بين مواطنة الدار ومواطنة الإيمان: في تجاوز الفقه السياسي لمأزق المواطنة في الدولة الحديثة
. خالد العسري / * باحث مغربي مهتم بالفكر الإسلامي، حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسة.
ملخص:
تطورت الدولة-الأمة بشكل متدرج وطبيعي في النسق السياسي الغربي، لكن ولادتها في العالم الإسلامي كانت ولادة قيصرية، وإحدى التعبيرات المهمة عن لحظات مفصلية من الانتكاس التاريخي الذي نقض غزل دار الإسلام من بعد قوة أنكاثا، حتى صار عنوانه التجزئة والتفتيت وفق خارطة حدود حلت بديلا عن وحدة “دار الإسلام” التي تعترف بهوية المواطن العقدية ونسبته إلى الأمة، عوض الولاء إلى جغرافيا الدولة القومية التي يحمل المواطن جنسيتها.
أمام مفارقة الانتماء إلى الأمة أو إلى التراب الوطني تشكلت – ولا تزال – في الفقه والفكر السياسيين الإسلاميين مقاربات ومواقف عدة بينها برازخ فاصلة، ولكل اجتهاد مقدماته ومسلماته ومرجعياته وفرضياته وقضاياه وأساليبه، وتبذل هذه الدراسة جهدها لتتجاوز التوصيف إلى مطمح إعادة تقليب النظر في إمكانات تجاوز هذا الإشكال الشائك العالق في الفقه السياسي الإسلامي من خلال رؤية تجمع بين التأصيل والتحديث، وذلك بوضع مفهوم المواطنة ذاته في سياقات ثلاثة تتكامل ولا تتناقض: مواطنة الدار والإيمان، ومواطنة الإيمان، ثم مواطنة الدار.
الكلمات المفتاح: المواطنة، الدولة-الأمة، الأمة، الشعب، الدين، دار الإسلام.
Abstract:
While the emergence and evolution of the nation-state in the West was gradual and natural, the birth of its Islamic counterpart underwent a Cesarean operation. In the Arab-Islamic world, the emergence of the nation-state was one of the significant expressions of the historical setback and fragmentation that inflicted the ummah, whereby loyalty to the geography of the state came to replace loyalty to the creed of the Islamic nation.In response to the paradox of belonging to the nation or to the national territory, divergent approaches and stances have taken shape in Islamic jurisprudence and political thought, each advancing its premises, postulates, references, hypotheses, issues and methods. This study aspires to transcend this dilemma in Islamic political jurisprudence by undertaking an approach that combines tradition and modernization, and by placing the concept of citizenship itself in three contexts that complement each other: citizenship at home and faith, citizenship in faith, and citizenship at home.
Keywords: citizenship, the nation-state, the nation, religion, the house of Islam.
֍֍֍֍֍
Loading…
تمهيد إشكالي:
لا تمثل المواطنة ارتباطا وجدانيا ببلد النشأة فقط، بل هي وضعية قانونية نشأت عن عقد اجتماعي يحدد العلاقة بين الدولة والمواطنين، ويضمن لمواطني تلك الدولة التي يحملون جنسيتها حقوقا كما يرتب عليهم واجبات على قدم المساواة بمعزل عن الاعتبار بطبيعة الانتماء الديني لكل الأفراد، في حين أن الفقه السياسي الإسلامي يبدو مستعصيا على تقبل مثل هذه الوضعية إلا اضطرارا، حيث رسخ في وعيه أن الانتماء يكون إلى الأمة بامتداداتها العقدية لا إلى الدولة الحديثة التي لها سيادتها على مواطنيها داخل جغرافيتها الإقليمية، فهل تحصل المواطنة حقيقة بمعيار الانتماء إلى وطن مشترك أم بمعيار الانتماء العقدي لأمة واحدة؟
نسعى إلى الإجابة عن هذا الإشكال من خلال أربعة مباحث.
المبحث الأول: المواطنة أو الانتماء إلى الدولة-الأمة
أفضت معاهدة وستفاليا[1] سنة 1648م إلى وضع تصور جديد للعلاقات الدولية في أوربا الوسطى مبنية على مبدأ الاعتراف بسيادة الدول كأداة لتحقيق استقرار نظام الدولة الوطنية. وهو ما شكل بداية تحولات لاحقة تم فيها الاعتراف بالسيادة للدولة القومية في القانون الدولي، و”تقدم السيادة في هذه الحالة كشهادة ميلاد الدولة، وتستعمل على أساس اكتساب الوضعية الدولية شريطة الاعتراف بحقوق وواجبات باقي الدول في العلاقات الدولية”[2].
تتمتع الدولة بالشخصية المعنوية، وهو ما يرمي إلى تثبيت معطى استمرارية الدولة بمعزل عن اختفاء الأشخاص الذاتيين الذين يمثلونها. وتتكون من أركان تقليدية ثلاثة: الشعب، والإقليم، والسلطة السياسية. ويختلف شكلها ما بين دولة موحدة بسيطة، ودولة فيدرالية مركبة.
اعتمد مفهوم السيادة في منطلقه لتفسير الطبيعة المرجعية التي تمنح للسلطة مشروعية الحكم، أما توظيفها في تفسير العلاقات مع باقي الدول فكان ثانويا، “لكن ما كان عرضا أصبح محددا رئيسيا لتعريف السيادة: فمن مصطلح يهدف إلى تفسير تنظيم مجتمع إنساني من خلال سلطة معيارية مستقلة، أصبحت السيادة مصطلحا يهدف إلى تفسير تنظيم المشهد الدولي”[3].
يتجاوز الاعتراف بسيادة الدولة وظيفة ترسيم العلاقات الدولية على قاعدة المساواة بين الدول الأعضاء كما نص على ذلك ميثاق الأمم المتحدة[4]؛ “بل هو في نظر العديد من الدول والشعوب اعتراف أيضا بمساواتهم وكرامتهم، وحماية لهويتهم الخاصة وحريتهم الوطنية، وتأكيد لحقهم في صياغة وتحديد مصيرهم بأنفسهم”[5]، لذلك كان من دلالات المساواة في السيادة في القانون الدولي[6]:
- كل الدول متساوية قانونا؛
- تتمتع كل دولة بالحقوق التي تتأتى عن السيادة الكاملة؛
- كل دولة مجبرة على احترام واقع الكيان القانوني الذي تتمتع به الدول الأخرى؛
- يمنع خرق سلامة أراضي دولة ما واستقلالها السياسي؛
- تملك كل دولة حق حرية اختيار وتطوير أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛
- كل دولة مجبرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية بالكامل، وعلى العيش بسلام مع الدول الأخرى.
لقد تشكلت الدولة القومية الحديثة في العالم عبر موجات أربع خلال قرنين من الزمن، وقد كانت البداية مع تشكل الجمهوريات المستقلة في الأمريكتين أواخر القرن الثامن عشر، ثم تفكك الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، ثم بروز الدول ما بعد التحرير وتحقق الاستقلال عن الإمبراطوريات الأوربية المنهارة، وأخيرا تشكل دول قومية جديدة ناشئة عن انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية العقد الأخير من القرن الماضي.
يتعلق ما أوردناه سابقا بمفهوم سيادة الدولة مقابل باقي الدول في المنتظم الدولي، وهو موضوع يدخل ضمن اهتمامات القانون الدولي. لكن السيادة لها دلالة أخرى تتعلق بالسيادة داخل الدولة، وموضوعها يخل ضمن اهتمامات القانون الدستوري. ورغم أن الاحتفاظ بنفس المفهوم للدلالة على موضوعين مختلفين قد يكون مدعاة للخلط، لكنه في العمق لا يعبر إلا عن سيادة واحدة ذات وجهين داخل “الدولة القومية” أو “الدولة الوطنية” أو بصيغة أكثر دقة الدولة-الأمة (Nation-state)؛ بما أن مصدر السيادة داخل الدولة يعود إلى الأمة التي تختار من يمثلها في الديمقراطيات التمثيلية، وهذه السلطة ذاتها هي من يمثل سيادة الدولة في المجتمع الدولي.
لكن ما الذي يمنح حس الانتماء المشترك للأفراد في الدولة-الأمة؟ ما الذي يشكل هوية الأمة داخل الدولة الحديثة؟ يشكل هوية الأمة حسب الفقيه الدستوري الفرنسي “ليون دوغي” “وجود وعي مشترك، أو بتعبير جون جاك روسو وجود أنا مشتركة، بالإضافة إلى استكمال تحقيق مثال (idéal) مشترك في ارتباط بإقليم معين”[7].
ينتج الانتماء إلى الأمة في الدولة القومية عن ارتباط مزدوج: فهو تعبير عن هوية ترابية لها سيادة مستقلة عن باقي الهويات الترابية، كما أنه تعبير عن مسلسل مقاومات تاريخية خاضها أبناء شعب معين رسخت لديه وعيا مشتركا، وتجانسا ثقافيا مستقلا عن باقي الشعوب.
تعمل كل دولة بعد تشكلها على ترسيخ حس هذا الانتماء المزدوج إلى التراب والأمة من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية (المدرسة، الإعلام، الإدارة…)، وتتخذ العديد من الرموز للتعبير عن هذا الانتماء، والتي تصبح إرثا تتناقله الأجيال المتلاحقة: العَلَم، والنشيد الوطني، والأعياد الوطنية… والتي تسهم جميعها في بناء وعي موحد، وحس انتماء مشترك.
من المؤكد أن تشكل الأمة، وتشكل الدولة، وتشكل الدولة-الأمة في النسق السياسي الغربي تطور فلسفيا بشكل هادئ ومتدرج مع تحولات كبرى، واتخذ عقودا متطاولة من الزمن ليستوي على بنية كان من مرتكزاتها الأساسية رباعية[8]:
- أولا: أصبحت السيادة تمثلها حكومة مركزية انفصلت بشكل عام عن باقي المؤسسات الاجتماعية الأخرى مثل الكنيسة، وأصبحت تحتكر السلطة السياسية باحتكارها وسائل العنف المادي سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
- ثانيا: طورت الدولة القومية الحديثة درجة من التماسك ووحدة الهوية بين الساكنة. وقد شكل ذلك ملمحا مهما في التمييز بين طبيعة الولاء الذي كان في الماضي للملك أو الأمير؛ ثم تحول إلى الدولة وبنياتها الحكومية.
- ثالثا: سرعت الدولة القومية في ظهور بنية اجتماعية جديدة بديلة عن منظومات اللوردات التقليدية، حيث برزت منظومة اجتماعية متعددة ومركبة مع صعود الطبقة الوسطى.
- رابعا: تجانس كيان الدولة القومية بين جغرافيتها الإقليمية التي تتشكل حدودها عادة من حدود طبعية، وساكنة تتقاسم نفس القيم والمعايير الثقافية واللغوية والدينية.
مقابل هذا التطور المتدرج والطبيعي للدولة القومية في النسق السياسي الغربي فقد كانت ولادتها في جغرافيا العالم الإسلامي ولادة قيصرية، وإحدى التعبيرات المهمة عن لحظات مفصلية من الانتكاس التاريخي الذي نقض غزل “دار الإسلام” من بعد قوة أنكاثا، حتى صار عنوانه التجزئة والتفتيت وفق خارطة حدود اصطنعها الاستعمار ورسَّمها ترسيما، مع رعاية مخطط طويل النفس لفصل الأمة عن قيمها الدينية، وجعل هوية المواطن العصرية هي الدولة القومية المستحدثة بديلا عن وحدة دار الإسلام التي تقوم على وحدة الأمة بوحدة الدين، لذلك تكون هوية المواطن العقدية المتعالية عن الولاءات الجغرافية بمقتضى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52].
ما بين أمل إعادة الوحدة إلى أقطار العالم الإسلامي وتقبل واقع الدولة القومية المستحدثة تتشكل مقاربات ومواقف عدة بينها برازخ فاصلة، ولكل اجتهاد مفارقاته ومقدماته ومسلماته وفرضياته وقضاياه وأساليبه، وتبذل هذه الدراسة جهدها لتتجاوز التوصيف إلى مطمح إعادة تقليب النظر في إمكانات تجاوز هذا الإشكال الشائك العالق في الفقه السياسي الإسلامي من خلال رؤية تأصيلية، تجعل مدارها ومحور رحاها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
ذلك أن الآية تحدث لنا تمايزا عجيبا بين ثلاث وضعيات قانونية في انتماءات الأشخاص، مما يمنح للفقه السياسي الإسلامي إمكانية تنزيل مفهوم “المواطنة” وفق سياقات ثلاثة، وهي: مواطنة الدار والإيمان، ومواطنة الإيمان، ثم مواطنة الدار.
المبحث الثاني: مواطنة الدار والإيمان أو تماهي الدولة والأمة
بُعث النبي صلى الله عليه وسلم في قومه من قريش، ومعلوم ما لاقته دعوته من صنوف الحصار والإيذاء في مكة المكرمة، فكانت الهجرة إلى يثرب باعتبارها “الإقليم الجغرافي” الحاضن للدعوة الوليدة، فكانت عنوان عمران أخوي الولاء فيه يقوم على الدين وليس على مقتضى القبيلة.
كانت يثرب قبل البعثة مستوطنة من قبيلتين عربيتين هما الأوس والخزرج، ينضاف إليهما قبائل من اليهود. أما هوية الأفراد فكانت تتحدد برابطة الدم، فهي الرابطة الجامعة بين العديد من الأسر التي تشكل في مجموعها قبيلة تعتقد أن جميع أفرادها ينتسبون إلى جد مشترك. وكل فرد لا يعرف معنى لوجوده إلا داخل القبيلة، لذلك فهي غاية في ذاتها، وقيمة الكينونة معها قيمة مطلقة بمعزل عن معتقداتها وأعرافها، وفي ذلك قال الشاعر دريد بن الصمة:
أمَرْتُهُـــمُ أَمْرِي بِمُنْعَـــرَجِ اللِـّوَى فلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ
فلمَّا عَصَوْني كنْتُ منهُمْ وقد أرَى غِوَايَتَهُــــــمْ وأنَّنـــي غيرُ مُهتَــــدِ
ومَا أنَـــــا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غوَتْ غوَيْــتُ وإنْ تَرشُــدْ غزَّيَةُ أَرْشُــدِ
بعد تنزل الوحي على هذا الواقع القبلي كانت الدعوة لتفكيك هذه البنيات النفسية والذهنية الراسخة رسوخ الجبال في الأنساق الاجتماعية حينها، للانتقال من حالة القبيلة على حالة الأمة. لذلك عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة تغيرت المصطلحات المشيرة إلى مكونات الاجتماع السياسي الناشئ تعبيرا عن تغير دلالات العلاقات بينها، فأصبح الجامع لأهل الإيمان من قبيلتي الأوس والخزرج اللفظ القرآني “الأنصار”.
يحدثنا القرآن الكريم على أن الأنصار تبوأوا الدار والإيمان، والتبوؤ هو: “التمكن والاستقرار”، ولو تبوأ الأنصار “مع الآخرين الدار فقط لكان الكل مواطنين يجمعهم الوطن، وتملي عليهم ضرورة التعايش قوانين وضعية لحفظ المصالح. لكنهم تبوأوا الدار وتبوأوا الإيمان كما تبوَّأهما من هاجر إليهم. وبهذا التبوُّءِ الثنائي كانت الأخوة التي أثنى الله عز وجل عليها ونقرأ عنها بإعجاب في السيرة”[9].
تشكلت في المدينة المنورة دولة وليدة، بحدودها الجامعة لشركاء الدار والإيمان (الأنصار والمهاجرون)؛ وشركاء الدار (المؤمنون واليهود)، تضبط العلاقات بين جميع الشركاء وثيقة المدينة. ويلاحظ أن الأمة في التجربة الإسلامية التأسيسية هي التي شكلت بقيمها ومعتقداتها دولتها المستحدثة، وجعلت الولاء فيها مشروطا بالعقيدة والإيمان، كما جعلت الهجرة إلى المدينة المنورة شرطا وبرهانا عن كمال الإيمان.
إن بيان ذلك أن القرآن الكريم جعل شرط الولاية بين أبناء الدعوة الوليدة هو الهجرة إلى المدينة المنورة، وبذلك يتحصل لدينا ثلاثة أصناف هم الأنصار، والمهاجرون، ومؤمنون لم يهاجروا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ. وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 72].
لقد كان من معاني الولاية التوارث بين من عُقِد عَقْد إخائهم من الأنصار والمهاجرين قبل أن ينسخ هذا الحكم الشرعي بقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: 75]. لكن مسألة الولاية أكبر من مجرد حصرها في الإرث، وهو ما يشير إلى دلالاتها الراغب الأصفهاني في معجمه، قال: “الوَلَاءُ والتَّوَالِي: أن يَحْصُلَ شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النّسبة، ومن حيث الدّين، ومن حيث الصّداقة والنّصرة والاعتقاد، والوِلَايَةُ النصرةٌ”[10]، فالولاء حصول انسجام تام في منطلق الاعتقاد، ومنظومة القيم، ومرجعية السلطة، وواجب النصرة.
علينا أن نتصور أنفسنا في ذلك الواقع، لنعي حجم التحولات العميقة التي أحدثتها التربية النبوية حتى ينسلخ الشخص من تعريف نفسه بانتمائه العرقي القبلي إلى أن يجعل هويته كونه نصيرا للدعوة أو مهاجرا لنصرة الدعوة. والانتصار للدعوة لم يكن ليستطيعه كل أحد في واقع قبلي يتربص بها الدوائر من كل جانب، ناهيك عن تحديات بعدية لإمبراطوريتي فارس والروم اللتين ما كانتا تعتقدان أن الحفاة العراة رعاء الشاء يمكن أن يتحدوهما في عقر ديارهما.
من الصور التي تعيننا على تصور هذا التحول المعجِز أن نجد الصحابي الأنصاري سعد بن الربيع يعرض على الصحابي المهاجر عبد الرحمن بن عوف، وهما من عقدت أخوتهما، أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية، قال ابن الربيع الأنصاري لابن عوف المهاجر: “إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا”[11].
من الصور التي تعيننا على تصور هذا التحول المعجِز أن نجد الرجل على استعداد لقتل ابنته مرضاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك مقالة عمر بن الخطاب عن ابنته حفصة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بضَرْبِ عُنُقِهَا، لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا”[12].
من الصور التي تعيننا على تصور هذا التحول المعجِز أن الله عز وجل جعل مفارقة الديار والأوطان معادلا لقتل النفس. قال تعالى: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [النِّساءِ: 66]، وقد فارق المهاجرون ديارهم وأموالهم وكل عشيرتهم.
من المؤكد أن الأنصار لم يكونوا في غفلة من التحديات التي تهدد وجودهم وهم يحتضنون الدعوة الوليدة، وما كان المهاجرون في غفلة عن طبيعة التحديات التي تستقبلهم وهم يتخلون عن ديارهم وأموالهم ابتغاء فضل الله ورضوانه، ونصرة لله ورسوله، فكان أن نعتهم الله تعالى بالصادقين.
دون فئتي المهاجرين والأنصار نجد فئة المستضعفين من المؤمنين الذين حوصروا في مكة فما استطاعوا الهجرة إلى المدينة المنورة، ودونهم أيضا فئات من الأعراب الذين لم يتحقق لهم شرط الإيمان، وإن اعترف لهم بمرتبة الإسلام، لضعف إرادتهم في الانتقال إلى دار الهجرة. وكل من آمن بالدعوة المحمدية ولم يهاجر إلى المدينة ظل على أعرابيته وإن تحققت له مرتبة الإسلام.
لقد “كان الأعراب في جماعة المسلمين هم الأباعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا وسكنا، كانوا في أطراف الجماعة، لا يستشارون ولا يقررون، كانوا الناسَ المحمولين الذين لا يتجاوزون في أحسن الأحوال إسلام الشرائع، أما أهل الصحبة والسابقة من المهاجرين والأنصار فكانوا هم المعنيين بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ في الخطاب القرآني، كانوا المسؤولين عن تنزيل الخطاب القرآني على أرض الواقع، سلوكا وجهادا، علما وعملا، دعوة ودولة”[13].
لا نجد في الخطاب القرآني إشادة بالعصبية القبيلة، وإن ذكرت القبيلة ففي موطن تذكير الله عز وجل بنعمه عليها الموجب لعبادته كما نجد في سورة قريش. وإن ذكر أحد فروعها ففي موطن واجبها في نصرة الدعوة لا مواجهتها، ومنه قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: 214]، والعشيرة كما قال الراغب الأصفهاني: “اسم لكلّ جماعة من أقارب الرجل الذين يتكثّر بهم”. أما في السنة النبوية فهي دعوة منتنة، ذلك أنه حدث أن “كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها منتنة”[14]، لذلك لا يدعو إليها مؤمن بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثالث: مواطنة الإيمان أو الانتماء إلى الأمة دون الدار
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا. وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ. وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 72] نجد تمييزا بين أهل الهجرة والنصرة الذين تجمعهم ولاية كاملة، وأهل إيمان دون هجرة إلى دار الهجرة، فهؤلاء تسقط عنهم الولاية إلا أن يطلبوا نجدة بعد استضعاف في الدين.
لقد فطن إلى خصوصية هذا الصنف فخر الدين الرازي، فميز في تفسيره بين القسم الأول الذي يضم المهاجرين والأنصار، والقسم الثاني وفيه “المؤمنون الذين لم يهاجروا، فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة؛ وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة، فوجب أن يكون حكمهم حكما متوسطا بين الإجلال والإذلال وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول، تكون منفية عن هذا القسم، إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم، فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال”[15].
نحن إذن أمام صنف آخر غير الصنف الذي كان الجامع فيه الدار والإيمان، أو الدولة والأمة. وهو صنف يتنازعه انتماءان: انتماء إلى دار/ دولة لا سلطة لأهل الإسلام عليها، وانتماء إلى أمة تدين بعقيدة واحدة، ويجمعها الإسلام. وتبعية هؤلاء إلى المنظومة القانونية للدار التي يقطنونها، وليست السيادة عليهم للأمة التي يشتركون معها في العقيدة الدينية. وتبعا لذلك فإن الولاية مقررة لشركاء الدار والإيمان، ومنتفاة عن شركاء الإيمان دون الدار.
تتحقق الولاية بنص الآية بشرطين: مواطنة الدار، ومواطنة الإيمان. ومن الواضح أن الشرط الذي لم يتحقق للصنف الأخير هو شرط الهجرة إلى الدار/ الدولة الوليدة لنصرتها. وبذلك فإننا نتحدث عن أناس يشتركون مع المهاجرين والأنصار في الإيمان، لكنهم يعيشون وضعا مفارقا عنهم لأنهم يشكلون أقلية في دار/ دولة تمارس سيادتها باعتبارها سلطة مستقلة عن نفوذ المسلمين، ولا يمكن للسلطة الإسلامية في دار الهجرة أن تنتصر لتلك الأقلية إلا بشرطين: الأول أن يكون الاضطهاد موجها إليها باعتبار تدينها، والثاني أن لا يكون بين تلك الدولة وسلطة الدولة الإسلامية ميثاق وعهد.
يصعب على من يمنح القدسية للتراث الفقهي حتى يقترب من جعله مضاهيا للنص القرآني أن يعتقد إمكانية التمييز بين الانتماء إلى الدولة/الأمة والانتماء إلى الأمة دون الدولة، لا سيما وهو يسقط التراث الفقهي المقسم للعالم إلى دار إسلام ودار كفر، فيجعل الانتماء إلى الأمة أصلا وكل ما عداها وهم وعدم. ومن توقف عند آيات الوحي الأزلي المطلق، ولم يستطع فصلها عن تفسيرات ارتبطت بسياقات تاريخية، وضع الواقع في قوالب اجتهادية صلُحت لزمانها وما عادت تصلح لزماننا، وتَعَبَّد بالتاريخ وهو يظن أنه يتعبد بالوحي.
نقرأ الآية القرآنية على أضواء التجربة النبوية، ونتساءل عن إمكانية وجود من انتمى إلى الأمة دون الدار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما طبيعة الانتماء الذي كان يحكمه؟ وهل كانت “مواطنته” محكومة بسيادة الدار التي يعيش فيها، أم بسيادة الأمة التي يعتقد معتقدها؟
تمنحنا السيرة النبوية إجابات عن مثل هذه الأسئلة من خلال وقائع دالة عن هذه الوضعية التي لا ينسجم فيها انتماء الدار مع انتماء الأمة، ومن أهم هذه الوقائع ما تعلق بالمؤمنين المستضعفين الذين آمنوا بالدعوة المحمدية، لكنهم عجزوا لأسباب موضوعية عن اللحاق بدار الهجرة. فهم في هذه الحالة شركاء مع الأنصار والمهاجرين في الإيمان لا في الدار، لذلك تعد ولايتهم غير متحققة، ونصرتهم غير ممكنة لأنهم يخضعون إلى سيادة الدار/ “الدولة” التي هم فيها، وليس لسيادة الأمة التي يشتركون معها في العقيدة والإيمان.
نتوقف مع صلح الحديبية التي وقعت أحداثها في السنة السادسة من الهحرة، وهو ما يعني أن دار أو دولة المدينة المنورة استتب أمرها، وتجاوزت مرحلة الاعتراف بها من قريش بعد فشل هذه الأخيرة في هزيمتها في غزوات بدر وأحد والأحزاب… لذلك كان التعامل بين “دار الإسلام” في المدينة و”دار الكفر” في مكة تعامل نِدِّيا.
تعود الأحداث التي كانت وراء صلح الحديبية إلى قرار رسول الله صلى الله عليه وسلم التوجه إلى مكة معتمرا، وليثبت حسن نيته وعدم رغبته في قتال قريش أحرم صلى الله عليه وسلم في الطريق، وساق معه الهدي. لكن قريشا جمعت جمعها، وعزمت على صده وصحبه عن البيت الحرام، ولم يمنع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمضاء عزمه، لذلك لم تتوقف مسيرته حتى كادت أن تنشب الحرب بين الفريقين بعد بلوغ خبر مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكانت بيعة الرضوان، وبعدها تبين أن مقتله إنما كان شائعة. وكانت المفاوضات بين النبي عليه الصلاة والسلام وممثلين تناوبوا عن الحديث باسم قريش، وكانت نيته صلى الله عليه وسلم ما جاء على لسانه: “والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إلَّا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاهَا”[16].
ما يهمنا في أحداث الحديبية هو إيجاد الجواب عن مسألة التنازع بين سيادة الدار وسيادة الأمة في الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين سهيل بن عمرو ممثلا عن قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد رفض سهيل أن يطوف المؤمنون بالبيت الحرام في عامهم ذاك، وأنه لا مناص لهم من تأجيله عاما آخر حتى لا تظن العرب بقريش استسلامها لشروط النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم أضاف من الشروط ما يتعلق به موضوعنا، نورد رواية البخاري في هذا الباب: “فَقالَ سُهَيْلٌ: وعلَى أنَّه لا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وإنْ كانَ علَى دِينِكَ إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا، قالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كيفَ يُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟
فَبيْنَما هُمْ كَذلكَ إذْ دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِهِ، وقدْ خَرَجَ مِن أسْفَلِ مَكَّةَ حتَّى رَمَى بنَفْسِهِ بيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ سُهَيْلٌ: هذا يا مُحَمَّدُ أوَّلُ ما أُقَاضِيكَ عليه أنْ تَرُدَّهُ إلَيَّ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ، قالَ: فَوَاللَّهِ إذًا لَمْ أُصَالِحْكَ علَى شيءٍ أبَدًا، قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فأجِزْهُ لِي، قالَ: ما أنَا بمُجِيزِهِ لَكَ، قالَ: بَلَى فَافْعَلْ، قالَ: ما أنَا بفَاعِلٍ، قالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قدْ أجَزْنَاهُ لَكَ.
قالَ أبو جَنْدَلٍ: أيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، ألَا تَرَوْنَ ما قدْ لَقِيتُ؟ وكانَ قدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا في اللَّهِ، قالَ: فَقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: فأتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقُلتُ: ألَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا، قالَ: بَلَى، قُلتُ: ألَسْنَا علَى الحَقِّ، وعَدُوُّنَا علَى البَاطِلِ، قالَ: بَلَى، قُلتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا إذًا؟ قالَ: إنِّي رَسولُ اللَّهِ، ولَسْتُ أعْصِيهِ، وهو نَاصِرِي…”[17].
نلاحظ أن المفاوضات بين ممثل قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم تتعلق بموضوع السيادة، وهل تبعية الأفراد تكون للدار والجغرافيا والأرض أم للأمة والديمغرافيا والعقيدة. ونلحظ أن ممثل قريش يثبت أحقية الدار لكل فرد غيَّرَ دينه، ما دام أن “الجنسية” تكتسب من بلد النشأة والاستقرار لا من شراكة مع أمة في الإيمان والاعتقاد. لذلك اشترط أن لا يمنع أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العودة إلى بلده مكة إن ارتد عن دينه، وأراد أن يقيم بها. وفي المقابل تم الاتفاق على أن لا يخرج من مكة أحد مبتغيا اتباع النبي صلى الله وعليه وسلم إلى المدينة. وقد كان يعيش في مكة جمع كثير من المؤمنين والمؤمنات المستضعفين، وهم الذين أشار إليهم القرآن الكريم: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: 25].
ورغم استغراب واستنكار وامتعاظ الصحابة من شرط سهيل إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقره عليه. ولم يتوقف الأمر عند إقرار الشرط نظريا بل سرعان ما تمثل بنده ابتلاء واقعا في شخص أبي جندل الذي فر إلى المهاجرين والأنصار بعدما لقي من قريش عذابا شديدا، لكن ما كان له من الولاية والنصرة شيء؛ لا سيما وقد أنجز ميثاق وعهد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وممثل قريش.
من المؤكد أن هذه الواقعة لم يكن من السهولة احتمالها، إذ كيف يتم تسليم مؤمن بالله ورسوله إلى قريش لتفعل به الأفاعيل! وهو ما يفسر اعتراض الصحابة الشديد على بنود صلح الحديبية. لكن هذه الواقعة تثبت التمايز بين ولاية الدار والإيمان وولاية الإيمان فقط، وتخص كل ولاية بأحكامها.
إن واقعة ابن جندل لم تكن استثناء؛ ذلك أنه بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءه رجل من قريش يدعى أبا بصير معلنا إسلامه، فأرسلت قريش رجلين في طلبه، فدفعه إليهما.
وفي طريق العودة تمكن أبو بصير منهما فقتلهما، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: “يا نَبِيَّ اللَّهِ، قدْ واللَّهِ أوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قدْ رَدَدْتَنِي إليهِم، ثُمَّ أنْجَانِي اللَّهُ منهمْ. قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لو كانَ له أحَدٌ. فَلَمَّا سَمِعَ ذلكَ عَرَفَ أنَّه سَيَرُدُّهُ إليهِم، فَخَرَجَ حتَّى أتَى سِيفَ البَحْرِ قالَ: ويَنْفَلِتُ منهمْ أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِن قُرَيْشٍ رَجُلٌ قدْ أسْلَمَ إلَّا لَحِقَ بأَبِي بَصِيرٍ، حتَّى اجْتَمعتْ منهمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ ما يَسْمَعُونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلى الشَّأْمِ إلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وأَخَذُوا أمْوَالَهُمْ، فأرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تُنَاشِدُهُ باللَّهِ والرَّحِمِ، لَمَّا أرْسَلَ، فمَن أتَاهُ فَهو آمِنٌ”[18].
ولقد استثنيت النساء المستضعفات المؤمنات المهاجرات إلى المدينة من عدم الاعتراف بلجوئهن نتيجة الاضطهاد الديني الذي عانين منه في مكة، وذلك امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 60]، وقد “رُوِيَ أَن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلَذِينَ سَأَلُوهُ إِرْجَاعَ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ وَطَلَبُوا تَنْفِيذَ شُرُوطِ الصُّلْحِ: “إِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرِّجَالِ لَا فِي النِّسَاءِ”. فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَشْرِيعًا لِلْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ إِذَا جَاءَهُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ وَإِيذَانًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ شَرْطَهُمْ غَيْرُ نَصٍّ، وَشَأْنُ شُرُوطُ الصُّلْحِ الصَّرَاحَةُ لِعِظَمِ أَمْرِ الْمُصَالَحَاتِ وَالْحُقُوقِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَذْهَلَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ عَنْ الِاحْتِيَاطِ فِي شَرْطِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ رَحْمَةً بِالنِّسَاءِ الْمُهَاجِرَاتِ”[19].
تثبت لنا هذه الوقائع الناشئة عن صلح الحديبية أن هناك فروقا جوهرية بين ولاية الدار والإيمان التي تحققت بين الأنصار والمهاجرين، ومواطنة الإيمان التي اشترك فيها مؤمنو مكة ومؤمناتها مع الأمة المحمدية الناشئة في المدينة؛ لكن كلا المواطنتين تمايزتا بشكل جدري في مسائل: السيادة، والولاية، والنصرة. ولغفلة كثير من العلماء والفقهاء والمفكرين عن مثل هذه المقدمات والقول بعكسها، فقد نتج عن ذلك إما ضعف في البناء المنطقي، أو عيٌّ عن فهم الواقع الدولي المتغير، أو عنف مدمر صاحب فقه تنظيمات الجهاد القتالي.
المبحث الرابع: مواطنة الدار أو الانتماء إلى الدولة الحديثة
مايز الفقيه الإمام أبو زهرة بين مواطنة الدار ومواطنة الإيمان دون استعماله للفظين، لكنه اعتقد أن المسلم يظل “رعية إسلامية أين كان موطنه، فالسيادة الإسلامية على المسلم في كل مكان، وذلك لأن ولاية المسلم لا تكون لغير المسلم، وإذا كان المسلم منتميا للدولة غير الإسلامية فذلك لا ينفي سيادة الدولة الإسلامية أيا كان موطنه”[20]، وحاجج على مقالته بثلاثية “أولها أنه يجب على المؤمن أن يهاجر إلى الدولة الإسلامية الجامعة إذا وجد ضيما في أرضه (…) ثانيها: أن المسلم يرث المسلم أيا كان موطنه (…) ثالثها: أن المسلم إذا ارتكب جريمة في غير الإسلام ذار الإسلام، وجاء إلى الدولة الإسلامية عوقب فيها بعقاب الإسلام”[21].
من المؤكد أن الاستدلال بهذه الثلاثية لا يمس البتة سيادة الدولة غير المسلمة على المسلم، وتبعيته لمنظومتها القانونية؛ كما أنها لا تثبت قطعا سيادة الدولة المسلمة على مسلم يحمل جنسية الدولة غير المسلمة. كما أن الإمام أبو زهرة رحمه الله لا يجيب عن السؤال المهم في جوابه: من المقصود بالدولة الإسلامية التي لها السيادة على جميع الرعايا المسلمين وكل بلاد المسلمين دول مجزأة مقطعة الأوصال عن بعضها البعض؟ ومن له السيادة مثلا على مستضعفي المسلمين في الهند من الدول السبع والخمسين الإسلامية التي لها العضوية في منظمة التعاون الإسلامي، والوزعين على قارات أربع؟
نستعمل السيادة هنا بالمعنى نفسه الذي اعتمده الإمام أبو زهرة، بكون السيادة الداخلية للدولة تعني “بسط السلطان في داخلها، بحيث يكون جميع الرعايا خاضعين لقوانين هذه الدولة، إلا ما تمنحه هي في بعض المعاملات الخاصة لبعض الطوائف، على أن يكون ذلك على أساس أنه منحة قابلة للاسترداد في أي وقت من الأوقات، لا على أساس أنه امتياز يوجد حقا مكتسبا، فإن الدولة إذا أعطت بعض الطوائف امتيازا في نظام الأسرة مثلا، فهذا على أساس مراعاة الحرية الدينية لا على أنه قيد دولي”[22].
تعتبر ” السيادة إرادة”[23]، لذلك يعترف بالسيادة لدولة ما باعتبار استقلالية إرادتها وقرارها في اتخاذ السياسات الخارجية والداخلية التي تناسبها، ويعترف بها في المنتظم الدولي على هذا الأساس مع احترامها للمعاهدات والقوانين الدولية. وتمتد سيادتها على مجموع ترابها القومي، وهي سيادة يضمنها احتكار الدولة لوسائل العنف المادي، لذلك لا يتصور البتة حصول السيادة لأمة ما في عالمنا المعاصر إلا بشرطين:
- شرط وجود الدولة ابتداء حتى تمارس الأمة سيادتها، وبذلك ترمز الدولة إلى وحدةِ أمة واستمراريتها، وتجسيدٍ لرغبة جماعاتها وأفرادها في العيش المشترك؛
- وشرط وجود سلطة سياسية تمارس هذه السيادة.
تاريخيا، لم يكن يمثل السيادة داخل الدولة إلا سلطة مطلقة، تستمد شرعيتها من نظريات لا تعترف للحاكم بأي مسؤولية أمام شعبه، وتجعل من الشعب موضوعا للسلطة لا طرفا فيها، ثم تحولت السيادة إلى الأمة – نستعمل المفهوم هنا بدلالاته في الفقه الدستوري الغربي – التي تفوض ممارستها إلى ممثلين عنها، على اعتبار أن الديمقراطية التمثيلية تتعلق بنظام حكم غير مباشر حيث “تُعهد ممارسة السلطة عن طريق الاقتراع العام إلى ممثلين منتخبين، ومكلفين باتخاذ القرارات باسم الأمة أو مجموع الشعب”[24].
تتخذ السيادة في الدولة-الأمة الحديثة معنى جدليا بين الدولة والمواطن، فهي من جهة أولى تعني تبعية المواطنين إلى سلطة الدولة الحديثة، والالتزام بقوانينها بمعزل عن انتماءاتهم الأولية: سواء كانت انتماء إلى دين، أو عرق، أو لغة، أو جنس، أو لون… ومن جهة ثانية تمكن المواطنة والمواطن من المشاركة في تفعيل السيادة؛ على اعتبار أن السيادة لا تمارسها في النظم الديمقراطية المعاصرة إلا سلطة تمثل الأمة صاحبة السيادةِ الأصليةُ، لذلك فإن شرط المواطنة حيازة الجنسية التي لا تكتسب فقط بأن تكون من قاطني تلك الدولة؛ أو تشارك أبناءها نفس المعتقد. ويقع التمييز بين الأمة، والشعب، وسكان الدولة، ومصطلح السكان يشمل بالإضافة إلى مجموع الشعب الأجانب الذين لا يحملون جنسية الدولة، وإنما تربطهم بها رابطة إقامة لا تمكنهم من الحقوق المرتبطة بالمواطنة.
نتحدث في هذا الباب نحن عن الدولة-الأمة أو الدولة الحديثة التي يعيش الفقه والفكر الإسلاميين مع مقتضياتها مآزق حقيقية في تصوره للدولة وتصوره للأمة، ومن أبرز مآزقه مفارقة الفقه لواقعه، والذي يتخذ تجليات عدة من صوره الاعتقاد أن المسلم بإمكانه حقا أن يتعالى عن انتمائه عن الدار أو الدولة التي يحوز جنسيتها ليعتبر كل ديار المسلمين في ظرفنا وسياقنا دارا له، على اعتبار أن “الوطن بحدوده الجغرافية أو السياسية المتعارف عليها بين الدول الحديثة لا ينطبق على الوطن الإسلامي. فالمسلم كالسمك في الماء لا وطن له، وإنما جميع بلاد المسلمين وطنه، فهو يمتد مع العقيدة، بل هو في الحقيقة وطن معنوي كما أن الدين أمر معنوي، قال الله عز وجل: ﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾ [العنكبوت: 56]، ومن هنا يلتزم المسلمون جميعا في بقاع الأرض بالدفاع عن أي جزء من وطنهم الكبير، وهو يتحدد بوجود المسلمين فيه في أي بقعة من الأرض”[25].
يعتقد الفقيه الزحيلي رحمه الله بوجود مواطنة واحدة هي مواطنة العقيدة، وهي لا تتوقف عند الانتماء المعنوي إلى الأمة الإسلامية، بل تترتب عنها حقوق وواجبات من بينها التزام المسلمين بالدفاع عن كل شبر من ديار المسلمين.
من المؤكد أننا لو نزلنا هذا التصور النظري والحكم الفقهي على الواقع فستكون ترجمته صادمة، ليس رفضا للشعور المعنوي الجامع بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة؛ ولكن باعتبار عدم إقرار الفقهاء والعلماء بسيادة كل دولة، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، على حدودها القُطرية، مع إمكانية أن تمتد هذه السيادة خارج حدودها بما يكفله القانون الدولي حين تنصب الدولة نفسها مدافعة عن رعاياها بشرط حيازتهم جنسيتها؛ وأن يكونوا ضحية لضرر ناتج عن خرق قاعدة قانونية دولية.
إن عدم إقرار الفقهاء والعلماء بهذا النوع من السيادة هو ما يجعلهم في لحظات مفصلية يفتون لشباب المسلمين من كل الأقطار بضرورة النفير العام دفاعا عن شعب مسلم يلحقه القهر والتنكيل، مهملين تداعيات فتاواهم على البلد المستقبل وعلى الشباب المستجيبين للفتوى.
لقد عشنا آثار مثل هذه الفتوى مع الثورة السورية التي تحولت من انتفاضة إلى ثورة سلمية إلى حرب أهلية، وفي لحظة فوران عاطفي يجد مرجعيته في اعتبار السيادة للأمة لا للدار أو الدولة، أصدر جمع معتبر من العلماء في تجمع القاهرة يوم الخميس 13 يونيو 2013 بيانا شهيرا[26]، كان من بين ما أفتى به “وجوب النفرة والجهاد لنصرة إخواننا في سوريا بالنفس والمال والسلاح وكل أنواع الجهاد والنصرة”. وقد صرح في أعقاب المؤتمر “الداعية السعودي، محمد العريفي، بأن الأمة لن تصبر على قتل شبابها وذبح أطفالها واغتصاب نسائها، بل ستجند رجالها من كل الدول لتنتفض لنصرة أمتها وارتقائها”، فيما “أكد الدكتور صفوت حجازي، الداعية الإسلامي، أن رابطة علماء الأمة سترسل لواء إلى سوريا للقتال في وجه بشار الأسد ونصرة شعب سوريا”[27].
لقد كتبت حينها منتقدا البيان بكونه “تعامل مع المسلمين باعتبارهم أمة واحدة غير مجزأة أقطارهم، بينما حين يعود كل فقيه مُوقع على البيان إلى وطنه فإن مثل هذه التوصيات تجف فورا حيث لا اعتراف إلا بسيادة الدولة، ولا احتكام إلا لقوانينها (…)، وكان لا بد على الأقل من دفع “حكومات العرب والمسلمين ومجلس التعاون الخليجي” لفتح مراكز تدريب عسكرية للشباب، ومن رفض أفتي كونه من أنصار النظام الطائفي البعثي! على الأقل حينها سنضمن أن الشباب لن يذهبوا متسللين، ولن يقاتلوا عدوهم جاهلين بتقنيات المواجهة الحربية. كما نضمن أساسا أننا لن نعيش جحيم محاكمة “العائدين من سوريا”، حيث تلحقهم أهوال ما لحق “العائدين من أفغانستان.”[28]
نجد الشرخ الأكبر في عدم التمييز بين حلقات الانتماء الثلاثة: مواطنة الدار والإيمان، ومواطنة الإيمان، ومواطنة الدار عند تنظيمات الجهاد القتالي، والتي يصعب على مقاتليها “التخلي عن مفاهيم سياسية بناها نموذج دار الإسلام خلال أربعة عشر قرنا من الزمان، واعتبرها البعض وكأنها جزء من مبادئ الإسلام السياسية”[29]، حيث يعتقدون أن فكرة الانتماء والولاء والسيادة ترتبط بالأمة دون الأرض، لذلك لا يعترفون بالحدود القائمة بين الدول فينشئون تنظيمات عابرة للقارات، معتقدين أن كل أرض ليست من “دار الإسلام” فهي من “دار الكفر” التي تُستحل فيها دماء الأبرياء في عمليات تفجير إجرامية في المرافق والشوارع العامة.
إن أكبر آفة يعاني منها هذا الفقه هو اعتقاده أن العالم منقسم إلى فسطاطين: فسطاط إيمان وفسطاط كفر، وأن العلاقة الطبيعية التي تحكم شقي هذا العالم هي الحرب، ويؤخذ ذلك على أساس أنه من الثوابت الشرعية وليس من إرث الفقه التاريخي الذي تفاعل مع واقعه من موقعه، وهو ما نبه إليه الفقيه وهبة الزحيلي حينما أكد أن تصنيف العلم إلى “دار إسلام” و”دار كفر” إنما وقع عليه شبه إجماع في القرن الثاني الهجري وأنه استثناء ولا يعبر بالضرورة عن الثوابت الشرعية، حيث أن “الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم، والحرب عارض لدفع الشر، وإخلاء طريق الدعوة ممن وقف أمامها، وتكون الدعوة إلى الإسلام بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان”[30].
وهو الاجتهاد الذي وافقه الإمام أبو زهرة حين جعل تلك التقسيمات تأثرا بواقع نسبي متقلب أكثر من كونها تعبيرا عن نص أزلي مطلق، وقد نتجت في “عهد ملوك بني أمية، وملوك بني العباس، ولم تبق الخلافة نبوية بل صارت ملكية، وكان الاجتهاد المذهبي والحروب ناشبة بين المسلمين وغيرهم، وهو العصر الذي دون فيه الإمام محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة آراءه وآراء فقهاء العراق في العلاقات الدولية، ودون الأوزاعي وأبو يوسف جزءا منها، ثم دون من بعدهم الشافعي وأحمد بن حنبل ومن جاء من بعدهم. وما كان لهم وهو يدونون آراءهم في هذه الحال إلا أن يخضعوا في كثير من أقوالهم إلى حكم الواقع، لا مجرد الحكم القرآني النبوي”[31]، بينما “الأصل في العلاقات الدولية في الإسلام هو السلم، حتى يكون الاعتداء بالاعتداء على الدولة الإسلامية فعلا أو بفتنة المسلمين عن دينهم. فالحرب حينئذ تكون ضرورة أوجبها قانون الدفاع عن النفس وعن العقيدة وعن الحرية الدينية”[32].
تأقلم الفقه الإسلامي في مرحلته مع واقع الإمبراطوريات الممتدة، لذلك تشكلت دولته على نفس تلك الصيغة في عصره، وهي صيغة حكمها اجتهاد نسبي لسياق نسبي وليس نص مطلق لسياق ثابت، والفقه أنتج أحكامه وفق ما يناسب كل سياق، ويكون من غير العقل البحث عن إجابات تفصيلية لقضايا عصرنا من خلال تقييد قراءة نصوص الوحي بعوينات فقهنا وتراثنا التاريخي.
إننا إذا أردنا أن نتحدث عن سيادة الأمة الإسلامية على امتداد وجودها فإنه يجب أن يجمعها كيان سياسي واحد، وهو ما يدعى “دار الإسلام” التي “تضم جميع الأقاليم الإسلامية مهما كانت متباعدة عن بعضها، ورعاياها هم المسلمون وغير المسلمين الذين يقيمون فيها إقامة دائمة”[33]، وهو أمر مشروط بوحدة أقطار المسلمين ابتداء، وهو طموح مشروع بل هو واجب شرعي، وآخر عهدنا بوحدة الشوكة عهد آل عثمان. وفي زمننا حيث تطحن التكتلات الدولية الكبرى غيرها من الكيانات الذرية تصبح ضرورة استعادة الوحدة شعورا عميقا، وأم المقاصد الشرعية، ومسألة حياة أو موت بالنسبة للأمة الإسلامية.
تظل الوحدة أفقا استراتيجيا يضع مراحل تجاوزه وعي متقدم، والوعي سابق للإرادة التي تجتهد وسعها، في زمانها وظرفها وجيلها، وتسعى أن تتقدم بقضية الوحدة خطوة إلى الأمام في مسيرة أجيال، وأولى خطواتها الشرطية تحرير الأمة داخل كل قطر من الاستبداد الذي يستحيل معه بناء أي وحدة. ثم بعده بناء نموذج الدولة-الأمة الناجح في تدبير مواطنته داخل الدار، وهي المواطنة التي ينبغي أن تترفع عن الانتماءات الذرية التي تزيد الأمة الواحدة داخل القطر الواحد تفتيتا وتمزيقا، سواء اعتمادا على انتماءات طائفية، أو مذهبية، أو لغوية، أو عرقية، أو قبلية…
والمعول بناء وعي وطني أو قومي يجعل نفسه حلقة من حلقات الوحدة مستقبلا لا معرقلا لها، ويتشكل مفهوم المواطنة في هذه المرحلة، وفي كل مرحلة، بقبول المختلف معه بمنطق مواطنة الدار، والتي تمثلت في أجلى صورها في وثيقة المدينة لا سيما في شقها المتعلق بالعلاقة بين الأنصار والمهاجرين من جهة؛ ومن ظل على شركه من مشركي العرب ومن اليهود من جهة أخرى[34]، والتي أبرزت أن الإسلام يرسخ مبدأ التعاقد في مجتمع متعدد في إطار “الدولة” الواحدة.
لقد شكلت المدينة محضن الدعوة ودولتها، وفي فضائها تشكلت كتلتان، كتلة أولى تعتبر أمة من دون الناس، والكتلتان معا تشكلان ما يصطلح عليه اليوم بمفهوم الشعب:
إذا توقفنا عند الكتلة الأولى فالمقصود بها كتلة الأنصار والمهاجرين باعتبار الشراكة في الدار والإيمان، فهم أمة من دون الناس بالاصطلاح الحديث، على اعتبار أن الأمة “تجمع بشري يشعر أفراده بروابط مادية ومعنوية تجمع بينهم في الآن ذاته، ويتصورون أنفسهم كأفراد مختلفين عن الآخرين الذين يشكلون تجمعات وطنية أخرى”[35]. يلاحظ من التعريف أنه يمكن أن تتشكل الدولة من أمم متعددة، وهو ما كان الحال عليه في الإمبراطوريات السابقة وفي الدول الفدرالية وغيرهما، وعلى اعتبار أن الأمة ليست فقط إرادة العيش المشترك كما تعتقد الأطروحة الفرنسية؛ بل الأمة حصيلة شروط موضوعية كما تذهب إلى ذلك الأطروحة الألمانية، ومن هذه الشروط: “الجغرافيا، واللغة، والإيديولوجيا، وبالأخص العرق”[36]. وإن كان العرق شكل دوما مفتاحا لفهم التاريخ الألماني، فإن كل هذه الشروط حضرت في تشكل الأمة في دولة المدينة، والأولوية لم تكن للعرق ولكن للدين.
أما الكتلة الثانية التي احتوتها المدينة، وهي الكتلة الأكبر والتي همت مجموع الأنصار والمهاجرين من جهة؛ واليهود من جهة أخرى. فق كانت شراكة بينهما في الدار. وهذه الكتلة الكبرى لا تعد أمة للاختلافات الجوهرية فيما يشكل هويتها، ولكن يجمع بين كل أفرادها إرادة العيش المشترك وفق قواعد مقيدة في وثيقة المدينة، وهي الكتلة التي يسعها مفهوم الشعب.
تقوم “مواطنة الدار” على حسن الجوار مع المختلف معه عقديا، والقبول بالاختلاف مع من ارتضى لنفسه مرجعية في التصور والسلوك بعيدا عن الدين، ذلك أن مدار الأمر يتعلق بإنسانية الإنسان وكرامته، “ولا نبالغ إذا قلنا إن الحفاظ على كرامة الإنسان هو من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، بحيث يعد المساس بهذه الكرامة انتهاكا لهذه المقاصد وعدوانا على حق من حقوق الله”[37].
إذا كان اللفظ الفقهي التاريخي “دار الإسلام” – أو دار الإيمان باللفظ القرآني – قد تأقلم مع منظومة الدولة – الإمبراطورية التي سادت تاريخيا فإن مفهوم “مواطنة الدار” تتأقلم مع منظومة الدولة- القومية، ويسع مفهوم المواطنة في تجلياتها الحديثة، والتي تبرز في “ثلاثة من العلاقات:
- علاقة المواطن بالوطن في حدوده الجغرافية وتراثه التاريخي، وينتج عنها انتماء المواطن لوطنه ومن ثم اكتسابه الثقافة السياسية المواطنة.
- علاقة المواطن بالمواطنين الذين يعيش معهم. وينتج عنها إبراز حق الشعب الذي هو – في المقاييس الديمقراطية العصرية – صاحب السيادة والحكم.
- وعلاقة المواطن بالدولة التي ترعى شؤونه العامة، وتعترف بحقوقه ضمن دائرة القانون”[38].
تتحقق المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أرضية المواطنة التي تتأسس ابتداء على الاعتراف بحق الفرد في تحديد اختياراته التصورية، والسياسية، والاجتماعية؛ بل حق الفرد في اختيار عقيدته بعيدا عن كل إكراه، فإنما التدين تعبد لله عز وجل وليس نفاقا لمجتمع أو سلطة.
إن مما يزكي هذه الأطروحة جواب النبي شعيب عليه السلام قومه الذين عقدوا العزم على إخراجه وصحبه من القرية/ الدار لأنهم آمنوا بالله ربا واحدا. نقرأ في هذه الآية: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [الأعراف: 88]. إن قوم شعيب عليه السلام يريدون قرية تحصر “جنسيتها” في من اعتقد عقيدة الشرك، وشعيب عليه السلام يجيب عبر استفهام استنكاري متعجبا من قولهم، ومستنكرا طلبهم. فهو ينطلق من مسلَّمة الشراكة في “مواطنة الدار”، ويرى أن القرية تسع الجميع، وأن الانتماء إليها ينبغي أن يسع تعدد المعتقد، ما دام أن الإيمان لا يستقيم مع الإكراه.
ذكر الإمام القرطبي في تفسيره للآية مفردة لم تكن تستعمل في ذاك الزمن بكل الحمولة التي نستعملها اليوم، وهي مفردة الوطن. قال: “أي على الخروج من الوطن أو العود في ملتكم. أي إن فعلتم هذا أتيتم عظيما”[39]، ولا يستقيم عقلا أن يشنَّع على المشركين عدم قبولهم بتعدد المعتقد داخل الوطن الواحد، ثم تنقلب الموازين إذا حصل العكس. حيث تكون الحجة عندها هي نفسها التي أوردها النبي شعيب: ﴿أوَلَو كنا كارهين﴾؟ !، وفي كلامه “تعريض بحماقة خصومه إذ يحاولون حمله على مِلَّتهم بالإكراه، مع أن شأن المحق أن يشرك للحق سلطانه على النفوس ولا يتوكأ على عصا الضغط والإكراه، ولذا قال تعالى: ﴿لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي﴾ [البقرة: 256]؛ فإن التزام الدين عن إكراه لا يأتي بالغرض المطلوب من التدين”[40].
خاتمة:
يمكن أن نوجز بضع خلاصات من هذه الدراسة، من أبرزها أن:
– من المشتغلين بالفقه السياسي الإسلامي من وقع له الخلط الشديد في كيفية التعامل مع الدولة الحديثة لأنه اتخذ مقولات فقهية نبتت في سياقها باعتبارها نصوصا مطلقة من الدين، فسعى إلى تنزيل فقه تشكل وفق منظومة الدولة-الإمبراطورية على منظومة الدولة-الأمة.
– من المشتغلين بالفقه السياسي الإسلامي من لو يستوعب اختلاف السياقات ما بين مواطنة الدار والإيمان، ومواطنة الإيمان، ومواطنة الدار، فأنزل ما يستوجبه سياق على سياق آخر فكانت مخرجات اجتهاده فاسدة.
– غفلة كثير من العلماء والفقهاء والمفكرين عن مثل هذه التمايزات بين كل صنف من أصناف المواطنة نتج عنه: إما ضعف في البناء المنطقي، أو عيٌّ عن فهم الواقع الدولي المتغير، أو عنف مدمر صاحب فقه تنظيمات الجهاد القتالي.
– الشرخ الأكبر في عدم التمييز بين حلقات الانتماء الثلاثة (مواطنة الدار والإيمان، ومواطنة الإيمان، ومواطنة الدار) نجده عند تنظيمات الجهاد القتالي، والتي يصعب على مقاتليها التخلي عن مفاهيم سياسية بناها نموذج دار الإسلام خلال أربعة عشر قرنا من الزمان، فاعتبروها كأنها من الدين وليست فقها في الدين.
– التمييز بين مفهوم المواطنة الثلاثة يتوافق مع مقاصد الدين القائمة في العلاقات الدولية على التعارف والسلم. والسلم أدعى للتحقق لكل دولة لها من القوة ما يردع غيرها عن مجرد التفكير في استفزازها.
– الدولة الناشئة في المدينة جعلت قوامها على الدين، وحررت أفرادها من كل الانتماءات الأولية، والأنصار والمهاجرون شكلوا أمة من دون الناس، فهم شركاء في الدار والإيمان، أو في الدولة والأمة بجوهرها العقدي.
– الاجتماع السياسي الناشئ مايز بين أصناف عدة من المنتسبين إلى الأمة، فهناك أنصار ومهاجرون، ومؤمنون لم يهاجروا، وأعراب هم مراتب ودركات. والنصرة والهجرة والأعرابية توصيفات قرآنية تنزلت على واقع دون أن تنحصر فيه، ومن اعتقد غير ذلك اقترب من أن يجعل كلام رب العالمين منسوخا بالتاريخ، وأن يجعل السيرة النبوية قصصا للمتعة والتسلية.
– الاجتماع السياسي الجامع للأمة من الأنصار والمهاجرين على الدين لم يلغ مخالفيه ولم يهددهم بإجلاء أو ترحيل، ولكن اعترف ليهود يثرب بحقوق وواجبات قُيِّدت في وثيقة المدينة “الدستورية” باعتبارهم شركاء في الدار/ الدولة، وبلسان الوقت كل ساكنة دار الهجرة كانت حينها شعبا، وكل أفراد الشعب كانت لهم في مبتدإ تشكل دولة المدينة إرادة العيش المشترك بين أمة الأنصار والمهاجرين، وأمة من قبائل يهودية.
– فقه التعامل مع واقع الدولة الحديثة لا يعني التسليم بواقع التجزئة، فالوحدة واجب شرعي، ومطلب عقلي، ولكنها أفق استراتيجي يصنعه وعي متقدم يجتهد لزمانه، وظرفه، وجيله. ويسعى أن يتقدم بقضية الوحدة خطوة إلى الأمام في مسيرة أجيال، ومن أولى خطوات الوحدة الشرطية تحرر كل أمة داخل كل قطر من قبضة الاستبداد، فالوحدة لا تصنعها أمة لا تملك ابتداء سيادتها وإرادتها.
والحمد لله رب العالمين.
لائحة المصادر والمراجع:
– ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984.
– ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1955.
– أبو زهرة، محمد، العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، طبعة 1995.
– الأصفهاني، الراغب، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1412 هـ.
– البخاري، الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة 5، 1993.
– الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1420 هـ.
– الزحيلي، وهبة، آثار الحرب في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة، دار الفكر، دمشق، بدون تاريخ.
– الشطي، إسماعيل، الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة، دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى، 2013.
– العسري، خالد، الشورى المغيبة: الشورى بين نصوص الوحي ومسارات التاريخ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007.
– غريفيث مارتن وأوكلاهان تيري، المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية، مركز الخليج للأبحاث، دبي، الطبعة الأولى، 2008.
– القرطبي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1964.
– مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة، 1955.
– هويدي، فهمي، الإسلام والديمقراطية، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1993.
– المصري، شفيق، “المواطنة في ضوابطها الدستورية”، مجلة التسامح، السنة الخامسة، خريف 2007.
– ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000.
مراجع باللغات الأجنبية:
– Duguit, Léon, Souveraineté et Liberté: leçons faites à l’université Colombia (New york), 1920-1921, Paris : Librairie Felix Algan,1922: (gallica bibliothèque numérique.
– George Thomas Kurian, James E. Alt, Simone Chambers, Geoffrey Garrett, Margaret Levi, Paula D. McClain, The Encyclopedia of Political Science, CQ Press, Washington, 2011.
– Gicquel, Jean, Droit constitutionnel et institutions politiques, Editions Montchrestien, Paris, 16ème éd., 1999.
– Pactet, Pierre, Institutions politiques, Droit constitutionnel, Armand Colin, 22ème éd., 2003.
– Rapport de commission internationale de l’intervention et de la souveraineté des Etats (CIISE), La responsabilité de protéger, Ottawa, publié par le centre des recherches pour le développement international, 2001.
– Sindey, Floss, Les critiques de la notion de souverainté en Droit et sciences politiques: l’évolution sémantique des concepts source de confusion, thèse de doctorat, Université de Rennes 1(sous le sceau de l’université Européenne de Bretagne), Faculté de droit et de science politique, 2015.
– Zhekeyev, Aiman, La souveraineté et la réalisation de la responsabilité international des Etats en droit international public, thèse de doctorat, Université Paris 12, Paris, 2009.
مواقع إلكترونية:
– بيان القاهرة: “موقف علماء الأمة من القضية السورية”، بتوقيع أكثر من 70 منظمة وجمعية إسلامية:
– https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2013/6/14/علماء-الإسلام-يصعّدون-ضد-النظام
– تلاوة بيان القاهرة بصوت الشيخ محمود حسان:
– https://www.youtube.com/watch?v=vh1YxmJ7CFw
– العسري، خالد، “علماء الأمة” والأزمة السورية: اختلال التوازن، على الرابط:
– ميثاق الأمم المتحدة:
– http://www.un.org/ar/charter-united-nations/index.html
——
[1] معاهدة وستفاليا أو سلام وستفاليا (Peace of Wesphalia): حصيلة تسوية سياسية أنهت ثلاثين عاما من الحرب (1618-1648) غرقت فيها أوربا الوسطى بسبب الصراع الكاثوليكي البروتستانتي، وتعد من أكثر النزاعات سفكا للدماء في التاريخ الأوربي، وكان من نتائجها تقويض سلطة الإمبراطورية الرومانية المقدسة. ومما نصت عليه المعاهدة مبدآن، يتعلق الأول بالاعتراف بسيادة كل ملك على أراضيه، وعدم خضوعه لأي إرادة سياسية أخرى. ويتعلق الثاني بمنح كل ملك سلطة تحديد الدين الذي يُعتنق في مملكته، وهو ما يحظر التدخل في شؤون الدول على أساس ديني. يراجع: غريفيث مارتن وأوكلاهان تيري، المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية، مركز الخليج للأبحاث، دبي، الطبعة الأولى، 2008، ص 255.
[2] Zhekeyev, Aiman, La souveraineté et la réalisation de la responsabilité international des Etats en droit international public, thèse de doctorat, Université Paris 12, Paris, 2009, p. 32.
[3] Sindey, Floss, Les critiques de la notion de souverainté en Droit et sciences politiques: l’évolution sémantique des concepts source de confusion, thèse de doctorat, Université de Rennes 1(sous le sceau de l’université Européenne de Bretagne), Faculté de droit et de science politique, 2015, P. 373.
[4] “تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها”. ميثاق الأمم المتحدة (الفصل الأول – المادة 2)
http://www.un.org/ar/charter-united-nations/index.html
[5] Rapport de commission internationale de l’intervention et de la souveraineté des Etats (CIISE), La responsabilité de protéger, Ottawa, publié par le centre des recherches pour le développement international, 2001, p. 8
[6] المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية، م س، ص 264.
[7] Duguit, Léon, Souveraineté et Liberté: leçons faites à l’université Colombia (New york), 1920-1921, Paris : Librairie Felix Algan,1922: (gallica bibliothèque numérique), p. 43.
[8] George Thomas Kurian, James E. Alt, Simone Chambers, Geoffrey Garrett, Margaret Levi, Paula D. McClain, The Encyclopedia of Political Science, CQ Press, Washington, 2011, p. 1582-1583.
[9] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000، ص 197.
[10] الأصفهاني، الراغب، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1412 هـ، ص 885.
[11] الإمام البخاري، صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة 5، 1993، كتاب البيوع، 2/ 722.
[12] الإمام مسلم، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة، 1955، 2/ 1106.
[13] العسري، خالد، الشورى المغيبة: الشورى بين نصوص الوحي ومسارات التاريخ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007، ص 74.
[14] صحيح البخاري، م س، كتاب التفسير. رقم الحديث 4623.
[15] الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1420 هـ، 15/ 518.
[16] صحيح البخاري، م س، رقم الحديث 2581، 2/ 974.
[17] من تتمة حديث الإمام البخاري السابق ذكره.
[18] من تتمة حديث الإمام البخاري السابق.
[19] ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984، 28 / 155.
[20] أبو زهرة، محمد، العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، طبعة 1995، ص 63.
[21] م ن، ص 64.
[22] م ن، ص 61.
[23] Souveraineté et Liberté, Ob. Cit., p. 70.
[24] Pactet, Pierre, Institutions politiques, Droit constitutionnel, Armand Colin, 22ème éd., 2003, p. 89.
[25] الزحيلي، وهبة، آثار الحرب في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة، دار الفكر، دمشق، بدون تاريخ، ص 164.
[26] وقع على بيان القاهرة الذي كان عنوانه: “موقف علماء الأمة من القضية السورية” أكثر من 70 منظمة وجمعية إسلامية على رأسها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورابطة العالم الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في السعودية، والإخوان المسلمون، ورابطة علماء الشام…:
https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2013/6/14/علماء-الإسلام-يصعّدون-ضد-النظام
وقد قرأ نص البيان الشيخ محمود حسان، وهذا رابط مشاهدته:
https://www.youtube.com/watch?v=vh1YxmJ7CFw
[27] راجع الرابط الآتي:
https://www.alarabiya.net/arab-and-world/syria/2013/06/13/من-القاهرة-علماء-المسلمين-يدعون-إلى-الجهاد-لنصرة-سوريا
[28] العسري، خالد، “علماء الأمة” والأزمة السورية: اختلال التوازن، على الرابط: https://diae.net/?p=13018
[29] الشطي، إسماعيل، الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة، دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى، 2013، ص 69.
[30] آثار الحرب في الفقه الإسلامي، م س، ص 120.
[31] العلاقات الدولية في الإسلام، م س، ص 82.
[32] م ن، ص 51.
[33] آثار الحرب في الفقه الإسلامي، م س، ص 161.
[34] يراجع نص الوثيقة عند: ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1955، 1/ 601-604.
[35] Gicquel, Jean, Droit constitutionnel et institutions politiques, Editions Montchrestien, Paris, 16ème éd., 1999, p.46-47.
[36] Ibid, p. 47.
[37] هويدي، فهمي، الإسلام والديمقراطية، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1993، ص 27.
[38] المصري، شفيق، “المواطنة في ضوابطها الدستورية”، مجلة التسامح، السنة الخامسة، خريف 2007، ص 53.
[39] القرطبي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1964، 7 / 250.
[40] التحرير والتنوير، م س، 9 / 7. XeltovoPrime