البعد الإنساني في التأسيس القرآني للحوار الديني
د. عبد الحليم محمد أيت أمجوض / Dr. Abdelhalim Ait Amjoud
أستاذ التعليم العالي، باحث في العلوم الإسلامية، الدار البيضاء، المغرب
ملخص البحث:
تنطلق هذه الورقة البحثية من مضمون “الكلمة السواء” التي دعا إليها القرآن الكريم “أهل الكتاب”؛ للإسهام في مواجهة غلواء النزعة المادية المعادية للإيمان الفطري والأخلاق الإنسانية، والحد من عقيدة العنف العنصرية المهددة لحاضر البشرية ومستقبلها، تأسيسا على مبدأي الكلمة: “توحيد الله” و”وحدة الإنسانية”، واجتهادا في استبصار الأبعاد الإنسانية المرتقبة لها، بعد كشف جذور البلاء المعاصر الذي يفرغ الإنسان من معناه، سعيا إلى إقامة شراكة حقيقية مع الفضلاء من أهل الأديان، وفي مقدمتهم المسيحيون، من أجل حفظ حق الإنسان في معرفة خالقه، وصيانة فطرته، وضمان حقوقه وكرامته، والتصدي في المقابل لآفات الإلحاد والتفسخ الخلقي والعدوان والظلم والعنف والصراع.
[ الكلمات المفتاح: المشترك الإنساني، الحوار الديني، التوحيد، القيم الروحية، القيم الخلقية، وحدة الإنسانية، العدل ]
Abstract:
This paper explores the content and perspectives of the “common word” to which the Holy Qur’an called the “people of the book.” As I argue, this call is meant to confront the tendency towards material excess – which eventually undermines the innate faith and human morals – and to reduce the racist ideology of violence which threats both the present and the future of humanity. Based on the two principles of the oneness of God and the unity of humanity, the “common word” aims to be able to face the nonsensical culture which pervades our modern world through establishing a genuine partnership with honest people in all religions – particularly with the Christians – in order to face the expanding currents of atheism, moral depravity, tyranny, oppression, violence, and conflict.
[ Keyswords: Human commonalities, religious dialogue, monotheism, Spiritual values, Moral values, unity of humanity, Justice ].
:المقال في العدد الثاني من المجلة المحكة سراج
Loading…
توطئة:
تفرض التحديات التي تهدد الإنسانية على العقلاء التعاون من أجل مواجهتها، نظرا للتزايد المهول لعوارض الدمار الخطير الذي يصيب الإنسان الحديث في شخصيته الفطرية حين أصبح السعي حثيثا لإفراغها من محتواها الآدمي بفعل تكريس نزعات الهيمنة والعنف والصراع والعنصرية والاستبداد، وإشاعة التحلل الخلقي والشذوذ، فضلا عن ترسيخ القيم المادية، سواء منها التي تنادي بالإلحاد الصريح عقيدة، أو التي تعترف من غير حماس بإيمان شكلي باهت لا أثر له في حفظ مصير الإنسانية من الخراب.
مما يحتم على الأديان، التي يتفق معظم أتباعها على إدانة تلك الانحرافات، السعي إلى التصحيح، وإعادة الاعتبار للقيم الإيمانية الفطرية في الإنسان، وجعلها قوة فاعلة في الحياة، وتخليق الحضارة المعاصرة بما يكفل إعادة بناء الإنسان الحديث؛ وهو ما يستدعي البحث في المصادر الدينية عن أرضية مشتركة تتيح البناء المنشود.
في هذا السياق نجد التأسيس القرآني للحوار الديني، من خلال دعوته إلى “الكلمة السواء”، في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية:64].
وهي دعوة جديرة بالتدبر بيانا لمضمون المقترح، وأبعاده الإنسانية الكفيلة بمواجهة التحديات التي تكاد تعصف بالأديان جميعها، وتفشل كل سعي جاد للتوافق. لذلك أتخذها أهم مقاصد هذه الدراسة من خلال مبحثين؛ أولهما لبحث التأسيس القرآني للحوار الديني من خلال “الكلمة السواء”، وثانيهما لكشف أبعادها الإنسانية، وأثرها المرتجى في معالجة الانحرافات المذكورة.
المبحث الأول: التأسيس القرآني للحوار الديني من خلال “الكلمة السواء
لا بد من بيان موجبات “الكلمة السواء” حتى لا يُعتبر الحرص على “المشترك” مع الآخر المخالف مزايدة فكرية لتجاوز ثقافة المفاصلة التي طغت على الحركات الإقصائية الدينية، أو سعيا لشرعنة الحل المفروض واقعا للتعامل مع القوى الغالبة، أو طلبا لرضاها بالتربيت على الأكتاف، أو انسياقا وراء مشاريع كفرية وتفريطا في مبادئ عقدية ثابتة[1].
ثم بعد ذلك أعبر إلى المضمون ممثلا في مبدأين مقترحين في آية “الكلمة السواء”؛ أولهما: “توحيد الله تعالى”، وثانيهما: “وحدة الإنسانية”[2]، وهما ينفتحان على مساحات مشتركة يمكن أن تسعف في بناء عمل مشترك.
المطلب الأول: “الكلمة السواء”؛ التأصيل والضرورة المنهجية
إن التماس “المشترك” مع أهل الكتاب عمل بمقتضى الأمر القرآني الداعي إلى “الكلمة السواء” من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية:64].
نزلت الآية في “يهود بني إسرائيل الذين كانوا حَوالى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم (…)، [وقيل]: بل نزلت في الوفد من نصارى نجران” [3]، لكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ ولذلك خلص الطبري، بعد أن أورد اختلاف الروايات في سبب النزول، إلى أن “الواجب أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به”[4]؛ أي بأمر الدعوة إلى “الكلمة السواء”، ولما كان الأمر الموجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا لأمته من بعده؛ قال ابن عطية: “وكذلك ينبغي أن يدعى بها أهل الكتاب إلى يوم القيامة”[5].
وقال ابن عاشور: “(تَعَالَوْا) هنا مستعملة في طلب الاجتماع على كلمة سواء، وهو تمثيل: جعلت الكلمة المجتمع عليها بشبه المكان المراد الاجتماع عنده، (…)، والكلمة هنا أطلقت على الكلام الوجيز”[6]، ثم وُصِفت”الكلمة”بقوله: “سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ” أي: “عدل ونَصف، نستوي نحن وأنتم فيها “[7]؛ أي فيها إنصاف، ولا ميل فيها لأحد على صاحبه.
واستحسن ابن عاشور منحى ابن عطية في تفسير “الكلمة السواء” حين قال [أي ابن عطية]: “والذي أقوله في لفظة (سواء) أنها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها في هذا الموضع، وهو أنه دعاهم إلى معان جميع الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعوين أن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً، فلم يكونوا على استواء حال؛ فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس من حق لا يتفاضل الناس فيه”[8].
وهذه إشارة لطيفة إلى مبدأ “وحدة الإنسانية” باعتبارها اقتضاء مؤسسا على مبدأ “توحيد الله” في مضمون “الكلمة السواء”؛ وهو مذهب هذه الدراسة، ومدعاة الانفتاح فيها على الأبعاد الإنسانية “للكلمة” حين يتعذر الاستبصار الواعي الخالص لكافة أبعاد الحقيقة الدينية عن طريق الحوار؛ ومنها حقيقة “النبوة المحمدية”؛ ذلك لأن تمام “السواء” و”العدل” و”الإنصاف” بين الأطراف أن يقر الجميع بنبوة جميع الأنبياء بدون استثناء، لا أن يكون الاعتراف الكامل من الجهة الإسلامية فحسب؛ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية:285].
لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله؛ وهو ما يعني الحرص على طلب “بساط مشترك” لا يلغي الفوارق المميزة قسرا بقصد الوصول إلى حالة من التماهي المبتسرة تفضي إلى تمييع الساحة الفكرية؛ فينتفي القصد الإلهي من خلق الإنسان للبحث عن الحقيقة، وإن أدى ذلك إلى الاختلاف؛ ما نُبِذَ التعصب الأعمى والإقصاء.
وبناء عليه؛ لا بد من الاعتراف بتمايز الأديان، بالرغم من القواسم المشتركة، فالإسلام والمسيحية مثلا ليسا دينا واحدا كما يدعي البعض ممن حشد النصوص، وتعسف في تأويلها، للاستدلال على أن الإسلام دعوة انشطرت عن النصرانية انشطارا فرضته السياسة وأحقاد الحروب، وجعل على عاتق الحوار مهمة العودة بهذا الشطر إلى أرومته التي انبثق عنها في زعمه[9].
وبالمقابل فإن الإقرار بالحدود الفاصلة، بين الإسلام والمسيحية، لا ينبغي أن يؤول إلى الصدام مثلما وقع في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش بالأندلس، وفي الغزو الاستعماري والإبادات الجماعية بالبوسنة والهرسك والشيشان…
لذلك فالمسلك الأوسط لا يترك للعقلاء من الدينين مناصا من الانخراط الجاد في حوار صادق على”أرضية جامعة” من أجل التعاون على أوجه البر. وفي هذا السياق يُفترض أن تجد الدعوة إلى “الكلمة السواء” تجاوبا من قبل فضلاء رجال الكنيسة الذين “يبحثون عن الحوار مع المسلمين، ويصرحون منذ مؤتمر الفاتيكان الثاني أن الأوان قد آن لطي الصفحة [صراعات الماضي]، وافتتاح عهد يسوده التفاهم والتعاون مع الإسلام”[10].
لقد أعلنوا في وثيقة المجمع الرئيسية أن الكنيسة تنظر بعين الاعتبار إلى “المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد الحي القيوم الرحيم (…)، وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بإخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معاً العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس”[11].
وهو ما يقتضي منهجيا بناء مشروع الحوار الإسلامي المسيحي على مرحلتين؛ ينتهي في الأولى إلى تحديد مبادئ الإيمان المشتركة، وفي الثانية إلى التواضع على سبل معالجة الاختلالات الإنسانية المعاصرة انطلاقا من تلك المبادئ.
إنه مسلك لا يقي من ويلات العنف الديني فحسب؛ بل يضفي على التدين معنى في الواقع، ويجعل له جدوى في حياة الناس، إذ يطبب أمراض الحضارة الحديثة؛ بفرض المعايير التي يجب أن تحكم علاقتها بالإنسان والطبيعة، ثم يفسح المجال لبناء حضاري مشترك مرتكز على القيم الروحية والخلقية.
لكن غنيمة إنسانية كهذه لا سبيل لها بالسهول الواطئة، بل تتقدمها حتما عقبات تقتحم؛ هي على كثرتها، وتشعبها وتعقيداتها، تحتاج قوة حافزة تتأسس على المبدأين المقترحين في آية “الكلمة السواء” مع أهل الكتاب: “توحيد الله تعالى”، و”وحدة الإنسانية”.
المطلب الثاني: “توحيد الله” مبدأ أول من “الكلمة السواء”
إن الإقرار بمبدأ التوحيد على بُسُط الحوار يرفع المتحاورين من دَرَك العصبية الذاتية إلى أفق الروحانية الموضوعية التي تتجلى في الإخلاص والصدق في طلب الحق من خلال الحوار. لكن يعترض هذا السموَّ سؤالُ الاختلاف في تصورات التوحيد بين المسلمين والمسيحيين، وما إذا كان مجرد إقرار الطرفين بالتوحيد منطلقا بغض النظر عن اختلاف طبيعته لديهما وفلسفته؟
قد يعتبر بعض فلاسفة المسيحيين أنفسهم موحدين غير مشركين بالمعنى الوثني الذي عرفته شبه الجزيرة العربية أثناء نزول القرآن، كما تختلف الآراء في الأوساط العلمية الإسلامية بهذا الصدد، نظرا للمكانة الخاصة التي يحظى بها أهل الكتاب في التشريع الإسلامي بالرغم مما توحي إليه بعض الآيات من وصف بعض طوائفهم بالكفر والشرك، ويزيد الإشكال تفريعا وجود فرق نصرانية حافظت على التوحيد عبر التاريخ حسبما يتبين لاحقا.
إن المنهجية العلمية ترفض الإجمال في مواطن التخصيص، ذلك لأن واقع أهل الكتاب اليوم، بل المسلمين أيضا، يشهد بوضوح عدم المرجعية المشتركة الموحدة، مما يجعل الحكم إجمالا بالشرك، أو بالتوحيد، على جميع طوائف أهل الكتاب أمرا منافيا للصواب، مجانبا لمقتضيات التمحيص العلمي، لذلك نهج القرآن الكريم منهجا عادلا بالحكم على كل طائفة بعد بيان معتقدها، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾[سورة المائدة، الآية:17]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾[ سورة المائدة الآية:73]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[سورة آل عمران، الآيتان:113-114].
ولما كان التوحيد أساس دين الله من لدن سيدنا آدم إلى يوم القيامة، فإن القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة مصدقا لما بقي من الآثار الدالة عليه في عقائد أهل الديانات السماوية، وفي سلوكات بعض طوائفهم، ومنبها على ما أصابها من تحريف؛ إذ لم يكن سيدنا عيسى عليه السلام بدعا من الرسل، بل دعا بدعوتهم إلى التوحيد، وأخلص ووفى لهذا المبدأ؛ قال الله عز وجل مبينا هذه الحقيقة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ. إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ. تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ. إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ. وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ. وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[سورة المائدة، الآيتان:116-117].
والناظر في الأقوال المأثورة عن المسيح عليه السلام يجد فيها نصوصا تقر بوحدانية الله تعالى، ومن ذلك ما ورد في إنجيل مرقس على لسان أحد اليهود الكتبة حين سأل المسيح فقال: “ما هي أولى الوصايا كلها؟ فأجاب يسوع: الوصية الأولى هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا هو الرب الأحد، فأحب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل فكرك وكل قدرتك. والوصية الثانية: أحب قريبك مثلما تحب نفسك. وما من وصية أعظم من هاتين الوصيتين. فقال له معلم الشريعة: أحسنت، يا معلم! فأنت على حق في قولك إن الله واحد ولا إله سواه”[12].
وقد حافظ أتباع المسيح الأوائل على التوحيد زمنا غير يسير، فورَّثوه لمن حافظ عليه بعدهم، وحفظ لنا التاريخ ذكر عدد من الفرق النصرانية الموحدة في مراحل زمنية مختلفة؛ كالأبيونية[Ebionism][13]، والأرتيمونيون [Artemonites][14]، والأريوسية[Arianism][15]، والدوناتيون [Donatists][16]، وغيرها كثير من الفرق، وأيضا من رجالات الفكر المسيحي الذي أخلصوا لمبدأ التوحيد وحافظوا عليه عبر التاريخ إلى أن ظهرت للموحدين في هذا العصر مؤسسات وكنائس ومنشورات تبين عقائد هذه الفئة وشعائرها. وقد ألف كليف ريد [Cliff Reed]، الذي كان يترأس المجمع العالمي للموحدين النصارى، كتابا ميز فيه معتقدات الطائفة الموحدة عن باقي الطوائف[17].
ولهذا تسع “الكلمة السواء” اليوم كل النصارى بمللهم المختلفة، كما تسع أهل القبلة جميعا بفرقهم ومذاهبهم المختلفة، ما دام الجميع يقر بتوحيد الله تعالى بغض النظر عن فلسفات التوحيد المختلفة؛ إذ يكفي الإقرار بالمبدأ، والله يتولى السرائر، وقد أمرنا أن ندع الناس وما يعتذرون به، وفي مثله وقياسا عليه يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر على قوم قد أقيموا في الشمس في بعض أرض الشام، فقال:”ما بال هؤلاء؟ فقالوا: عليهم الجزية لم يؤدوها، فهم يعذبون حتى يؤدوها. فقال عمر: فما يقولون هم؟ وما يعتذرون به في الجزية؟ قالوا: يقولون لا نجد. قال: فدعوهم، لا تكلفوهم مالا يطيقون. وأمر بهم فخلى سبيلهم”[18].
إن الإسلام يكره التكلف بمحاكمة النوايا، والتكليف بما لا يطاق، ومن قبيلهما تجاوز إقرار النصارى بالتوحيد إلى اشتراط محاكمة تفصيلات الاعتقادات في الاجتماع على نصرة قضايا الحق والعدل والسلام في الأرض، والله عز وجل يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الممتحنة، الآيتان:8-9].
والآية بينة في استثناء البغاة الظلمة من واجب البر والقسط؛ وهو ما يؤكده إخراج “الَّذِينَ ظَلَمُوا” من الأمر بالتي هي أحسن في مجادلة أهل الكتاب؛ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية:46]. ولذلك يتعذر الحوار اليوم مع “الَّذِينَ ظَلَمُوا” من اليهود الذين اتخذوا “الصهيونية” عنوانا لحركتهم العدوانية المغتصبة لأرض فلسطين. وهو أمر مستقيم بالنظر إلى مبدأ “وحدة الإنسانية” من مبادئ “الكلمة السواء”؛ لأن الظلم والبغي يعودان عليها حتما بالنقض.
المطلب الثالث: “وحدة الإنسانية” مبدأ ثان من “الكلمة السواء”
يقتضي مبدأ “وحدة الإنسانية” من “الكلمة السواء” أن لا يتميز إنسان عن آخر من خلال اللون أو الجنس أو العرق أو الأرض أو المال أو النسب (…)؛ فالهبات الربانية المتنوعة للإنسان آيات تقتضي مزيد يقين ببديع صنع الله[19]، ولا تمثل امتيازات يستعبد بها إنسان إنسانا ولدته أمه حرا؛ روي عن أنس أن رجلا من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين. قال أنس، فضرب، فو الله لقد ضربه، ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع السوط على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين! إنما ابنه الذي ضربني، وقد استقدت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس؛ وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ قال: يا أمير المؤمنين! لم أعلم ولم يأتني”[20].
وفي الجملة إن “وحدة الإنسانية” تقتضي المساواة في الكرامة الآدمية، حقوقها وواجباتها ومسؤولياتها، فلا علو ولا استكبار ولا استضعاف، وهي بهذا المعنى تتأسس على وحدة الأصل والخلق؛ مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء، الآية:1]؛ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات، الآية:13].
وعلى العموم تلتقي الكتب السماوية في قضية الخلق[21]؛ إذ الإنسان بوصفه خلق الله، وصنعه البديع، حقيقة مؤكدة في الكتاب المقدس أيضا؛ ففي سفر التكوين من العهد القديم نجد على سبيل المثال ما نصه: “في البدء خلق الله السماوات والأرض…وقال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا، وليتسلط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع وحوش الأرض وكل ما يدب على الأرض”[22].
وتزداد “وحدة الإنسانية” تأكيدا باتفاق القرآن الكريم والكتاب المقدس على مساحات مشتركة واسعة من مقاييس الأخلاق الإنسانية والآداب العامة والقيم، ذلك لأن المسلمين والمسيحيين يعتقدون أن حياة الإنسان يجب أن تكون على أساس عقدي يحدد معيار الخير المرغوب في فعله وممارسته، ومقياس الشر المحرم الذي تنبذه الكتب المقدسة وتنهى عنه.
نجد في القرآن الكريم دعوة صريحة للعفة وأمرا صارما بإقامة العدل والإحسان، ونهيا مشددا عن الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وفيه أمر بإطعام المساكين وتحرير الرقاب من العبودية لغير الله، وكشف غم المغمومين وتنفيس كرب المكروبين وقضاء الحاجات والتحلي بسائر أخلاق ذوي الفضل والمروءات، قال تعالى في الآية الجامعة لمعاني القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل، الآية:90].
وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا. وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا؛ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا. وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ. إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا. وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ؛ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا. وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا؛ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا. وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ. إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا. وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ. إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ؛ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا. وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا. إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا. كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [سورة الإسراء، الآيات:26-38].
وعند النصارى أيضا أمثلة عديدة ساقها الإنجيل في نماذج لما ينبغي أن يكون عليه سلم القيم والأخلاق والآداب والمثل، حيث ورد في إنجيل متى ما يلي: “ويقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا، يا من باركهم أبي، رثوا الملكوت الذي هيأه لكم منذ إنشاء العالم، لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبا فآويتموني، وعريانا فكسوتموني، ومريضا فزرتموني، وسجينا فجئتم إلي. فيجيبه الصالحون: يا رب، متى رأيناك جوعانا فأطعمناك؟ أو عطشانا فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريبا فآويناك؟ أو عريانا فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضا أو سجينا فزرناك؟ فيجيبهم الملك: الحق أقول لكم: كل مرة عملتم هذا لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي عملتموه! ثم يقول للذين عن شماله: ابتعدوا عني، يا ملاعين، إلى النار الأبدية المهيأة لإبليس وأعوانه: لأني جعت فما أطعمتموني، وعطشت فما سقيتموني، وكنت غريبا فما آويتموني، وعريانا فما كسوتموني، ومريضا وسجينا فما زرتموني. فيجيبه هؤلاء: يا رب، متى رأيناك جوعانا أو عطشانا، غريبا أو عريانا، مريضا أو سجينا، وما أسعفناك؟ فيجيبهم الملك: الحق أقول لكم: كل مرة ما عملتم هذا لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي ما عملتموه، فيذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي، والصالحون إلى الحياة الأبدية”[23].
ولا شك أن إطعام الجياع وسقاية العطشى وإيواء الغرباء وكسوة العراة وزيارة المرضى والمنكوبين من المثل والقيم المحمودة المطلوبة في الإسلام والمسيحية على حد سواء، ولها اليوم امتدادات في عالم ازدادت فيه الفوارق الطبقية على إثر سيادة القيم المادية المجحفة، كما ازدادت فيه الهوة اتساعا بين دول الشمال الغنية ودول العالم الثالث الفقيرة مما خلف ملايين الجياع والعراة واللاجئين والمرضى والمنكوبين الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، ويحتاجون إلى يد حانية وصوت مناصر، ومن لهؤلاء إن لم يكن لهم أهل الأديان؛ وهو موجب الحديث بعده عن الأبعاد الإنسانية “للكلمة السواء”.
المبحث الثاني: الأبعاد الإنسانية “للكلمة السواء” القرآنية
“الكلمة السواء” تفتح مجال العمل المشترك لمواجهة التحديات التي يعود سوء تدبير التعامل معها على ثوابت الأرضية المشتركة بالإبطال أو الإخلال على الأقل؛ إما لكون استفحالها يؤول إلى نقض أصل “التوحيد” من الكلمة السواء، أو يفضي إلى الإخلال بأصل “وحدة الإنسانية”.
وقد أجملت التحديات التي تواجه أصل التوحيد في ترسيخ القيم الروحية والخلقية، واقتصرت في التحديات التي تؤثر على أصل “وحدة الإنسانية” على إقامة العدل. وكلها أبعاد لا تخرج عن اعتبار حقوق الإنسان؛ وفي مقدمتها حقه في معرفة خالقه، وحقه في المحافظة على فطرته وإنسانيته، فضلا عن حقه في الكرامة الآدمية والعدالة.
المطلب الأول: ترسيخ القيم الروحية والخلقية
يحتاج العالم المعاصر إلى إعادة فتح رباني يعيد إلى قمة موجهات السلوك الإنساني القيمَ الروحية والخلقية؛ بدءا من الأساس الروحي توحيدا وصدقا وصفاء، وانتهاء بتجلياته الخلقية محبة ورفقا ورحمة وعدلا؛ ذلك لأن المسلمين، والمسيحيين، تهددهم اليوم حركة الإلحاد، والتفسخ الخلقي، التي تقودها القوى المناوئة للحركة الدينية في واقع الحياة، الساعية سعيا حثيثا لا يعرف الكلل لإسقاط الإسلام والمسيحية معا، مما يفرض عليهما تشكيل جبهة إيمانية مشتركة للدفاع عن الوجود والمصير.
هذه الحركة تتزين اليوم ببهاء البث الإعلامي الفني الذي لم يعد يقيم للحدود معنى، وتحتمى بمراكز التأثير المتعددة؛ بدءا من مجموعات الضغط، وانتهاء بمعاهد البحث والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، حتى كادت الحضارة المادية المعاصرة تنفض يديها من الإيمان والأخلاق؛ فانتشر الإلحاد والانحطاط فلسفة وممارسة، ففي سنة 1830م نشر تشارلز داروين كتابه “أصل الأنواع” عارضا فيه فرضياته القائلة بأن الإنسان ليس إلا حيوانا متطورا غير مخلوق، ولا ممتن بوجوده لإله، وانتشرت نظريته مغتنمة فرصة التقدم العلمي المذهل في القرن التاسع عشر[24].
يدعي الداروينيون “أن الحيوانات التي تستطيع البقاء على قيد الحياة هي تلك التي تحسن التكيف مع الوسط الطبيعي، والتي تقدر أكثر من غيرها على اجتياز العراقيل والفوز في صراع الأدغال. هكذا استطاع جد الإنسان، القرد الذكي الحاذق، أن يوسع جمجمته، وينمي حجم دماغه قبل أن ينزل من الشجر ليمشي فرحا على قائمتيه الخلفيتين، ويصبح سيد المملكة الحيوانية التي ينتسب إليها. استطاع هذا الكائن الداب على قدمين، القادم من بعيد، المتجه نحو مستقبل كوني أن يحكم الأرض. هذا الكائن المنحدر من جد قديم، من سمكة عجيبة غادرت البحر، طوَّر حضارة الطاقة النووية وغزو الفضاء…”[25].
ولم تقف الحضارة المعاصرة عند أبحاث علماء “الإحاثة” التي قوضت نظرية التطور بالأدلة العلمية الدامغة[26]، بل تجاوزتها لتستقوي بنظرية التحليل النفسي “الفرويدي” توأم فرضية داروين الطبيعية التي خلفت آثارا خطيرة على معنى الإنسان؛ الذي أصبح سليل قرد تغلي فيه الشهوات والعقد، مستندا بذلك إلى مفهوم العقدة الأوديبية الأسطورية القديمة فضلا عن الفرضية الداروينية.
وقد اجتمع الإلحاد والانحطاط ليثمرا انحلالا رهيبا من كل دين وخلق؛ بلغ أدنى دركاته حين أصبحت مسيرات الشواذ تجوب العواصم الأوروبية مطالبة بالاعتراف الرسمي، بل لم تسلم منها “مدينة القدس” الأرض المشرفة عند أهل الأديان السماوية جميعا؛ إذ “مع تزايد تقبل التجمع الصهيوني للشذوذ، وتزايد نفوذ الشواذ، قرروا تنظيم مسيرتهم السنوية في المدينة المقدسة، واشترك في المسيرة حوالي أربعة آلاف [في يونيو 2002م]”[27].
إن إزاحة قتامة هذا الوضع أمانة في أعناق أهل الأديان أمام الله، ومسؤولية تاريخية أمام الأجيال اللاحقة، مما يؤكد ضرورة العمل الإسلامي المسيحي المشترك لمواجهة خطر تغييب القيم الروحية؛ بل مدافعته بمحاربة الإلحاد بكل الأساليب الحضارية من أجل إعادة الإنسان إلى الله، بغض النظر عن تفاصيل العقيدة في الوجدان الديني مما يختلف فيه الإسلام والمسيحية. فضلا عن واجب الوقوف سدا منيعا أمام الانحلال الخلقي توسلا بالمشترك بينهما من سلم الأخلاق الإنسانية والآداب العامة[28]، مادام الجميع يعتقد مبدئيا أن الدين جاء ليسمو بالإنسان إلى مستوى التكريم والارتفاع عن حظوظ الغرائز البهيمية.
تسعفهما لبلوغ الهدف فطرة الله التي فطر الإنسان عليها، والتي تنحو به طبعا إلى مغالبة نزوات الجسد بأشواق الروح إلى الكمال، مما يجعل الإنسان يرنو عادة “إلى ما يحفظ عليه نقاء معدنه، وصفاء جوهره، وزكاة نفسه، وطهارة قلبه، واعتدال خلقه، وقصد سلوكه. ويجعله على طول الخط سوي المنهج، قويم السبيل، زكي الباعث، نبيل المقصد، متعلقا بمعالي الأمور، نائيا عن سفسافها، يتطلع إلى ذلك، ويهفو إليه، فلا يجده إلا في رحاب الإيمان بالله، وأحضان الطاعة له، وظلال القرب منه”[29].
ويبدو من باب تحصيل الحاصل، بالنظر إلى وسائل تمكن الإلحاد والانحلال، الإشارة إلى وجوب استثمار الوسائل ذاتها في تعميم الإيمان والسمو الأخلاقي، من خلال تعزيز توظيف تقنيات الإعلام والاتصال لنشر القيم الروحية والخلقية، وتطوير مؤسسات التعليم الديني لمواكبة التحديات.
إن مواجهة الفساد المستشري ينبغي أن تكون عنوانا رئيسا ينعقد حوله جهد إسلامي مسيحي مشترك يطلق تيارا واسعا لإعادة الاعتبار للقيم والمبادئ، وللشخصية السوية المتوازنة، وللحضارة الإنسانية. وفي هذا السياق ينبغي التنبه إلى أن الغرب ينتج من داخل ثقافته السائدة ثقافة إنسانية نقدية مقاومة مبدعة رائعة، وإن كانت محاصرة، بينما تستهلك عدد من البلدان المتخلفة الجزء المنحل من ثقافة الغرب، ولا تلتفت إلى ثقافته النقدية الإنسانية.
ولا بديل في مشروع الحوار الديني عن هذا الجانب النقدي، خاصة في زمن الانفتاح المهول حيث لا يجدي التحرز، ولا توجد ترس واقية من كثافة الضخ الإعلامي السلبي، على أن المعركة الحقيقية تكمن في النضال المشترك من أجل تحرير الإعلام من أسر سلطان المال والجاه والفساد، وإعادة تأسيسه على خط لاحب راشد؛ لا يمجد الرذيلة، ولا يموه الحق، ولا يطعن في الأعراض، ولا يماري، ولا يداري، ولا يهيج، ولا يهول، ولا يبلد الحس، ولا يمسخ الفكر، ولا يضل النفس…
المطلب الثاني: إقامة العدالة الإنسانية العالمية
يفرض أصل “وحدة الإنسانية” من “الكلمة السواء” القرآنية إقامة العدالة الإنسانية الشاملة، والوقوف إلى جانب المستضعفين في الأرض، المحرومين من حقهم في القسمة الضيزى التي يجريها أقوياء العالم لثروات الأرض وخيراتها؛ وفق ما تمليه عليهم مصالحهم المادية البحتة التي قد تقضي بأن تستعمر شعوب فتقتل أو تجوع.
إن تحقيق العدل في الأرض، ورفض استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، تشكل مجتمعة جواهر ينظمها خيط “وحدة الإنسانية”، وتختصرها حركة جميع الرسالات السماوية في كلمة قسط، مصداقا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة الحديد، الآية:25].
ثم إن العدل والحق من أسماء الله الحسنى، تقدست أسماؤه وصفاته، مصداقا لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران، الآية:18]، وفي الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا”[30].
ولا يتصور نظام كوني مستقر من دون عدل؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [سورة الرحمن، الآية:7]، وكذلك نظام العلاقات بين البشر لا يقوم إلا بميزان العدل، وفي الأثر قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ليهود خيبر: “ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه (يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم) على أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض”[31].
ولعل أكبر تحد يستقبله الحوار الإسلامي المسيحي يكمن في معركة إقامة القسط، ونصرة المستضعفين في الأرض؛ ذلك لأن العدل مساحة مشتركة من سلم القيم يلتقي عليها كل من الإسلام والمسيحية، إذ لا يجادل أي منهما في حق الإنسان في العدالة والكرامة. يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل، الآية:90]، ويقول سبحانه: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [سورة الشورى، الآية:15]. ويقول عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية:8].
وليس الأمر بالعدل مقتصرا على الإسلام، بل في التعاليم المسيحية أيضا نداء حار، ودعوة صريحة، إلى الالتزام بالعدالة والدفاع عنها؛ سواء فيما وصلنا من خطابات الله المتعلقة بالمسيح وأتباعه في القرآن، أو فيما بقي محفوظا من التراث الديني عند المسيحيين. وفي هذا السياق ينسب إنجيل متى للمسيح عليه السلام قوله: “الويل لكم يا معلمي الشريعة والفريسيون المراؤون، تعطون العشر من النعنع والصعتر والكمون، ولكنكم تهملون أهم ما في الشريعة: العدل والرحمة والصدق، وهذا ما كان يجب عليكم أن تعملوا به من دون أن تهملوا ذاك”[32].
فهل يلتزم المسلمون والمسيحيون بتعاليمهم الدينية في الأمر بإقامة العدل، ومواجهة الظلم والاستضعاف والقسمة المجحفة التي صارت صبغة الحضارة المادية؟ لقد أثبتت الدراسات في نهاية الألفية الثانية أن خمس سكان العالم فحسب يستغلون أربعة أخماس الموارد الطبيعية والتجارة والاقتصاد العالمي[33]، والاختلال في تزايد.
هذا؛ فضلا عن سوء إدارة الكوكب والإجحاف بحقوق ساكنيه، وتعريضهم للأخطار المميتة بتبذير الموارد النباتية والحيوانية والمعدنية، والإسراف في استعمال الطاقة وتهديد المناخ، وتلويث الجو والأرض والبحر… حتى أطلق “روجيه غارودي” على الأثر المدمر لسدنة الحضارة المادية “البِيض” عبارة “الشر الأبيض”[34].
بل تصبح شرا مستطيرا حين تطرح “نُفايات المصانع والملوثات الذرية والكيماوية في البر والبحر. وتكتري بالثمن البخس أرض المحرومين الجائعين لتدفن عندهم فَضلات الأورانيوم التي يدوم إشعاعها الخَطِرُ قرونا وقرونا”[35]. والآن ترتفع حرارة الكوكب بفعل غازات التلويث المتكاثفة مما يهدد بذوبان ثلوج القطبين وزحف البحار على اليابسة، وتتمزق طبقة الأوزون فتعرض البشر للأشعة فوق البنفسجية التي تهلك العباد بعاهات السرطان؛ و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة يونس، الآية:81].
إن حركة الإفساد التي تبدت بوجه سافر توشك أن تأتي على حياة الكوكب لولا لطف الله، مما يحتم على المسلمين والمسيحيين توحيد الجهود في السعي من منطلق الأرضية الدينية المشتركة إلى تحقيق العدل في الأرض وفاء لاسم الله العدل، وللفطرة التي تأبى الظلم، ولرسالة الأنبياء الذين وقفوا إلى جانب الحق نصرة للمستضعفين وللقيم الفاضلة، وانسجاما في نهاية المطاف مع قانون الكون.
المطلب الثالث: مناهضة العنف ونظريات الصراع والهيمنة
ليس من المبالغة القول بأن الثقافة، ممثلة بالدين ثم النظريات الإيديولوجية وغيرهما، مثلت أهم عنصر دارت حوله أكثر حروب التاريخ المكتوب، بل إن أسباب الصراع الأخرى لا تخلو من بعد ثقافي مؤثر، فالدوافع المادية الغريزية للصراع هي دوافع مشتركة عند سائر البشر، ولا تؤدي بالضرورة إلى الصراع العنيف إلا إذا التقت بنمط من التصورات الكلية العنصرية المسندة بطرق التفكير العنيفة.
لا بد من كشف معاقل الثقافة العنصرية الصراعية تمهيدا لمحاصرتها، وأهمها عند التحقيق ثلاثة؛ أولها موروثات دينية وأخرى عرفية، وثانيها نظريات فلسفية مصلحية، وثالثها “عولمة” تسعى جاهدة لبسط هيمنة أحادية على العالم كله.
والأخطر شأنا منها النصوص ذات الطابع الديني التي تعوزها المصداقية بفعل عدم التأكد من ثبوتها، أو التي تُؤَوَّل تأويلا يسوغ العنف، فضلا عن الاجتهادات الظرفية التي ألبست لبوس الدين، ويشمل الحديث في هذا المقام أيضا الأعراف القبلية السلبية الموروثة، والقوانين التي تحتكم إليها بعض المنظمات المتطرفة، ويجمع بينها القدر الذي يتمتع به العنف والعنصرية من القدسية لدى أصحابها مما يجعل لها نفوذا وسلطة عليهم. والعلاج الناجع هنا لا يتم إلا بمخطط استراتيجي للتصحيح من خلال قنوات الحوار، ورهان مستدام للتربية التحصينية المشفوعة باستفراغ الجهد والصبر والعمل الدؤوب والرفق أولا وأخيرا.
وتأتي في المقام الثاني من مراتب المواجهة “نظريات الصراع” التي شكلت الخلفية الصريحة للحروب الظالمة التي تخوضها القوى الكبرى للسيطرة على ثروات الشعوب المستضعفة، بحيث سيقت مقولة صدام الحضارات[36] لتخدير العالم الغربي وإيهامه بأن العدو قادم من الجنوب، ومن بلاد الإسلام على وجه الخصوص.
لقد عمد أعداء الإنسانية إلى حقن عقول المثقفين المعاصرين بـ”فيروس الصراع الحضاري العنصري”؛ فاجتهدوا في شحذ العواطف نحو المواجهة؛ فأقاموا مقالاتهم على أساس “نفي الآخر واعتبار حضارته شرا مطلقا”[37]، وبرروا العدوان تبريرا مضللا مزورا للحقائق؛ فاعتبروا حربهم ضرورة وجودية، وألبسوا الصراع المادي على الموارد الطبيعية لبوس الدين والحضارة؛ وخير مثال على ذلك: “المشروع الصهيوني في فلسطين الذي حمل أطنانا من التعابير الدينية”[38] جعلها غطاء لأعماله الإجرامية المرتبطة “بمصالح الدول الغربية”[39]. وتولت كِبْره وسائل الإعلام وكذا الأوساط الجامعية وأسواق الدراسات الإستراتيجية في أمريكا وأوروبا وخارجهما[40].
وتأتي “العولمة” في المقام الثالث من التحديات؛ ذلك لأنها بمثابة سلوك صراعي غربي مهذب لطيف من حيث الظاهر، يحرض باطنا على الصراع من خلال التركيز على الترويج لثقافة واحدة دون اعتبار غيرها، والدفع بالقوميات للمقاومة حفاظا على الخصوصيات…
وإذا كان الأمر كذلك، فليس ثمة أمام العقلاء من أهل الأديان إلا حل واحد إذا صدق الخوف على مصير الإنسانية؛ وهو محاصرة ثقافة العنف والصراع والنزعة الأحادية بكل الوسائل المتاحة، بما فيها الكف عن المباركة الدينية لأعمال الساسة المصرين على تبنيها، بل إدانتها، وفي مقدمتهم وراث “البيت الأبيض”، نظرا لاعتماد الإدارات الأمريكية المتلاحقة على أصوات الناخبين المتدينين أساسا، بل أشار عدد من الباحثين الغربيين إلى أن المسيحيين الإنجليكيين ساهموا بخمسي الأصوات التي حصل عليها الرئيس “جورج دبليو بوش” في انتخابات عام 2004م[41].
ولذلك يجانب الصواب من يحصر مسؤولية أهل الأديان في توجيه النصح وتبيين مبادئ العدل والصبر والتسامح، وينأى بها عن إمكانية فرض الخيارات متذرعا بأن ذلك لا يستطيعه المتدينون؛ وهم يشكلون علامة فارقة في ميزان الانتخاب والتأثير على الساسة.
خاتمة
أسدل ستار هذه الدارسة بمحصولها من الخلاصات مرتبة فيما يأتي:
1 – التأسيس القرآني للحوار الديني، على مبدأي “وحدانية الله تعالى” و”وحدة الإنسانية”، ينفتح على مجالات واسعة من العمل المشترك لبناء صرح الجبهة الدينية المطلوبة في مواجهة التحديات التي تهدد الإسلام والمسيحية على حد سواء.
2 – يتيح خط التوحيد، للمسلمين والمسيحين، الترفع بالحوار عن الذاتية إلى أفق الروحانية الموضوعية التي تتجلى في الإخلاص والصدق في طلب الحق.
3 – لا تترك “وحدة الإنسانية” متسعا لتصبح هبة التنوع الإنساني امتيازات تجعل إنسانا ربا لإنسان، وإنما الجميع سواسية أمام الله ومقتضيات العدل.
4 – تعصم القيم الروحية والخلقية الإنسان من نزعات اللذة والتهافت على المتعة المادية التي تنزل بالبشر من مستوى الإنسان الذي كرمه الله، وأعلى شأنه، إلى دركات التكالب على المصالح المادية، المنبتة عن الوحي واستحضار المتاع الأخروي.
5 – إن الرسل الكرام جميعا، لو كانوا اليوم أحياء، لما رضوا عن حال العالم المعاصر المبنية على قانون الغاب بالرغم من شعارات حقوق الإنسان، مما يستلزم وفاء أهل الأديان لرسالاتهم في نشر القيم الروحية والخلقية، وترسيخ العدالة والكرامة الآدمية.
6 – يجب على العلماء في الجانبين، المسيحي والإسلامي، وعلى مؤسسات التشكيل الديني استفراغ الوسع في التنشئة الاجتماعية للأتباع على روحانية المحبة وثقافة العدل والسلام وسلوك التعايش، والتطبع على احترام سائر الأديان والثقافات والحضارات، مثلما تنبغي محاصرة ثقافة العنف والعنصرية ونظريات الصراع ومظاهر الاستكبار والهيمنة.
7 – يجانب الصواب من يحصر مسؤولية أهل الأديان في الوعظ والإرشاد، وينأى بها عن إمكانية استثمار نفوذ الناخب المتدين على مراكز القرار لفرض الخيارات الإنسانية، وتحقيق العدل في الأرض وفاء لاسم الله العدل وللفطرة التي تأبى الظلم ولرسالة الأنبياء الذين وقفوا إلى جانب الحق نصرة للمستضعفين.
8 – لا بد من بلورة برنامج ديني عالمي للنضال المشترك حيال قضايا الإنسان والحضارة، لتصحيح مسار التقدم البشري من خلال إقامته على ساقيه الروحي والمادي؛ لإيقاف نزيف الإنسان ضياعا وشقاء وانحطاطا.
وأختم بنداء الحكماء من المسلمين لأهل الفضل من المسيحيين: “لنجلسْ معا لتدارس الوضع العالمي الحالي، ومناقشة السبل الكفيلة بتنقيته إذا ما تضافرت جهود ذوي النيات الحسنة. فرغم أن لَوْنَ سماءينا ليس واحدا، إلا أن أرضنا واحدة، وفوقها نعالج مشاكل عاجلة: البؤس المادي والمعنوي، والإفساد الذي يمارس على البيئة، ومصير الأطفال والأقليات ثم الحروب، والقائمة طويلة. فلنجلس معاً لمعالجة هذه المشاكل، علنا نمتِّعُ كل بلد في العالم، كل شعب بل كل إنسان بل كل كائن بالإحسان العالمي، بالسلام الكوني، بمحبة الآخر، بكل فضيلة يحض عليها شرعنا ويأمر بها كتابكم” . والله من وراء القصد، وهو يهدي سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.
والحمد لله رب العالمين.
[1] شبهات يدفعها دعاة الحوار الديني لتحرير المحل؛ انظر: الفاضل محمد بن علي اللافى، تأصيل الحوار الديني؛ تأصيل المصطلحات وتحديد الضوابط الشرعية مع مثال تطبيقي (السودان نموذجا)، دار الكلمة، المنصورة، مصر، ط:1، 2004م/1425ه، ص: 336.
[2] “نستطيع القول بأن الديانات تلتقي على وحدة الله في كل آفاق الوحدة، وعلى وحدة الإنسانية في كل حركة الوحدة؛ إنه شعار الأنبياء عبر التاريخ”/ فضل الله محمد حسين، في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي، دار الملاك، بيروت، ط:1، 1994م/1414هـ.، ص:28.
[3] الطبري أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط:1، 1420هـ/2000م، ج:6، ص:483-484.
[4] المرجع نفسه، ج:6، ص:485.
[5] ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1422هـ/2001م، ج:1، ص:448.
[6] ابن عاشور محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، ط:1، 1984م، ج:3، ص:268.
[7] ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، مؤسسة قرطبة ومطبعة أولاد الشيخ للتراث، الجيزة (مصر)، ط:1، 1421ه/2000م، ج:3، ص:82.
[8] ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، م.س.، ج:1، ص:449.
[9] وممن كتب في هذا السياق الأستاذ الحداد، وهو من علماء النصارى في لبنان؛ ألف موسوعة فكرية تتصل بالقرآن وبالإسلام في تجربة للفهم المسيحي للقرآن، وفند أطروحته وأدلته الأستاذ أحمد عمران في كتاب مطول بعنوان: “القرآن والمسيحية في الميزان”/ انظر: أحمد عمران، القرآن والمسيحية في الميزان، الدار الإسلامية للنشر والطباعة والتوزيع، لبنان، ط:1، 1995م/1416هـ.
[10] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال، وجدة، ط:1، 2000م، ص: 140.
[11] آباء المجمع الفاتيكاني الثاني، تصريح حول علاقة الكنيسة مع الديانات غير المسيحية (المقطع الثالث)، الوثائق المجمعية، منشورات المطبعة الكاثوليكية، د.ط.، 1969م، ج:2، ص:391.
[12] الكتاب المقدس؛ العهد الجديد، إنجيل مرقس، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، ط:2، 1995م، الإصحاح:12/28-32.
[13] GWINN ROBERT, The New Encyclopaedia Britanica, Published with the Editorial Advice Of The Faculties Of The Chicago, 15th Edition, vol.26, p.262.
[14] رمسيس عوض، الهرطقة في الغرب، مؤسسة سينا للنشر، القاهرة، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط:1، 1997م، ص:61.
[15] ديورانت ول وايريل، قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران وآخرين، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، ط:3، 1973م، ج:3، ص:392.
[16] الطهطاوي محمد عزت، الميزان في مقارنة الأديان، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط:1، 1413هـ/1993م، ص:87.
[17] CLIFF REED, Unitarian who is? Printed version Published The Lidesey Press, London, 1999, pp.5-6.
[18] أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، كتاب الخراج، دار المعرفة، بيروت، ط:1، 1399هـ/1979م، ص: 125.
[19] يقول الحق سبحانه: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ”[سورة الروم، الآية:22].
[20] المتقي الهندي علاء الدين علي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: بكري حياني وصفوة السقا، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط:5 ،1401هـ/1981م، ج: 12، ص:660-661.
[21] بالرغم مما شاب القضية من لبس بفعل تأليه بعض الأنبياء من قبل الأتباع لما يرون على أيديهم من خوارق أيَّدَهم بها الله عز وجل من باب الإعجاز…
[22] الكتاب المقدس؛ العهد القديم، سفر التكوين، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، لبنان، الإصدار الثاني، 1995م، الإصحاح:1/1-26.
[23] العهد الجديد، إنجيل متى، الإصحاح: 25/34-46.
[24] للتوسع تنظر ترجمة الكتاب: تشارلز داروين، أصل الأنواع (نشأة الأنواع الحية عن طريق الانتقاء الطبيعي أو الاحتفاظ بالأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة)، ترجمة محمود المليجي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط:1، 2004م.
[25] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، م.س.، ص:160-161.
[26] كُتبت مئات الأوراق العلمية والأبحاث المحكمة والكتب في نقد النظرية؛ ذكر منها على سبيل المثال الأستاذ عرفة إسماعيل: “صندوق داروين الأسود” لمايكل بيهي، و”التطور نظرية علمية أم أيدولوجيا” ليلماز عرفان، و”التطور لا تزال نظرية في أزمة” لمايكل دانتون، وغيرها من عشرات الكتب المترجمة ومئات الكتب والأبحاث غير المترجمة. إذ يستعرض موقع مؤسسة “ديسكفري” (Discovery) وحده أكثر من 100 ورقة علمية محكمة منشورة في مجلات علمية موثوقة كلها تتفق على فكرة واحدة: “لا يمكن للنظرية الداروينية العمياء أن تفسر الوظائف الحيوية للكائنات الحية، وإنما لا بد من وجود سبب ذكي لظهور هذه الكائنات”/ انظر: عرفة إسماعيل، “علم أم خرافة؟.. هذه قائمة بخمسة كتب تنقض نظرية التطور”، مقال منشور بتاريخ: 6 يناير 2019م، على موقع الجزيرة: https://Midan.aljazeera.net/intellect/sociology/2019/1/6
[27] المسيري عبد الوهاب، الصهيونية وخيوط العنكبوت، دار الفكر، دمشق، ط:2، 2007م/1428هـ، ص:251.
[28] ينظر ما ذكر سلفا في مطلب “وحدة الإنسانية”من الأمثلة على المشترك من سلم القيم والآداب والأخلاق، وقد توسعت عدد من الدراسات في الموضوع، وفي هذا السياق ينظر على سبيل المثال: سالم غسان سليم، محاور الالتقاء ومحاور الافتراق بين المسيحية والإسلام، دار الطليعة، بيروت، ط:1، 2004م، ص:162.
[29] السايح أحمد عبد الرحيم، مواجهة الغزو الفكري ضرورة إسلامية، مركز الكتاب للنشر، القاهرة، د.ط، د.ت، ص:155.
[30] أخرجه: مسلم أبو الحسين بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم، ترقيم وترتيب: محمد فؤاد عبد الباقي، دار ابن حزم، القاهرة، ط:1، 1429هـ/2008م، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، الحديث رقم:6577، ص:728.
[31] أخرجه: البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:3، 1424هـ/2003م، كتاب المساقاة، باب المعاملة على النخل بشطر ما يخرج منها، الحديث رقم:11626، ج:6، ص:189. وابن حبان، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، د.ط، د.ت.، كتاب المزارعة، الحديث رقم:5199، مج:11، ص:608.
[32] العهد الجديد، م.س.، إنجيل متى، الإصحاح:23/23.
[33] المنجرة المهدي، الحرب الحضارية الأولى؛ مستقبل الماضي وماضي المستقبل، مكتبة الشروق، قصر النيل (مصر)، ط:1(ط:7 عربيا)، 1995م، ص:12.
[34] يقول غارودي: “وأنا أطلق عبارة “الشر الأبيض” على هذا الجانب من الدور المشؤوم الذي نهض به الإنسان الأبيض في التاريخ”. ينظر: غارودي روجيه، في سبيل حوار الحضارات، تعريب: الدكتور عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، لبنان، ط:6، 2007م، ص:9.
[35] ياسين عبد السلام، العدل، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط:1، 2000م/1420هـ، ص: 472.
[36] ينظر مثلا: صامويل هنتنغتون، صدام الحضارات؛ إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب، سطور، ط:2، 1999م.
[37] هادي المدرسي، لئلا يكون صدام حضارات؛ الطريق الثالث بين الإسلام والغرب، دار الجديد، بيروت، لبنان، ط:1، 1996م، ص:9.
[38] مقري عبد الرزاق، صدام الحضارات؛ محاولة للفهم؛ أبعاد وأسباب ومآلات العدوان الأمريكي على الأمة الإسلامية، دار الكلمة، المنصورة، مصر، ط:1، 1425هـ/2004م، ص:101.
[39] المرجع نفسه، ص:101.
[40] الجابري محمد عابد، قضايا في الفكر المعاصر؛ العولمة، صراع الحضارات، العودة إلى الاختلاف، التسامح، الديمقراطية ونظام القيم، الفلسفة والمدينة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط:1، 1997م، ص:84.
[41] يرى “والتر راسل ميد”، الباحث بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، وبمراكز بحثية أمريكية مختلفة، أن المسيحيين الإنجليكيين نجحوا في العقد الأخير في ترك بصمة واضحة على السياسة الخارجية الأمريكية، تجاه الشرق الأوسط على وجه الخصوص، إذ يرى “ميد” أن الإنجليكيين يؤمنون بأن “الله سوف يبارك أمريكا لو باركت أمريكا إسرائيل”.
– انظر: علاء بيومي، الإنجليكيون وإعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية، منشور بتاريخ: 15 ماي 2009م، عن الموقع: http://www.egyptiangreens.com/docs/general/index.php?
لائحة المراجع
• القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.• الكتاب المقدس؛ العهد القديم، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، لبنان، الإصدار الثاني، 1995م.• الكتاب المقدس؛ العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، ط:2، 1995م.• آباء المجمع الفاتيكاني الثاني، تصريح حول علاقة الكنيسة مع الديانات غير المسيحية (المقطع الثالث)، الوثائق المجمعية، منشورات المطبعة الكاثوليكية، د.ط، 1969م.• ابن عاشور محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، ط:1، 1984م.• ابن عطية الأندلسي المحاربي أبو محمد عبد الحق بن غالب، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1422ه/2001م.• ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، مؤسسة قرطبة ومطبعة أولاد الشيخ للتراث، الجيزة (مصر)، ط:1، 1421ه/2000م.• أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، كتاب الخراج، دار المعرفة، بيروت، ط:1، 1399هـ/1979م.• البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:3، 1424هـ/2003م.• تشارلز داروين، أصل الأنواع (نشأة الأنواع الحية عن طريق الانتقاء الطبيعي أو الاحتفاظ بالأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة)، ترجمة محمود المليجي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط:1، 2004م.• الجابري محمد عابد، قضايا في الفكر المعاصر؛ العولمة، صراع الحضارات، العودة إلى الاختلاف، التسامح، الديمقراطية ونظام القيم، الفلسفة والمدينة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط:1، 1997م.• ديورانت ول وايريل، قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران وآخرين، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، ط:3، 1973م.• رمسيس عوض، الهرطقة في الغرب، مؤسسة سينا للنشر، القاهرة، ومؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط:1، 1997م.• سالم غسان سليم، محاور الالتقاء ومحاور الافتراق بين المسيحية والإسلام، دار الطليعة، بيروت، ط:1، 2004م.• السايح أحمد عبد الرحيم، مواجهة الغزو الفكري ضرورة إسلامية، مركز الكتاب للنشر، القاهرة، د.ط، د.ت.• صامويل هنتنغتون، صدام الحضارات؛ إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب، سطور، ط:2، 1999م.• الطبري أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط:1، 1420هـ/2000م.• الطهطاوي محمد عزت، الميزان في مقارنة الأديان، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط:1، 1413هـ/1993م.• عمران أحمد، القرآن والمسيحية في الميزان، الدار الإسلامية للنشر والطباعة والتوزيع، لبنان، ط:1، 1995م/1416هـ.• غارودي روجيه، في سبيل حوار الحضارات، تعريب: الدكتور عادل العوا، عويدات للنشر Drezinex