السيرة الفلسفية وسؤال القيم

0

د. محمد روي

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه إلى يوم الدين، وبعد؛

بداية، أتقدم بالشكر الجزيل للقائمين على هذا اليوم الدراسي المبارك، الذي دعت إليه شعبة الفلسفة والفكر الإسلامي والحضارة برئاسة الأستاذ الدكتور أحمد الفراك، والشكر موصول للسادة الأساتذة كل باسمه وصفته الذين أتشرف بحضور وسماع مداخلاتهم العلمية، وللحضور الكريم أيضا[1].

ومداخلتي عنوانها: السيرة الفلسفية وسؤال القيم، وهي تنقسم إلى: أولا: مفهوم السيرة الفلسفية، وثانيا: خصائص وأركان السيرة الفلسفية الحقة، وثالثا: نموذج السيرة الفلسفية الحقة، ورابعا: نماذج تحريف السيرة الفلسفية الحقة.

فأقول بأنه ليس ثمة شك في أن الإنسان ضمن أي نطاق أو أي زمان ومكان فطرته تطلب اجتماع الجوانب المادية كما تطلب الجوانب الروحية، وقد يحدث أن يطغى أحدهما على الآخر، كما يتهيأ للناظر في هذا العالم الحداثي المتغير؛ أنه قد مال أكثر إلى الجانب المادي، وهذا ما حدا ببعض فلاسفة الأخلاق محاولة تثمين القيم والعدل بين الجانبين السابقين، ولعل أبرزهم هو الأستاذ الفيلسوف طه عبد الرحمن.

لقد كان الأستاذ طه في مؤلفاته يهتم بالإنسان بشكل عام حينما كان يخاطب الجانب الأخلاقي منه، أو بالأحرى الفطري، غير أنه في مؤلفه الأخير المعنون بـ‘سؤال السيرة الفلسفية: بحث في حقيقة التفلسف الائتمانية’؛ انتقل إلى أفق آخر، كان قد وعد به في بعض كتاباته المتقدمة، وهو صناعة صانع الفلسفة؛ أي صناعة الفيلسوف، في حياته وأخلاقه وما ينبغي أن يكون عليه فكره وتصرفاته مع غيره ومع ذاته، وتأتي هذه الورقة لتحاول استشكال هذا الأمر، أعني علاقة السيرة الفلسفية بالقيم من خلال كتاب الأستاذ طه سؤال السيرة الفلسفية.

أولا: مفهوم السيرة الفلسفية

إن مفهوم التفلسف عند طه عبد الرحمن هو “تجربة فكرية بقدر ما هو معرفة تصورية؛ وليست هذه التجربة الفكرية من نوع التجارب التي تُمارس على الأشياء من خارجها كما هي التجارب التي يتعاطى لها الباحثون في شتى المجالات العلمية، وإنما هي من نوع التجارب التي يمارسها أصحابها من دواخلهم، ويخصها طه باسم ‘التجارب الحية’؛ وهذا يعني أن التجربة الحية لا تنفك عن الذات، بوصفها قواما لها؛ وهكذا، فإن المفكر لا يبدع حتى يَخبُر أو يتحقق بفكره، فينزل عندها رتبة الفيلسوف”[2].

و”السيرة الفلسفية، تجربة فكرية حية؛ ولا تعني هذه التجربة مجرد تحصيل جملة أفكار في الذهن، لأن مقتضاها أن تتجسد هذه الأفكار في طريقة حياة الفيلسوف؛ فالأفكار المجردة، ولو كان الفيلسوف يعانيها من الداخل، لا تُعد من التسيّر؛ وهذا يعني أن التجربة الفكرية الحية؛ هي التجربة التي ينقل فيها الفيلسوف أفكاره إلى أمور مشهودة، إذ تُحدث آثارا ظاهرة في الخارج”[3].

ثانيا: خصائص وأركان السيرة الفلسفية الحقة

وهكذا يمكن أن نتصورَ مفهوم السيرة الفلسفية عند الأستاذ طه، لكن، كيف يمكن ربطها بالقيم؟ أجل؛ إن الأستاذ طه في كتابه هذا أي ‘سؤال السيرة الفلسفية’ قد قرر فيه بشكل متفرق بعضا من الخصائص والأركان التي ينبغي أن تتصف بها سيرة الفيلسوف، ولا غرو أن يكون لها اتصال بالقيم والأخلاق والعمل؛ من بينها:

أولا: أن “التفلسف الحق لا يتجلى في صدق الفكر، وإنما في صدق الحياة؛ لا يكفي الفيلسوف أن يكون صادقا في أفكاره، لأن هذا الصدق لا يفيد سلوكه بالضرورة، فهو محتاج إلى صدقٍ أبلغ من صدق الأفكار، وهو صدق الحياة، ولا تصدق حياته إلا متى لم تكن تأملاته في واد وتصرفاته في واد آخر، بل تكون دعاويه في الفلسفة عين مواقفه في الحياة”[4].

ثانيا: ضرورة مطابقة أقوال الفيلسوف لأفعاله: “ولما كان الفيلسوف يصوغ هذه الأفكار في صورة ‘أقوال’، باتت هذه التجربة الحية عبارة عن موافقة أفعال الفيلسوف لأقواله، بل مطابقتها لها، وحيت إن الخروج عن هذه المطابقة يُعتبر تناقضا حاصلا في حياة الفيلسوف، فيكون الفيلسوف متسقا أو متناقضا متى كانت أفعاله غيرَ أقواله؛ ويُعرف طه هذا الاتساق التحقيقي باسم التصديق، فيقال: أفعال الفيلسوف تُصدِّق أقواله، أي أن الفيلسوف يجعل أقواله صادقة”[5].

ثالثا: مسؤولية الفيلسوف عن حقائق الحكمة: “إذا كان الفيلسوف لا يملك حقائق الحكمة، فلا يعني ذلك أنه يتخذ منها وضع المحايد أو الغريب، فالفيلسوف مؤتمَن على حقائق الحكمة، لأنه يظل ينشدها، ونشدانه لها يجعله مسؤولا عن سؤاله، إذ وجود مسؤوليته من وجود سؤاله؛ فأسئلته هي على وجه التعيين، عبارة عن أسئلة مسؤولة”[6].

رابعا: البعد السلوكي للسيرة الفلسفية: “إن السيرة الفلسفية الحية عبارة عن طريقة التخلق المتبعة في الحياة، والسيرة الفلسفية إنما هي التخلق التي يتّبعها الفيلسوف، بغية التحقق بالحكمة؛ والحكيم هو الذي يعرف كيف يحيا حياة طيبة، ولا يكتفي الحكيم بأن يعرف كيف يحيا حياة طيبة، بل لا يزال يأتي من الأفعال الخُلقية ما يُوصله إليها، حتى يكون سلوكه عين معرفته”[7].

خامسا: البعد الإصلاحي: فـ”الفيلسوف لا يضع فلسفته من أجل خويصة نفسه، فهو يجتهد في أن يكشف للناس الحقائق والأباطيل التي خَفيت عليهم، تبصرة لهم وتوعية، ويرشدهم أيضا إلى الخيرات وضرورة إتيانها، ويحدرهم من الشرور وضرورة اجتنابها؛ وهذا يعني أن الفيلسوف ينهض بما ينهض به ‘المصلح’ على وجه التمام”[8].

ثالثا: أنموذج السيرة الفلسفية الحقة

والحق أن هذه الخصائص في نظر الأستاذ طه لم تتجسد في فيلسوف مثلما تجسدت في الفيلسوف اليوناني المعروف سقراط، فهو الأنموذج الأمثل للسيرة الفلسفية عنده، لأن سقراط في نظره “اهتمامه بالإنسان لم يكن اهتماما علميا طبيعيا، ولكنه كان اهتماما أخلاقيا صريحا”[9]، و”لم يتقدم سقراط السابقين عليه في تقرير النظر الأخلاقي وإعطائه الأولوية في التفلسف، ولا تقدمهم في إيجاب العمل الأخلاقي فحسب، بل أيضا تقدمهم في جعل الصلة بين النظر والعمل الأخلاقيين محدِدة لحياة الفيلسوف نفسها”[10].

كانت حياة سقراط في نظر الأستاذ طه أكمل نموذج لهذه السيرة عرفه تاريخ الفلسفة، ويتجلى ذلك في “كونه ارتقى بالموت عن دركه العضوي، جاعلا له دلالةً فلسفيةً تضاهي دلالة الحياة، إذ اختار أن يموت ميتة فيلسوف كما اختار أن يحيا حياة فيلسوف؛ وميتة الفيلسوف هي ميتةُ من لا يبتغي بحب الحكمة بديلا، حتى ولو كلفه ذلك أن تُسلب منه حياته بغير حق؛ وقد سُلبت من سقراط هذه الحياة، يوم أن جُرّمت دعوته إلى التفلسف وحُكم عليه بالإعدام؛ وهكذا يكون سقراط في نظر طه قد صدق في موته صدقه في حياته، جاعلا موته يتسق مع حياته اتساق فعله مع قوله، كأنه هو الفعل الذي يُصدقها، وبهذا يكون سقراط قد حاز رتبة الصدِّيق على أحسن وجه، جامعا إليها رتبة الشهيد”[11].

رابعا: نماذج تحريف السيرة الفلسفية الحقة

وإذا كان سقراط على هذا، سيرته سيرةً صديقية حقة، كما يرى الأستاذ طه عبد الرحمن، فقد وقع من بعده تحريف هذه السيرة وإخراجها من معناها الذي يراه الأستاذ كما تقدم، ومن أجل بيان ذلك، رصد ثلاث تحريفات لها:

التحريف الأول: التشبه بالإله بدل التشبه بالنبي: أفلاطون أبو بكر الرازي أنموذجا: “إن أول خروج عن السيرة الفلسفية الصديقية تمثل في دعوة أفلاطون الإنسان إلى التشبه بالإله، فرارا من الشر الملازم لهذا العالم؛ إذ هدم بذلك ركن التشبه بالنبي؛ وقد اتخذ هذا الفرار صورة عروج إلى عالم الآلهة عن طريق التطهر؛ إذ أن التطهر الذي يحرر الروح من جسدها يقضي بأن يحصل الإنسان جملة من الفضائل التي تورّثه الكمال الإلهي، وتبه في ذلك أبو بكر الرازي”[12].

التحريف الثاني للسيرة الفلسفية: التنظر بدل التفكر: أرسطو وأبو بكر ابن باجة أنموذجا: إن “الخروج الثاني عن السيرة الفلسفية الصديقية تأسس على تصور أرسطو وابن باجة للفلسفة، إذ جعلها كل منهما لا ائتمانا على الحكمة كما عند سقراط، وإنما امتلاكا لها؛ ويتمثل هذا الخروج في ركن مفهوم التفكر، واتخاذ مفهوم التنظر مكانه، والحمل على معنى النظر المستغني عن العمل بالكلية، في مقابل مفهوم التعقل الذي لا يستغني عنه؛ وأسندا إليه من الأوصاف العقلية المجردة ما لا يتحقق إلا في الآلهة أو في المتألهين، نافيان عن الآلهة القيام بالأعمال والاتصاف بالأخلاق. وابن باجة زاد على ملكية الفلسفة التي قال بها أرسطو، ملكية التنظر، معللا الملكية تعليلا نفسيا وموسعا لها إلى حد ملكية الخلود”[13].

التحريف الثالث للسيرة الفلسفية: التخلق الغريزي بدل التخلق الفطري: نيتشه وعبد الرحمن بدوي: “الخروج الثالث عن السيرة الفلسفية الصديقية تمثل في هدم فريدريش نيتشه للركن من أركانها، وقلده، في ذلك عبد الرحمن بدوي، إذ أن نيتشه أبدل بالتخلق المبني على القيم الفطرية التي يمثلها التخلق الديني تخلقا مبنيا على القيم الغريزية، مُعلنا موت الإله باعتباره أصل القيم، وجاعلا من الحياة بديلا من الإله؛ واتخذت الحياة عنده صورة إرادة القوة وإرادة التسلط. وأما عبد الرحمن بدوي، فقد انتصر للقيم الغريزية على القيم الفطرية التي تمثلها القيم التقليدية، بل أكثر من ذلك، اتخذهما سبيلا إلى محو التخلق من نطاق الوجود الذاتي، مدعيا قيام تعارض بين التجربة الوجودية والقاعدة الأخلاقية”[14].

وفي نهاية هذه الورقة يمكن إيراد خلاصة جامعة وهي أن الفلسفية عند الأستاذ طه عبد الرحمن تتصل بالذات المتفلسفة، والسيرة الفلسفية لا تهتم فقط بصناعة القول بل بالعمل أيضا، والفيلسوف الذي تتجسد فيه السيرة الفلسفية الحقة أو بتعبير طه الحية؛ هو الذي يؤكد على الصلاح الكلي للإنسان، والذي يجعل من الصدق الخُلق الجامع لأخلاقه والمعيار الذي توزن به، بل يلتزم الصدق الكلي في الحياة، فليس الفيلسوف كأحد من الناس، ولو أنه ليس بأفضلهم؛ فإنه يلزمه أن يكون من أصدقهم، إن لم يقدر على أن يكون في محيطه على الأقل، أصدقهم.

والحمد لله رب العالمين.


[1] أصل هذه المقالة مشاركة أسهمتُ بها في اليوم الدراسي الذي نظمته شعبة الفلسفة والفكر الإسلامي والحضارة بكلية أصول الدين بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة في موضوع: ‘الفلسفة وسؤال القيم في عالم متغير’، وذلك في يوم الخميس 23 نونبر 2023، وكان عنوان مشاركتي هو: ‘السيرة الفلسفية وسؤال القيم’.

[2] طه، عبد الرحمن. سؤال السيرة الفلسفية: بحث في حقيقة التفلسف الائتمانية، مركز نهوض للدراسات والبحوث، بيروت، ط1، 2023م، ص 29-30

[3] المرجع نفسه، ص 42

[4] المرجع نفسه، ص 21

[5] المرجع نفسه، ص 42-43

[6] المرجع نفسه، ص 55

[7] المرجع نفسه، ص 58-59

[8] المرجع نفسه، ص 56

[9] المرجع نفسه، ص 87

[10] المرجع نفسه، ص 87-88

[11] المرجع نفسه، ص 91-92

[12] المرجع نفسه، ص 234

[13] المرجع نفسه، ص 324

[14] المرجع نفسه، ص 399-400 Drezinex

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2