التغيرات الاجتماعية: دراسة في الخصائص والعوامل والمظاهر

0

د. عبد الصمد المساتي / باحث في قضايا الاجتهاد والتغيرات المعاصرة – المغرب.

ملخص:

يسعى هذا البحث إلى تحديد طبيعة التغيرات الاجتماعية وخصائصها باعتبارها حتمية تاريخية، وضرورة فردية وجماعية، تتجدد وتتسارع وتتعقد على امتداد الزمان والمكان، في ظل اختلافات كثيرة طبيعية وفكرية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية، وبيان مظاهر وآثار هذه التغيرات على الحياة الإنسانية، إيجابا على مستوى تحسن الأوضاع المعيشية، وتطور مستوى الرفاهية، وتحسين الأدوار الاجتماعية، والتطور الهائل في مجال التكنولوجيات الحديثة، أو سلبا على مستوى ضعف الخصوصيات وهجوم الثقافات الدخيلة، وضعف القيم، والروابط الاجتماعية والأسرية، وانتشار الانحرافات والجرائم.

الكمات المفتاح: التغير الاجتماعي – التطور – النظام الاجتماعي – الأدوار الاجتماعية – القيم.

Abstract:

This research explores the nature and characteristics of social changes, conceived both as a historical inevitability and an individual and collective necessity, which take momentum and get complicated as a result of the natural, intellectual, political, economic and technological differences that are encountered across time and place. The paper aims to clarify the manifestations and effects of these changes on human life, either positively through the improvement of living conditions, the betterment of well-being, the fairness of social roles, and the development of modern technologies, or negatively through the violation of privacy, the attack of extraneous cultures, the degradation of values, the erosion of social and family ties, or the spread of crimes and social disorders.

Key words: Social change – evolution – social order – social roles – values.

֍֍֍֍֍

Loader
Loading…
EAD Logo
Taking too long?
Reload Reload document

|

Open Open in new tab

لتحميل البحث كاملا [0.00 B]

مقدمة: 

التغير سنة كونية وظاهرة اجتماعية حتمية وحقيقة لا تقبل الشك، لأن المجتمع بطبيعته متغير، والإنسان -باعتباره محور التغيير في المجتمع- بطبعه متغير في بنيته ونمط عيشه وتفكيره، فهو يأخذ من الجيل السابق ويضيف إليه ما يناسب واقعه الاجتماعي ومتطلباته وحاجياته المستجدة.

وفي عالم اليوم، عالم المتغيرات السريعة والمتعاقبة في جميع النواحي والمجالات، العالم الذي لا تهدأ حركته أو تتوقف، تظهر التغيرات بشكل أكبر وفي صور متعددة، كالتغير في الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتكنولوجية، وفي مراكز الأشخاص، وفي الأدوار والمكانات، كما يحدث في مستويات متعددة كذلك، فهي تصيب الفرد ومحيطه القريب ومجتمعه المحلي، كما تصيب المجتمع عموما على اختلاف انتماءات أفراده العقدية والفكرية والثقافية والجغرافية في زمن أصبح فيه العالم قرية صغيرة.

ولذلك فقد حظيت دراسة التغيرات بعناية خاصة، حيث اهتم المفكرون والفلاسفة في مختلف العهود والعصور برصد التغيرات التي تطرأ في مجالات الحياة المختلفة، ودراستها وبحث خصائصها وأنواعها ومجالاتها وعواملها، وكذا تأثيرها على حياة الناس أفرادا وجماعات.

وهذا البحث هو محاولة جاهدة -قدر الإمكان- لدراسة التغيرات الاجتماعية دراسة نظرية مختصرة، أستهلها بمدخل مفهومي، ثم أفصل القول في حتمية التغير في حياة الأفراد والمجتمعات، وتحديد خصائص التغيرات الاجتماعية، وبيان مستوياتها ومراتبها ووسائلها، وتفصيل مظاهرها السلبية والإيجابية، في مباحث ثلاث كالآتي:

مدخل مفهومي:

لما كانت دراسة الموضوعات تقتضي منهجيا تصديرها بمقدمات حدودية لتحديد مفهوم ومدلولات المصطلحات المستعملة فيها، فإني أبدأ بتحديد المقصود بالتغيرات الاجتماعية وعلاقتها بالمصطلحات القريبة، منطلقا من المعنى اللغوي قبل المعاني الاصطلاحية، باعتبار المفاهيم والمدلولات الاصطلاحية ناشئة عن مدلولاتها اللغوية.

التغيرات جمع تغير وهو التحول والتبدل[1]، والانتقال من حالة إلى حالة أخرى، والاختلاف ما بين الحالة الجديدة والحالة القديمة، أو اختلاف الشيء عما كان عليه خلال مدة محددة من الزمن، والتغيير إحداث شيء لم يكن قبله[2].

وتظهر هذه المعاني اللغوية جلية في بعض التعريفات، ومنها أن التغير الاجتماعي هو ذاك “التغير الذي يحدث داخل المجتمع أو التحول أو التبدل الذي يطرأ على البناء الاجتماعي خلال فترة من الزمن”[3]. والتغيرات الاجتماعية هي تلك العملية المستمرة والتي تمتد لفترات زمنية متعاقبة يتم خلالها حدوث اختلافات أو تعديلات معينة في العلاقات الإنسانية، أو في المؤسسات، أو التنظيمات، أو في الأدوار الاجتماعية[4].

وقد وردت عند السوسيولوجيين تعريفات كثيرة للتغير الاجتماعي، منها ما يبين طبيعته باعتباره “ظاهرة طبيعية تخضع لها نواميس الكون وشؤون الحياة من خلال التفاعلات والعلاقات والتبادلات الاجتماعية المستمرة والتي تفضي إلى تغير دائم”[5]، ومنها ما يحدد مجالاتها كتعريف عاطف غيث حين قال بأنه: “التغيرات التي تحدث في التنظيم الاجتماعي أي في بناء المجتمع ووظائف هذا البناء المتعددة والمختلفة”[6]، وكذا أحمد زكي بدوي الذي عرفه بأنه: “كل تحول يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه أو في وظائفه خلال فترة زمنية معينة.

والتغير الاجتماعي على هذا النحو ينصب على تغير يقع في التركيب السكاني للمجتمع أو في بنائه الطبقي، أو نظمه الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية، أو في القيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد والتي تحدد مكانتهم وأدوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها”[7].

وبالتالي فدراسة التغيرات الاجتماعية هي “دراسة التحولات أو التعديلات التي تتم في طبيعة ومضمون وتركيب الجماعات والنظام، وكذا في العلاقات بين الأفراد والجماعات، وكذا تلك التغيرات التي تحدث في المؤسسات أو التنظيمات، أو في الأدوار الاجتماعية”[8].

واعتبارا لما سبق يتميز مفهوم التغير عن عدد من المفاهيم الأخرى المقاربة له كمفهوم التطور الذي يعني النمو البطيء المتدرج المؤدي إلى تحولات منتظمة ومتلاحقة، تمر بمراحل مختلفة ترتبط فيها كل مرحلة لاحقة بالمراحل التي سبقتها، ومفهوم التقدم الذي يعني التحول إلى الأحسن، بانتقال المجتمع إلى مرحلة أفضل من حيث الثقافة، والمستوى المعيشي، والقدرة الإنتاجية، ومفهوم النمو الذي يعني عملية النضج التدريجي والمستمر للإنسان، التي تتضمن تغيرا إيجابيا كميا وكيفيا، وزيادة تدريجية مستمرة، ومفهوم التنمية الذي يشير إلى مختلف الجهود التي تبذل لإحداث سلسلة من التغيرات اللازمة لتحقيق الزيادة والنمو والتطور داخل المجتمع، بأسرع من معدل النمو الطبيعي، ومفهوم الثورة الذي يعني إحداث تغييرات جذرية يتم خلالها استبدال حكم أو نظام اجتماعي قائم بحكم أو نظام اجتماعي آخر، بهدف الانتقال إلى الأحسن والأفضل وكسب مزيد من الحقوق والحريات في مجالات متعددة من الحياة.

ووجه تميز مفهوم التغيرات عن المفاهيم السابقة أن تلك المفاهيم على تعددها لا تكون إلا إيجابية في اتجاه الأحسن والأفضل، أما الجانب الآخر الذي يتضمنه مفهوم التغير -وهو النكوص والتخلف والتقهقر والتراجع والتأخر- والذي قد يؤدي إلى ضرر كبير بالمجتمع فلا تشير إليه، وهذا التميز هو الدافع إلى اختيار مفهوم التغيرات، لأن التحولات التي تعرفها حياة الإنسان قد تكون في الاتجاهين معا، فقد تكون إيجابية أو سلبية.

المبحث الأول: خصائص التغيرات الاجتماعية

تتعدد النظريات والاتجاهات الفكرية المفسرة لأسباب وخصائص التغيرات الاجتماعية، غير أنها بالنظر الدقيق والفاحص نجدها تتمحور حول علاقة التغير بالزمن، وما يحدث في تعاقب التغيرات من أحداث تترابط وتتداخل فيما بينها، وهو ما أبينه في نقطتين كالآتي:

أولا: حتمية التغيرات الاجتماعية

إن المتأمل في الدراسات العلمية والواقع الاجتماعي ينتهي إلى أن التغير ظاهرة تشمل كل مكونات الكون على سطح الأرض، كما يشمل الفضاء الخارجي كذلك، وأنه سنة كونية، وحتمية اجتماعية ونفسية، وضرورة حياتية للمجتمعات البشرية، تتميز بها نشاطات ووقائع الحياة الإنسانية، وهو بذلك “قانون الوجود” الذي يحكم الإنسان والمجتمع، وينظم علاقة مكوناته مع بعضها البعض.

وهو ما يؤكده هيرقليطس[9] صاحب مقولة “التغير قانون الوجود، والاستقرار موت وعدم” والملقب بـ”فيلسوف التغير”[10]، حيث نقل عنه القول بأن: “كل ما تحت فلك القمر إنما هو في حالة تغير دائم ويستحيل إلى أشكال جديدة وقوالب جديدة، فلا شيء يبقى ولا يثبت ولا شيء يظل كما هو (…) وهو لم يكتف بإنكار الثبات المطلق بل أنكر أيضًا ثبات الأشياء النسبي واعتبره مجرد وهم”[11].

فالإنسان على سبيل المثال يشهد تغيرات مستمرة بدءا من الولادة وانتهاء بالموت، تغيرات على مستوى البيولوجي والعاطفي والفكري والسلوكي، في مراحله المتعاقبة رضيعا فطفلا فشابا فكهلا فشيخا كبيرا، وحياته كلها محكومة بالتغير والتطور والتحول المستمر، وكذلك الكون من حوله؛ فالنباتات والحيوانات تتغير من حيث النمو كما يتغير الإنسان، حيث تتحول الحبة إلى نبتة، والنبتة إلى شجرة، وتثمر الشجرة حبة وهكذا، والمناخ كذلك يتقلب بين فصول أربعة: ربيع، فخريف، فصيف، ثم شتاء.

وهكذا فإن كل شيء في الوجود وفق السنة أو القانون الإلهي في الكون -وفي قانون هيرقليطس- يتحرك لينتقل ويتحول إلى شيء جديد بعد أن تتفاعل معه مجموعة من العناصر المتداخلة في أجواء مختلفة وظروف متعددة لتخلق وجوداً آخر لم يكن من قبل.

وما دام التغير هو قانون الوجود فهو سبيل بقاء الإنسان الفرد، واستمرار المجتمعات البشرية واستقرارها، وسبيل تحقيق حاجاتها ومتطلباتها، ف”بالتغير يتهيأ لها التكيف مع واقعها، وبالتغير يتحقق التوازن والاستقرار في أبنيتها وأنشطتها، وعن طريق التغير تواجه الجماعات متطلبات أفرادها وحاجاتهم المتعددة والمتجددة”[12].

وهو ما يؤكد أن وجود الشرائع والرسالات السماوية والقوانين الوضعية لم يكن إلا لمسايرة وتأطير وتنظيم حياة الإنسان، وتنظيم العلاقات الإنسانية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية وغيرها في ظل كل تلك المتغيرات، وهو السبب لظهور عدد من العلوم الشرعية كأصول الفقه وعلم مقاصد الشريعة، وما يتفرع عنها من مباحث كفقه الواقع وفقه التنزيل وما يتطلبه من فقه الأولويات وغير ذلك، قصد مواكبة المستجدات والتغيرات التي تطرأ على حياة الناس.

ويؤكد كذلك أن ظهور علم الاجتماع كعلم مستقل يعنى بدراسة المجتمع وتغيراته وأحواله ارتبط بظهور الدراسات التي تعنى بالتغيرات الاجتماعية والتي ركز فيها المؤرخون –وعلى رأسهم ابن خلدون[13]– والفلاسفة –وعلى رأسهم كونت- على تصنيف وتحليل أوضاع المجتمع وأنماطه والتغيرات التي تصيبه؛ حيث اهتم ابن خلدون بدراسة العمران البشري، والسلوك الإنساني، وبحث في أسباب التغيرات وعواملها، انطلاقا من نظرية “الحتمية التاريخية”، كما اهتم أوكست كونت بدراسة الظواهر والأحداث والعوامل الاجتماعية والتغيرات التي شهدتها أوروبا عقب الثورتين الكبيرتين الصناعية والفرنسية التين غيرتا وجه أوروبا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي.

كما أن ظهور عدد من فروع علم الاجتماع ارتبط بدراسة التغير الاجتماعي في مجالات وجوانب مختلفة، وعلى رأسها: علم الاجتماع الحضري وعلم الاجتماع القروي، وعلم الاجتماع الاقتصادي، وعلم الاجتماع السياسي، إضافة إلى عدد من العلوم التي تعنى بدراسة الطبقات، ودراسة التنمية الاجتماعية، وكل ما يرتبط بالمجتمع.

ثانيا: تعدد التغيرات الاجتماعية وتجددها وانتشارها

من أهم خصائص التغيرات الاجتماعية بناء على ما سبق ما يلي:

  • التجدد والتسارع:

تتميز التغيرات التي تعرفها حياة الإنسان على مستوى الفردي، والمجتمعات البشرية على المستوى الجماعي، بالتبدل والتجدد المستمر والمتسارع، في جميع المجالات، وفي مختلف المستويات، فالتاريخ يشهد بتغير بنية الإنسان المادية، ومعتقداته وتصوراته الإيديولوجية والثقافية، وبتغير أحواله الاجتماعية، كما يشهد بتغير المجتمعات البشرية من مكان لآخر، ومن عصر لآخر، وقد أكد ذلك ابن خلدون بقوله: “ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (غافر: 85)”[14].

كما يشهد الواقع بنماذج وشواهد متعددة تكاد لا تنحصر في الأنواع والأزمنة والأمكنة، فيما يرتبط بحياة الأفراد أو بحياة المؤسسات الاجتماعية بدءا من الأسرة وجماعات العمل وصولا إلى الدولة والمجتمع العالمي الذي أصبح بفعل التغيرات كذلك قرية بل وبيتا واحدا، حتى إنه يتعذر أحيانا المقارنة بين ما يجري في واقع معين في زمان ومكان معينين بما كان في زمان أو يكون في مكان غيره، إذ كيف يقارن المتتبع الواقع السياسي والاجتماعي اليوم وما أسفر عنه من تغيرات في مستوى الوعي الفكري الذي ينعكس على الممارسة الفاعلة المؤثرة في الميدان، خصوصا مع وجود متغيرات أخرى كالتحرر –ولو نسبيا- من الخوف والتبعية والانقياد للغير والخضوع له، وتجاوز حدود الزمان والمكان، ولعل أبرز شاهد على ذلك التغيرات العميقة والمتعددة التي شهدها العالم العربي بعد ما سمي “بالربيع العربي”.

  • التعدد والتداخل والتعقد:

إن التغير الاجتماعي هو نتاج تغيرات سابقة متعددة بتعدد الظواهر الاجتماعية وتشعبها وتداخلها، نظرا لتأثيرها وتأثرها بظواهر طبيعية وفكرية واجتماعية متعددة ومتداخلة، يصعب فصلها ودراستها بشكل منعزل عن غيرها، فالإنسان الفرد يعرف تغيرات نفسية وبيولوجية وفكرية وثقافية، وتغيرات أخرى في علاقاته بغيره وبالمحيط، والمجتمعات البشرية كذلك تعرف تغيرات متعددة في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية والسياسية تتداخل فيما بينها بشكل كبير، وتتعقد حتى إنه يصعب الفصل بينها وتمييز الاجتماعي منها عن غيره.

  • الشمول والانتشار:

يمس التغير جميع المجتمعات بمختلف مرجعياتها وثقافاتها، وعلى اختلاف مستويات فكرها ونضجها، ويختلف باختلاف المجتمعات زمانا ومكانا وثقافة، كما تختلف سرعته واتجاهه وعمقه حسب طبيعة المجتمع ووسائله التي يعتمدها، فالمجتمع القروي الذي يعتمد على الفلاحة والزراعة تختلف طبيعته عن المجتمع الحضري الذي يعتمد على الصناعة والتجارة، كما تختلف المجتمعات بقدر تجديدها وتطويرها للتكنولوجيات المعتمدة.

وقد أدت هذه الاختلافات إلى تقسيم التغيرات الاجتماعية إلى أنواع: منها التغير الاجتماعي بالتطور الذي يقتضي الحفاظ على النظام الاجتماعي وتطوير وسائل وموارد العيش وتبسيط الأعمال، والتغير بالثورة الذي يقتضي تجاوز النظام السابق والقضاء عليه لعدم صلاحيته، كما أفضى الاختلاف إلى بروز نظريات في التغير الاجتماعي أهمها نظرية التوازن، ونظرية التطور، ونظرية الصراع.

المبحث الثالث: عوامل التغيرات الاجتماعية

يتضح من خلال الخصائص السابقة أن هناك عوامل كثيرة ومتعددة تتداخل وتتسارع لتحدث تغيرات مستمرة ومتجددة في المجتمعات الإنسانية، يمكن إجمالها فيما يلي:

  • العوامل الإيديولوجية والفكرية والثقافية:

إن التغيرات الاجتماعية تحصل بالأساس نتيجة حضور معتقدات وأفكار وثقافات بشكل قوي في حياة الأفراد والمجتمعات، فكل معتقد ديني أو مذهب فكري أو اتجاه فلسفي أو ثقافي يحمل في طياته أهدافه وغاياته، والتي تشكل إلى حد كبير أساليب الفكر، وقوالب العمل والسلوك، وقيمه وأخلاقه المؤثرة في نشاط الأفراد والجماعات، وفي النظم الاجتماعية بشكل عام، وتحدث بناء على ذلك تغيرات اجتماعية في العادات والسلوكيات، وهو ما جعل أوكست كونت وماكس فيبر يعتبران العوامل الفكرية هي العوامل الحاسمة في التغيير[15].

والدين بما يحمله من معتقدات وما يتميز به من سلطة معنوية على الإنسان، يعتبر قوة عظمى مؤثرة في التقدم والتطور المستمرين، وعاملا مهما في تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع في الحاضر والمستقبل على امتداد الأجيال، ويحقق التكامل بين عناصر القوة في المجتمع.

غير أن الدين بمفهومه الفلسفي العام ليس دائما كذلك، فإنه قد يكون عامل “تهديد، إلهام، مواساة، تحريض، روتين، يبعث الاطمئنان، أو دعوة لأن يضع المرء روحه على راحته، إنه طريق لإحلال السلام وسبب لشن الحروب، وكما عبر المصلح الإسلامي وعالم الاجتماع الإيراني الكبير علي شريعتي: «الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدوارا متناقضة، يمكن له أن يدمر، أو أن يبعث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة»”[16].

والاتصال الثقافي بين الهويات والمعتقدات والأفكار عامل مهم كذلك في إحداث تغيرات اجتماعية واسعة خاصة في الثقافات المستقبلة أو التابعة، “ويتبدى هذا الاتصال في الأفكار والمعتقدات السياسية -والدينية أحيانا- وأساليب الحياة والتكنولوجيا وكافة عناصر الثقافة مثل عمق الاتصال، ودرجة مقاومة الثقافة التقليدية، ودور النظم السياسية في الثقافة المسيطرة ومدى تعدد قنوات الاتصال”[17].

ومن العوامل كذلك ظهور الشخصيات والنخب المؤثرة في مجال الدين والفكر والثقافة، كالأنبياء والرسل والمفكرين والأدباء، باعتبارهم حاملي إيديولوجيات وأفكار وثقافات مؤثرة في الإنسان والمجتمع على مر العصور.

  • العوامل السياسية وما ينتج عنها من ثورات وحروب:

تشكل الأحداث والمواقف السياسية التي تطرأ على المشهد السياسي عاملا مهما ومؤثرا لإحداث التغيرات الاجتماعية، سواء كانت هذه الأحداث والمواقف صادرة عن مؤسسات قائمة في إطار خطة أو مشروع، أو صادرة عن أفراد نتيجة عوامل متعددة ومتداخلة.

ويعتبر القائد السياسي (الحاكم أو النظام) الفاعل الأول والأكثر تأثيرا في الواقع الاجتماعي بشكل عام، كما أكد ذلك ابن خلدون في المقدمة بقوله: “السبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثلة الحِكَمية: الناس على دين الملك”[18].

وذلك لأن الفاعل السياسي (الحاكم أو النظام السياسي) في سعيه للحفاظ على مصالحه وامتيازاته وسلطته، يعمل على وضع السياسات والاستراتيجيات والمخططات والمشاريع التي من شأنها أن تحفظ وجوده ومكانته وتعزز سلطته وأدواره في المجتمع، وخصوصا تلك التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع والدولة أو السلطة، والتي تضمن الاستقرار أمدا من الزمان، بخضوع الناس لها رغبة أو رهبة، خصوصا في ظل حضور عوامل أخرى -كالجهل والفقر- تجعل الناس رعية يقودها الحاكم/النظام ويوجهها حيث يشاء.

كما تعمل النخب والمؤسسات السياسية الحزبية والحركات المجتمعية والقيادات الشعبية على تعزيز مكانتها وإثبات وجودها والدفاع عن مصالحها ومصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها، والتي تتعارض أحيانا كثيرة مع سياسات واستراتيجيات ومشاريع الحاكم أو النظام السياسي.

وقد يحدث أن تتشكل بوادر ثورة لإحداث تغيرات جذرية وعميقة في حياة المجتمع، وهي ثورة وإن كانت في ظاهرها طارئة وفجائية إلا أنها في عمقها نتيجة تنامي الوعي المجتمعي لدى تلك النخب والمؤسسات التي تعمل على توجيه وتوظيف الاحتقان الاجتماعي لإطلاق انتفاضة واحتجاجات عارمة، قصد التخلص من النظام الحاكم، أو الحد من سلطاته والتأثير في سياساته، مثل ما شهده العالم العربي في بداية العشرية الثانية من هذا القرن (ابتداء من 2011م)، بعد “ثورة الياسمين” بتونس “الخضراء” التي أطلقت شرارة الاحتجاجات لتمتد إلى عدد من البلدان العربية، أفضت إلى تغيير بعض الأنظمة السياسية، وتغيير عدد من الدساتير والقوانين.

كما أن الحروب التي تقوم غالبا لأسباب سياسية لها الأثر الكبير في إحداث التغير الاجتماعي سواء كان هذا التغير سلبياً أم إيجابيًا، وأبرز مثال على ذلك التغيرات الاجتماعية الكبيرة كما وكيفا التي عرفها العالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، والتي أفرزت ظواهر اجتماعية جديدة كتغير وظائف المرأة وانعكاسه على وضعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، حيث انفتحت على كثير من الواجهات والمناصب التي كانت حكرا على الرجال، وما نتج عن ذلك من تغيرات وتحولات في العلاقات الأسرية والاجتماعية كما سيأتي بيانه عند الحديث عن مظاهر التغيرات.

  • العوامل الطبيعية: البيولوجية، والبيئية، والديموغرافية

إذا كانت العوامل السابقة تتعلق بوجود الإنسان الفكري، وتمثلاته وتصوراته للحياة والواقع والمستقبل، فإن هذه العوامل تتعلق بوجوده المادي المتميز بالتغيُّر والتبدل والتحول من حالة إلى أخرى كما تم بيانه في حتمية التغير.

وليس يعني الاعتراف بمادية الإنسان وحاجاته البيولوجية الإقرار بما ذهب إلى ذلك بعض الفلاسفة من إنكار الجانب الروحي[19]، لأن وجود الإنسان واستمراره متوقف على اعتبار جوانبه المادية والروحية معا، فبقدر حاجته البيولوجية/المادية إلى الغداء واللباس والراحة للمحافظة على جسمه، يحتاج إلى الإيمان والحب والإخلاص والأمل وهي غداء أساسي للروح.

وشخصية الإنسان وحاجاته تتغير بتغير جنسه ومراحله العمرية، فشخصية الطفل وحاجاته العضوية وميولاته العاطفية تختلف عن شخصية البالغ وحاجاته وميولاته، وهما معا يختلفان عن حاجات الإنسان وميولاته في المراحل اللاحقة، وشخصية الأنثى في مختلف المراحل العمرية تختلف عن شخصية الذكر، بسبب الاختلافات الطبيعية، وكل تغير من هذه التغيرات له آثار على الحياة الخاصة للأفراد وعلى الحياة العامة، تفضي مع الزمن إلى تغيرات أخرى، بما يجعل الإنسان في تغير مادي مستمر.

ولا شك أن العوامل البيئية المتعددة والمتداخلة كالمناخ، والموقع الجغرافي، وطبيعة المصادر والموارد الطبيعة، والكوارث الطبيعية وغيرها لها بالغ الأثر في التغيرات الاجتماعية وفي حياة الناس، سواء في الاتجاه الإيجابي التطوري، كما حدث في الدول التي ظهر فيها البترول حيث شهدت تغيرا تقدميا ملموسا، أو في الاتجاه السلبي التقهقري، كما يحدث في حالة الكوارث الطبيعية كالزلازل أو البراكين أو الفيضانات التي قد تؤدي إلى زوال مجتمعات بأسرها، فالبيئة تحدث أثرا كبيرا في تطور الحياة الاجتماعية ونظمها، خصوصا حين ترتبط ارتباطا وثيقا بالجهد الإنساني[20].

كما أن للنمو الديموغرافي المتزايد والمستمر، وما يفرضه من وجود مجتمعات بشرية مختلفة ومتعددة وممتدة في الزمان والمكان أثر كذلك في تغيرات كثيرة في تصورات الإنسان وسلوكاته، وفي بدنه وأخلاقه، وما يرتبط بذلك من تغير وتقدم، كما يؤكد ابن خلدون في المقدمة الخامسة من كتاب العمران البشري، والتي وسمها بـ “اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم”[21].

ولأن الإنسان كائن اجتماعيا أو مدني بطبعه بتعبير ابن خلدون[22]، فإنه يحتاج إلى غيره ويتفاعل معه بالضرورة، كما يتفاعل مع البيئة والمحيط ويتأثر به ويؤثر فيه، فانتقاله من مجتمعه الأصلي إلى مجتمع آخر بحثا عن الموارد أو هروبا من الكوارث أو القهر الاجتماعي أو السياسي ينتج عنه غالبا تغيرات متعددة في المعتقدات والتصورات والثقافات بسلطة الواقع الجديد الذي يعيش فيه، في إطار عمليات الاتصال وإعادة الاتصال التي تزيد من معدلات التغير ومستوياته على مستوى الأفراد والمجتمعات.

  • العوامل الاقتصادية:

وهي كذلك عوامل كثيرة حيث تشمل جميع النواحي المادية التي تحيط بالمجتمع، ويدخل فيها موارد الطاقة والمواد الأولية، ورأس المال، ونظام الملكية السائدة في المجتمع، وشكل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتصنيع وغير ذلك مما له دور هام في إحداث ظاهرة التغير الاجتماعي.

لكن هذه العوامل على تعددها وتنوعها وأهميتها في إحداث تغيرات في السلوك الإنساني والنظام الاجتماعي والعمليات الاجتماعية، وما ينتج عنها من مشكلات اقتصادية، ليست هي الوحيدة المسببة لتلك التغيرات والحاسمة فيها -كما تذهب إلى ذلك الماركسية التي تجعل طريقة الإنتاج في الحياة المادية تتحكم في الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، وتحدد الصفة العامة لأسلوب الحياة من النواحي الاجتماعية والسياسية والروحية-، بل إنها عوامل ضمن أخرى كثيرة تتحكم في التغير وتوجهه، وفي مقدمتها العوامل السابقة كالبيئة الفيزيقية والتغيرات الديمغرافية والاتصال الثقافي وغيرها مما يتفاعل ويتداخل معها لإحداث التغير في المجتمع[23].

  • العوامل التكنولوجية:

ويقصد بالعوامل التكنولوجية ما تشهده المجتمعات الإنسانية من الاختراعات والابتكارات والتقدم والتطور في وسائل الاتصال والنقل والتي تحدث تغييرا كبيرا ينعكس على أحوال الناس ومستويات عيشهم ورفاهيتهم، وتواصلهم فيما بين بعضهم البعض، وبينهم وبين الشعوب والمجتمعات الأخرى.

ولأهمية وخطورة العوامل التكنولوجية فإن هناك من يعتبر أن معظم التغيرات الاجتماعية ليست ناتجة عن تغير في العمل أو في الدولة، ولكن نتيجة للتغيرات التكنولوجية، كما يعتبر أنه باستمرار التغير التكنولوجي يستمر التغير الاجتماعي، فهو ينتج اضطرابا مستمرا في المجتمع، “فالتغير التكنولوجي لا يقلب السكان فقط رأسا على عقب، وإنما يغير حياتهم الاجتماعية”[24].

وإذا كان التغيير الطارئ ممكنا بفعل عامل من العوامل السالفة الذكر فإنه بتضافر أكثر من عامل أدعى إلى حصوله، فالظلم والقهر الاجتماعيين، والتسلط والاستبداد السياسيين، والاحتكار والريع الاقتصاديين، والجهل والتبعية الفكريين، وغير ذلك من العوامل مجتمعة لا محالة محدثة لتغيير أكبر وأشمل خصوصا في ظل تطور العامل التكنولوجي وتدخله في كل ما سبق.

المبحث الرابع: مظاهر التغيرات الاجتماعية الإيجابية والسلبية

لقد سبق في تحديد مفهوم التغيرات القول بأنه يتميز عن غيره من المفاهيم بكونه يشمل الانتقال من حال إلى حال سواء كان اتجاه هذا التغير إيجابيا أو سلبيا، تقدما وتطورا ونموا أو تخلفا ونكوصا، وبناء عليه فإن التغيرات عموما تحمل في طياتها نوعين من المظاهر أولاها مظاهر إيجابية، وثانيها مظاهر سلبية.

وهو ما نبينه فيما يأتي:

أولا: مظاهر التغيرات الاجتماعية الإيجابية:

تتعدد مظاهر التغيرات الاجتماعية الإيجابية في مختلف الأزمنة والأمكنة، حتى إنها تصل أحيانا إلى حد لا يمكن معه حتى حصر المتغيرات كما وكيفا، لكن برغم تعددها وتشعبها وتداخلها، فإنه يمكننا أن نجمل أهم التغيرات الاجتماعية الإيجابية فيما يلي:

  • تحسين الأوضاع المعيشية، وتطور مستوى الرفاهية، وتحسين الأدوار الاجتماعية:

يشمل الحديث هنا الجانب الاجتماعي الذي نقيم فيه المؤسسات والعلاقات والأدوار الاجتماعية، والجانب الاقتصادي الذي نقيس فيه دخل الفرد، وحجم التوظيف والاستثمار، والاستقرار الاقتصادي، والحَوْكمة[25]، كما يشمل البنية التحتية، ومستويات مجالات الصحة، والتربية والتعليم، وغيرها.

فقد عرفت حياة الناس تغيرا في المؤسسات الاجتماعية وعلى رأسها الأسرة، سواء من حيث حجمها ووظائفها، حيث تم الانتقال بالتدرج من الأسرة الكبيرة الى الأسرة الصغيرة المستقلة اجتماعيا واقتصاديا، أو من حيث المراكز الاجتماعية لأفرادها، حيث خرجت المرأة مثلا والتي كانت حبيسة البيت إلى مجتمع العمل والإنتاج، وغيرت بذلك كثيرا من مواقعها، كما غيرت عددا من الأفكار والتصورات عن وظائفها، بل إنها غيرت نظريات اجتماعية كانت قائمة ومتحكمة.

وعرفت حياة الناس كذلك تغيرات في وسائل ومستوى العيش وحجم الاستفادة من الطاقات والآلات الحديثة وخصوصا في البوادي والقرى والأرياف، كاستعمال الغاز بدل الحطب في الطهي وغيره، واستخدام الكهرباء عوض الغاز في الإنارة وغيرها، واستعمال الآلات في الفلاحة والزراعة والإنتاج الاقتصادي عموما بدل الاقتصار على الجهد البشري فقط، بل وحتى في الأعمال المنزلية واليدوية عموما، وكذا انتشار وسائل الترفيه والتثقيف.

كما عرفت الحياة الإنسانية تغيرات أخرى كثيرة في مجال التربية والتعليم حيث تم توظيف التكنولوجيات في البحث العلمي والتعليم عن بعد كما سيأتي، وفي مجال الصحة حيث تم تطور البرامج الصحية والسياسات الاستراتيجية المرتبطة بها، والنظام الصحي العلاجي والوقائي، وغيرها من التغيرات الإيجابية على مستويات العيش ومجالاتها ومظاهرها، سواء المتعلقة بحياة الأفراد أو المجتمعات.

  • تطور مجال التكنولوجيات الحديثة، والثورة المعلوماتية والمعرفية:

لقد شهد العالم بالأمس القريب، ويشهد اليوم بوثيرة متسارعة جدا تقدما تكنولوجيا هائلا في كافة المجالات، حتى أصبحت التطبيقات التكنولوجية عصب الحياة الذي لا يمكن الاستغناء عنه، لما لها من مميزات، ولما تتيحه من إمكانيات، فظهور الحواسيب والمكننة والروبوتات على اختلاف أحجامها وأشكالها وسعتها وبرامجها ونظم تشغيلها، وكذا تطور استعمال الأقمار الصناعية، وظهور الأنترنيت والإعلام الرقمي، كل ذلك ساهم بشكل كبير في بروز تغيرات كثيرة جدا في حياة الناس أفرادا وجماعات.

كما ساهمت هذه التطورات التكنولوجية في إحداث ثورة معلوماتية ومعرفية بفضل التقنيات المختلفة التي تجعل بإمكان الإنسان القيام بالكثير من العمليات في آنٍ واحد مما يوفر عليه الوقت والجهد، ويجعل من مهمة التربية والتعليم ونقل الخبرات والعلوم والمعارف والإنتاج الفكري أمرا في غاية البساطة واليسر، خصوصا مع تطور فنون الطباعة والنشر الإلكتروني، وظهور وتطور التعليم عن بعد باستخدام التكنولوجيات والتطبيقات الرقمية، حيث المسافة بين المعلومة والإنسان باتت قريبة جدا بقدر قربه من هذه التطبيقات وقدرته على استخدامها والاستفادة من خدماتها التي تتطور يوما عن يوم، في وقت يقاس فيه الوصول إلى المعلومة بالدقائق والثواني.

  • الطفرة النوعية في وسائل الاتصال والتواصل:

مع تطور التكنولوجيات الحديثة بعد ظهور الحواسيب والهواتف النقالة الذكية شهدت حياة الناس والمجتمعات تطورا كبيرا وتحولا هائلا خصوصا في مجال الاتصال والتواصل، في ظل ما أصبحت تتيحه من إمكانيات وخدمات، حيث أصبح جزءا لا يتجزأ من الأنشطة اليومية للأفراد، خصوصا مع ظهور وانتشار وتعدد الوسائط الإلكترونية، والمواقع التواصلية الاجتماعية، والتطبيقات الرقمية المختلفة، وما يتيحه كل ذلك من تمتين الروابط الاجتماعية التقليدية، وبناء علاقات اجتماعية جديدة تتجاوز حدود الزمان والمكان، بل وحتى تنظيم وتسهيل وتنشيط التواصل الاقتصادي والسياسي، وبناء العلاقات على مستوى الشركات والمؤسسات والدول، وإن كانت لها تأثيرات سلبية كثيرة يأتي ذكرها في النقطة الثانية.

  • تطور الاستثمار في مجال الإعلام والإنتاج والخدمات الإلكترونية:

لقد أدى تطور استخدام التكنولوجيات الحديثة إلى بروز معاملات جديدة تجاوزت المجال المعرفي والتواصلي الاجتماعي، إلى المجال الاقتصادي، حيث ظهرت أنواع جديدة من الاستثمار في مجال الإعلام والخدمات والأعمال الإلكترونية، يكفي فيها الإنسان وجود حاسوب أو حتى هاتف مع اتصال بالشبكة، ليكون مستثمرا، وصاحب شركة قانونية لها رأس مال وعمال وأرباح، بل وظهرت مقاولات وشركات للتسويق الإلكتروني، وشركات لخدمات التصميم والجرافيك، وشركات أخرى للدعاية والتسويق، كل يستفيد ويربح بقدر وحجم الخدمة التي يقدمها والدور الذي يؤديه.

وكلما ازدادت قدرة الإنسان على استخدام تلك التكنولوجيات وتسخيرها ازدادت قدرته على التحكم والسيطرة على الاستثمار، حتى إن شركات كبرى أصبحت مسيطرة على حجم كبير من المبادلات والمعاملات المالية، بل ووصلت سلطتها إلى مجال السياسة، حيث تتدخل بطبيعة توجهها وإيديولوجيات ملاكها، أو بطلب مؤدى عنه، في نشر سياسة أو ضربها، فبات عدد كبير من السياسيين في مناصب ومستويات عليا واقعين تحت سلطتها، ويعملون لتسخيرها لصالحهم، ومن أهم هذه الشركات شركات التواصل الاجتماعي “فايس بوك”، و”تويتر”، و”وواتساب” وغيرها، وكذلك شركات ومؤسسات الإنتاج الإعلامي باعتبارها وسيلة للدعاية والتسويق، تعمل النخب والمؤسسات إلى فرض سيطرتها عليها والتحكم فيها، وتسخر من أجل ذلك كامل جهودها ووسائلها ومواردها.

ثانيا: مظاهر التغيرات الاجتماعية السلبية:

إن التغيرات الاجتماعية رغم ما فيها من إيجابيات تبرز أهميتها وضرورتها في الحياة الإنسانية الفردية والجماعية، إلا أنها لا تخلو من مظاهر سلبية، يمكن إجمالها فيما يلي:

  • ضعف الخصوصيات والهويات وهجوم الثقافات الدخيلة:

تشكل المعتقدات الدينية والخصوصيات الثقافية أساس هوية الإنسان وجوهره، وعليها تبنى المجتمعات، وهي سبيل بقائها، والضامن لاستقرارها واستمرارها، وقد باتت مهددة في ظل انفتاح الإنسان على الوسائل الجديدة والتكنولوجيا الحديثة وتسخيرها لخدمته والاستفادة منها، حيث تغزوه في المقابل ثقافات أخرى، كما تغزوه السلع المتنوعة والمختلفة، في إطار العولمة، وانتشار مذهب التبادل الحر واقتصاد السوق، وفي ظل الثورة المعلوماتية والطفرة النوعية في مجال الاتصالات.

وقد أثبتت التجربة أن العولمة الثقافية والتكنولوجية الغرض منها فرض قيم الغالب المسيطر، وبسط نفوذه وسلطته، خصوصا وأنه يسعى جاهدا إلى منع عولمة العلم والخبرة والتجربة، لأنه يريد عالما تابعا لا منافسا، لعلمه أن “المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وسائر أحواله وعوائده”[26].

  • ضعف القيم وانحلال الأخلاق

إن التغيرات التي تشهدها الحياة الإنسانية وما ينتج عنها من علاقات، في ظل ميل الإنسان إلى الوسائل والتقنيات التكنولوجية الحديثة على حساب الوسائل التقليدية يجعله يفقد بشكل متدرج عددا من القيم الأخلاقية والإنسانية الأصيلة، ويحل محلها بالتدرج كذلك قيم أخرى بمفاهيم جديدة، كما يزيد جهله وسوء استخدامه لهذه الوسائل والتقنيات من ضعف القيم وانحلال الأخلاق.

فالتعاون والتضامن وهما من أسمى القيم الإنسانية والاجتماعية يضعفان شيئا فشيئا حين يميل الإنسان إلى الأنانية والفردانية، وحين تنتشر اللامبالاة، ويضعف التناصح حين يُعد تدخلا في خصوصيات الغير، وحشرا للنفس فيما لا يعنيها، كما تضعف العفة ويضعف الحياء حين تنتشر الدعاية للممارسات الهابطة، المنافية للأدب والأخلاق، كالعلاقات الرضائية بين الجنسين، والمثلية التي يتم الترويج لها تحت مسمى التطور والانفتاح والحرية، وغير ذلك مما تشيعه منظمات ومؤسسات عالمية عبر حملات إعلامية مدعومة وموجهة.

  • ضعف الروابط الاجتماعية والأسرية

إن التشتت والتمزق الذي أصاب الأمم والمجتمعات، بفعل التغيرات التي يعرفها، وفي ظل التطور التكنولوجي والعولمة، وظهور الثقافات الغالبة، امتد ليصل إلى المجتمعات المصغرة القبلية والعشائرية بل والأسرية، حيث أفضى استخدام الوسائل والتقنيات الحديثة إلى التباعد الوجداني والواقعي، وإحداث نوع من القطيعة مع الواقع والمحيط، وفقدان الانتماء إلى الجسد الواحد، والذات الواحدة، فضعفت الأواصر والروابط الاجتماعية، واستعاض الناس عن الزيارات واللقاءات الاجتماعية بين أفراد العائلة بالمكالمات والمراسلات خصوصا بعد إضافة خاصيات التناظر المرئي، بل وأصبح كل فرد من أفراد الأسرة حبيس عالمه الخاص، يقضي الأوقات الطويلة مع حاسوبه وهاتفه منشغلا بها عن كل شيء حوله تقريبا.

ومع تنامي هذه الظاهرة المقلقة، أصبح الاستخدام المفرط للأنترنيت يصنف ضمن الأمراض النفسية، فيما يطلق عليه الإدمان الإلكتروني أو السيبراني، الذي يجعل الإنسان منطويا على ذاته ومنعزلا في عالمه الخاص.

خاتمة:

إن الدارس للتغيرات الاجتماعية على امتداد الزمان والمكان يخلص إلى أنها تغيرات طبيعية وحتمية ترتبط بتغيرات سابقة، وعوامل متداخلة، تتأثر وتؤثر سلبا وإيجابا في الحياة الإنسانية الفردية والجماعية، وهو ما أبينه من خلال الخلاصات التالية:

  • التغيرات الاجتماعية حتمية تاريخية، وضرورة إنسانية ممتدة عبر الزمان والمكان، تتميز بالتبدل والتجدد المستمر والمتسارع، في جميع المجالات، وفي مختلف المستويات.
  • تتعدد عوامل التغيرات الاجتماعية، حيث تتداخل العوامل الإيديولوجيةوالفكرية والثقافية، بالعوامل السياسية وما ينتج عنها من ثورات وحروب، وبالعوامل الطبيعية: البيولوجية، والبيئية، والديموغرافية، كما تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والعوامل التكنولوجية.
  • تمس التغيرات في مختلف مستوياتها ومجالاتها الإنسان الفرد في عقله وفكره، وأخلاقه وقيمه، وينعكس كل ذلك على سلوكه وتصرفاته، باعتباره فاعلا بدوره ومتأثرا بتلك التغيرات.
  • تؤثر التغيرات على الفرد والمجتمع إيجابا على مستوى تحسن الأوضاع المعيشية، وتطور مستوى الرفاهية، وتحسين الأدوار الاجتماعية، والتطور الهائل في مجال التكنولوجيات الحديثة.
  • يتأثر الإنسان كما تتأثر المجتمعات سلبا بفعل التغيرات على مستوى ضعف الخصوصيات وهجوم الثقافات الدخيلة، وضعف القيم، والروابط الاجتماعية والأسرية، وانتشار الانحرافات والجرائم.

توصية:

نقترح في إطار استكمال دراسة التغيرات الاجتماعية المستمرة والمتجددة، معالجتها في إطار الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على كل تغير على حدة، سواء في حق الأفراد أو المؤسسات، تحقيقا للمنافع ودفعا للمضار.

 

لائحة المصادر والمراجع:

  • ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، بيروت، ط1، 2004م.
  • ابن منظور محمد بن مكرم، لسان العرب، دار احياء التراث العربي، بيروت، ط3، 1999م.
  • الخشاب، أحمد: التغير الاجتماعي، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، د.ط، 1971م.
  • استيتة، دلال ملحس، التغير الاجتماعي والثقافي، دار وائل، عمان، ط2، 2008م.
  • بدوي أحمد زكي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، انجليزي فرنسي عربي، مكتبة لبنان ساحة رياض الصلح، بيروت، د.ط، 1982م.
  • الجرجاني، علي بن محمد السيد الشريف، التعريفات، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1427هـ/2006م.
  • الجهني، مانع بن حماد، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط4، 1420 هـ.
  • الدقس، محمد، التغير الاجتماعي بين النظرية والتطبيق، دار المجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، د.ط، 1987م.
  • الطنوبي، محمد عمر، التغير الاجتماعي، منشأة المعارف بالإسكندرية، جامعة الإسكندرية ج.م.ع، جامعة عمر المختار ليبيا، د.ط، 1996م.
  • العسل، إبراهيم، الأسس النظرية والأساليب التطبيقية في علم الاجتماع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، د.ط، 1997م.
  • غيث محمد عاطف، التغير الاجتماعي والتخطيط، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1966م.
  • كالهون، كريغ، قوة الدين المتعددة، كتاب قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، ط1، 2013م.
  • وولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الثقافة للنشر والتوزيع، د.ط، 1984م.

 


[1]– ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ط:3، دار احياء التراث العربي، بيروت 1999م. مادة: (غ ي ر).

[2]– الجرجاني، علي بن محمد السيد الشريف، التعريفات، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط:1، 1427هـ/2006م.ص 108.

[3]– الدقس، محمد، التغير الاجتماعي بين النظرية والتطبيق، دار المجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، 1987م، ص 15.

[4]– الطنوبي، محمد عمر، التغير الاجتماعي، منشأة المعارف بالإسكندرية، جامعة الإسكندرية ج.م.ع، جامعة عمر المختار ليبيا، 1996م، ص 52.

[5] – العسل، إبراهيم، الأسس النظرية والأساليب التطبيقية في علم الاجتماع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1997، ص 75.

[6] – غيث محمد عاطف، التغير الاجتماعي والتخطيط، دار المعارف ط 2 القاهرة، 1966م، ص 25.

[7] – بدوي، أحمد زكي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، انجليزي فرنسي عربي، مكتبة لبنان ساحة رياض الصلح، بيروت، 1982م، ص 38.

[8] – الطنوبي، التغير الاجتماعي، م س، ص 52.

[9] – فيلسوف يوناني تأثر بأفكاره كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو، ترتكز فلسفته على إثبات تغير الوجود ودحض ثباته.

[10] – كتب سامي النشار، ومحمد علي أبو ريان، وعبده الراجحي، كتابا وسموه بـ: “هيراقليطس فيلسوف التغير وأثره في الفكر الفلسفي”، المكتبة الفلسفية، القاهرة، دار المعارف، 1969 م، ط: 1.

[11] – ينظر: وولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، 1984 م، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص: 70.

[12] – أحمد الخشاب: التغير الاجتماعي، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، د.ط، 1971م، ص 6.

[13] – أعلن ابن خلدون في مقدمته عن ريادته في دراسة الظواهر الاجتماعية، وتفصيله “في أولية الأجيال والدول، وتعاصر الأمم الأول، وأسباب التصرف والحِوَل (التحول والتغير)، في القرون الخالية والملل، وما يعرض في العمران من دولة وملة، ومدينة وحَلَّة (محلة أقل من المدينة)، وعزة وذلة، وكثرة وقلة، وعلم وصناعة”. ينظر: ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، بيروت، ط1، 2004م، 1/ 116.

[14] – ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، م س، 1/ 116.

[15] – ينظر: استيتة، دلال ملحس، التغير الاجتماعي والثقافي، دار وائل، عمان، ط2، 2008م، ص 60.

[16]–  كالهون، كريغ، قوة الدين المتعددة، كتاب قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، ط1، 2013م، ص 181.

[17]–  استيتة، دلال ملحس، التغير الاجتماعي والثقافي، م س، ص 50.

[18] – ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، م س، 1/ 116.

[19]–  فقد “استمد ماركس من نظرية داروين مادية الإنسان وجعل مطلبه في الحياة ينحصر في الحصول على الغذاء والسكن والجنس مهملاً بذلك جميع العوامل الروحية لديه”. ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، إشراف وتخطيط ومراجعة: د. مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط4، 1420 هـ، 2/928.

[20] -ينظر: استيتة، دلال ملحس، التغير الاجتماعي والثقافي، م س، ص 46-47.

[21] – ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، م س، 1/ 137.

[22] – يقول ابن خلدون: ” الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران”، المرجع السابق، 1/ 196.

[23] -ينظر: استيتة، دلال ملحس، التغير الاجتماعي والثقافي، م س، ص 46.

[24]– استيتة، دلال ملحس، التغير الاجتماعي والثقافي، م س، ص 58.

[25]– الحَوْكمة هي مجموع القوانين والتشريعات والنظم والقرارات التي تحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية في الشركات (أعضاء مجلس الإدارة، الإدارة التنفيذية، المساهمين، إلخ) بهدف تحقيق الجودة والتميز في الأداء.

[26]– وقد جعل هذه القولة عنوانا للفصل الثالث والعشرون من الفصل الثاني. ينظر: ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار الكتاب العربي، بيروت، ط5، د.ت. ص 147. XeltovoPrime

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2