نشأته إلى اليوم كان خليطا من الأجناس والأعراق والديانات، ربط تشريعه بين الأفراد برابط الأخوة عموما إنسانية كانت أو دينية أو نسبية، لكن تبقى آصرة الدين أوثق من باقي الأواصر، ليس ذاك تمييزا وجورا بل لأن صاحب الدين تجمعه بالمسلم آصرتان الأولى إنسانية والثانية عقدية دينية.
الناس من آدم وآدم من تراب، هم خلق الله المكرم، خُلقوا من نفس واحدة، ومن هنا تصدر معاني الإنسانية، لكن لما علم الباري عز وجل اختلاف الأفراد في تنزيلها ضبطَها من أوجه عدة: من ذلك ما جاء في قوله عز وجل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة/8)، لكن على الرغم من هذه الأخوة الوجودية فالشرع ضبط أحكام المعتدين والظالمين للمؤمنين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة/59)، ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة/21).
وغرضنا بهذا القول أن للإنسان حقا لاندراجه في معاني الأخوة الوجودية، وهي مضبوطة بتلكم الأوجه المتقدمة للتمكن من تحقق جانب كبير من مبادئ العدالة الاجتماعية، وطرف عريض من المساواة بين المجتمع الإنساني، ويشهد لذلك أيضا تقاسمه صلى الله عليه وسلم مع اليهود الطعام والشراب، وقوله لأسماء رضي الله عنها: “صِلِي أُمَّكِ”[17]، وتعايشه صلى الله عليه وسلم مع ذوي العهد والذمة دفعا ومنعا، وهلم جرا من مظاهر السماحة والعدل.
وأما تقرير أخوة الدين، فلا جرم أنها ركن ركين وأساس متين لا يتصور إقامة الدين إلا بها ولا تشيد جدران العدالة بين المجتمع المسلم إلا بلبناتها، وقد حث عليها ربنا حتى في أحلك الظروف؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات/10.9)، لكن ادعاءها يقتضي مقومات ويستلزم شروطا وتبعات، من ذلك قول ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات/12.11) وقول خير البرية صلى الله عليه وسلم: “المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ”[18]، وقوله أيضا: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”[19]،وقوله أيضا: “مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا”[20]، إلى آخر ما لا يخفى من كثرته، فالمتآخي يحدث بنعمة ربه جل وعلا المعلن عنها في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران/103)، وأما مدعيها مع انطواء وعزلة وترك وامتناع، أو ظلم وبغض، فهو يهتف بما لايعرف ويدعي ما لا يفقه ولم يفطن من الدين لا لبه ولا قشوره.
5)ـ الوازع السلطاني عند اليأس من نفاذ الوازع الديني:
إن امتناع الناس اليوم مما لا يحل مخافة العقوبة أكثر من امتناعهم خوفا من الله تعالى، ومن هذا المعنى قول الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه: “إِنَّ اللَّهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُهُ بِالْقُرْآنِ”[21]، وفيه إشارة إلى التغيير الجليل والإصلاح العظيم الذي يحدث عند تدخل السلطان[22] لتنفيذ شرع الله على الأرض وتنزيل أحكامه في الوقت والمكان المناسبين، فالمفسد إذا لم ينتهض لإجابة الحق بمجرد الإعذار والإنذار الذي يوعظ به فإنه ينتهض بأولي الأمر ليكون ذلك أحرى بالإجابة، ومن هذا الباب قضاء ربنا في الأقوام الغابرة المكذبة، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت/16.15)، كما أغرق الذين ظلموا من قوم نوح، وأخذ قوم فرعون الذين طغوا في البلاد، وعذب قوم لوط بعذاب مستقر، وأرسل عليهم حاصبا إلا من شكر، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (هود/101.100)، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمُهْلَكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (الكهف/58) وكل ذلك من أجل إظهار الحق ودرء المفاسد وتحقيق المصالح وسيادة العدالة بصورها التي يريدها ربنا بعباده الصالحين مصداقا لسنته تعالى التي لا تتبدل.
فرب الكون لا يقبل إلا الصلاح، وإذا لم يتأت ذلك بالوعظ تأتى بالعقاب، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، وهذه هي مهمة السلطان أو من أنيطت به السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية، من خلال السهر على تشريع العقوبات وتطبيق القوانين ورد المظالم لأهلها، والضرب على أيدي الجناة، فتنصيبه منوط بمصلحة الرعية، وعليه فإنه تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، وعلى السلطان ومن ينوب منابه تقويم هذا الفجور إما عن طريق الوقاية منه قبل الحدوث بالمقاربات التربوية والنفسية وغيرها، أو العلاج عند الوقوع بالإجراءات الزجرية.
6)ـ التماشي مع السنن الكونية التي ضبط الله بها الكون ضمانا لاستمرار الحياة وديمومتها:
إن تحقيق العدالة الاجتماعية بين الجميع يتفق مع غاية الكون الواحد، وغاية خالقه الواحد سبحانه، فكل تغيير سلبي يحدث بكسب الإنسان، ومساسه بمقومات الحياة الأرضية والسماوية، فهو فتيلة تحرق الشجر والمدر، وهلاك لا يبقي للإنسان ذكرا، ودمار لا يبقي للكون توازنا، كما أنه استجابة لإبليس اللعين في قسمه: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (النساء/118) وبذلك تتخلف الغاية المنشودة.
إن الوجود وحدة متكاملة بتناسقها وانسجامها ونظامها البديع، قال ربنا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام/39)، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل/90)، ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف/84) ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾،(لقمان/19) ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (الأعراف/23)…
فلكل موجود حكمة تتناسق مع غاية الوجود، والوجود وحدة متكاملة الأجزاء، متناسقة الخلقة والنظام والاتجاه بحكم صدوره المباشر عن الإرادة الواحدة المطلقة الكاملة، كان مهيأ وصالحا ومساعدا لوجود الحياة بصفة عامة ولوجود الإنسان ـ أرقى نماذج الحياة ـ بصفة خاصة[23]، لذلك ينبغي أن يكون تصور الإنسان حول الكون ومحيطه البيئي البيولوجي تصورا عاما شاملا بحيث يصان للفرد وللجماعة وللأمة وللأجيال المتعاقبة، وكلٌّ يجب أن يعمل لتحقيق الغاية المنشودة، وذلك جوهر العدل وخلافه ظلم وطغيان.
المبحث الثاني: التحديات المعاصرة التي تواجه أسس العدالة الاجتماعية تنزيلا
إن الناظر في واقعنا الحالي يستقرئ مجموعة من التحديات التي تعيق معالم العدالة الاجتماعية وأسسها، وسنعمل في هذا المحور على لفت الانتباه إلى بعضها من خلال ما يلي:
المطلب الأول: التحديات المادية
1)ـ الإعراض عن الدستور الإلهي المصلح للفرد والجماعة:
قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(الأحقاف/31)، وما أصاب الأقوام الأوَل من غضب وعقاب إلا بالعصيان والتمرد والعناد والتكبر؛ قال ربنا عز وجل: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص/1 ـ 2 ـ 3 ـ 4).
وقد كثر في زمننا هذا الإعراض حتى أصبح أشد من الأولين؛ لأن الأولين كانوا يخلصون لله في الشدة ويشركون في الرخاء، أما في زماننا فإعراضهم دائم في الرخاء والشدة؛ والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت/65 و66).
2)ـ البخل والشح:
هذان هما الطبع الخبيث وآفة القصد ورأس كل البلايا والمصائب انطلاقا من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم: “إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ”[24]، وفي ذمه يقول ربنا عز وجل: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الحديد/23.22)، وما أكثر ما كان يتعوذ صلى الله عليه وسلم من البخل والشح، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: “أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: التَمِسْ غُلاَمًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي، وَأَنَا غُلاَمٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ”[25]. فعيب إذن أن يجمع المسلم بين الإيمان والشح، فهو كمن يجمع بين خبيث وطيب قلما يجتمعان؛ يقول خير البرية صلى الله عليه وسلم: “لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي جَوْفِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ”[26].
وقد لاحظنا أن المال في الحقيقة إنما هو مال الله، والعبد ما هو إلا مستخلف فيه ينتفع به ويتركه خلفه لا محالة، ثم الله يرث الأرض ومن عليها؛ لذلك قال ربنا في ترغيب لطيف: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد/7).
وبعد هذا كيف يعقل أن يبخل الإنسان بما هو من فضل الله عليه، فعجبا له كل العجب إذ يمنع فضل الله ويبخل بما ليس في ملكه ولا هو خالق له ولا صانع، وهو وماله إلى الله صائر؛ وقد غفل الناس عن هذه الحقيقة التي صورها ربنا صورة وعيد فقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران/180) فلاجرم إذ اقتدينا بالملائكة الكرام فقلنا اللهم اعط منفقا خلفا، واعط ممسكا تلفا.
3). عدم توزيع الثروات توزيعا عادلا يراعى فيه كل ذي حق:
طلب الشرع الحكيم في توزيع الثروات مراعاة المنهج العادل، والقيم والمبادئ السليمة التي حث عليها ربنا تعالى، من ذلك قوله عز وجل في أحكام قسم الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر/7)، فيؤخذ من هذا أن تقسيم المال العام يستند على اللبنات الأساسية الآتية:
التكافل والإحسان، انطلاقا من قوله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
العدل الاقتصادي، انطلاقا من قول ربنا: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.
الامتثال والرضى، انطلاقا من قوله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
4). فقدان احترام الحقوق الفردية والمجتمعية:
نذكر في هذا الصدد حقوق المسلم على المسلم، وكذا الحقوق المتبادلة بين المسلم وغير المسلم؛ من ذلك ما رسم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ”[27]، وقوله أيضا: “المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ”[28]، وجاء في كتاب ربنا عز وجل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[29]، والبر والقسط مما يؤمر بتحقيقه في كل ملة من الملل؛ قال ربنا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة/3) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ (المائدة/9).
5)ـ الانسلاخ والإهمال البشري للمجالات البيئية، والتجاسر على إحداث التغييرات اللاعقلانية على السنن الكونية:
إن الانسلاخ والإهمال لهذه المجالات والتجاسر على السنن الكونية يتسبب في انتشار الأوبئة الفتاكة، وفشو الأمراض غير المسبوقة؛ لينتج عن ذلك في الأخير حياة بعض على حساب موت آخرين، وغنى الأقوياء على حساب فاقة الضعفاء ومعاناتهم، فهو من ظلم وطغيان الفرد على الجماعة، والجماعة على الفرد؛ قال ربنا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم/40)، ويتضمن ذلك فساد العناصر البيئية من هواء وتربة وماء كما وكيفا، كل هذا وغيره من المفاسد والمضار التي تبرز لنا مدى الظلم الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب في مختلف بلدان العالم.
6)ـ الجشع والاحتكار والإفراط في الملذات …:
هذا كله من المفاسد التي تضر بأخلاق الفرد والمجتمع وتعيق لاشك التكافل الصحيح بين البشر، وتقلب موازين الحياة، فانعدام الوازع الديني والسلطاني يتيح تواجد هذه المضار، ومن ذلك نظام الحسبة الذي فرضه ربنا عز وجل في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران/104)، فهو من أنجع الوسائل لقطع دابر الذين لا يؤتون الناس نقيرا وبهم طمع ونهم؛ قال ربنا: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (العاديات/11.10.9.8)
7)ـ التحرر والتهرب من أداء حقوق الفقراء والمحتاجين:
مما لاشك فيه أن التحرر والتهرب من أداء حقوق الفقراء من شأنه أن يوسع الهوة بين الغني والفقير، فيفضي إلى الظلم الاجتماعي، وانتشار الجريمة على نطاق واسع، ناهيك عن الطبقية والفوارق الاجتماعية والاقتصادية، مما لا يتلاءم والحكمة الإلاهية الربانية المعلن عنها في قول الله الرحيم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة/60) وقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾[30].
إن فريضة الزكاة والصدقات التطوعية الجارية وغير الجارية منهج رباني لتحقيق التكافل الواجب والمستحب، وتعميم الخير بين أفراد المجتمع؛ قال ربنا عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(التغابن/16)، ولا يبالغ المرء إذ قال إن فريضة الزكاة وحدها كفيلة بتحقيق نسبة هامة من التكافل الاقتصادي الاجتماعي، فهي وسيلة ناجعة للحد من الفقر المفضي إلى المفاسد المتنوعة، والضغينة التي يكنها الفقير تجاه الغني، بل إن الفقر جاء مقرونا بالكفر الذي كان خير البرية عليه السلام يتعوذ منه دبر الصلاة بقوله:”اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ”[31].
وقد ظهر للعيان أن كثيرا من الناس خانوا عهد ربهم، ونسوا حق إخوانهم، فذلهم الله وسلط عليهم عدوا من غيرهم، وابتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم من بني جلدتهم بأنواع البلايا، وأي ظلم اجتماعي أكبر من أن يسير الغني أميالا ليهضم الطعام، ويجول الفقير ويسير أميالا بحثا عما يسد به جوعته، ويستر به عورته؟
8)ـ وجود ثغرات كبيرة في منظومة العدالة في وقتنا الراهن:
ويظهر ذلك من حيث عدم التيسير على المتقاضي في لجوئه للدعاوى وسلوكه للمساطر القضائية، وكذا الحيف الذي يقع لبعضهم بسبب اعتماد قوانين غير مستمدة من عدالة حقيقة، الشيء الذي لا يكفل نسبة الحقوق لأصحابها رغم رجحان البينات وتضافر الأدلة والحجج، يضاف إلى ذلك عدم توفر الأجهزة القضائية والجهات المسؤولة عن آليات الاجتهاد والتنزيل المحكم، مما ينتج لنا شرخا في ممارسة القضاء والمهن القضائية التابعة له؛ قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء/64).
المطلب الثاني: التحديات المعنوية
1)ـ قلة الوجل، وتعظيم ما عظمه الله، وتحقير ما حقره الله عز وجل:
من صور ذلك الدنيا والآخرة، فالعاقل عندما يتذكر الدنيا يتذكر زوالها وفناءها فلا تغره، كما يجعل الآخرة همه وشغله الشاغل في كل حركاته وسكناته، ولذلك قال ربنا عز وجل في هذا المعنى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت/64)، وهذا الشعور ناتج عن التحلي بالإيمان وإدراك حقيقته، وتزكية النفس بالاستقامة على الملة الصحيحة والدين القويم، وهو من إقامة العدل بين الفرد وذاته أولا، والفرد والمجتمع ثانيا، جاء في الأثر “أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَارِثَةَ: يَا حَارِثَةُ، كَيْفَ أَصْبَحْت؟ قَالَ: مُؤْمِنًا حَقًّا. قَالَ: لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ، فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِكَ؟ قَالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَن الدُّنْيَا؛ فَاسْتَوَى عِنْدِي حَجَرُهَا وَذَهَبُهَا، وَكَأَنِّي نَاظِرٌ إلَى عَرْشِ رَبِّي. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَرَفْت فَالْزَمْ”[32]. فإذا كان الإيمان في القلب حقا ظهر للمتبصر أن الدنيا وملذاتها كماء أنزل من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح.
2)ـ خلو الجوارح كلها من ذكر الله عز وجل:
إن القلوب إذا لانت لانت معها الأيدي، فتعطي من غير حساب كأنها عطايا مودع، ويلفت إلى ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولُ اللهِ قَالَ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ”[33].
فبالخلو الذي سلف تمرض القلوب ويصيبها التلف، وتأتيها القسوة من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة؛ قال ربنا سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد/15)، وجاء عند الإمام مالك في بلاغاته أنه بلغه: “أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ: لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ، فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ “[34].
وهكذا يحرم أصحاب هذه القلوب من الجود والعطاء؛ لأنهم بذلك يخشون الفقر كخشية الله أو أشد خشية، ويحرصون على الحياة أشد الحرص عياذا بالله من ذلك؛ فلا عجب إذا رأينا أحدهم يقتل ولده خشية إملاق؛ لأنه يحسب أن الرزق من الدهر لا من الله.
3)ـ العجب والتباهي بالغنى والترف:
هذا خلق سيء وشر بلية تعيق التوازن بين البشر، حتى إن المتعجب سولت له نفسه بأن يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾(آل عمران/181)، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لكن ربه قضى عليه بالقول: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (آل عمران/182.181) ثم أيقظ بعده عباده المقتصدين والسابقين بالخيرات بقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران/185)، لأن ربنا يعلم أن الموت هادم اللذات وادعاء العجب بمتاع الدنيا، فالعبد من يستمع القول ويتبع أحسنه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر/15).
4)ـ عدم التشبع بالقيم الروحية النبيلة، من ذلك الإيثار والزهد والورع …:
إن هذه القيم أصبحت شبه منعدمة أو تكاد تنعدم، وقد برع في ذلك الأولون أيما براعة واتصفوا بها أيما اتصاف؛ قال خير البرية صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ”[35]. فذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
5)ـ الإعلام المغرض، وكذا انعدام التواصل الإيجابي بين الأفراد والجماعات:
إن انتشار الكذب وإشاعة الشائعات وفقد المصداقية مما يعيق قيمة التكافل بين الفرد والمجتمع، ويسهم إلى حد كبير في نشر الظلم، وهتك العرض، وأكل لحوم الناس، والبعد عن الحق، والانغماس في الباطل؛ قال ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة/120)، ولا يخفى كذلك على كل ذي لب أن قيم التعارف والتواصل ضرورة بشرية وحكمة ربانية تثمر في إقامة صرح العدالة الاجتماعية والتكافل بين الأمم والشعوب، قال ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[36].
6)ـ الجهل بالأولوي من جهة الشرع، وانعدام مراعاة المقاصد والمصالح العامة:
نظرا لذلك اختل نظام الحياة المجتمعية وكذا الاقتصادية والسياسية، وافتقد سلم الضروريات من حيث الترتيب المطلوب شرعا وعقلا؛ ويظهر الوجه المشرق للعدالة الاجتماعية من هذه الزاوية خلال العهد النبوي لما قدم خير البرية صلى الله عليه وسلم بوحي من ربه مهاجرا نحو يثرب، حيث كان أول الأعمال والمهمات المنجزة آنذاك هو العمل على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فكان من نتائج هذا المبدإ مقاسمة الأنصار ديارهم وأموالهم مع إخوانهم المهاجرين الفقراء، وتقديم مصلحة الغير على مصلحتهم الشخصية، فوصلت قيم الإيثار والتضحية التي يفقدها الناس اليوم أوْجَها، وتحققت بذلك المصلحة العامة لمجتمع الصحابة، وانتشر العدل الاجتماعي الذي لم يسبق له مثيل، هذا كله مع كفاف الأنصار وعفافهم، ولا أعجب ولا أدل على ذلك مما رواه لنا الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه قال: “أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي الجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ـ أَوْ ضَحِكَ ـ مِنْ فُلاَنٍ وَفُلاَنَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾”[37].
7)ـ قلة الرضى بقسم الله:
أمْر القناعة بين الخليقة عزيز، وهو ما يفضي إلى الطمع والعيش في ضنك ولهف، والترامي على أموال الناس بغير حق وأكلها بالباطل، وقد حسب بعضهم أن الغنى من هذا الباب آت ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر/46).
فتحصيل القناعة يفتح أبواب الرزق ويفيض النعم، وسبب في تسبيل فضلتها على من حرم، فيتحقق بذلك وعد ربنا القائل في محكم كتابه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران/174)، وقال ربنا في قوم فقدوا هذا المدخل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (التوبة/59.58) ودونكم قول خير البرية صلى الله عليه وسلم: “وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ”[38] فهو جامع لخيري الدنيا والآخرة، ورحمة ربك خير مما يجمعون.
المبحث الثالث: أسس العدالة الاجتماعية وأثر مراعاتها في حياة الفرد والمجتمع
لا شك أنه يترتب على تفعيل أسس العدالة الاجتماعية ومراعاتها نتائج هامة، بحيث يجد كل من الفرد والمجتمع ثمرات مادية وأخرى معنوية، ومن ذلك:
المطلب الأول: الآثار المادية
1)ـ التمكين في الأرض ورغد العيش:
هذا وعد من رب العالمين لعباده المؤمنين الصالحين المتكافلين المتضامنين المتآزرين القوامين بالقسط ولو على أنفسهم؛ قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور/53) ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف/59) وعليه فتحقق العدالة شرط لفتح باب الحياة الكريمة في رغد مباح مِنةً من الله وفضلا.
2)ـ النماء وحصول البركة في كل صغيرة وكبيرة:
مما يدل على ذلك كلمة الزكاة في معانيها اللغوية، وبوصف الزكاة تشريعا من تشريعات الإسلام لتحقيق العدالة الاجتماعية في الإسلام قال ربنا تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة/104)، وقال رب العزة والنعم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة/67 ـ 68).
3)ـ إشاعة روح المحبة والتضامن بين الخلائق:
من ذلك إعانة المحتاج وسد حاجته، والقرض الحسن، وإنظار المعسرين، وقضاء دين المدينين …، بحيث يصير الملتزم بأسس العدالة الاجتماعية يبحث عن كل خلل مادي داخل المجتمع بغرض سده، والظهور بمظهر حسن من خلال محيطه، وذلك أضعف الإيمان، على أن إعانة الله لعبده رهينة بمد يد العون للآخر؛ قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ” إلى أن قال: “وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ”[39]، وفي الحديث القدسي: “أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لاَ تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ”[40].
4). إعطاء كل ذي حق حقه ووضع كل نصاب في موضعه:
قد لاحظنا في وقتنا الظلم والطغيان الذي يسفر عن عدم توزيع الثروات والتركات وفق المنهج الرباني، وكذا إهمال تنفيذ وصايا الميت، وكل ذلك خروج عن الحكمة الربانية المصرح بها غير ما مرة كقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[41]، وقد نتج عن هذا من الآفات مانتج، ومن ذلك حبس المال عن بعض دون بعض، مما ينتج عنه إخلال بالثروة فتنتج الفوارق وتسود الشحناء والبغضاء.
5). الإحساس بالعوز الاضطراري لله عز وجل في كل وقت وحين:
هذا كفيل بأن ينصب تفكير الغني نحو الفقير، والقوي نحو الضعيف، فتتجذر بذلك جذور التكافل والعدل لتسود بين الأفراد والجماعات؛ قال ربنا عن المشركين: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[42] وهو خلق للعالمين وبالمسلمين جدير؛ لأنهم عباد الله اختيارا كما هم عباد الله اضطرارا.
المطلب الثاني: الآثار المعنوية
مما تثمره مراعاة أسس العدالة الاجتماعية من الناحية المعنوية:
1)ـ التعلق بالله وبما عند الله:
قال ربنا عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران/15.14) وقال تعالى أيضا: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (النساء/76).
2)ـ وحدة القلوب وتراص الصف:
إن مراعاة تلكم الأسس يحقق هذه المقاصد والحكم والقيم المعنوية، وبإهمال تلك تتخلف هذه وتنعدم؛ قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون/53)، وقال ربنا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح/29) وقال تعالى أيضا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران/103) كما أن السنة النبوية حافلة بهذه القيم التي تخدم الوحدة وتحفز الأمة وتدفع بها إلى الرقي، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا”. وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ[43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”[44].
3). شكر النعم المتجلي في صرفها في أوجهها وإيصالها لمستحقيها:
هذا قيد في دوام النعم وبقائها ضمانا للأمن والرخاء؛ قال ربنا عز وجل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النحل/112 ـ 113 ـ 114) وقال أيضا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم/9) وقال سبحانه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة 265).
4). ضمان الحياة الطيبة والسعيدة المشروطة بالإيمان والعمل الصالح:
قال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[45]، ونقيض ذلك قول الباري جل وعز: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه/122).
ومما له تعلق بهذا المقام خلو المجتمع من الأمراض النفسية التي يصعب علاجها، فبتأمل الأسس السابقة نجد أن الغرض منها أيضا تحقيق الراحة النفسية للأفراد والجماعات بعيدا عن مظاهر القلق والتوتر والاكتئاب، وبخاصة التي يعاني منها الإنسان اليوم؛ قال ربنا عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام/83)، وكذا خلوه من الأمراض العضوية والتي نتجت جملة منها بالاستعمال غير المحكم والمعقلن للنعم المستخرجة والخيرات المسخرة، والتوجه غير المتوازن والرزين بين موارد الأرض وموارد السماء، قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى/28)، ولا يخفى على كل عاقل أن العبد مأمور بالإتقان والإحسان في كل شيء حوله؛ قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة/194) ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف/7)، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾(الملك/2) وقال الله المنعم المتفضل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف/30).
أهم النتائج والتوصيات:
- أهم النتائج:
- يعد تحقيق العدالة الاجتماعية روح التشريعات الإسلامية عند التطرق لظواهر الفقر والحرمان والفوارق الطبقية…
- ربط تحقيق العدالة الاجتماعية في الإسلام بعلة غائية تتمثل في الثواب والعقاب إجراءٌ تشريعي أساسي ومحوري يكفل مراقبة الوازع الديني والأخلاقي تحقيقا لعدالة اجتماعية مثالية تجسد خلافة الإنسان لله في الأرض.
- حتى تكون خاصية الإلزام والمراقبة الإجرائية لعدالة اجتماعية فعالة ومتحققة لم يترك التشريع الإسلامي أمرها للأفراد ووازعهم الديني فقط، بل جعل قوة السلطان من خلال التشريعات القانونية سبيلا في كثير من الأحيان لتحقيق هذه العدالة.
- يجب الاستفادة من أحكام الشريعة الإسلامية في بناء نظام عام وشامل لا محيد عنه خاصة في الدول الإسلامية، فعوض حصر الاستفادة من هذه التشريعات في الأحوال الشخصية من زواج وطلاق، لابد من تعديتها إلى مجالات أخرى تعميما لذلك بما يتناسب وواقع اليوم.
- الحملات المغرضة والمشوِهة لعدالة الإسلام الاجتماعية لاترقى إلى الموضوعية وإنما تحكمها الذاتية والحقد في كثير من الأحيان، ومرد ذلك إلى أحد أمرين:
الأول: واقع التشريعات الإسلامية تحقيقا للعدالة الاجتماعية يشكل تهديدا وجوديا لمصالح هذه الفئة التي تتغذى على معاناة الفقراء والمحرومين.
الثاني: نجاح الأنموذج الإسلامي في العدالة الاجتماعية قد ينتقل إلى مرحلة التعميم على مجالات أخرى مما يشكل خطرا على هذه الفئة وتشريعاته.
2 . أهم التوصيات:
- على المستوى التشريعي:
أولا: إعادة النظر في التشريعات الوضعية التي تكرس الفوارق والظلم، وملاءمة هذه التشريعات مع حاجات الأفراد والجماعات بما يضمن لهم عدالة اجتماعية بعيدة عن الاستغلال والاستعباد وهضم الحقوق.
ثانيا: الانفتاح على تجارب الأمم والشعوب والاستفادة من قوانينها وتشريعاتها الأرضية والسماوية بما يتناسب وهوية الأمة الإسلامية وخصوصيتها؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
- على المستوى العلمي:
أولا: إقامة مراكز للأبحات والتكوين تعنى بدراسة التراث في شقه المتعلق بالعدالة الاجتماعية والخروج بنتائج وتوصيات تطبق عمليا في إطار تشريعات وهيئات رقابية وتنفيذية.
ثانيا: مراجعة المناهج والبرامج التعليمية الموجهة للناشئة وكل الفئات العمرية، في إطار بناء جيل واع بأهمية العدالة الاجتماعية وسبل تحقيقها.
- على المستوى الإعلامي:
نشر الوعي بأهمية العدالة الاجتماعية من خلال:
أولا: إنشاء قنوات مرئية تعنى بهذا الجانب، عن طريق البرامج والحوارات التي تناقش الأسس والأبعاد من مختلف الزوايا، في إطار التنويه بالتجارب وتحليلها تثمينا للماضي واشتشرافا للمستقبل.
ثانيا: توعية الناس ـ في مختلف المنابر ـ بأهمية مراعاة أسس العدالة الاجتماعية وإعمالها في الواقع.
ثالثا: تخصيص مواضيع العدالة الاجتماعية ضمن الصحف الإلكترونية والورقية ومنصات المواقع الاجتماعية.
لائحة المصادر والمراجع:
- إبراهيم العسوري، العدالة الاجتماعية والنماذج التنموية، مع اهتمام خاص بحالة مصر وثورتها، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى بيروت أبريل 2014.
- أحمد بن شعيب بن علي الخرساني النسائي، السنن، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية 1406/ 1986.
- أحمد بن فارس بن زكرياء، معجم مقايس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر بيروت، الطبعة الأولى 1399ه/ 1979م.
- أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي، المسند، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، دمشق، الطبعة الثانية 1420ه/ 1999م.
- إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، دار الفكر بيروت، الطبعة الأولى 1407هـ/1986م.
- سلوى عياد، العدالة الاجتماعية في النظرية العالمية الثالثة وانعكاساتها على مهنة الخدمة الاجتماعية في الجماهيرية، أكاديمية الفكر الجماهيري الطبعة الأولى 2011م.
- سليمان بن أحمد بن أيوب بن القاسم الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية 1404ه/ 1983م.
- سليمان بن الأشعث السجستاني، السنن، دار الكتاب العربي ببيروت 1430ه/2009م.
- سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق القاهرة، الطبعة الثالثة عشرة 1413هـ/1993م.
- عبد الرحمان بن علي بن الجوزي القرشي، مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مملكة البحرين، الطبعة الأولى 1435هـ/2013م.
- عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي، المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق مختار أحمد الندوي، طبعة الدار السلفية الطبعة الأولى 1401ه/1981.
- مجموعة من الباحثين إشراف وتقديم نوح الهرموزي، رؤى بديلة: قراءة في أسباب العجز العربي ومقومات الإصلاح، الأهلية للنشر والتوزيع بعمان الأردن، الطبعة العربية الأولى 2012.
- محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الأولى 1422 ه.
- محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي المالكي، أحكام القران، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثالثة 1424هـ/2003م.
- محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي، لسان العرب، الطبعة الأولى، دار صادر بيروت لبنان د ت.
- مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي د ت.
- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الثانية 1404/ الإسلامية بالكويت، الطبعة 1427هـ.
* أستاذ باحث – المغرب.
[1]/ مجموعة من الباحثين إشراف و تقديم نوح الهرموزي، رؤى بديلة : قراءة في أسباب العجز العربي ومقومات الإصلاح، الأهلية للنشر والتوزيع بعمان الأردن، الطبعة العربية الأولى 2012، ص 63 بتصرف يسير.
[2] / سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق القاهرة، الطبعة الثالثة عشرة 1413هـ/1993م، ص 26 بتصرف.
[3] / ينظر: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء، معجم مقايس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر بيروت الطبعة الأولى 1399ه/ 1979م. 4/247. محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي، لسان العرب، دار صادر بيروت لبنان الطبعة الأولى د ت. 11/430.
[4] / رواه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في سننه، من حديث أبي عوانة عن موسى بن أبى عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رقم الحديث 135 كِتَاب الطَّهَارَةِ، بَابُ الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، دار الكتاب العربي ببيروت الطبعة الأولى 1430ه/2009م. 1/51، قال الألباني عقبه حسن صحيح، ينظر سنن أبي داود بتحقيق محمد ناصر الدين الألباني ومشهور بن حسن آل سلمان مكتبة المعرف للنشر والتوزيع بالرياض الطبعة الثانية 1417ه، ص 27.
[5] / وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الطبعة الثانية 1427هـ. 30/5.
[6] / ينظر في هذه التعاريف: أبو عجاجة سلوى عياد، العدالة الاجتماعية في النظرية العالمية الثالثة وانعكاساتها على مهنة الخدمة الاجتماعية في الجماهيرية، أكاديمية الفكر الجماهيري الطبعة الأولى 2011م، ص 33/ إبراهيم العسوري، العدالة الاجتماعية والنماذج التنموية، مع اهتمام خاص بحالة مصر وثورتها، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى بيروت أبريل 2014. ص 95-96.
[7] / سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 20.
[8] / أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، رقم الحديث 2493، كِتَاب الشَّرِكَةِ، بَابٌ: هَلْ يُقْرَعُ فِي القِسْمَةِ وَالِاسْتِهَامِ فِيهِ؟، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الأولى 1422 ه.
[9] / أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي في مسنده: أَحَادِيثُ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدِيثُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رقم الحديث 23489، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة دمشق، الطبعة الثانية 1420ه/ 1999م.
[10] / أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي في مسنده أحمد، حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ الصُّدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ بْنِ عَمْرِو وَيُقَالُ: ابْنُ وَهْبٍ الْبَاهِلِيِّ، مسند الأمصار، رقم: 22211
[11] / سبق تخريجه.
[12] / إبراهيم العسوري، العدالة الاجتماعية والنماذج التنموية، ص 102 بتصرف.
[13] / أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع المسند الصحيح من حديث الوليد بن مسلم عن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن علي بن حسين عن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة رقم الحديث 6715، كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى.
[14] / أبو الفرج عبد الرحمان بن علي بن الجوزي القرشي مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مملكة البحرين، الطبعة الأولى 1435هـ/2013م. ص 98/99.
[15] / مالك بن أنس الأصبحي الموطأ، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رقم الحديث 1092، كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ اسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ فِي أَنْفُسِهِمَا، تحقيق فؤاد عبد الباقي، دار التراث العربي الطبعة الأولى 1406/1985م
[16] / أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي في مسنده: مسند النساء، حَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رقم الحديث 26788.
[17] / أبو عبد الله البخاري في صحيحه، من حديث عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، رقم الحديث 2620 كِتَابُ كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب الهدية للمشركين وقول الله تعالى ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾
[18] / أبو عبد الله البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رقم الحديث 2442 كِتَاب المَظَالِمِ وَالغَصْبِ، بَابٌ: لاَ يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ وَلاَ يُسْلِمُهُ.
[19] / أبو عبد الله البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رقم الحديث رقم 9، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابٌ: المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
[20] / أبو الحسين مسلم بن الحجاج في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رقم الحديث 102، كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ قوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي د ت.
[21] / أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه البداية والنهاية، دار الفكر بيروت، الطبعة الأولى 1407هـ/1986م.2/9
[22] / السلطان هو القوة التي يكتسبها ولي الأمر بحكم الشرع وبما يرتضيه الشرع فسُمي سلطانا بذلك؛ قال ربنا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. (الآية 65 من سورة الإسراء، والآيتان 99 و100 من سورة النحل).
[23] / سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 22.
[24] / أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي في مسنده مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُسْنَدُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رقم الحديث 14461.
[25] / أبو عبد الله البخاري في صحيحه، من حديث أنس بن مالك رقم الحديث 2893 كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ.
[26] / أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي في مسنده مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. رقم الحديث 9693
[27] / سبق تخريجه.
[28] / سبق تخريجه.
[29] / سبق تخريجها.
[30] / سبق تخريجها.
[31] / أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي في مسنده مُسْنَدُ الْبَصْرِيِّينَ، حَدِيثُ أَبِي بَكَرَةَ رقم الحديث 20425.
[32] / سليمان بن أحمد بن أيوب بن القاسم الطبراني، المعجم الكبير بَابُ الْحاءِ، الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، تحقيق حمدي بن عبد المجيد، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الثانية 1404ه/ 1983م. وهو أيضا عند أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي، المصنف في الأحاديث والآثار، كِتَابُ الْإِيمَانِ وَالرُّؤْيَا، تحقيق مختار أحمد الندوي، طبعة الدار السلفية 1401ه/1981. وقد ورد باللفظ المذكور عند القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي المالكي في كتابه أحكام القرآن دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثالثة 1424هـ/2003م،2/242.
[33] / أبو الحسين مسلم بن الحجاج في صحيحه، من حديث قتيبة رضي الله عنه رقم الحديث 595. كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَبَيَانِ صِفَتِهِ.
[34] / مالك بن أنس الأصبحي الموطأ، كِتَابُ الْكَلَامِ، بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ رقم الحديث 1784.
[35] / أبو عبد الله البخاري في صحيحه من حديث عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله رضي الله عنه كِتَابُ الرِّقَاقِ، بَابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهَرَةِ الدُّنْيَا وَالتَّنَافُسِ فِيهَا، رقم الحديث 6429.
[36] / سبق تخريجها.
[37] / أبو عبد الله البخاري في صحيحه من حديث يعقوب بن إبراهيم بن كثير حدثنا أبو أسامة حدثنا فضيل بن غزوان حدثنا أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة رضي الله عنه، رقم الحديث 4889، كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ قَوْلِهِ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآيَةَ.
[38] / أخرجه الإمام أحمد في مسنده: مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رقم الحديث 8095.
[39] / أبو الحسين مسلم بن الحجاج في صحيحه، من حديث أبي هريرة رقم الحديث 2699، كتاب الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، بَابُ فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ
[40] / أبو عبد الله البخاري في صحيحه: من حديث أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه رقم الحديث 4684 كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ [هود: 7].
[41] / سبق تخريجها.
[42] / سبق تخريجها.
[43] / أبو عبد الله البخاري في صحيحه عن محمد بن يوسف عن سفيان عن أبي بردة بريد بن أبي بردة قال أخبرني جدي أبو بردة عن أبيه أبي موسى، رقم الحديث 6026، كِتَابُ الأَدَبِ، بَابُ تَعَاوُنِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
[44] / أبو الحسين مسلم بن الحجاج في صحيحه، من حديث النعمان بن بشير، رقم الحديث 2586، كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَعَاضُدِهِمْ.
[45] / سبق تخريجها. XeltovoPrime