الــشورى فـي التجربة الإسلاميـة: من أصل العفوية إلى ضرورة التقعيد والتطوير
د. عبد الحليم أيت أمجوض / أستاذ التعليم العالي مؤهل – المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين (البيضاء – سطات) – المغرب.
ملخص:
اخترت أن أتجاوز في مقالتي هذه معهود البحوث المطولة من النظر في التعريفات اللغوية والاصطلاحية، إلى الاقتصار على مختصر أراه مفيدا في حفز الباحثين عن مطلب الشورى لمجافاة الأماني المعسولة التي تنتظر غدا مشرقا هو نسخة طبق الأصل للماضي التليد، صعدا إلى مقام استفراغ الوسع، بحثا في قضايا هذا الأصل العزيز، في سبيل الضبط والتقعيد والتفعيل. وقد حاولت أن أكون في دراستي قاصدا؛ مُستهِلا ببيان سمو مرتبة الشورى في القرآن والسنة، مُعرِّجا على وظائفها الحيوية وفضائلها، مُجلّيا موافقةَ عفوية الممارسة الشورية لمرحلة الصفاء الأول، مُبيّنا مقتضى تغير أحوال الناس، وضرورة تقعيد الشورى وتطويرها؛ توسلا بمسلكَيْ: الاستناد إلى التجربة الإسلامية الأولى، والاستمداد من حصيلة المشترك الإنساني الموافق لمقاصد الشريعة.
الكلمات المفاتيح: الشورى، تدبير الاختلاف، نقض الاستبداد، مقاصد الشريعة، وحدة الأمة، السياسة الشرعية…
Abstract:
The prospective implementation of shura (consultation) is a strenuous task; it is by no means a mere imitation of a glorious ideal that was once fulfilled in the past. In this paper, I highlight some issues that are related to the basic Islamic foundation of shura. I first state the significance of shura in the Qur’an and tradition of the Prophet [God’s prayers and peace upon him] and outline its vital functions and virtues. I then draw attention to the spontaneous implementation of shura in the first generation of the Prophet’s disciples before it downgraded into despotic rule. My overall intention is to emphasize the fact that the historical change of people’s conditions calls forth the necessity of re-establishing and rethinking the conditions of the prospective practice of shura. Such a renewal, I argue, is to be predicated on two sources: the early Islamic experience of shura and the outcome of the common human experience which conforms to the general aims of sharia.
Keywords: shura, managing disagreement, overturning tyranny, the aims of sharia.
֍֍֍֍֍
Loading…
توطئة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
لعلي لا أجد مخالفا يعترض على وجوب الانتقال بالفكر الإسلامي المعاصر من الالتزام بموقف العامة عند حدود التغني بالأمجاد والبكاء على الأطلال، إلى ضرورة بذل الجهد من قبل خواصّ الأمة، من العلماء والمفكرين، في سبيل تقعيد أصل الشورى؛ تلك الشامة بين أصول تدبير الاختلاف في التجربة الإسلامية الأولى.
ذلك لأن تقعيد هذا الأصل تمليه أهميته في حياة الأمة، ووظيفته في بناء وحدتها وقوتها وعزتها، فضلا عن المعلوم عموما من مقتضى تجدد تحقيق المناط بتغير الأحوال والملابسات؛ بحثا عن المبادئ الأصيلة التي يمكن أن تسعفنا بها التجارب التاريخية الناجحة من الممارسة الشورية للأمة؛ مُردَفة بحكم الكسب البشري المعاصرة الموافقة لمقاصد الشريعة.
لهذا آمل من خلال ورقتي هذه الإسهام في انفتاح روزنة في أبواب الدراسات الإسلامية لإحداث نقلة نوعية في معالجة مطلب الشورى في الدرس السياسي المعاصر، وفي حياة الأمة عموما. وقد حاولت ترتيب البحث في موضوعها على مطالب خمسة؛ أفرد أولها للحديث عن مقام الشورى في القرآن والسنة، وثانيها للتعريج على وظائفها الحيوية وفضائلها، على أن أخصص ثالثها لتجليات موافقة عفوية الممارسة الشورية لمرحلة الصفاء الأول، وأجعل رابعها لبيان مقتضى تغير أحوال الناس وضرورة تطوير خطة الشورى؛ لأنتهي في المطلب الخامس إلى وجوب تقعيدها توسلا بمسلكي الاستناد والاستمداد.
وكما افتتحت المقالة بملخص وتوطئة؛ أختمها بإذن الله بكلمة جامعة ولائحة مصادر؛ متوكلا على الكريم الوهاب في الحال والمآل، متبرئا من القوة والحول، مستغفرا من الخلل والزلل، راجيا قبول العمل…آمين.
المطلب الأول: مقام الشورى في الكتاب والسنة.
يتأسس تأصيل الشورى من القرآن الكريم على آيتين اثنتين:
ـ الآية الأولى: قوله تعالى: “وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”[1].
وهي الآية الواردة في سورة الشورى، ومعلوم أن تسمية السور بأسماء معينة يحمل دلالة التشريف لتلك الأسماء، والتأكيد على أهميتها ومقامها في الإسلام، ثم إن الآية جعلت الشورى لازمة المؤمنين الذين يستحقون الجزاء الأوفى بالحسنى يوم القيامة، ذلك لأنها وردت ضمن أوصاف كلها من الفرائض مما يدل على فرضيتها، وإلى ذلك ذهب الجصاص في تفسيره للآية، حيث قال: “وقوله تعالى: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”؛ يدل على جلالة موقع المشورة، لذكره لها مع الإيمان وإقامة الصلاة، ويدل على أنا مأمورون بها”[2].
ـ الآية الثانية: قوله تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ”[3].
في هذه الآية ورد الأمر بالشورى صريحا في سياق الحديث عن غزوة أحد التي أفضت فيها مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة الكرام إلى الخروج لملاقاة المشركين، وآلت إلى انهزام المسلمين بعد ما دارت عليهم الدائرة إثر مخالفة الرماة للأمر النبوي بالمرابطة في أمكنتهم، وقد كان رسول الله عليه وسلم، وعدد من شيوخ الصحابة، يود عدم الخروج نظرا لوجاهة رأي من أشار قبل المعركة بالتحصن بالمدينة المنورة، ومقاتلة الغزاة داخلها، ليسهل تفريقهم في دروبها، والاستعانة بالنساء والصبيان في محاربتهم، إلا أن تحمس من لم يحضر بدرا، ورجحان عددهم، وجد من الشورى مسلكا للخروج إلى أحد.
فالتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي الأغلبية لبيان قدسية الشورى بالرغم مما ورد في عدد من مصادر السير من ذكر رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المشاورة توحي بمقتلة عظيمة تقع في الصحابة الكرام[4]، وكان بمقدوره صلى الله عليه وسلم التحلل من الشورى؛ بالنظر إلى تصرفه بوصف النبوة والرسالة الغالب.
إن ورود الأمر القرآني بالشورى في هذه الآية الكريمة، بعد ذكر أحداث الابتلاء وأسباب الهزيمة، تأكيد للنهي المطلق عن التعلل بالأعذار، مهما عظمت، للتحلل من الشورى، بل أمرت الآية فضلا عن ذلك بالرفق بالناس والعفو عنهم والاستغفار لهم؛ ذلك لأن العمل بمقتضى الشورى، وإن أدى إلى خطإ في موقف ما، أرجح في ميزان الاعتبار من ضياع الاحتكام إليها بالكلية، وتحكيم الأهواء وآراء الأفراد في مصالح الأمة.
إنه أمر صارم، بعد سياق واضح، يقطع كل أسباب التأويل في وجه كل من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في مناصب الاجتهاد، ومواقف اتخاذ القرار؛ وبخاصة ما تعلق منها بالمصالح العامة؛ بل من كان دون رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمور بالشورى من باب أولى وأحرى؛ إذ هو أحوج إليها من المعصوم صلى الله عليه وسلم.
ولهذا قال ابن عطية رحمه الله في تفسير الآية، “والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه”[5].
وبالرغم من وضوح دلالة سياقَيْ الآيتين على وجوب الشورى، خاصة في مجال الشأن العام، وفي حق من هم دون مقام النبوة على وجه الخصوص، فقد حاول بعض الفقهاء إبطال القول بوجوب عزل المستبد بالرأي، قياسا على مذهب من أبطل عزله بظهور الفسق منه[6]، إلا أن ابن عاشور بين فساد شبهة القياس في هذا المحل بقوله: “إن القياس فيه فارق معتبر، فإن الفسق مضرته قاصرة على النفس، وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات، ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب، والأصل عندهم عدم الخصوصية في التشريع إلا لدليل”[7].
وأساس وجوب الشورى هو الاشتراك في المصلحة أو الحق موضوع الحكم، لذلك لا يحق لأمير ولا لغيره التصرف في أمر دون مشورة ذوي الشأن فيه، قال القرطبي: “فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك”[8].
وكما دلت نصوص القرآن الكريم على أصالة الشورى؛ فقد أكدتها السنة النبوية من حيث كونها بيانا للقرآن، وتفعيلا نموذجيا لمقاصده، ومن الأحاديث الواردة في ذلك:
- الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وفيه قوله: لما نزلت: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ“، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما إن الله ورسوله غنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن شاور منهم لم يعدم رشدا، ومن ترك المشورة لم يعدم غيا”[9].
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم”[10].
ومصاديق الحديث الأخير كثيرة جدا، فقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام في الخروج إلى عير قريش قبل يوم بدر، وغير المنزل عملا برأي أحدهم، وشاورهم في الأسرى بعد المعركة، وفي غزوة أحد، وفي مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة أيام الخندق…[11].
وقد أخلص الصحابة رضوان الله عليهم لهذا الأصل في اجتهاداتهم، وكافة قراراتهم بشأن الوقائع المستجدة؛ إفتاء وقضاء وإمامة (…)، ومما ورد في ذلك:
- رواية ميمون بن مهران[12]، وفيها: “كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم، قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر سنة، قضى به، فإن أعياه، خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء. فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به”[13].
- وعن المسيب بن رافع[14] رضي الله عنه قال: “كانوا ، أي الخلفاء الراشدون ، إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا، فالحق فيما رأوا”[15].
- وقد تواتر النقل في ذلك عن سيدنا عمر في عدد من المصادر:
- ففي “إعلام الموقعين” قول عمر رضي الله عنه لرجل:”ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، والرأي مشترك، فلم ينقض ما قال علي وزيد”[16].
- وفي “الفقيه والمتفقه” رواية عن القاضي شريح[17]، يقول فيها: “قال لي عمر بن الخطاب: أن اقض بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعلم كل كتاب الله، فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح”[18].
ج- وفي تفسير القرطبي: “وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة، وهي أعظم النوازل، شورى”[19].
وقد أحيى عمر بن عبد العزيز العمل بالشورى بعدما اندرس في صدر الحكم الأموي، بل أعمله قبل مبايعته بالخلافة، وذلك عندما بُعث واليا على المدينة، فجمع عشرة من فقهائها وكانوا سادة العلماء فيها[20]، فقال: “إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، ونكون فيه أعوانا على الحق، وما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم”[21].
المطلب الثاني: وظائف الشورى وفضائلها:
الشورى حصن حصين للأمة، وأصل كل خير، والحديث عن وظائفها وفضائلها شائع عند عدد من الباحثين المعاصرين، وإن لم يكن على وزان واحد من حيث الإحاطة، ومقالاتهم في ذلك لها سندها من مأثورات القدامى في محال مناولتهم لمقاصد الشورى وثمارها، وحيث إن المقام لا يتسع للتفصيل أقتصر على بعض وظائفها وفضائلها؛ أوردها مختصرة:
أ. تحقيق الصلة والاجتماع على العلم:
يكفي الشورى شرفا كونها مجالا لاجتماع العلماء على المدارسة ترسيخا لوشائج الصلة الأخوية بينهم؛ ليكونوا قدوة لغيرهم، ونواة لوحدة الأمة، ومعلوم أن اجتماع المسلمين على العموم مقصد عام ثابت باستقراء النصوص الشرعية الكثيرة الآمرة بالجماعة في مجالات شتى، المبينة لفضائلها وثوابها، الناهية عن التشتت والفرقة، المحذرة من عواقبها، قال ابن العربي: “الشورى ألفة للجماعة”[22]. ثم إن تحقيق فضيلة الشورى في حد ذاتها استجلاب لبركتها ولأجر امتثال الأمر الشرعي بها.
ب. تحري الدقة وأعلى مراتب الصواب:
لعل تحري الدقة، وبلوغ أعلى مراتب الصواب الممكنة، تعتبر من أكبر مقاصد الشورى بعد قصد التعبد والامتثال والموافقة؛ ذلك لأن المراجعة بين العلماء المجتهدين، والخبراء المتخصصين، تتيح استيعابا للنوازل، وتقليبا لأوجه الصواب في الرأي بشأنها؛ على نحو لا يتيحه اجتهاد الفرد منعزلا، مهما علا كعب صاحبه في العلم؛ فقد يلمح شخص جانبا في الموضوع لا ينتبه له آخر، وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وقد تبرز المناقشة نقاطا كانت خافية، أو تجلي أمورا كانت غامضة، أو تذكر بأشياء كانت منسية[23].
ت. تعويض مرتبة الاجتهاد المطلق التاريخية:
لا مجال للقياس مع وجود البون الشاسع بين طبيعة الحياة على عهد أئمة المذاهب ومن قبلهم، وبين قضاياها اليوم بفعل التطور الهائل في مظاهر الحياة، وتعقيدات واجهاتها ومسالكها ومرافقها وعلائقها ومشكلاتها؛ على نحو يتعذر معه وجود المجتهد الفرد الموسوعي القادر على الوفاء بحاجيات الاجتهاد في هذا الزمان، على نحو شامل جامع مهما بلغ من النبوغ، يضاف إلى ذلك عموم البلوى بقصور الهمم بخلاف ما كان عليه الأمر خلال تاريخ الأمة القديم؛ مما يجعل الاجتماع على الشورى بديلا يُوجِد التكامل في الاجتهاد بين العلماء المتخصصين في شعاب معرفية مختلفة؛ لأن القضايا حسبما سلف أصبحت على نحو من التداخل يستدعي تخصصات متنوعة[24].
إن الشورى نقيضة الاستبداد، إذا حضرت غاب، وإذا غابت حضر، فعندما يحس الفرد بالاستغناء عن غيره يقع لا محالة في الاستبداد ثم الطغيان[25]، وهما آفتان تصيب فئات عريضة من الناس، ولا تختص بالحكام والأمراء والزعماء؛ لوجود الأب المستبد والزوج المستبد والمفتي المستبد…وكل صاحب سلطة سياسية أو إدارية أو علمية أو اجتماعية يمكن أن يصبح مستبدا إذا ترك الشورى من غير حسيب[26]؛ فإذا كانت السلطة مظنة المفسدة، بالنظر إلى الطبيعة البشرية ونوازعها، فإن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة حسبما انتهى إليه الحكماء.
ج. توحيد المرجعية الفقهية ووحدة الأمة:
إن توحيد المرجعية الفقهية كان، وما يزال، بغية أهل الاعتبار الحريصين على حفظ وحدة الأمة من خلال حفظ وحدة دينها، وتضييق دائرة الاختلاف إلا فيما يقتضي التنوع بمقتضى اختلاف الظروف والأحوال، وليس من المبالغة القول بأن مقصد الوحدة من بواعث تأسيس البحث في أصول الفقه والحديث عن قطعيتها تبعا، وهي مطالب عزيزة لن تتحقق إلا باجتهاد شوري يرفع الظنيات إلى مرتبة القطع، ويحقق لدى العامة أعلى درجات الرضى والتسليم لمؤسسات الشورى الاجتهادية.
ح. إعادة التحام الفقه بمجالات الشأن العام:
لا شك أن أكبر آفة ابتلي بها المسلمون هي تغييب الشريعة الإسلامية عن مجالات واسعة من حياة الأمة، العامة منها على وجه الخصوص، مما أدى إلى ضمور في الفقه، وليس يتصور تحقيق حاكمية الشريعة على شؤون التنظيم الاجتماعي المعقد المتشعب اليوم إلا بمؤسسات اجتهاد جماعي شوري على كافة الأصعدة وعلى مستوى جميع مناصب الاجتهاد.
خ. تنمية ملكة الإقناع وضمان تحمل المسؤولية:
يكفي الشورى في عصر التواصل، وتلاقح الأفكار، أن تكون مدرسة لتنمية ملكة الحوار والإقناع، وتحقيق التشارك في صياغة القرار على سبيل التوازن والموضوعية، ولا شك أن ذلك أدعى لتحصيل المشروعية والمصداقية؛ باعتبارهما أساس التلقي الجمهوري العام بالقبول، والرغبة في التنفيذ، والاستعداد لتحمل المسؤولية والمآلات، قال ابن عاشور رحمه الله: “إن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي”[27].
المطلب الثالث: موافقة عفوية الممارسة الشورية لمرحلة الصفاء الأول.
لم تكن الحياة الاجتماعية في الصدر الأول للإسلام تخرج، في مجملها وأغلب أحيانها، عن العفوية والتلقائية والتسامح والثقة المتبادلة، نظرا لما كان رائجا آنئذ من الصفاء وصدق الإيمان الذي كان عبيره ساريا بين الناس إلا من شذ من المنافقين، وهؤلاء كانوا يعرفون بين الناس بنعتهم وخذلانهم المناقض لسلوك عموم المسلمين، كما تعرف النقطة السوداء في الثوب الشديد البياض، ولذلك لم يكونوا عند الجمهور أهلا للثقة ولم يكن يلتفت لشذوذهم.
لقد كانت العلاقات والمعاملات والأقضية تتسم على العموم بالصدق والصراحة، وكان معنى المسؤولية وحقيقتها التكليفية وثقل أمانتها واضحا تماما في الأذهان مقلقا لمن ابتلى بها لا يجد طعما لمأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا مركب، يشتد في محاسبة النفس وحمل الناس على العدل، ولا يتميز عن العامة في شيء، قدوته العظمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخذ نفسه بالعزائم حتى لقي الله عز وجل، فلم يكن يعرفه الغريب من بين أصحابه حتى يسأل: من منكم محمد؟ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومضى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه، وتغيرت أحوال، ولم تتغير سيرة الخلفاء الراشدين من بعده؛ ففي الطبقات الكبرى: “لما جاء الهرمزان يسأل عن سيدنا عمر رضي الله عنه، وكان خليفة آنذاك، لم يجد عنده حاجبا ولا بوابا، بل قيل له: هو في المسجد، فأتاه فوجده مستلقيا متوسدا كوما من الحصى، ودرته بين يديه، فقال: [هذا والله الملك الهنىء]”[28]. وروي عن الحسن البصري رحمه الله قوله: “رأيت عثمان بن عفان وهو يومئذ خليفة يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصا بجنبه”، وقال: “رأيت عثمان بن عفان نائما في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين”[29].
لهذا وغيره مما تزخر به كتب السير والتاريخ من ذكر لنهجهم الصادق الصريح الموافق في عمومه لمقاصد الشريعة، حكاما ومحكومين، لم يكونوا في حاجة إلى الضوابط التفصيلية والشكليات التنظيمية للممارسة الشورية، بالرغم من كثافة وسعة العمل بها في تلك المرحلة مقارنة مع لواحقها، إذ كانت الشورى تشمل عظائم الأمور وصغارها بدءا من قضايا الأمة في السلم والحرب، والخلافة والتشريعات العامة وانتهاء بنوازل الأفراد في زواجهم وطلاقهم وميراثهم، ومنازعاتهم في الشؤون الخاصة.
ويمكن إجمال أهم ملامح تلك المشاورات المكثفة في أمور منها[30]؛
- كانت الشورى تحقق جوهرها ومقصودها على أكمل الوجوه، ثم لا يلتفت كثيرا لما سوى ذلك من شكلياتها، فكانوا بذلك يعملون القاعدة الكلية، “الأمور بمقاصدها”[31]، فلم يكونوا يقفون كثيرا عند من استشير ومن لم يستشر، ولا عند من حضر ومن غاب، إذا كان المستشارون أهلا للمشورة.
- لم يكن من قبلهم تركيز على عدد المستشارين في القضية، وهل هم آحاد أو عشرات أو مئات، إذا كان من استشيروا يقومون مقام غيرهم، ويعبرون بصدق عن آرائهم ومصالحهم.
- لم يكونوا يدققون في عدد المؤيدين والمعارضين، إذا ظهر بوضوح التوجه العام الغالب في المسألة، أو حصل فيها نوع من التراضي والتطاوع والتسامح.
- إذا خالف الجمهور واحد ثم رأوا في لهجته صدقا وفي حجته قوة ووثوقا، لم يلبثوا أن يضعوا ثقتهم في صدقه وعلمه وخبرته وحسن تقديره، فينقلب رأي الواحد المنفرد إلى إجماع أو شبهه.
- كانت المشاورات تتم في جو من الحرية والأمن والجرأة، فلا يحابي أحد أحدا ولا يخادعه ولا يخاف منه ولا يطمع فيه.
- لم تكن شوراهم في أجوائهم العفوية الربانية تحتاج إلى قوانين مفصلة، ولا إلى ضوابط مدققة، ولا إلى ضمانات واحتياطات، فالتعقيد التنظيمي حين لا يكون ضروريا يصبح عبثا وعائقا، أو على الأقل قد تكون كلفته أكثر من فائدته.
المطلب الرابع: تغير أحوال الناس والزمان وضرورة تطوير خطة الشورى.
لما انتقل النظام السياسي من الخلافة الراشدة إلى الدولة الأموية وقعت تغيرات جذرية في طريقة تسيير الشأن العام الذي آل إلى مهاوي التحكم والاستبداد والاستئثار بالسلطة، حين نزا عليه قوم اعتبروا المسؤولية تشريفا وجباية، وليست تكليفا وأمانة أشفقت من تحملها السماوات والأرض والجبال.
واستمر الأمر على هذا النحو باستثناء فترات مضيئة من مسلسل الهبوط الكلي، ولا شك أن الشورى كانت أكبر ضحايا هذا التحول اليوم، وبعد نكبات التمزق والاستعمار يتحدث الباحثون عن سبل إعادة المياه إلى مجاريها من خلال فتح باب الاجتهاد وتقعيد مسالكه وتنظيم مؤسساته بإحياء الشورى، ولقد تمخضت عن هذه الصحوة عشرات الأبحاث والدراسات في الموضوع.
لكن السؤال المطروح هنا: هل يكفي الحديث عن إعمال الشورى لما تبين من ملامحها العفوية في زمن النبوة والرشد، والزمان غير الزمان والناس غير الناس، والإيمان غير الإيمان؟ أليس ذلك مما ينافي مقتضيات فقه التنزيل باعتبار الأحوال والمقاصد وسائر الخصوصيات؟
لقد عمت البلوى منذ زمن بالتعسف في استعمال الحقوق نتيجة لضعف وازع الدين في النفوس، وتعقدت مسالك الحياة الخاصة والعامة ومرافقها، وأصبح ذلك يحتم تقعيد وتطوير سائر الخطط العامة، بما فيها خطة الشورى، استنادا إلى الرصيد النظري والتطبيقي للمرحلة التأسيسية الممثلة بالنبوة والخلافة الراشدة، واستمدادا من حكم الكسب البشري في مجال تسيير الشأن العام، بعد تمحيصها على ضوء مقاصد الشريعة.
ذلك لأن التقويم الموضوعي لتاريخ الدرس السياسي بعد الخلافة الراشدة يفرض الاعتراف بأن أكبر ثغرة أتيت منها الأمة هي عدم قيام نظام مفصل يقعد للشورى في جميع مراحله، إلا ما كان من استثناءات محدودة يغلب عليها طابع المنحة المشروطة بتحكم المانح، فلم تقم لها مؤسسات مثلما حظيت بها سائر الخطط من شرطة وأمن ومالية وقضاء وحسبة، بل بقيت عرضة للأهواء، بينما كان ينبغي أن ينظر إليها على أنها دين ووحي، باعتبارها قاعدة كبرى من قواعد الشريعة يكاد يدور تطبيقها مع تنزيل أحكام الله في الشأن العام وجودا وعدما، وتعطيلها من هذا الوجه تعطيل للشريعة في مجالات واسعة من حياة الأمة أفرادا وجماعات.
لقد كان من الطبيعي أن يؤدى الفراغ التنظيمي في قضايا إدارة الشورى وتدبير الاختلاف إلى تحكيم منطق القوة والغلبة في مجال التداول على السلطة، وتكريس الفرقة والتباغض والتحاسد في المجال العلمي والاجتماعي، والسقوط تبعا في حمأة فتن كبرى واختلالات انتهكت فيها حرمات ومقدسات وسالت فيها دماء، وما كان ليحدث ذلك لو تم تحكيم الشورى بعد تقعيدها بدل تحكيم السيوف، وقد فطن لذلك سيدنا عمر رضي الله عنه، وهو على فراش الموت، فنظم مجلسا لاختيار الخليفة، على نحو ما عهد عليه من سداد في التنظيم وسعة أفق؛ لو حفظ وطور منهجا ومجالا لكان للأمة شأن آخر بعد الخليفة الثاني السيد العظيم.
قال محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي: “ولعدم الشورى المنتظمة في الإسلام وقع ما وقع من الفتن والحروب بعد عمر، ليقضي الله أمره، ولا أزال أقول إنه كان يجول في فكر عمر شيء من ذلك بدليل تنظيمه لمجلس شورى الخلافة، التي جعلها بين الستة، وما جعله من نظام ذلك المجلس وهو في النزع، إذ عين أعضاءه العاملين والشرفيين والرئيس وكيفية التصويت والأغلبية، وإذا وقعت المساواة كان الترجيح للرئيس أو الجهة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، إلى غير ذلك مما يطول ويدل على أنه صدار عن فكر عظيم، وتدبير عميق، فلو ترك مجلسا على ذلك النظام مستديما للجامعة الإسلامية لما وقع الإسلام في مهاوي الاستبداد والاستعباد التي عاناها منذ ثلاثة عشر قرنا، ولكل أجل كتاب”[32].
أخلص إلى القول بأنه لا سبيل للأمة للخروج من أحوال التخلف والتبعية إن لم يتم إحياء أصل الشورى، وتطويره من خلال مبدأي الاحتواء والتجاوز على مستوى التقعيد، إذ لا يستقيم الحديث عن النهوض والأمة مغيبة عن المشاركة في تسيير شؤونها العامة، تحكمها ذهنية القعود التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل.
ولا يستقيم نهوض وأمور التنظيم السياسي والاجتماعي متروكة للأهواء والأنانيات والذمم الفاسدة، ومعلوم أن تقييد الحقوق كلما عمت البلوى بالتعسف في استعمالها قاعدة كلية ثابتة باستقراء نصوص الشريعة واجتهادات الصحابة والتابعيين وأهل الاعتبار من سلف الأمة[33].
ففي الحديث من رواية مسلم: “لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه”[34]، وفي سنن البيهقي وغيره: “ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر”[35]، قال الإمام النووي: “وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع”[36].
والشاهد في الحديث نوط التقعيد بفساد أحوال الناس، إذ لو كان الناس على أتقى قلب رجل واحد، لما احتاجوا إلى البينات واليمين، وقد كان المذنبون من أهل الصفاء يأتون طوعا لرسول الله ليطهرهم بالحدود، لهذا أثر القول بحدوث القضايا للناس بقدر ما أحدثوا من الفجور، وعلى هذا الأصل قاس الصحابة إمضاء الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وتضمين الصناع، وغير ذلك من الأحكام المبنية على فساد أحوال الناس. وكذلك الحال فيما يتعلق بالشورى تحتاج إلى تحصين دائم بالتقعيد لسد ذرائع الاستبداد.
المطلب الخامس: ضرورة تقعيد الشورى بمنطقي الاستناد والاستمداد.
يكون الباحث المسلم عنوانا بلا معنى إن سلك شعاب التنظير والتقعيد على غير هدى من مقاصد الشريعة، بل يوشك أن تتفرق ببحثه السبل إن لم ينزل مقاصد الشريعة على أرض الواقع لتكون صوى وعلامات يميز بها الطريق المستقيم عن غيره، وتصبح عناوين “الإسلام” و “مقاصد الشريعة” تمويها إن كان الباحث يصدر في تحليله واستدلاله وتقعيده عن مناهج وآليات ومصطلحات مادية محضة نشأت في بيئات ومساقات معادية للدين إجمالا، لذلك لابد في تقعيد الشورى بالعودة إلى مرحلة الصفاء الأول لاستخراج ملامح السياق الأخلاقي الإيماني الذي ولدت في رحمه الشورى، وذلك بقصد الاستناد إليها في إعادة استحضار روح الشورى إلى الواقع الحالي بما هو جوهر مناقض للفلسفات المادية التي لا تقيم وزنا لخلق ولا لدين خاصة عندما نتحدث عن مواصفات المستشير ومرجعية قرار الشورى.
وفي المقابل يكون الباحث المسلم أقرب إلى التأريخ منه إلى التنظير إن هو انقطع عن الواقع المعاصر وأعرض عن حِكَم الكسب البشري في مجال تدبير الشؤون العامة، وبخاصة ما لا يتناقض مع مقاصد الشريعة مما جاء منها في حُكْم الوسائل وكان ثمرة لمعاناة الشعوب الغربية في محاربة الاستبداد والاستعباد قرونا.
فالاستمداد من الغير بما يوافق روح التشريع الإسلامي هو أصل كلي مقطوع به ثابت باستقراء تصرفات الشارع في زمن التنزيل الأول؛ لأن الدين لم يأت لهدم كل ما كان موجودا قبله من غير تمييز، وإنما جاء متمما لقيم الخير المتوارثة مغيرا لقيم الشر بالحكمة والتدرج، وقد تفرعت عن هذا الأصل قواعد كثيرة.
وعلى هذا الأصل بنى الصحابة الكرام العديد من آرائهم واجتهاداتهم، ورائدهم في ذلك سيدنا عمر رضي الله عنه، الذي كان له الفضل على الأمة سياسة وفتحا وعدلا وتنظيما لدولة الإسلام العظمى في الأقطار الشاسعة، وضبطا لإدارتها التي اقتبس فيها من دولتي الفرس والروم؛ يقول عنه محمد بن الحسن الحجوي: “وما كان ليأنف من اقتباس إدارة بلاده عن أمة أبادها سيفه لسعة فكره، وما كان ليجعل سياسته محض التقليد الجامد وقصر كل شيء على الدين، ولو لم يكن من الدين، بل كان ينظر مصلحة الدنيا والدين معا، فلقد أشار عليه الوليد بن هشام بأن يدون الدواوين وينظم جنده على نسق ما كان عند الروم في الشام، ففعل ولم يستنكف أن يأخذ ذلك عنهم، ولا جمد على أنه بدعة، بل نظر مصلحة الإسلام، وهكذا فعل في ضرب الخراج… وغير ذلك مما يطول من محاسنه… ولو أن عمر فسح له في الأجل واطلع على تنظيم أصول الشورى، ومجلس النواب، الذي كان عند أمة الرومان قبله ونظام ديمقراطيتهم لنظم الإسلام على ذلك النمط”[37].
خاتمة:
إن حسنات تدبير الشأن العام عند الأمم اليوم كثيرة بعضها موجود في الأصول النظرية والتطبيقية للشورى، وبعضها الآخر نتاج فكر حر عاف الظلم فأبدع مبادئ وإجراءات قد نجد لها أصلا يوافقها عند إمعان النظر، ولعل أحسنها وأنفعها لتنظيم الشورى وضبط العلاقة بين المؤسسات الدستورية ما يصطلحون عليه بمبدإ “فصل السلط”، وهي حكمة وذكاء وميراث إنساني للمسلمين حقهم منه مثلما لغيرهم.
وعلى العموم نخلص إلى ضرورة تطوير خطة الشورى بالاستناد أساسا إلى مبادئ السياق الإيماني الأخلاقي الذي ولدت في رحمه زمن التجربة الإسلامية الأولى، ولا ضير في الاستمداد بعدئذ من حصيلة الحكمة الإنسانية في باب الإجراءات الكفيلة بسد باب الاستئثار بالرأي والقرار، معرضين عن كل ما يحمل في طياته رواسب المعاداة للأسس الإيمانية الأخلاقية. والله تعالى نسأل التوفيق والسداد والرشد؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.
لائحة المصادر والمراجع:
- ابن إسحاق، السيرة النبوية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1424هـ/2004م.
- ابن حبان، صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط:2، 1414هـ/1993م.
- ابن سعد، كتاب الطبقات الكبير، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط:1، 1421هـ/2001م.
- ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984ه.
- ابن العربي، أبو بكر، أحكام القرآن، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1424هـ/2003م.
- ابن عساكر، تاريخ دمشق، دراسة وتحقيق علي شيري، دار الفكر، بيروت، ط:1، 1419هـ/ 1998م.
- ابن عطية، عبد الحق، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1422هـ/2001م.
- ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، ضبطه وخرج آياته محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، 1417هـ/1996م.
- ابن نجيم، الأشباه والنظائر، تحقيق عبد الكريم الفضلي، المكتبة العصرية، بيروت، 1424هـ/2003م.
- ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق الشيخ محمد علي القطب والشيخ محمد الدالي بلطه، المكتبة العصرية، بيروت، ط:3، 1421هـ/2000م.
- أمحزون، محمد، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، دار الألباب، دمشق، ط:1، 1415هـ/1994م.
- البسيلي، أبو العباس التونسي، نكت وتنبيهات في تفسير القرآن، تحقيق محمد الطبراني، أطروحة جامعية بدار الحديث الحسنية، الرباط.
- البيهقي، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:3، 1424هـ/2003م.
- البيهقي، شعب الإيمان، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1421هـ/2000م.
- الترمذي، سنن الترمذي، ضبط وتصحيح خالد عبد الغني محفوظ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1424هـ/2003م.
- الجصاص، أبو بكر، أحكام القرآن، دار الكتاب العربي، بيروت، 1338ه.
- الحجوي، محمد بن الحسن، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1428هـ/2007م.
- الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، تحقيق عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط:1، 1417هـ/1996م.
- الدارمي، سنن الدارمي، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، دار المغني، الرياض، ط:1، 1421هـ/2000م.
- الدريني، فتحي، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط:3، 1404هـ/1984م.
- الدريني، فتحي، نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط:4، 1408هـ/1988م.
- الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1425هـ/2004م.
- الريسوني، أحمد، الشورى في معركة البناء، دار الرازي، الأردن، ط:1، 1428هـ/2007م.
- السوسوه، عبد المجيد الشرفي، الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي، سلسلة كتاب الأمة، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر، عدد:62، ط:1، ذو القعدة 1418هـ/فبراير-مارس 1998م.
- الطبري، ابن جرير، تاريخ الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1424هـ/2003.
- القرضاوي، يوسف، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم، الكويت، ط:3، 1420هـ/1999م.
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث، بيروت، ط:1، 1416هـ/1995م.
- مسلم، بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، دار ابن حزم، القاهرة، ط:1، 1429هـ/2008م.
- المناوي، محمد بن عبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير، دار المعرفة، بيروت، ط:2، 1391هـ/1972م.
- الندوي، علي أحمد، القواعد الفقهية، دار القلم، دمشق، ط:6، 1425هـ/2004م.
- النووي، يحيى بن شرف، صحيح مسلم بشرح النووي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1424هـ/2003م.
[1] – سورة الشورى، الآيات: 36-38.
[2] – الجصاص أبو بكر، أحكام القرآن، دار الكتاب العربي، بيروت، 1338هـ، ج:3، ص:386.
[3] – سورة آل عمران، من الآية:159.
[4] – ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق الشيخ محمد علي القطب والشيخ محمد الدالي بلطه، المكتبة العصرية، بيروت، ط:3، 1421هـ/2000م، ج:3، ص:57-58.
[5] – ابن عطية عبد الحق، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1422هـ/2001م، ج:1، ص:534.
[6] – أبو العباس البسيلي التونسي، نكت وتنبيهات في تفسير القرآن، تحقيق محمد الطبراني، أطروحة جامعية بدار الحديث الحسنية، الرباط، ج:2، ص:111-112.
[7] – ابن عاشور محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م، ج: 4، ص:148.
[8] – القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث، بيروت، ط:1، 1416هـ/1995م، مج:6، ج:12، ص:320.
[9] – أخرجه البيهقي في “شعب الإيمان” وقال: بعض هذا المتن يروى عن الحسن البصري من قوله وهو مرفوع غريب. البيهقي، شعب الإيمان، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1421هـ/2000م / المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، دار المعرفة، بيروت، ط:2، 1391هـ/1972م، ج:5، ص:443. قال المناوي: قال ابن حجر غريب.
[10] – الترمذي، سنن الترمذي، ضبط وتصحيح خالد عبد الغني محفوظ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1424هـ/2003م، الحديث:1714، ص:431 / البيهقي، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:3، 1424هـ/2003م، كتاب آداب القاضي، باب مشاورة الوالي والقاضي في الأمر، الحديث:20301، ج:10، ص:186. قال فيه: أخرجه البخاري في الصحيح من حديث عبد الرزاق / ابن حبان، صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط:2، 1414هـ/1993م، كتاب السير، باب الموادعة والمهادنة، مج:11، ص: 217.
[11] – ابن اسحاق، السيرة النبوية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1424هـ/2004م، ج:1، ص:332، ج:2، ص:400 / ابن سعد، كتاب الطبقات الكبير، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط:1، 1421هـ/2001م، ج:2، ص:13-14، 34، 63.
[12] – هو ميمون بن مهران الجزري، أو أيوب الرقي الفقيه، نشأ بالكوفة ثم نزل الرقة، من سادة التابعين وفقيه من القضاة، استعمله عمر بن عبد العزيز رحمه الله على خراج الجزيرة وقضائها، وكان ثقة في الحديث كثير العبادة، توفي عام 117هـ / الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1425هـ/2004م.مج:5، ص:44-48.
[13] – أخرجه الدارمي، سنن الدارمي، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، دار المغني، الرياض، ط:1، 1421هـ/2000م، باب الفتيا وما فيه من الشدة، الحديث:163، ج:1، ص:262. وقال محقق الكتاب: رجاله ثقات، غير أن ميمون بن مهران لم يدرك أبا بكر فالإسناد منقطع.
[14] – المسيب بن رافع؛ الفقيه الكبير أبو العلاء الأسدي الكاهلي كوفي ثبت، وقيل إن عمر بن هبيرة أراد أن يوليه القضاء، فقال ما يسرني، وإن سواري مسجدكم ذهبا. توفي رحمه الله عام 150هـ / الذهبي، سير أعلام النبلاء، م.س، مج:5، ص: 62.
[15] – أخرجه الدار مي، سنن الدارمي، م.س، باب التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، الحديث:116، ج:1، ص:238.
[16] – ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، ضبطه وخرج آياته محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، 1417هـ/1996م.، مج:1، ص:52.
[17] – هو الفقيه أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، قاضي الكوفة، ويقال: شريح بن شراحيل أو ابن شرحبيل، وهو ممن أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وانتقل من اليمن زمن الصديق وقد ولاه عمر قضاء الكوفة فأقام على قضائها ستين سنة توفي سنة 78هـ / الذهبي، سير أعلام النبلاء، م.س، مج4، ص: 358.
[18] – الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، تحقيق عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط:1، 1417هـ/1996م، ج:1، ص:491.
[19] – القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م.س، مج:2، ج:4، ص:251.
[20] – وهم: عروة بن الزبير(94هـ)، وأبو بكر بن عبد الرحمن(94هـ)، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة(98هـ)، وخارجة بن زيد(100هـ)، وعبد الله بن عبد الله بن عمرو(105هـ)، وسالم بن عبد الله بن عمر(106هـ)، وسليمان بن يسار(107هـ)، والقاسم بن محمد(108هـ)، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة(…)، وعبد الله بن عامر بن ربيعة (ت سنة بضع وثمانين). الطبري، تاريخ الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1424هـ/2003، مج:3، ص:672 / الذهبي، سير أعلام النبلاء، م.س، مج:5، ص:73.
[21] – تاريخ الطبري، م.س، مج:3، ص:672 / الذهبي، سير أعلام النبلاء، م.س، مج:5، ص:73.
[22] – ابن العربي أبو بكر، أحكام القرآن، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1424هـ/2003م، ص:91.
[23] – القرضاوي يوسف، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم، الكويت، ط:3، 1420هـ/1999م، ص:241.
[24] – عبد المجيد السوسوه الشرفي، الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي، سلسلة كتاب الأمة، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر، عدد:62، ط:1، ذو القعدة 1418هـ/فبراير-مارس 1998م، ص: 90.
[25] – قال تعالى في سورة العلق: “كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى”. الآيتان 6-7.
[26] ـ الريسوني أحمد، الشورى في معركة البناء، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار الرازي، الأردن، ط:1، 1428هـ/2007م، ص:38.
[27] ـ محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984هـ، ج:2، ص:438.
[28] – ابن سعد، كتاب الطبقات الكبير، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ج:3، ص:273.
[29] – ابن عساكر، تاريخ دمشق، دراسة وتحقيق علي شيري، دار الفكر، بيروت، ط:1، 1419هـ/ 1998م، ج:39، ص:226 / أمحزون محمد، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، دار الألباب، دمشق، ط:1، 1415هـ/1994م، ج:1، ص:397.
[30] – الريسوني أحمد، الشورى في معركة البناء، دار الرازي، الأردن، ط:1، 1428هـ/2007م، ص: 106-107.
[31] – ابن نجيم، الأشباه والنظائر، تحقيق عبد الكريم الفضلي، المكتبة العصرية، بيروت، 1424هـ/2003م، ص:39 / الندوي علي أحمد، القواعد الفقهية، دار القلم، دمشق، ط:6، 1425هـ/2004م، ص:282.
[32] – الحجوي محمد بن الحسن، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1428هـ/2007م، مج:1، ص:239.
[33] – انظر: الدريني فتحي، نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط:4، 1408هـ/1988م / الدريني فتحي، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط:3، 1404هـ/1984م.
[34] – صحيح مسلم، دار ابن حزم، القاهرة، ط:1، 1429هـ/2008م، كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، الحديث:1711، ص:485.
[35] – البيهقي، السنن الكبرى، م.س، الحديث:21201، ج:10، ص:427.
[36] – النووي يحيى بن شرف، صحيح مسلم بشرح النووي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:2، 1424هـ/2003م، مج:6، ج:12، ص:4.
[37] – الحجوي محمد بن الحسن، الفكر السامي، م.س، مج:1، ص:238. Drezinex