الحوار في القرآن: من المفهومية إلى الوظيفية

0

د. عبد القادر بلعالم / Dr. Abdelkader Belalem
جامعة حسيبة بن بوعلي – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – الشلف – الجزائر

ملخص البحث:

نتطلع في هذا البحث إلى إثارة موضوع «الحوار» في مرجعتيه القرآنية، من حيث أسسه وقواعده وقيمته على مستوى حقيقته الدينية النصية، ومن ثم بيان وجه الحاجة إليه في دنيا البشر وحركة الحياة على مستوى وظيفته. فعلى المستوى الأول يتحدد باعتباره نمط حياة وأسلوب تفكير، وفلسفة عمل. وعلى المستوى الثاني يتحدد في كونه أداة للتعبير عن الذات وتوضيح الأفكار، ومن ثم طريقة للتفاهم والتواصل الاجتماعي والحضاري.

فالنص القرآني إذ يؤسس للحوار ويبيّن حقيقته وقيمته، ويحدد أركانه، فهو يدعو إلى التمسك به واعتماده في الفعل التواصلي، على المستويين النظري (الفهم والتبليغ والإقناع والمحاججة والتفنيد…) والعملي (التفاهم التواصل تبادل الخبرات ونقل الأفكار وتفعيل القيم…).

والحوار في أصلة وتأصيله ـ هذا ـ يمثل حقيقة دينية في أفقها الغيبي انطلاقا من حوار الله مع الملائكة. ومن تحققه وممارسته؛ كأسلوب أوحد وأداة أولى للأنبياء وأتباعهم في عرض مسائل العقيدة، ونشر الدعوة لهداية الناس.

والسؤال الذي يطرح نفسه عند هذا الأفق؛ أفق حقيقة الحوار ووجه الحاجة إليه في المرجعية القرآنية، هو بيان ماهيته الدينية، ووسائل تطبيقه، أو تحويله من حقيقة مفهومية ومادة مكتوبة إلى ممارسة ثقافية فعلية وحياة عملية.

وما حفزنا على التفكير في موضوع الحوار في مرجعتيه النصية القرآنية، ثلاث حقائق (هي في جوهرها ظواهر ثقافية وحضارية في أبعادها القيمية الفردية والجماعية والتربوية والسياسية…)، وهي:

1 ـ  تمركز قضية «الحوار» في ساحة الفكر وحركة التفكير، حيث أصبح يشكّل بؤرة الكتابة في عصرنا الحالي. والاهتمام به نظريا ـ هنا ـ إنما يعكس همّا واقعيا، وهو ما يجعل من هذا الانشغال مقدمة للحقيقة الثانية/ التالية:

2 .  انعدام الحوار في حياتنا على المستويات المختلفة (الخارجية والداخلية)، وعلى المستويات الفردية والجماعية، وما خلفه ذلك من أزمات فردية ومشاكل اجتماعية، وصراعات بين الأمم على المستوى الثقافي والحضاري والسياسي والاقتصادي…

 3 ـ   الحاجة إلى الحوار كحل أمثل وأنجع وأسلوب أوحد في حل المشاكل الفردية والجماعية وبين المجتمعات، وتحويل مطب الصراع والتصادم إلى مطية ووسيلة للتدافع والتواصل، انطلاقا من الإلزامية القرآنية لتبنيه واعتماده، ونجاح تطبيقه وتفعليه في التجارب التاريخية النموذجية في خطها ولحظتها النبوية الرسالية. وفي بعض التجارب الاجتماعية اللاحقة في عهد الصحابة والتابعين من خلال رابط الاقتداء والتقليد المتبصر لفعل وفاعلية الحوار في عصر النبوة في بناء الفرد والمجتمع.

في هذا الإطار الإشكالي والمفهومي والعملي لموضوع «الحوار»، يتحرك تفكيرنا لبحثه ودراسته في مرجعيته القرآنية، قصد بيان حقيقته الدينية ووظيفته التواصلية التفاهمية، وأسراره النفسية، ونتائجه العملية.

[ الكلمات المفتاح: الحوار ـ الجدال ـ التواصل ـ التدافع ـ التسامح ـ الحق ]

Abstract:

This paper addresses the issue of “dialogue” – as it is conceptualized in the Qur’ān – both in terms of its textual truth validity and its efficiency and function in the lives of people. On the former level, “dialogue” is considered as a style of life, a mode of thinking, and a philosophy of work. On the latter, it is considered as a means of expressing the self and articulating ideas; hence, a means of social civilized communication. Our investigation of the issue of “dialogue” in its Qur’ānic referential framework is motivated by three facts, which, in their moral, social, educational and political dimensions constitute cultural phenomena:

1.  The significant presence of the issue of “dialogue” in the contemporary intellectual scene. Undoubtedly, this intellectual attention reflects a real concern.

2.  The absence of dialogue in our daily lives, which leads to a host of individual and social problems as well as cultural, political and economic conflicts between nations. 

3.  The urgent need for dialogue as the only means that can solve individual, social, and inter-cultural problems and transform conflicts into opportunities of communication and compromises.

All in all, our endeavor in this paper is primarily predicated on the Qur’ānic obligation of adopting and upholding dialogue, but it is equally inspired by successful applications of dialogue in some social experiences during and after the age of the Prophethood.

[Keywords: Dialogue, argumentation, tolerance, communication, struggle ].

المقال في العدد الثاني من المجلة المحكة سراج:

Loader
Loading…
EAD Logo
Taking too long?
Reload Reload document

|

Open Open in new tab

تحميل [0.00 B]

مقـدمة:

إن «الحوار» من حيث أصله وتأصيله حقيقة قرآنية على وجه الأصالة والإطلاقية، ويتجلى ذلك من خلال كونه حقيقة ظاهرة في آيات الله تعالى على مستوى منطوق القرآن وملفوظه. حيث أشير إليه تصريحا ـ لا تلميحا ـ ودُعي إلى اعتماده أمرا ووجوبا. ولم يقف الحد لحقيقة الحوار القرآنية عند مستوى الإشارة والإحالة إليه لفظيا، بل تجاوز ذلك إلى الأفق الاستعراضي لأهميته ودوره في الاهتداء إلى الحق، كما يتكشف ذلك من خلال الخطاب الإلهي على مستوييه الملكوتي والناسوتي. فالقرآن الكريم، يستعرض عدة محاورات، أسماها وأجلها حوار الله ـ عز وجل ـ مع الملائكة وإبليس. كما جرت تلك المحاورات في بعض الأحيان على ألسنة الرسل مع أقوامهم، وعلى ألسنة المؤمنين مع الطواغيت، وغير ذلك من تلك المحاورات.

وهذا التأصيل القرآني لـ «الحوار» إشارة مفهومية، وممارسة أنموذجية، وهو ما ينزله منزلة التقديس الذي يرتقي به إلى أفق اللازمة الوجودية للإنسان في حركته الاجتماعية، وصيرورته التاريخية، وتفاعلاته الثقافية والحضارية مع الآخر.

ومن ذلك نفيد أن الحوار في القرآن هو مما تقتضيه حقيقة الخلق، وأفق الحق: فمقتضى الحاجة إليه خَلقيا؛ هو تواصل البشر فيما بينهم، انطلاقا من قاعدة «الاجتماعية» التي تخص الكينونة الوجودية للإنسان في بعدها الموضوعي الخارجي، حيث اختلاف الناس في رؤاهم وتصوراتهم للوجود والعالم والحياة ومصائرهم فيها… وتفاوت قدراتهم وإمكانياتهم واستحقاقاتهم… ومشروطية تحقيق حاجاتهم ومتطلباتهم الاجتماعية بتعاونهم وتدافعهم التكاملي… كل ذلك ما يقتضيه التواصل فيما بينهم، تفاهما وتعارفا وتشاركا في تحقيق المصلحة الاجتماعية المشتركة، والقيم الثقافية والحضارية المتداخلة والمتقاطعة. فإذا كان الإنسان اجتماعيا بطبعه، فاجتماعيته التي تحول وجوده من القوة الذاتية إلى الفعل الواقعي في خط الصيرورة التاريخية؛ تجد تحققها في تواصله مع غيره. ومن ثم، فالتواصل بين بني الإنسان بما هو أمر فطري بينهم، يمليه الطبع الاجتماعي الذي يخص وجودهم ـ كحقيقة خَلْقية ـ يتمثل، أساسا، في عنصر «الحوار» ويتمظهر فيه، وتجري وظيفته وتتحقق فعاليته الاجتماعية والحضارية من خلاله. فالحوار في بعده التواصلي، المجسد لمفردات الخلق وضروراته اجتماعيا، يستمد أهميته، والحاجة إلى التمسك به، في كونه «أسلوباً من أساليب العلم والمعرفة ووسيلة من وسائل الدعوة والتبليغ، فاعتمد عليه الأنبياء والرسل في دعوة الناس إلى الخير، واعتمدت عليه الشعوب في تواصلها وتفاعلها مع بعضها البعض، واختطه المفكرون والمربون طريقاً ومنهجاً في تعليمهم، ومن هنا نجد أن العقيدة الإسلامية هي أول من رسم للفكر الإسلامي أسس وقواعد الحوار ليصل المفكر المسلم إلى المقاصد والغايات النبيلة التي أرادها الدين الإسلامي».[1]

هذا فيما يخص الحوار بوصفه أسلوب تعامل لتحقيق التواصل الاجتماعي التدافعي التكاملي، كما تقتضيه حقيقة الخلق.

أما فيما يتصل بضرورة اعتماده، سعيا لبلوغ أفق «الحق» للاهتداء إليه. فمن منطلق أن الحق هو أحق وأولى أن يتبع، فإنه ليس ثمة سبيل، يسهل الطريق إليه (أي الحق) ويهدي العقل إليه غير الحوار. حيث إن الحق في جوهره واحد، والسبيل إلى بلوغه أوحد، بينما صوره لدى البشر متعددة ومتناقضة، وتبعا لذلك فالسبل الموصلة إليه متفرقة ومتعارضة، من منطلق اختلاف المدارك العقلية والمستويات الفكرية، والمعتقدات الدينية والأنماط الثقافية والتجارب الاجتماعية… فكل يرى الحق كما يتصوره انطلاقا من مرجعيته التصورية المختلفة عن مرجعيات غيره. وبالتالي فإما أن يتغلب ويهيمن تصور من التصورات عن الحق، فيُفرض بالإكراه، ليكون ذلك مطية للصراع والتضييق على الحريات، ويتحول التعارض والتضاد بين التصورات إلى تعارض المواقف، ويختل نظام التواصل الفكري والاجتماعي. وإما أن يُلجأ إلى الحوار، بحيث تتواجه العقول وتُمتحن التصورات من خلال أساليب البرهان والمحاججة والاستدلال، فيتبيّن التصور الأصح والأوضح والمعبر عن جوهر الحق، فيقبله العقل المخالف باقتناع دون تردد يلابسه تناقض أو غموض، ويسقط ـ بالتالي ـ كل سعي إلى ممارسة الإكراه. ومن هنا يتبيّن، أن الحوار في منطوق ومنطق القرآن الكريم هو مراجعة المفاهيم والقضايا والحقائق لمعرفة وجه الحق فيها والاهتداء إليه، من منطلق أن الحق أحق أن يتبع. ومرد مراجعة المفاهيم إلى اللبس الناتج عن اختلاف المتحاورين في مداركهم العقلية، واختلاف تصوراتهم ومعتقداهم حول الأشياء والحقائق الوجودية والقيمية والمعرفية. مما يدعو إلى الحوار بالتي هي أحسن وبالحجة البالغة والدليل القوي، والبرهان القاطع، باعتبارها أساليب عقلية موصلة إلى الحق في وحدته.

من ذلك يتبيّن أن الحوار مسألة مهمة في المنطق الإسلامي، انطلاقا من الآداتية والوظيفية التي ينطوي عليها مفهومه والتي هي علّة فعاليته ونجاعته في الوصول إلى الحقيقة، وفي حركة الصراع حول القضايا المُختلف فيها. وإن القرآن الكريم هو أول كتاب حوار في الإسلام، ومن ثم فهو أهم مرجع على الإطلاق في مسألة الحوار بين الناس، وفي تأصيله وتقعيده في الإسلام والفكر الإسلامي.

من هنا تأتي أهمية وقيمة البحث عن مسألة الحوار في القرآن الكريم، والكشف عن صوره ونماذجه، وقواعده ومبادئه. وحاجة البشرية إليه في فعلها التواصلي.

دوافع إثارة موضوع الحوار في القرآن:

إن ما حرك تفكيرنا باتجاه أفق مفهومية الحوار في تأصيله القرآني، ومن ثم استجلاء الصور والدلالات التي تعكس قيمته الفكرية والأخلاقية، وآليات فعاليته الاجتماعية والحضارية، هو المفارقة المثيرة للتساؤل والملفتة للانتباه، والمتمثلة في التعارض وعدم التناسب بين ما يقدمه القرآن عن الحوار من حقائق نظرية فيما يتصل بحقيقته وأهميته وضرورته، وما يعرضه من نماذج حوارية (بين الله والملائكة، والله والأنبياء)، وتجارب عملية في تاريخ الرسالات السماوية من خلال حوار الأنبياء مع أقوامهم، تكشف عن قيمته وفعاليته. وبين تدني مستويات الحوار في الواقع الفعلي للمسلمين فيما بينهم ومع غيرهم. «المفارقة التي تكشف عن خلل فكري وثقافي أصاب العقل الإسلامي، فأحدث مثل هذه المفارقة التي هي بحاجة إلى معالجة فكرية  وثقافية.»[2].

وانطلاقا من ذلك تأتي هذه الدراسة باعتبارها محاولة فكرية اجتهادية للنظر في قضية الحوار في القرآن الكريم للوقوف على قيمه المعيارية والفكرية، وكشف الأدوات والآليات التي يستبطنها لتجسيد فعاليته الاجتماعية والحضارية. وقد بني المسار الفكري لهذه الدراسة على ثلاثة مباحث، تعكس المحطات المنهجية واللحظات المعرفية المشكلة لبنيتها، وهي: المبحث الأول: حقيقة الحوار وأوجه الحاجة إليه تأسيسا على مفهوميته القرآنية. المبحث الثاني: لفت النظر وإبراز قيمة الحوار انطلاقا من النماذج الإلهية في خطها الغيبي المفارق: (حوار الله مع الملائكة، ومع آدم، ومع الشيطان). والتجارب النبوية في حركتها الرسالية الدعوية مع البشر في وضعهم العقدي الضال ووعيهم الفكري المنحرف. المبحث الثالث: دور الحوار وضرورة التمسك به لتعزيز وحدة الأمة الإسلامية واستنهاضهما لمثلها وقيمها العليا، لبعث التنوير الثقافي والتطور الحضاري من جهة، والتمكين لتحقيق الفعل التواصلي البناء والمثمر مع الأخر من خلال تجاوز نظرية الصراع وتفعيل ثقافة التدافع التي يؤسسها وينميها الحوار.

المبحث الأول:
التأصيل القرآني لمفهوم الحوار والحكمة من ضرورة اعتماده

المطلب الأول: مفهوم الحوار في القرآن الكريم وأبعاده

يشكل القرآن الكريم المصدر الأساس لـ «الحوار» من حيث الوقوف على حقيقته مفهوميا، وبيان قيمته وظيفيا، والكشف عن نجاعته فعليا، من خلال استعراضه للنماذج الحوارية في خطها الميتافيزيقي المتعالي كما هو الشأن في حوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة والأنبياء من جهة، ومع الشيطان من جهة ثانية.

ففيما يخص مصدرية القرآن للحوار على مستوى التحديد المفهومي له، فإننا نلاحظ أن الإشارة إلى «الحوار» وردت في النص القرآني على سبيل التصريح، من خلال ورود لفظته في آيات متعددة. وقد وردت هذه اللفظة في صيغة الفعل «حاور» وفي صيغة المصدر «التحاور»، ومن ذلك قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثمرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ [الكهف: الآية 34]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [الكهف: الآية 36]. وقوله تعالى: ﴿قدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى الله وَالله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: الآية 1].

ويظهر من هذه الثلاثة مواضع أن الحوار فيها هو مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين، بالأخذ والرد. وهذا التحديد القرآني لمعنى الحوار، شكّل مرجعية للتحديدات القاموسية اللغوية والاصطلاحية. ومن ذلك فما تفيده التحديدات القاموسية لمعنى الحوار في اللغة: هو « تراجع الكلام»[3] وفي لسان العرب: «وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام. والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة»[4]. وقال الراغب الأصفهاني: «المحاورة والحوار: المراودة في الكلام ومنه التحاور»[5]. 

ما يمكن استخلاصه من هذه الدلالات اللغوية المتعددة والمتنوعة لحد «الحوار» هو تحقيق المشتركات الجامعة بين الأطراف المتحاورة المختلفة أصلا في قناعاتها وتصوراتها لحقائق الأمور، والتمكين للفعل التواصلي بينها، و هذه المشتركات، بما هي مقومات تواصلية يعززها الحوار؛ تتمثل في روابط: التفاهم، التجاوب ، وتقبّل الآخر المختلف في رأيه، ومن ثم التعايش معه. وبيان ذلك، أن مدلول «تراجع و مراجعة الكلام»، بما هو المعنى اللغوي الذي يتضمنه لفظ الحوار ، من شأنه أن يوسّع من دائرة  الصواب ويضيق دائرة الخطأ، فيزول بذلك أبرز عائق معطّل لفعل الحوار وهو  التعصب: فأن تتعصب لرأيك، هو أن تجعل الحق معك حتى ولو كنت على خطأ وباطل. ومن شأن الفكرة المختلف حولها إذا ثبت صوابها من طرف محاور قبلها المحاورون الآخرون وحصل بينهم التفاهم والتقارب.، ذلك أن الرجوع عن الشيء في وجهه الخاطئ، والرجوع إليه في جانبه الصائب، يمكّن من الإقبال على الآخر وعدم التعصب لرأي ما. فالمتحاورون قد يرجع أحدهم إلى رأي الآخر أو قوله في سبيل الوصول إلى الصواب والحقيقة.

وأما في التحديد الاصطلاحي فإن الحوار قريب من معناه اللغوي، وقد عُرّف بأنه: «مراجعة الكلام بين طرفين أو أكثر دون وجود خصومة بينهم بالضرورة «[6]. وعُرّف بأنه: «مناقشة بين طرفين أو أطـراف، يُقصد بها تصحيح كلام، أو إظهار حجة، وإثبات حق، ودفع شبهة، ورد الفـاسد من القول والرأي»[7].

ما هو بيّن من التحديد الاصطلاحي لـ «الحوار»؛ أنه تأكيد للتحديد اللغوي وتجاوز له على سبيل التأصيل المعرفي والقيمي له في الوقت نفسه. فالملفت للنظر في التأصيل العلمي له، أنه (أي الحوار) أساس فقه الخطاب في الفعل التواصلي بين أفراد النوع الإنساني، حيث إن المطلوب من المخاطِب هو اعتماد منطق البيان والإيضاح من خلال إظهار الحجة وتقديم الدليل، حتى يقتنع المخاطَب برأيه ويأخذ به ويفيد منه. وفي الإلزام العلمي لعملية التخاطب/ الحوار؛ إقرار واحترام للتعقل بما خاصية وجودية بشرية. والمثير للانتباه في التأصيل القيمي له(الحوار). هو التأكيد على قيمة الحرية وعدم الإكراه: فهو إذ يصطلح عليه بأنه «مناقشة بين طرفين، فالنقاش لا يحصل، ولا تجري فعالية بين المتحاورين إلا في جو الحرية (حرية التفكير والتعبير)، ففي غيابها يحل الإملاء والتلقين بدل النقاش. وبفضلها يكون الحوار آلية من أهم الآليات في التفاعل مع الوجود بأكمله أخذاً وعطاء من غير إكراه ولا قهر، ضمن سنتي التنوع والتدافع من أجل تحقيق التوازن الكوني.

وخلاصة هذه التحديدات اللغوية والاصطلاحية، أن الحوار في كلام العرب الرجوع «[8]. والرجوع في المنطق الحواري ووظيفته، هو الرجوع عن الخطأ والباطل الذي هو في ذات الوقت رجوع إلى الصواب والحق.

إن حد «المراجعة» كدلالة جامعة لمعاني الحوار، والتي أفادته التعريفات اللغوية والاصطلاحية من النص القرآني، له تأكيداته وإثباتاته في الحديث النبوي الشريف حيث جاءت مادة الحوار في الأحاديث النبوية الشريفة بمعنى الرجوع ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك، إلا حار عليه»[9]. أي: «رجع عليه الكفر»[10]. وقد ورد في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من: «الحَوْر بعد الكوْر»[11] ومعنى الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة[12].

إن الحضور المرجعي القرآني المكثف في تحديد وبلورة مفهوم «الحوار» على المستوى اللغوي والاصطلاحي، يرسخ بشكل أعمق وأوسع المستوى الاجتهادي المعرفي المتمثل في تفسير القرآن الكريم، من خلال العلماء الذين اضطلعوا بهذه المهمة. ومن الأمثلة على ذلك: الإمام الطبري، حيث عرف الحوار بالمخاطبة والمكالمة، وذلك من خلال تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ «أي يخاطبه ويكلمه»[13]. ومن ذلك أيضا تعريف الإمام البقاعي حيث قال: «الحوار هو المخاطبة بلين ورفق، وقال: يحاوره أي يراجعه في الكلام… وحار يحور إذا رجع افتخارا عليه وتقبيحاً لحاله بالنسبة إليه، والمسلم يحاوره بالوعظ والتقبيح، تقبيح الركون إلى الدنيا»[14]. وعرفه العلامة ابن عاشور فقال: «المحاورة هي المجاوبة، والمحاورة مراجعة الكلام بين متكلمين، ودل فعل المحاورة على أن صاحبه قد وعظه في الإيمان والعمل الصالح فراجعه بالفخر عليه والتطاول»[15].

وخلاصة هذه التعريفات للحوار في توجهها القرآني، المنبثقة من تفاسير العلماء ـ فضلا عن أصولها اللغوية والاصطلاحية، «أن الحوار مع الآخر، هو رجوع الكلام بين جماعتين مختلفتين من خلال الاحترام المتبادل والتفاهم المنصف، حيث إن الجماعة الأولى تعبر عن أفكارها وآرائها، بينما الأخرى تستمع إليها وتتعلم منها، وفي الوقت نفسه ترغب أن يُسمع إليها.»[16]. 

كما تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن مادة «حوار» في القرآن الكريم، لم تشغل حيزا في ثنايا نصوصه، كما تبيّنا ذلك من خلال إحالتنا على الآيات الدالة عليه، على سبيل التصريح فقط، بل يوجد في القرآن الكريم أيضا ما يعبّر عن معنى الحوار على سبيل التلميح، انطلاقا من مادة «القول»، وما اشتق منها كقال، ويقول، وقل، وقالوا، ويقولون، وقولوا… فمادة القول باشتقاقاتها المختلفة تدل على الحوار. وقد تكررت في القرآن الكريم أكثر من ألف وسبعمائة مرة. ومن ذلك قوله تعالى عن الحوار الذي دار بين النبي إبراهيم عليه السلام، والملك نمرود: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: الآية 258]. وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: الآية 260].

والحوار بما هو رجوع ومراجعة للكلام وتداوله مع الأخر المحاَور، لا يأخذ – في الرؤية الإسلامية – طابع القوة والغلبة والخصومة التي هي هدف الجدل انطلاقا من الطابع والطبيعة التي تخصه، وهي التعصب والتشدد والعناد، كصفات متجذرة في نفسية المجادل، وإنما يعتمد اللين والمرونة والمناقشة بالتي هي أحسن، لمواجهة تعصب وتشدد وعناد المحاَور للتخفيف من حدته وشدته، لاستدراجه واستمالته نحو مسار الحقيقة والحق، والاستدراج، هنا، لا يقوم على الإكراه، بل على الإقناع والاقتناع، وهو ما يؤكد أن المراجعة في الكلام ليست تعسفية أو اعتباطية تحكمية، وإنما هي مؤسسة على الدليل العقلي والبرهان المنطقي، «وهذا يؤكد أن الحوار في المنظور القرآني هو الأصل الذي يجب أن يتخلل كل العلاقات، لأن القرآن الكريم يريد للإنسان أن يحصل على القناعة الذاتية المرتكزة على الحجة والبرهان في إطار الحوار الهادئ العميق، ويجعل من ذلك الحوار بديلا للمقارعة بالحديد والنار، تلك المقارعة التي تسحق فيها الطاقات، وتهدر الإمكانات.»[17]

فالحوار بما هو مراجعة للكلام بين الطرفين المتحاورين، يبتغي إصابة الحقيقة والاهتداء إلى الحق، بكيفية تؤسس للتواصل بينهما على أساس التعارف والتفاهم والعيش المشترك في صيغته التدافعية، يرتكز على آليتين منهجيتين: الجدل بالحسنى، واعتماد الحجة والبرهان في المناقشة. ويتأكد ذلك في القرآن الكريم في آيات عديدة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: الآية 83] ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: الآية 111] وقول الله تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران، الآية  159]، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل، الآية 125]. ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم﴾ [الأنفال: الآية 61] ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: الآية 118-119]. وقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: الآية 44]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: الآية 107]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: الآية 46]. قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: الآية 35].

ومن المواقف الحوارية التي ترقى إلى أفق الدرس والعبرة في أبعادها القيمية والتربوية الهادية للحق، والكاشفة عن القيمة السامية للحوار إلى حد التقديس، فيما يتصل بخاصية «الحسنى» و«الموعظة الحسنة»، حوار الله سبحانه وتعالى لإبليس اللعين الذي انتهى بإنكاره السجود لآدم، ومع ذلك لم يكرهه الله على السجود ولم ينزل عليه العقاب، وأمهله إلى يوم  الدين.

وعندما كفر فرعون ذو الأوتاد وعصى ربه، وادعى الألوهية في الأرض وخاطب أهل مصر بأنه لا يوجد لهم إله غيره. لم يأذن الله حينئذ بإنزال العقاب عليه وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون. وإنما أرسل إليه النبي موسى عليه السلام ليحاوره بالقول اللين لعله يتذكر أو يخشى ويرجع عن ادعاءاته الباطلة.

ونفس الأمر فيما يتعلق بعلاقة الأنبياء والرسل بأقوامهم، حيث كانوا يحاورونهم ويقارعونهم بالحجج والبراهين، ويخاطبونهم بالتي هي أحسن، للرجوع عن غيهم وكفرهم والتسليم بما أراده الله لهم أن يكون حقاً.

ما هو جدير بالملاحظة ولفت الانتباه في هذا السياق التأسيسي الديني لثقافة الحوار وفعاليته في تدافع الإنسانية نحو مصائرها الدنيوية والأخروية، هو أن الحوار لم يتم بين الإنسان والإنسان فحسب، وانما بين الله جلّت قدرته وبعض خلقه بما فيهم إبليس اللعين .. وكيف كان الله جلت قدرته يظهر الحق في نهاية الحوار ليؤمن به الجميع. وهو ما يعني» أن القرآن الكريم هو أول كتاب حوار في الإسلام، ومن ثم فهو أهم مرجع على الإطلاق في مسألة الحوار بين الناس، وفي تأصيل فكرة الحوار وتقعيدها في الإسلام والفكر الإسلامي.»[18]

فما يمكن إفادته من حوار الله مع خلقه، حتى في أحط منازلهم الموصولة بالباطل المعلنة للحرب عليه جلت قدرته، هو التقديس والقدسية التي يحظى بها الحوار، مما يكشف عن حاجة الإنسانية إليه في معرفة طريق الحق والنجاة من جهة، وتحقيق التعارف والتفاهم والسلم والاحترام المتبادل والتدافع والتعاون كمقومات للعيش المشترك وإعمار الأرض ونشر رسالة الصلاح والإصلاح فيها.

تأسيسا على ما سبق يتبيّن أن «المراجعة» و«التراجع» و «الرجوع» كمكونات بنيوية لمفهوم الحوار، تفيد مراجعة التصورات المختلفة حول الحقيقة، لتبين وجه الحق من وجه الباطل فيها، ومن ثم التراجع عن الباطل والرجوع عنه إلى الحق. وهو ما يعني أن ثنائية الحق والباطل هي المنطلق والأفق لحركة الحوار: منطلق لما يخلفه تصادمهما وتصارعهما من انعكاسات سلبية ومدمرة للحياة الإنسانية. وأفق للفصل في هذا الصراع والتصادم لصالح الحق على الباطل، سعيا لتحقيق صلاح الإنسانية وإصلاح أحوالها.

المطلب الثاني: الحوار سبيلا إلى إحقاق الحق .. الشروط والضوابط

إن الحوار في منطوق ومنطق القرآن الكريم هو مراجعة المفاهيم والقضايا والحقائق لمعرفة وجه الحق فيها والاهتداء إليه، من منطلق أن الحق أحق أن يتبع، «فالحوار في منطق القرآن ينبغي أن يرتكز على معيارية الحق، لا يفارق هذه، ولا يتخلى عنها، أو ينقلب عليها بأي شكل من الأشكال، وفي أي ظرف من الظروف، وتحت أي ضغط من الضغوط. ومن ثم فإن صورة الحوار وهيئته، وطرقه وأساليبه، وما يحيط به من أجواء، ينبغي أن تتكيف ومبدأ معيارية الحق، أما الحوار الذي لا يبصر النور بالحق، فهو حوار أحق ألا يتبع.»[19] وفي نفس السياق يؤكد محمد حسين فضل الله قائلا: «ولعل السر في ذلك، هو أن هدف الإسلام الأساسي، هو وصول الناس إلى الحق بالطريقة التي تعمق الإيمان في نفوسهم، وتشرح به صدورهم، ولذا فإن وسائله التعلمية، تتجه إلى هذا الهدف فحسب»[20].

ومن القواعد التي ينطلق منها الحوار في حركته الفكرية باتجاه إحقاق الحق ما يلي:

1 ـ تجاوز الأحكام المسبقة من قبل كلا المتحاوريْن

فمن شأن ذلك أن يضع الحوار في إطار موضوعي من منطلق أن الموضوعية هي الوسط والوسيط المنهجي والمعرفي الذي تلتقي حوله الرؤى والتصورات المختلفة، بحيث لا يعيق الاختلاف القائم بينها تفاعل وتكامل ما بينها من مشتركات. فيكون طرفا الحوار ـ بالتالي ـ على مسافة واحدة، وتأسيسا على ذلك يكون سبيلا إلى من هو على هدى، ومن هو في ضلال مبين. فيقتنع من هو على هدى بالحق ويطمئن إليه، ويميل من هو ضال عن ضلاله، ليعتنق الحق ويتبناه. وهذه القاعدة دلت عليها بصراحة ووضوح الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: الآية 24] «وقد أحال إلى هذه الآية واستند عليها جميع الذين عالجوا أو اقتربوا من فكرة الحوار في القرآن؛ وذلك لشدة دلالتها، وبلاغة بيانها…ولأنها تتضمن حافزا قويا يشجع على الحوار بين المختلفين»[21].

2 ـ القطيعة مع الوصاية الفكرية:

 إن الحوار بطبيعته ووظيفته فعل عقلي، ينهض على التفكير والنظر والاستدلال والمقارنة والمحاجّة… وما يعيق هذه الممارسة التعقلية للحوار هو هيمنة سلطة التقليد ممثلة في الوصاية الفكرية والذهنية للآباء والأجداد، والتي يتجلى مفعولها السلبي في تجميد النشاط العقلي، وتعطيل الفاعلية والطاقة الفكرية. فهي ـ إذن ـ شكل من أشكال الإكراه غير المباشر على التسليم والقبول بما يجانف الصواب والحق. ومن الآيات الدالة على ذلك على سبيل الإفصاح والوضوح قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ [البقرة: الآية  170] وقوله تعالى أيضا: ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون. ﴾ [الزخرف: الآية 22]. فهذه الآية تصور معاناة الأنبياء في نشاطهم الدعوي الرسالي، وما واجهوه من معضلات في حوارهم مع أقوامهم. فسلطة/ بل عائق الوصاية الفكرية يعطّل فعل التعقل والتفكير الذي يقتضيه الحوار ماهية ووظيفة. حيث إن الحوار لا يكون فاعلا وفعالا وموصلا إلى الحق؛ إلا بإعمال العقل وبعث الطاقة الفكرية. ومن ثم فالتبعية العقلية والتقليد الفكري يفقد الحوار معناه، بما هو مخاطبة للعقل.

3 ـ اعتماد منطق البرهان:

إذا كان العقل والتعقل هو قوام الحوار وأساس فعاليته، فإن الحركة الفكرية التي يمارسها؛ برهانية بطبيعتها. ومن ثم فمنطق البرهان بما هو نسق من الحجج العقلية، هو مرشد المحاور العاقل إلى معرفة الحق اقتناعا لذاته وإقناعا لغيره. فالحوار يطاوع البرهان ويدور معه حيثما دار. ويتجلى ذلك بدقة ووضوح في قوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: الآية 111]. ومفاد هذه الآية أن الحجج والبراهين والأدلة هي مرجع العقل الهادي إلى الحق. وأداته إلى التخلص من الظنون والشكوك والتوهمات الموقعة في مطب الضلال. فالحوار في منطق القرآن يبنى على البرهان، ولذلك انتقد المحاججة بلا علم ولا دليل، واستنكر على الذين يحاجون فيما ليس لهم به علم. كما أشار إلى ذلك في قولة تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلما تحاجّون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [آل عمران: الآية 66] فالمحاججة بلا علم ولا برهان جدل عقيم يعطّل الحوار، ويقود إلى الضلال. فقد يكون البرهان قاسما مشتركا بين المتحاورين، يستندان إليه في نقاشهما، فيكون الحوار هو أسلوب البيان والإقناع لكليهما. وإما أن يتبنى أحدهما البرهان في تفكيره وخطابه، ويسقطه الآخر من حسابه وحسبانه، فيتحول الحوار إلى جدال. وعند عتبة هذا المأزق التواصلي الفكري، يستدعي الأمر ضرورة اللجوء إلى الحوار بالتي هي أحسن.

4 ـ الحوار بالتي أحسن:  

إذا كانت بضدها تُعرف وتتمايز الأشياء، وانطلاقا من كون «الحوار « هو المقابل المفهومي المضاد لـ «الجدل»، فإن المقتضى المنهجي؛ يلزمنا، ابتداء، بالوقوف على تعريف «الجدل» لبيان أوجه الفرق بينه وبين الحوار، وكشف نقائصه وآثاره السلبية على العلاقة التواصلية بين الأطراف التي تحتكم إليه في منازعاتها العقدية والفكرية، وفي تصريف العقل عن مجانفة الصواب والانحراف عن سبيل الحق. وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجده يشير صراحة إلى الصفة المذمومة وغير المحمودة للجدل، حيث وردت فيه مادة «الجدل» في نحو تسعة وعشرين موضعًا، يغلب عليها أن تكونَ في سياق عدم الرضا عن الجدال أو عدم جدواه، فمن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: الآية 5] ، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: الآية  8]. وقوله نهيًا عن الجدل في الحج: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: الآية  197] ، وغير ذلك. لتأتي بعد ذلك التعريفات الاجتهادية البشرية امتدادا وتفصيلا لهذا التوصيف القرآني للجدل. ومن ذلك تعريف ابن منظور له: «الجدل: اللّدد في الخصومة والقدرة عليها… ورجل جدِل إذا كان أقوى في الخصام. وجادله أي خاصمه مجادلة وجدالا، والاسم الجدَل، وهو شدة الخصومة»[22]. وفي نفس هذا السياق الدلالي يعرفه الجوهري لغويا بقوله: «المجادلة لغة: المخاصمة. يقال جادله مجادلة وجدالا، والاسم الجَدَل، وهو شدّة الخصومة…»[23] .

والحقيقة المستنتجة من هذه التعريفات؛ أن «المنازعة» هي الخاصية الجوهرية المميّزة للجدل مفهوميا ووظيفيا. وهي علة آثاره الضارة: فإذا كان الجدل هو المنازعة، فليس هدفه هو إظهار الحقّ، وإنّما إلزام الخصم بالتنازل عن رأيه والاقتناع برأي الآخر، كما أنّه على المستوى الذاتي الفردي؛ يغرس في نفس المجادل العناد والتمسّك بالرأي والتعصّب. ومن الناحية الاجتماعية يؤسس لإقصاء الآخر وعدم لاعتراف به، ويعيق عملية التعايش والسلم والتدافع على الصعيد الحضاري.

ومن هذا التعريف، يتبيّن أنّ الحوار والجدال يشتركان من حيث التعريف في أن كلاهما نوع من مُراجعة الكلام، كما يلتقيان في أنّ كليهما حديث بين طرفين فقط، هذا المشترك المفهومي وأوجه الالتقاء بينهما يلخصه التعريف الاصطلاحي للجدل الذي قدمه محمد ابن الحسين الفراء الحنبلي حينما حدّه بأنه: «تردد الكلام بين إثنين، إذ يقصد كل واحد منهما إحكام قوله ليدفع به قول صاحبه»[24]. إلاَّ أنَّ الحوار مراجعة للكلام بين المتحاورين بطريقة فيها مُرونة وليونة في الحديث، بعيدًا عن اللدد والخصومة التي قد تصاحب الجدل.. أمّا الأهداف فهي لا محالة مختلفة. حيث إن الحوار نقاش منفتح، متحضر ومثمر يناقش القضايا وفق أسس وآداب وضوابط أخلاقية تقود إلى تلاقح الأفكار وامتزاج الرؤى. بكيفية ينتج عنها اقتناع أحد طرفيه برأي الآخر أو ينتج عنه رؤى جديدة يتفق عليها المتحاورون. أما الجدال: فهو نقاش لمجرد النقاش، عقيم مغلق، بدائي يتمسك فيه صاحبه بأفكاره ويحاول فرضها على الآخرين دون الاستناد إلى دليل منطقي يؤيد افكاره ويدعم آرائه ولا ينتج عنه أي حل. ومنه الجدل البيزنطي الذي يدور حول من خلق أولاً البيضة أم الدجاجة. وعقمه وبيزنطية أسلوبه، وتعصب صاحبه وانغلاقه، وعدم تبصره بالحقيقة وانحرافه عن أفق، مرده إلى افتقاره إلى الحجة والبرهان في حراكه الفكري.

والجدال إذ يفتقد إلى الحجة والبرهان؛ فهو يتحرك بقوة النفس المنفعلة، ممثلة في انفعال التعصب، وليس بقوة العقل الفاعلة، ولذلك فهو يتسم بالحدة والعنف والعناد والانغلاق والتشدد وضيق الأفق… ويعتمد على الإكراه بديلا للإقناع. وبالتالي فلا يمكن مواجهة التعصب والتشدد والانغلاق الفكري بما يماثله، بل إن المطلوب هو التحلي بالصبر والهدوء واللين والانفتاح، وهي السمات الدالة على الحوار بالتي هي أحسن. بما هو الوجه المحمود للجدل المبني على الفعالية العقلية، مقابل الجدل المذموم الذي قوامه القوة النفسية الانفعالية. فالجدل المحمود هو عين الحوار بالتي هي أحسن. وفي هذا قال الله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النمل: الآية 125]. وفي نفس السياق، قال تعالى في آية أخرى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ [العنكبوت: الآية 46]. فدلالة «التي هي أحسن» تحيل إلى: المناهج والطرق والأساليب والآداب والأخلاقيات.

وتأسيسا على ما سبق نفيد أن الجدل بما هو أسلوب فكري مذموم، يحول الاختلاف المثمر إلى خلاف مدمر، وينمي روح الفرقة والتناحر… والحوار كجدل محمود، يعزز الوحدة، ويحول الخلاف إلى ائتلاف، ويجعل من الاختلاق قاعدة للتفاهم والتواصل. لهذا أوجب المقتضى الأخلاقي أن يجري الحوار بالتي هي أحسن لتطويق الجدل في وجهه السلبي المذموم. وأن يرتقي إلى مستوى كونه استراتيجية تواصلية فكريا واجتماعيا وحضاريا. ولهذا فإن «الناس بصورة عامة، وبغض النظر عن التطور التاريخي الذي يمرون به تقدما أو تراجعا، تمدنا أو تخلفا، فإنهم لا يمكن أن ينظّموا اجتماعهم الإنساني على أساس قاعدة الجدل، ولا يمكن أساسا أن ينتظم اجتماعهم الإنساني على هذه القاعدة، لكن بإمكانهم أن ينظّموا اجتماعهم الإنساني وينتظم على قاعدة الحوار، وهو الأفضل والأمثل لهم.»[25]

إن الأفق الذي يتحرك باتجاهه الحوار؛ هو جدل الحق والباطل، وثمثل قضية وحدانية الله ومستتبعاتها من القضايا العقدية المتصلة بها كالإيمان بالرسل والملائكة واليوم الآخر…ومقابل ذلك، يمثل الشرك ومستتبعاته القضية المحورية للباطل. و«الحق والباطل» باعتباره أفقا للحوار؛ تمثلت مطلقيته في حوار الله لإبليس: ويعتبر هذا النموذج من أخطر النماذج الحوارية في القرآن الكريم، حيث إن هذا النموذج والذي يمثل فيه سبحانه وتعالى الحق المطلق والخير المطلق؛ فيحاور رمز الشر المطلق والباطل المطلق؛ ألا وهو إبليس عليه لعنة الله، وقد  أراد الله سبحانه وتعالى أن يرسم لنا منهاجا واضحا، يفضي إلى إمكانية الحوار، ولو كان الحوار مع أشد الأعداء وأفظعهم، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ. قَالَ مَا مَنَعَكَ اَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ اَمَرْتُكَ قَالَ اَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ اَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ فَاَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ. قَالَ فَبِمَا اَغْوَيْتَنِي لاَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ اَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ اَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ اَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ. قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لاَمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: الآية 11-18].

المبحث الثاني:
صور الحوار ومشاهده من الأفق الغيبي في ألوهيته إلى التجربة التاريخية في إنسيتها

يطرح موضوع «الحوار» في القرآن الكريم على ثلاثة مستويات:

 1 ـ المستوى المفهومي من خلال الإشارة إلى ملفوظه، تسمية ودلالة، وبيانا لخصائصه ومحدداته، كما بيّنا ذلك على سبيل التفصيل في المبحث السابق.

 2 ـ ومستوى الخطاب، بما هو أسلوب فكري وتربوي لعرض المطلقات العقدية والحقائق الغيبية، ومناقشة القضايا الخلافية التي يتبناها خصوم العقيدة الإسلامية ومعارضيها. وأن ثمة تمفصلا وظيفيا بين الحوار في مستوى كونه مفهوما وخطابا، حيث إن الأسلوب الحواري في القرآن الكريم بما هو خطاب نظري، فهو تجسيد لمفهومية الحوار، وتفعيل لخواصه وخصائصه التكوينية. والأسلوب الحواري الذي يعتمده القرآن الكريم في عرض القضايا ومناقشتها، يتسم باتساع دائرته وتعدد قضاياه، وشموله لما لا يحصى من الموضوعات. وهو ما يؤسس للمستوى الثالث ويفضي إليه.

 3 ـ مستوى المثال المحتذى، أي تحوّل الحوار بوصفه مفهوما وخطابا نظريا إلى حدث فعلي. والحوار في مستواه الثالث يتسم بالفعالية والنجاعة في أدائه، ومرد ذلك إلى الفاعل الأول الأوحد ومصدره الفرد الصمد؛ الله سبحانه وتعالى: فجوهر خصوصيته المتمثلة في كونه قاعدة هادية إلى الحق؛ هو في محاورة الله لمخلوقاته. كحواره عظمت قدرته مع الملائكة ومع إبليس، ومع الأنبياء والرسل. والحوار في هذا المستوى الثالث يجري أداؤه من خلال خطين: يتمثل الأول في عالم الغيب، وهو متحرك باتجاه طرفين متعارضين: يمثل أحدهما محور الخير وهم الملائكة، ويمثل الثاني مجور الشر وهو إبليس اللعين. وحوار الله مع هذين الطرفين، يؤصّل لمبدأ وأسلوب الحوار بين الحق والباطل الذي ستجري وقائعه في العالم الأرضي، ومن ثم الاهتداء إلى أسلوب الحوار في مرجعيته الإلهية المقدسة لدحض الباطل والتمكين للحق من أن يتحقق. وخط فيزيقي واقعي، متحرك في عالم الناسوت، وهو متحرك في اتجاهين أيضا، أحدهما عمودي مشدود إلى أفق المثال والكمال، وهو يتمثل في الحوار الذي جرى بين الله والأنبياء والرسل. وثانيهما أفقي، ويتمثل في حوار الرسل مع أقوامهم. وحوار المؤمنين مع الكافرين.

وتماشيا مع المقتضى المنهجي للمبحث الثاني في هذه الدراسة، نعرض لصور من النماذج الإلهية للحوار في خطيها الملكوتي والناسوتي.

1 ـ حوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة:

النموذج الكامل والمتكامل لهذا الحوار، وصورته الأسلوبية الفنية في فصولها وتفاصيلها يعرضها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:  الآية 30-33].

ما يمكن إفادته من هذا المشهد القرآني لقيمة الحوار وفعاليته في أفقه الإلهي مع الملائكة، هو نورانيته وروحانيته، حيث جرى في رحاب عالم الملكوت واستهدف كائنات روحانية، العالم السابق للخلق الإنساني، وهو ما يعني ارتباط الحوار بـ «البدء» في إطلاقه وانطلاقه، وهو ما يثبت صحة ما يجري تداوله في الكتابات الإسلامية حول مقولة (في البدء كان الحوار). فـ  «الحوار بدأ قبل الإنسان خلقا ووجودا، وبدأ عنه وحوله وبسببه»[26] والعنصر الأهم والأبرز في هذه المشهدية الحوارية في تصويرها القرآني، هو محورية الإنسان ومركزيته. فهو أفق الحوار ومنتهاه في لحظته البدئية السابقة على خلقه، بدأ الحوار حوله ومن أجله قبل خلقه. وفي هذا دلالة على تكريمه، واصطفائه، وعظمة المسؤولية المنوطة به في عالم الناسوت من جهة، ودلالة على قيمة الحوار وعظمته والحاجة إليه، وضرورته في تجسيد مفرداته الوجودية في الأرض من جهة ثانية. بدأ هذا الحوار، إذن، في اللحظة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل في الأرض خليفة، فأراد أن يخلق الإنسان لكي تناط به هذه المهمة الصعبة. ولذلك، «على الإنسان أن يتخذ من الحوار بدأ ومنطلقا وسبيلا في علاقته بالإنسان الآخر الذي هو إما أخا له في الدين، وإما نظيرا له في الخلق.»[27].

فحوار الله مع الملائكة، رسالة تربوية موجهة للإنسان، للتحلي بفضيلة الحوار، والتمسك به منهجا في حركة حياته وتعامله مع الآخرين. كما تفيد هذه الرسالة الموجهة إليه، أن العلم هو القاعدة التي يرتكز عليها الحوار، والمقوم الحقيقي له، ومحركه باتجاه الأهداف التي تقتضيها خلافته في الأرض. «فبالعلم خاطب الله الملائكة، وبالعلم رفع الله منزلة آدم وشرّفه وكرّمه، وبالعلم صدّق الملائكة، وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا. وهذا يعني أن الحوار ينبغي أن يتخذ من العلم وجهة ومنطلقا وسبيلا، لأن الحوار يقوم بالعلم ولا يقوم بالجهل، والعلم هو منطلق الحوار، ولن يكون الجهل منطلقا للحوار أبدا، وذلك لأن العلم يجعل من الحوار حاجة وقيمة، ويعطي الحوار محتوى ومضمونا، وينتهي به ثمرة ومكسبا.»[28].

2 ـ حوار الله سبحانه وتعالى مع إبليس: 

وإذا كان حوار الله مع الملائكة من أجل الإنسان، وقد كان الملائكة يمثلون رمزية خير في هذا الحوار، انطلاقا من طبيعتهم النورانية، فإن حوار الله مع إبليس، كان أيضا من أجل الإنسان، وكان إبليس في هذا الحوار طرف شر انطلاقا من طبيعته النارية.

ومن الآيات التي تصور مشاهد الحوار بين الله سبحانه وتعالى وإبليس قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ. قَالَ مَا مَنَعَكَ اَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ اَمَرْتُكَ قَالَ اَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ اَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ فَاَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ. قَالَ فَبِمَا اَغْوَيْتَنِي لاَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ اَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ اَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ اَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ. قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ اَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: الآية 11-18].

وما يمكن استخلاصه من دروس ونتائج من هذا النموذج الحواري، الذي يعتبر من أخطر النماذج الحوارية في القرآن الكريم، من حيث إنه جرى بين الحق المطلق والخير المطلق، وبين رمز الباطل المطلق والشر المطلق (إبليس)، هو أن إمكانية الحوار في القرآن الكريم مفتوحة ومتاحة، حتى في حال التناقض الحاد والمطلق بين الطرفين المتحاورين، أي بين الحق والباطل، والخير والشر في مطلقيتهما. ومع أشد الأعداء وأخطرهم. وبناء على ذلك، فما نفيده من الآيات السابقة، أن العصيان لا يمنع من الحوار، حتى لوكان العاصي هو إبليس اللعين. وإذا كان الحوار في أفقه الملكوتي قد جرى بين الخير المطلق والشر المطلق؛ بين الله سبحانه وتعالى وإبليس اللعين، فإن هذا النموذج الحواري الفريد المتفرد، يؤسس لإمكانية الحوار بين الإنسان ونظيره مهما كان ندا أو عدوا له، «لأنه ليس بين البشر من هو في منزلة إبليس الذي هو شر كله، في حين أن الناس كلهم عباد الله، فطرهم على فطرته، ولا تبديل لخلق الله.»[29].

وما يترتب عن هذا النموذج الحواري في تعاليه وقدسيته، هو التأصيل للحوار كمبدأ وآلية للتدافع بين البشر في اختلاف عقائدهم، وأعراقهم ولغاتهم وقومياتهم … بل وفي اختلافهم في تصوراتهم للحق والباطل، الخير والشر. فالحوار هو الأصل والقاعدة في علاقات الناس بعضهم ببعض. فلا مناص للإنسان من الحوار حتى مع ألد أعدائه، وأشدهم خصومة له، تأسيسا وقياسا على محاورة الله جلّ جلاله لإبليس الرجيم. فإذا كان الحوار ممكنا مع إبليس، فمن الأولى أن تجري إمكانيته بين المسلمين فيما بينهم، وبينهم وبين نظرائهم من الديانات والثقافات والحضارات الأخرى.

3 ـ حوار الله سبحانه وتعالى مع آدم (عليه السلام):

إذا كان حوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة رمز الخير؛ محوره الإنسان، وإذا كان حواره جلّ شأنه مع إبليس اللعين رمز الشر، أيضا محوره الإنسان. فإن حواره سبحانه مع آدم عليه السلام، بما هو رمز الإنسان، فهو كذلك حوار مع النبي الإنسان من أجل الإنسان. وإذا كان الملائكة طرف خير أسمى في الحوار، وإذا كان إبليس طرف شر أدنى في الحوار، فإن الإنسان وسط بين الطرفين؛ بين الخير والشر. والحوار من أجله وله مع الملائكة ومع إبليس، والحوار معه؛ كل ذلك من أجل تخليصه وخلاصه من الشر، والارتقاء به إلى أفق الخير لتحقيق خيريته واصطفائه. فالإنسان، إذن، هو كالواسطة بين تلك السرمدية (الخير المطلق)، وهذه الكائنة الفاسدة (الشر المطلق) على حد وصف الفيلسوف الأندلسي (ابن باجة).

فحوار الله سبحانه وتعالى مع آدم هو حوار مع النبي الإنسان رمز الإنسان، ونموذج لحوار الله مع الأنبياء والرسل ـ وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الله تعالى حاور أنبياء آخرين (كإبراهيم وموسى وعيسى…). ونكتفي هنا بالوقوف على حوار الله تعالى مع آدم كنموذج معبر ومثال شارح ومفصح عن صور ودلالات حوار الله مع الأنبياء.

ومن الآيات التي تنقل مشاهد وحيثيات الحوار الذي دار بين الله سبحانه وتعالى وآدم، قوله تعالى: ﴿وَياَ آَدَمُ اَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبّثكُمَا عَنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلـكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنَّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ، فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورً فَلَمَّا ذَاقَا الشّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَاكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ، قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلَى حِينْ﴾ [الأعراف: الآية 19 – 24].

ما نفيده من استنتاجات وحقائق من هذا التصوير القرآني لحوار الله سبحانه وتعالى مع آدم عليه السلام، هو الخط التربوي للحوار. فالحوار في هذه الآيات المباركات حافل بالدلالات التربوية كالتحذير والتنبيه والتذكير للتّبصر بالخطأ وعدم الوقوع في الخطيئة من خلال أساليب التهذيب والتعليم. ومن هذا يتبيّن أن الحوار في مرجعيته القرآنية يتجه نحو بناء الإنسان وصياغة وجوده على الوجه الأفضل والأكمل. وتأسيسا على هذه القاعدة التربوية للحوار، تتحدد إلزامية وحاجة الإنسان إليه في علاقته مع الآخرين لتصويب التصورات الخاطئة التي ينتجها تفكيرهم ومناقشاتهم، وتصحيح المواقف المنحرفة والتصرفات اللاأخلاقية التي تتخلل تعاملهم فيما بينهم. والنتيجة الأعم من كل هذا هي تربية الإنسان على قيمة الحق وفضائل الخير الموصلة إليه، ليكون ربانيا في تفكيره وفكره ومواقفه وعلاقاته ومعاملاته. وخلاصة هذه النتائج أن «الحوار في هذه الآيات ارتبط بهذه الحادثة، وجاء منبها ومذكّرا ومبصّرا، وهذا من وظائف الحوار بصورة عامة، ومن وظائفه التربوية بصورة خاصة.»[30].

إن الحوار في ثلاثية نماذجه التي أسلفنا ذكرها (حوار الله تعالى مع الملائكة، ومع إبليس اللعين، ومع آدم عليه السلام)، جرت وقائعه في عالم الملكوت، وفي بدء الخليقة. وقد استمر هذا الحوار في خطه التربوي الإلهي من خلال نموذج رابع في عالم الشهادة ومسرح التاريخ البشري، بين الأنبياء وأقوامهم.

4 ـ حوار الأنبياء مع أقوامهم:

إن حوار الأنبياء والرسل مع أقوامهم شغل حيّزا أوسع في القرآن الكريم على امتداد سوره وآياته، حيث أفاض على سبيل التفصيل فيما وقع بينهم من حوار ومناقشات في مواضيع تتعلق بالعقيدة تصحيحا وترسيخا، ونشرا لها بعد ذلك، لأنّه لا يمكن إرجاع الناس إلى جادة الصواب وعبادة الله ونبذ الشرك عنه إلا بالتنبيه والإقناع الذين يقتضيان الحوار.[31]  

ولا يمكن استعراض كل النماذج الحوارية في هذا السياق، بل سنكتفي بالوقوف على بعض المحطات البارزة، من خلال استعراض مقاطع حوارية لبعض الأنبياء مع أقوامهم، مركزين على ما بينها من مشتركات تتصل بدلالات وأبعاد الحوار في هذا المحور (محاورة الأنبياء لأقوامهم)، وما يتخللها من دروس وعبر، تفيد في الاهتداء إلى طريق الرشاد والصلاح، وتأمين مسار الإنسان في حياته الدنيوية ونجاته في الحياة الأخروية.

ولا بأس بأن تكون الوقفة الأولى مع مشهد حواري لنبي الله نوح عليه السلام مع قومه، من منطلق أن أول حوار ذكره القرآن بين نبي وقومه، هو ذاك الذي جرى بين نوح وقومه. كما يتبيّن ذلك من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأتِهمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ [التوبة: الآية 70].

ومن المشاهد الحوارية لنوح مع قومه، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: الآية 59]. ولما دعا سيدنا نوح عليه السلام قومه إلى عبادة الله كان ردّهم ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: الآية 27]. وبعد أن سمعهم سيدنا نوح وتأمل في أدلتهم وما اشتملت عليه من شبهات، رد عليهم بأسلوب رقيق وجذاب بأدلة تفنّد مزاعمهم ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الله وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ الله إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: الآية 28-30].

والوقفة الثانية مع نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام:

تأتي أهمية الحوار الإبراهيمي مع قومه، من سمو منزلته، ورفعة مقامه، والمتمثلة في اختياره الله خليلا له. ومن أنه كان أمة في قومه، ومن أولي العزم من الرسل، ونسبة الديانات السماوية الثلاث إليه (اليهودية والمسيحية والإسلام).

ومن المشاهد الحوارية للبني إبراهيم عليه السلام مع قومه قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِين﴾ [الشعراء: الآية 69 – 77].

وفي حواره مع الكفار والنمرود الذي ادّعى الألوهية وهو واحد منهم؛ ويتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: الآية 258]. 

ما يمكن إفادته من هذين المشهدين الحواريين في تأصيلهما وتصويرهما القرآني؛ هو قوة الحوار وقدرته وفعاليته في اعتماد أسلوب الإقناع ــ تجاوزا للإكراه ــ في الفصل بين الحق والباطل، والتمييز بين سبيل الهدى الأوحد الموحِد وسبل الضّلال المتفرّقة المفرّقة، وذلك من خلال تبنّيه وتسلّحه بقوة المنطق ممثلة في حكمة التعقل والتدبّر والتبصّر  في مواجهة منطق القوة؛ قوة التقليد والاتباع الأعمى من قِبَل الأحفاد لآبائهم وأجدادهم في التمسك بالمعتقدات الضالة التي ورثوها عنهم، وقوة العصبية والملك المؤسس على وهم ادعاء الألوهية (نمرود مثالا شارحا). والحوار باعتماده الأسلوب العقلي بما ينطوي عليه من قوة الحجة ووضح الدليل، وقطعية البرهان، في مناقشة أهم وأبرز قضية عقدية وحقيقة معرفية؛ وهي قضية الألوهية التي تمثل جوهر الصراع بين الشرك والتوحيد، تمكّن من كشف بطلان وزيف ووهم الألوهية التي أسس لها التقليد والاتباع المبني على قاعدة الضلال والشرك. ومن إضعاف قوة الملوك المتألّهين وانهيار ادعاءاتهم واعتقاداتهم أمام قوة الحجة العقلية الدامغة، مثلما حصل مع النبي إبراهيم عليه السلام في مقارعة الملك نمرود بالحجة والبرهان في مناقشة حقيقة وحدانية الله، مما جعله يبهت ويعجز عن الدفاع عن معتقده. 

وأما الوقفة الثالثة والأخيرة، فمع نبي الله موسى عليه السلام:

لقد كان حوار موسى عليه السلام مع قومه الأكثر تفصيلا وتكرارا في القرآن الكريم، غطى كل المراحل والأطوار التي مر بها والمواقف التي تعرضّ لها مع قومه. ومن أبرز المشاهد الحوارية لموسى عليه السلام مع قومه، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينْ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتُلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاَءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمَنِينَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ.  وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إَنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ  فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رضبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ونَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: الآية 75 – 86]. 

وما يمكن استخلاصه من نتائج مشتركة من هذه المشاهد والمقاطع الحوارية في نماذجها النبوية الثلاثة (نوح، وإبراهيم، وموسى عليهم السلام)، هو أهمية الحوار ومحوريته في القرآن الكريم، فهو الأسلوب الأوحد والأنجع في النشاط الدعوي المرتبط بنشر وتبليغ رسالة الحق. والسبيل الأوحد لمعالجة الانحراف العقدي والفكري. وهو فكرة أصيلة وراسخة في البنية العقدية والفكرية والسلوكية للرؤية الإسلامية للقضايا الوجودية والمعرفية والاجتماعية، ولعلاقة الذات مع الآخر المختلف. ومحورية مبدأ الحوار وفعاليته، ووجه الحاجة إليه في الاستقامة والرشاد وسلامة المسار في الدنيا وحسن المصير في الآخرة، تكشف عنها هذه الحوارات، حيث تفيد أن الحوار كان نهج كل الأنبياء مع أقوامهم في مختلف المراحل والمحطات والظروف، من نوح عليه السلام إلى خاتم النبيّن محمد صلى الله عليه وسلم. وأن نهج الحوار الذي سلكوه مع أقوامهم حقق كل نتائجه، وحسم في كل القضايا الشائكة والمشاكل المعقدة والتحديات التي فرضها منطق الشرك والكفر والجهل…»الأمر الذي يقتضي من الدعاة إلى الله العاملين في سبيله، أن يكونوا أكثر الناس تمسكا بنهج الحوار في مجتمعاتهم، لأنهم أقرب الناس اقتداء بنهج الأنبياء.»[32].

والحوار لما يكون معززا بالحجة والبرهان، ومتسلحا بقوة المنطق والبيان، يطفئ نار العنف، ويخفف من حدة التعصب، ويضعف قوة العناد والجحود، وهذا ما حصل واقعا وفعلا للأنبياء في دعوتهم لأقوامهم باتباع رسالة الهدى وتجنب طريق الظلال.

وخلاصة هذا كله، أن الحوار هو الأساس في مراجعة الذات وضبط وتصحيح وتوجيه مسار العلاقات، وحل المشكلات. وهو قوام الرؤية التوحيدية الإسلامية في التفاعل الإيجابي بين الناس والتواصل فيما بينهم في سعيهم إلى سعادتهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة. « هو آلية من أهم الآليات في التفاعل مع الوجود بأكمله أخذا وعطاء من غير إكراه ولا قهر، ضمن سنتي التنوع والتدافع من أجل تحقيق التوازن الكوني والفوز بالجنة ومرضاة الله في الآخرة… وهذه الآلية تعمل وتؤتى أكلها في كل مستوى من مستويات الوجود، فالحوار مع الله تسليم وعبادة، والحوار مع الكون تسخير وتمتع، والحوار مع الإنسان تعاون وتضامن[33].

المبحث الثالث:
دور الحوار وآليات تفعيله في المجتمعات المعاصرة، لتحقيق التعايش والتدافع بين الأمم

سبقت الإشارة إلى أن الإنسان هو المستهدف من استراتيجية الحوار التي وضع أسسها، وحدد معالمها القرآن الكريم. فحوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة قبل بدأ الخليقة، وحواره مع إبليس بعد الخليقة، وحواره مع الأنبياء، كل ذلك كان من أجل الإنسان وله. وانطلاقا من صلاحية القرآن لكل زمان ومكان، من جهة، ومن كون مشكلات الإنسان هي نفسها، قديمة متجددة، «فالخطاب الإلهي للإنسان لم يأتِ متميزاً في المكان أو في الزمان، أو في التاريخ، وإنما جاء خطاباً مطلقاً، سواء جاء هذا الخطاب على لسان النبي نوح (عليه السلام)، أو النبي موسى (عليه السلام)، أو النبي عيسى (عليه السلام)، أو رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بمعنى آخر يمكن القول: إن الإنسان هو موضوع لهذا الخطاب الإلهي في مطلق الزمن، وعلى لسان الأنبياء جميعاً»[34]. وهذا ما يثير سؤال راهنية الحوار، وحاجة الإنسان المعاصر إليه في صياغة وجوده، وتطوير ذاته، بما ينسجم مع خاصيته وأفقه الإنساني، وفي تدافعه مع غيره للتواصل معه، بما يحقق إمكانية التعايش السلمي، وإفادته والاستفادة منه. وفي هذا السياق يقول محمد حسين فضل الله: «ولعل مسألة الحوار هي من المسائل المهمة في المنطق الإسلامي كأسلوب متحرك عملي في الوصول إلى الحقيقة وفي تكوين القناعات .. وفي حركة الصراع في القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية ونحوها، لأنه الوسيلة الفضلى التي يعبر بها الإنسان عن فكره بطريقته الخاصة، في رفضه أو قبوله لأفكار الآخرين، في موقع الحرية الرحب الذي يمنح الإنسان الأمن من الاضطهاد في حركة الصراع .. وهو الذي يبلور الأفكار ويصفيها من كل الشوائب، ويرفع عنها الكثير من الغموض، ويوضح الكثير من مفرداتها من خلال عملية الأخذ والرد»[35].

إن ما يميّز العصر الحالي من مد عولمي كاسح، مبني على منطق الاستقواء والاحتواء، وما يشوب علاقات الدول والمجتمعات والثقافات والحضارات من توتر وتصادم وتدافع مدمر، رسّخت الوعي به، ووضعت آليات تفعيلة نظريات «صراع الحضارات» و«صدام الحضارات»، و«نهاية التاريخ»… هو ما يجعل الحاجة ماسة للحوار، ويعزز ضرورة اللجوء إليه من خلال التأسيس لصيغ معرفية بنائية وتواصلية، تقوم على تزاوج الأفكار، وتبادل التصورات والرؤى، وفهم وتفهّم الأخر واحترام آرائه، لتحقيق التواصل بين الأطراف المتجاورة في المكان والمتطورة في الزمان، والتي تتدافع وتتنازع حول مصائرها ومصالحها.. وفعالية الحوار هنا، تكمن في قدرته على التصدي لتوحش العولمة في مركزيتها الأحادية الاستقطابية، الرامية إلى إحلال ثقافة واحدة على حساب الثقافات العالمية قديمها وحديثها. «فإنسانية الإنسان تفرض عليه أن يمتد ليعيش في الإنسان الآخر، بحيث يقترب عقله من عقله، وينفتح قلبه على قلبه، لأن الهدف من تنوع الخلق هو التعارف والتعايش الذي لا يمكن تحققه إلا بالتفاهم.»[36].

والتعايش كأفق استراتيجي للحوار، وضرورة أخلاقية وإنسانية لتواصل المجتمعات وتدافعها الإيجابي، لا يتحقق فعليا وواقعيا إلا بالالتزام بمتطلبات الحوار، التي هي في جوهرها آليات الفعل التواصلي، وهي:

 1 ـ إقامة الحجة لتخليص القول والرأي من كل ما يفسده، وما يؤجج نار الخلاف المدمر والمفرق. فمن شأن الحجة القوية ـ فضلا عن دورها في إقناع الطرف الآخر ـ أن توصل إلى معرفة الحقيقة، وحصول الإجماع عليها، ومن ثم الالتفاف حول الحق. « فلا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل»[37].

فالحجة بما هي مقتضى من مقتضيات الحوار، تضعف سلطة وسلطان الخلاف وتنهيه، وتعزز ثقافة الاختلاف المثمر والبناء. وانطلاقا من ذلك، فـ «إن تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة، فئات أو أفراد، يفضي مع مرور الزمن إلى تقلص شقة الخلاف بينهم، وذلك لدخول هذه الأطراف في استفادة بعضها من بعض، حيث إن هذا الطرف أو ذاك قد يأخذ في الانصراف عن رأيه متى تبين له عند مقارعة الحجة بالحجة، ضعف أدلته عليه، ثم يتجه تدريجيا إلى القول برأي من يخالفه أو يأخذ على العكس من ذلك، في تقوية أدلته متى تبيّنت له قوة رأيه، مستجلبا مزيدا من الاهتمام به من لدن مخالفه، حتى ينتهي هذا المخالف إلى قبوله والتسليم به، وهكذا؛ فإذا أنزل الخلاف منزلة الداء الذي يفرق، فإن الحوار ينزل منزلة الدواء الذي يُشفى منه»[38].

2 ـ تنوع الرؤى، لبلورة مفهوم التسامح، وتعميق وتوسيع دائرة الوعي به، على المستوى القيمي، وترجمته عمليا إلى سلوك الاحترام، والتعاون، والاعتراف، وتفاعل الخبرات المعرفية المختلفة، وتبادلها للإفادة منها في مختلف مجالات الأنشطة البشرية. والتمكن من حل المشكلات التي تعترضها. وبالتالي التأسيس لمستقبل مشترك يخرج الإنسانية من عنف الهيمنة إلى أفق التعايش السلمي الذي به تسمو الحضارات وتنتعش الثقافات، وتتطور المجتمعات، ومن هذا يتبيّن أن «الحوار ضرورة إنسانية، لأنه صيغة من صيغ التواصل والتفاهم، وأسلوب من أساليب العلم والمعرفة، ووسيلة من وسائل التبليغ والدعوة، وهو الشكل الفلسفي الممتاز، إذ أكثر ما تكون الأفكار فلسفية عندما يستطيع من يفكر فيها من الداخل أن يبحث عن وجهها الخارجي، والحوار هو الذي يساعد على ذلك.»[39].

ومن هنا، فإن مسألة الحوار من المسائل المهمة في الحياة الإنسانية، وفي تماسك المجتمعات البشرية. فهو أسلوب متحرك عملي في الوصول إلى الحقيقة، وفي حركة الصراع في القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية، لأنه الوسيلة المثلى التي يعبر بها الإنسان عن فكره بطريقة خاصة سواء كان بالرفض أو بالإيجاب، أو قبوله لأفكار الآخرين. وهذا تأكيد لما يقر به القرآن الكريم، حيث يجعل الحوار سبيلا لكل قضاياه، كما أنه السبيل لبيان الخلافات التي تظهر على ألسنة مخالفيه، وليس في القرآن وسيلة للتفاهم مع الخصوم غير الحوار.[40]

والحوار بهذا التوجه النظري والحراك العملي، يعكس حقيقته كما أسسها المنطق الإسلامي، ويعبر عن فلسفة الإسلام في حرصه على سعادة وخير الإنسان، وتكريسه لمبدأ مجيئه «رحمة للعالمين». وأن اختلاف الديانات والأعراق والأجناس … يعيق خاصية العالمية من التحقق والانتشار. والحوار هو الروح المحركة للمنطق الإسلامي لنشر ثقافة الرحمة. فإما أن ينخرط الإنسان في ثقافة الرحمة من خلال التمسك بقيمة الحوار، فيتحقق وجوده الاجتماعي في صورته الأفضل، وإما أن يستسلم لتعصبه وتحيزه وتشدده وتصادمه مع الأخر، فينزل وجوده الاجتماعي إلى أشقى وضعه، وأحط مقامه. «وذلك هو الفرق بين أن يعيش الإنسان الانكماش في داخل ذاته، والانغلاق عن الإنسان الآخر في تفكيره وشعوره وحركته… وبين أن يعيش الانفتاح في آفاق الحياة ورحاب المعرفة واللقاء بالآخرين، كإنسان يجتذب إنسانا آخر، ويلتقي به ويتبادل معه أفكاره وحركته ومنهجه، ويناقش معه قضاياه ومشاكله؛ ليعطيه من نفسه بعض خصوصياته، ويأخذ منه بعضا من خصوصياته في عملية تفاعل فكري وروحي وعملي.»[41].

والفرق بين الإنسان في حال انكماشه وحال انفتاحه، هو من حيث المبدأ والأساس فرق بين الحوار واللاحوار. فـ»الحوار يمثل مظهر الحياة في معناها الحركي، أما اللاحوار فإنه يمثل معنى الموت في جموده وسكونه، وبذلك يكون المجتمع حيا وميتا، ساكنا ومتحركا، بمقدار ما يكون محاورا أو منغلقا؛ فالمجتمع الأول ينمو في فكره وروحه وحركته، بينما يعيش المجتمع الآخر الجمود الفكري والحركي الإنساني»[42].

خاتمة:

نخلص مما سبق إلى أن الحوار هو أداة الإسلام، في كشف الحقيقة وتبليغها، وإقناع الغير بها على أساس البيان والبرهان، وليس الإكراه والقهر. وهو يستمد أهميته وقيمته من القدسية التي يحظى بها، والتي تحددها علاقة الله بمخلوقاته، حيث حاور الملائكة وإبليس والأنبياء… والحاجة إليه، تفرضها المشكلات التي تعترض الإنسان على مستواه الذاتي والاجتماعي والحضاري.

من خلال وقوفنا على حيثيات التوجه القرآني للحوار تبيّن لنا أن الإنسان هو المبتدأ والمركز والمنتهى، من خلال قضية الحوار في الرؤية الإسلامية، مفهوما وقيمة واستراتيجية: فقد كان الإنسان موضوعا وهدفا في حوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة قبل خلقه، وفي حواره جل شأنه مع إبليس اللعين بعد خلقه، وكذا في حواره مع الأنبياء والرسل، بما هم نماذج ممثلة للإنسان ذاته. بدأ حوار الله مع هذه الأطراف بالإنسان. وكان هو المركز والمحور في كل القضايا والحقائق والحيثيات التي تضمنها الحوار. وكان هو المنتهى في حركة الحوار، بحيث استكمل دوره وانتهت مهمته بمجرد أن حقق كل يتصل بالإنسان وجودا في الحياة، وحركة في المجتمع، وتطلعا للمستقبل. وحضور الإنسان في كل الأطر والسياقات التي تحرك فيها الحوار، هو حضور المخلوق المكرم المفضل في خريطة الخليقة، بما هو خليفة الله في أرضه. ومن ثم فالمسافة الفاصلة بين الإنسان كونه موضوعا وهدفا لحوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة وإبليس والأنبياء، وبين حركته في الحياة بوصفه خليفة مكلفا بإعمار الأرض ونشر رسالة العدل والحق، هي مسافة بين البذرة والثمرة: فقد كان بذرة زرعت في حقل الحوار قبل وبعد خلقه، وتحول إلى ثمرة بعدما شكل الحوار عنصرا بنيويا في وعيه، وربى نفسه على قيمه، وضبط علاقاته استنادا إلى قواعده.

والحوار في مرجعيته القرآنية، وبتمسك الإنسان به منهجا في تنمية فكره وتوسيع دائرة عقله، وأسلوبا في تعامله مع غيره من البشر، يتمكن من تجسيد كل مقتضيات الخلافة التي أنيط بها وأوكلت له في الوجود والتاريخ. ويتمكن من تحويل خاصية «الاختلاف» الطبيعي بين البشر من عائق يعمق الخلاف والشقاق والصراع والتنافر الذي ينتهي إلى الاحتراب والتوحش، إلى آلية ووسيلة لتحقيق التوافق والائتلاف، والتدافع التكاملي بما يستبطنه من روابط في شبكات العلاقات الاجتماعية، كالتفاهم والتعارف والتعاون المؤسسة بدورها للعيش المشترك، وتحقيق السلم والأمن للأطراف المتدافعة.

فلا سلام لعالم؛ وعي الفرد والجماعة فيه يفتقر إلى قيم وفضائل الحوار، ولا خير في قوم لا يتحاورون، قياسا على الحديث الشريف: «لا خير في قوم لا يتناصحون ولا خير في قوم لا يقبلون النصيحة». والنصيحة، هنا، هي لب الحوار وجوهره، ومقتضى وظيفته، وهي معرفة الحقيقة وتبيّن سبيل الحق والتمسك به. فالناس إذ يتناصحون فهم يتدافعون من أجل درء المفاسد وجلب المصالح، وتصفية الأنفس وتنقيتها من كل ما يعيق الفعل التواصلي بينهم كالتعصب والتشدد والعناد والجحود والكبرياء، والأنانية والاستعلاء… 

التوصيات:

1ـ الحرص على نشر ثقافة الحوار والدعوة لإقامة الندوات والمؤتمرات العلمية لترسيخ ثقافة الحوار والوعي الإسلامي بآدابه وشروطه وضوابطه.

2.  التحلي بخاصية الانفتاح، والعمل على توسيع دائرة الحوار ليشمل جميع الأطراف مهما كانت شدة وحدة الاختلاف.

3.  ضرورة الاهتمام بالمصطلحات والمفاهيم المجاورة للحوار لتعميق الوعي به وللتمكين لتوظيفه.

4 ـ  تعزيز ثقافة الحوار وممارسته والتدريب عليه في الفضاءات الاجتماعية والتربوية والعلمية

5.  السعي إلى اتباع استراتيجيات الحوار القرآني في جميع الحوارات. والتزام آدابه في ذلك.

6.  ضرورة التحلي بآداب الحوار وإتقان مهاراته.

7.  لابد في الحوار الإنساني من التكافؤ بين المتحاورين لنجاح الحوار.

8.   ضرورة وضع خطط محكمة لتحقيق الغاية من الحوار.

10.  ضرورة تكامل الجهود، باشتراك علماء من تخصصات مختلفة لوضع استراتيجية شاملة للحوار.


لائحة المصادر والمراجع:

•  القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.

•  أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2001.

•  إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي: الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1987.

•  الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني، طبعة دار المعرفة، بيروت، بدون ذكر تاريخ النشر.

•  القرطبي: «الجامع لأحكام القرآن»، ج3، دار الشعب، القاهرة (د ـ ت).

•  الندوة العالمية للشباب الإسلامي، «أصول الحوار»، طبعة الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض 1408 هـ.

•  النووي، شرح صحيح مسلم، طبعة دار أبي حيان، القاهرة 1995م.

•  برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (ت 885ﻫ/ 1480م)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج15، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1978م.

•  زكي الميلاد: «الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ»، مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، الرياض، ط1، 1431هـ / 2010.

•  صالح بن عبد الله بن حميد، أصول الحوار وآدابه في الإسلام، طبعة دار المنارة، جدة، بدون تاريخ.

•  طه عبد الرحمن: «حوارات من أجل المستقبل»، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2011.

•  عارف هند يجاني فرد: « حوار الأديان في القرآن الكريم « ج1، جمعية القرآن الكريم، بيروت، لبنان، ط1، 1435هـ 2014م.

•  عبد الله الجيوسي: «أسلوب الحوار في القرآن الكريم»، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، العدد 2، 1427هـ / 2006م.

•  عبد المجيد عمراني: «مستقبل حوار الحضارات في ظل العولمة»، نشر ندوة الثقافة والعلوم، دبي، 2004.

•  قطمير شيخو: «حوار الأديان بين القرآن والتطبيقات المعاصرة»، مجلة الإسلام في آسيا، المجلد الخامس، العدد 1، يوليو 2008م.

•  قمر محمد بخيت ماجي: «استراتيجية إدارة الحوار في القرآن الكريم»، مناظرات قطر، المؤتمر الدولي الرابع، (د ـ ت).

•  قيس سالم المعايطة: «ضوابط الحوار في الفكر الإسلامي، مقال منشور في المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، المجلد الثالث، العدد (1)، 30 أبريل/ نيسان 1428ه ـ 2007م.

•  محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج5، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

•  محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، طبعة دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967م.

•  محمد بن الحسين الفراء الحنبلي: العدة في أصول الفقه، تحقيق: أحمد سيد المبارك، مطبعة المدني، مصر، ط2، 1400ه.

•  محمد بن جرير الطبري (ت 310ﻫ/922م)، جامع البيان في تأويل القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1999م.

•  محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الصحيح، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون ذكر تاريخ النشر، 5/497.

•  محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، طبعة دار صادر، بيروت 2008.

23 ـ محمد عبد اللطيف رجب عبد العاطي: «منهجية الحوار في القرآن الكريم»، مجلة الشريعة والقانون، العدد 35، رجب 1429هـ ـ 2008م.

24 ـ محمد عبد اللطيف رجب عبد العاطي: «منهجية الحوار في القرآن الكريم». مجلة الشريعة والقانون، العدد 35، رجب 1924ه، يوليو، 2008م.

25 ـ محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، طبعة دار مكتبة الحياة، بيروت، 1306ﻫ.

26 ـ مسلم بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الإيمان، باب حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، طبعة دار أبي حيان، القاهرة 1995م.

27 ـ يعقوبي، محمود، المنطق الفطري في القرآن الكريم ديوان المطبوعات الجامعية، ‏ الجزائر، 2000.


[1]  قيس سالم المعايطة: «ضوابط الحوار في الفكر الإسلامي، مقال منشور في المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، المجلد الثالث، العدد (1)، 30 أبريل/ نيسان 1428ه ـ 2007م.  ص: 145.

[2]  الميلاد، زكي، «الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ»، مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، الرياض، ط1، 1431هـ / 2010، ص: 7.

[3]  محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، طبعة دار مكتبة الحياة، بيروت، 1306ﻫ، 3/162؛ وأحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2001، ص269.

[4]  محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، طبعة دار صادر،  بيروت 2008، 4/218.

[5]  أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني، طبعة دار المعرفة، بيروت، بدون ذكر تاريخ النشر، ص 135.

[6]  الندوة العالمية للشباب الإسلامي، «أصول الحوار»، طبعة الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض 1408 ه، ص9:

[7]  الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد، أصول الحوار وآدابه في الإسلام، طبعة 3 دار المنارة، جدة، بدون تاريخ، ص 3.

[8]  محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، طبعة دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967م، 19/273.

[9]  أخرجه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الإيمان، باب حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، طبعة دار أبي حيان، القاهرة 1995م، 1/325.

[10]  شرح صحيح مسلم، الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، طبعة دار أبي حيان، القاهرة 1995م، 1/326.

[11]  رواه الإمام محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الصحيح، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، ( د ـ ت)، 5/497.

[12]  انظر: محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، المصدر نفسه، 19/273.

[13]  محمد بن جرير الطبري (ت 310ﻫ/922م)، جامع البيان في تأويل القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1999م، م 8، ص224.

[14]  برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي: «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور»، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1978م، ج15، ص58-59.

[15]  محمد الطاهر ابن عاشور: «التحرير والتنوير»، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م، ج5، ص319-320.

[16]  قطمير شيخو: «حوار الأديان بين القرآن والتطبيقات المعاصرة»، مجلة الإسلام في آسيا، المجلد الخامس، العدد 1، يوليو 2008م، ص:59.

[17]  محمد عبد اللطيف رجب عبد العاطي: «منهجية الحوار في القرآن الكريم». مجلة الشريعة والقانون، العدد 35، رجب 1924ه، يوليو، 2008م، ص: 185.

[18]  الميلاد، زكي، «الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ»، مرجع سابق، ص: 7.

[19]  الميلاد، زكي، المرجع السابق، ص: 39.

[20]  محمد حسين فضل الله: «الحوار في القرآن»، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط5، 1417 ه/ 1996م، ص: 57.

[21]  الميلاد، زكي، المرجع نفسه، ص: 39.

[22]  ابن منظور: «لسان العرب «، دار صادر، بيروت لبنان، ط8، 2008، المجلد الثالث، ص: 99.

[23]  إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393هـ): الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت اط4، 1407 هـ‍ – 1987 م، ج4، ص: 1654.

[24]  محمد ابن الحسين الفراء الحنبلي: العدة في أصول الفقه، تحقيق: أحمد سيد المبارك، ط2، 1400ه، مطبعة المدني، مصر. ج1، ص: 184.

[25]  الميلاد، زكي، «الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ»، مرجع سابق، ص: 41.

[26]  الميلاد، زكي، «الحوار في القرآن.. نماذج ومبادئ»، مرجع سابق، ص: 23.

[27]  المرجع نفسه، ص: 23.

[28]  المرجع نفسه، ص: 24.

[29]  الميلاد، زكي، «الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ»، مرجع سابق، ص: 26.

[30]  الميلاد، زكي، «الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ»، مرجع سابق، ص: 29.

[31]  يعقوبي، محمود، المنطق الفطري في القرآن الكريم (2000)، ديوان المطبوعات الجامعية، ‏ الجزائر، ص 5. 

[32]  الميلاد، زكي، «الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ»، مرجع سابق، ص: 34.

[33]  قمر محمد بخيت ماجي: «استراتيجية إدارة الحوار في القرآن الكريم»، مناظرات قطر، المؤتمر الدولي الرابع، (د ـ ت) ص: 6.

[34]  الشيخ عارف هند يجاني فرد: «حوار الأديان في القرآن الكريم» جمعية القرآن الكريم، بيروت، لبنان، ط1، 1435هـ 2014م، 1/ 11.

[35]  محمد حسين فضل الله: «الحوار في القرآن»، مرجع سابق، ص: 22.

[36]  محمد عبد اللطيف رجب عبد العاطي: «منهجية الحوار في القرآن الكريم»، مجلة الشريعة والقانون، مرجع سابق، ص: 178.

[37]  القرطبي: «الجامع لأحكام القرآن»، ج3، دار الشعب، القاهرة (د ـ ت)، ص: 286.

[38]  طه عبد الرحمن: «حوارات من أجل المستقبل»، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2011، ط1، ص: 8.

[39]  عبد المجيد عمراني: «مستقبل حوار الحضارات في ظل العولمة»، نشر ندوة الثقافة والعلوم، دبي، 2004، ص: 31.

[40]  عبد الله الجيوسي: «أسلوب الحوار في القرآن الكريم»، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، العدد 2، 1427هـ / 2006م، ص: 12.

[41]  محمد حسين فضل الله: «الحوار في القرآن»، مرجع سابق، ص: 28.

[42]  المرجع نفسه، ص: 28. Drezinex

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2