سؤال التاريخ في مشروع النهوض الحضاري عند مالك بن نبي

0

محماد رفيع / *  رئيس قسم الدراسات الإسلامية – كلية الآداب ظهر المهراز – فاس – المغرب.

ملخص البحث:

مدار هذا البحث على رصد وتحليل المعرفة التاريخية في فكر ابن نبي، وأثر تلك المعرفة في مشروع النهوض الحضاري لابن نبي، وهو ما تطلب مقاربة الموضوع في محورين اثنين أحدهما يروم رصد وتحليل معالم فلسفة التاريخ عند ابن نبي، وثانيهما مناقشة أثر فلسفة التاريخ لابن نبي في النهوض الحضاري.

وقد تم التوسل في مقاربة هذا الموضوع بمنهج جمع بين استقراء المادة العلمية من تراث ابن نبي أصالة ومن مراجع مقارنة مختلفة تسعف في تنوير الموضوع وتوسيعه، وتحليل مضامين المادة وتعليل قضاياها واختياراتها وتأصيل أحكامها، وإجراء مقارنة بين ابن نبي وغيره في موقع الفقه السنني وأثره في المشروع النهضي، ونظم ذلك كله في سياق التصور العام للموضوع، حيث أسعفنا هذا المنهج في التوصل إلى نتائج علمية مهمة ضمناها خاتمة البحث.

الكلمات المفتاح: النقد – التأصيل –  التجديد – التلفيق – التوفيق

Abstract:

The Problem of History in Civilizational Revival at Malek Ibn Nabi Tought

The main object of the problem of history at the Malek Ibn Nabi’s revival project is to reveal the position of historical knowledge as a condition of the Islamic revival civilization. The historical and normal knowledge, or logics of history –as Ibn Nabi described- is a conditional premise to the well perception of the actual Islamic situation and its contradictions in order to surpass them. This type of knowledge at Malek Ibn Nabi’s point of view does not exist in other civilization projects, but only in Ibn Khaldoun’s theory of state.

The horizon which the logical knowledge must attain, in Nabi’s point of view, is the civilizational one, by analyzing and reasoning without limiting it in the theory of state as Ibn Khaldoun did. This means that Malek Ibn Nabi criticized Ibn Khaldoun’s theory and in the same time he was intrigue by this discovery.

To discuss these issues, the paper will revolve around two topics:

Chapter one: Features of Ibn Nabi’s Philosophy of History.

Chapter two: The impact of the Philosophy of History on the Revival civilization.

This paper will follow two approaches:

– The first approach is an analytic one which will analyze the problem of history at the Malek Ibn Nabi’s revival project.

– The second approach is a comparative one  which will compare the Ibn Nabi’s theory to other projects.

Keyswords: renewal-criticism- faking- compromise-  rooting.

مقدمة:

يروم البحث في سؤال التاريخ عند مالك بن نبي في مشروعه النهضي كشف الغطاء عن موقع المعرفة التاريخية ضمن اشتراطاته للنهوض الحضاري في الأمة، وذلك بناء على أن المعرفة التاريخية السننية أو منطق التاريخ[1] حسب تعبير مالك بن نبي، مقدمة شرطية لحسن استيعاب مفردات حاضر الأمة وتناقضاته من أجل تجاوزه، والعبور إلى مستقبل النهوض الحضاري، وهي المعرفة التي افتقدها ابن نبي في كثير من مشاريع رواد الإصلاح ووجدها مؤسسة عند ابن خلدون لكن في حدود الدولة.

والأفق الذي ينبغي أن تمتد إليه تلك المعرفة المنطقية للتاريخ في نظر ابن نبي هو أفق الحضارة تعليلا وتحليلا وليس حصره في نطاق الدولة كما حصل عند ابن خلدون، وهو نقد من طرف خفي لابن خلدون[2]، واهتبال في الوقت نفسه بما اكتشفه من قانون الدورة التاريخية[3].

ويرجع اهتبال ابن نبي بالمعرفة السننية التاريخية لكونها المعرفة المعيارية الثابتة الأصيلة المطردة التي لا تتخلف، وتستند إلى الأصل القرآني في قوله تعالى: ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الرعد:12)، ولها تطبيقات قرآنية عديدة في تعليل الحضارات وربط النتائج بمقدماتها والأسباب بمسبباتها والمعلولات بعللها على نحو مطرد ودائم لا يتخلف، فلا سبيل لتحقيق نتيجة ما دون الوفاء بمقدماتها، ولا الحصول على المسببات دون أسبابها، وهي سنة الله في كونه وخلقه ” فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا” ( فاطر الآيتان 43-44).

من أجل تفصيل القول في تفاريع سؤال التاريخ في مقاربة النهوض الحضاري عند ابن نبي رحمه الله، حاولت مقاربة الموضوع وفق المحاور التالية:

مقدمة: أضمنها إشكال البحث وقيمته العلمية والعملية ومنهج بنائه وأهم نتائجه

المبحث الأول: معالم فلسفة التاريخ عند ابن نبي

المبحث الثاني: أثر فلسفة التاريخ لابن نبي في النهوض الحضاري

خاتمة: أضمنها أهم نتائج البحث

أما المنهج المزمع اعتماده في مقاربة ذلكم الإشكال فيجمع بين استقراء المادة العلمية من تراث ابن نبي أصالة ومن مراجع مقارنة مختلفة تسعف في تنوير الموضوع وتوسيعه، وتحليل مضامين المادة وتعليل قضاياها واختياراتها وتأصيل أحكامها، وإجراء مقارنة بين ابن نبي وغيره في موقع الفقه السنني وأثره في المشروع النهضي، ونظم ذلك كله في سياق التصور العام للموضوع.

ومن أبرز ما تمخض عنه هذا البحث ما أثله مالك بن نبي من رؤية معرفية تاريخية عميقة ومتماسكة خاض بها على سبيل المقارنة تاريخ الحضارتين الإسلامية والمسيحية، ميز في ذلك كله بين الثابت المشترك من السنن التاريخية في كلتا الحضارتين وفاقا أو خلافا، وبين الخصوصيات الثقافية المرتبطة بأحوال الإنسان زمانا ومكانا، وقدم ذلك في قواعد حضارية ثابتة قابلة لاستئناف البناء الحضاري عليها.

المبحث الأول: معالم فلسفة التاريخ عند ابن نبي

يعد مالك بن نبي بحق أحد كبار المفكرين القلائل ممن تفطنوا لمركزية المعرفة التاريخية في استئناف النهوض الحضاري، وذلك لإدراكه التام أن المعرفة التاريخية تمثل المدخل الصحيح لتفسير مفردات الحاضر واستيعاب تناقضاته في سياق الدورة الحضارية، وهو ما يستلزم بناء وعي تاريخي إيجابي متكامل في ذاكرة الأمة الجماعية، بحيث تستوعب مسيرتها الحضارية في التاريخ في معالمها الكبرى ومفاصلها العظمى، فتتأهل بذلك لرصد عوائق نهوضها الحضاري، ووضع أوراش الإصلاح والتقويم، لاستئناف النهوض المتمنع.

فالمعرفة التاريخية إنما صممت وظيفيا في فن التاريخ لخدمة الحاضر تفسيرا وتغييرا، فقد وصف ابن خلدون وظيفة علم التاريخ بأنه: “يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في الدين والدنيا “[4].

ولذلك نجد مالك بن نبي رحمه الله يربط إشكال النهوض الحضاري المتمنع في الأمة بشروط وقوانين الدورة التاريخية[5]، على نحو فلسفي عميق للتاريخ، نحاول في هذا المبحث استجلاء نظرته الفلسفية للتاريخ من خلال المعالم التالية:

المطلب الأول: المعلم المنهجي:

مدار هذا المعلم على القراءة المنهجية لتاريخ الحضارة الإسلامية التي تميز بها مالك بن نبي، بحثا عن التعليل السنني للسقوط والنهوض الحضاريين في مجريات التاريخ، وهي قراءة مؤسسة على أصلين اثنين متكاملين، أحدهما ميتافزيقي، والثاني اجتماعي تاريخي.

أولا: الأصل الميتافزيقي

مقتضى قول ابن نبي بالأصل الميتافزيقي هو البحث عن الغايات والأسباب البعيدة للنهوض والسقوط الحضاريين، فالحضارة في نظر ابن نبي ” لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء يكون للناس شرعة ومنهاجا…فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية”[6].

فموقع الدين والإيمان في النهوض الحضاري عند ابن نبي مركزي أساس، بحيث “لا يقوى البناء الاجتماعي على البقاء بمقومات الفن والعلم والعقل فحسب، لأن الروح وحده هو الذي يتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقد الروح سقطت الحضارة وانحطت لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوى بتأثير جاذبية الأرض”[7].

فهذا الموقع المركزي للدين في بناء الحضارة وتركيب شروطها[8]، لا يختص بالحضارة الإسلامية، وإنما هو قانون عام يسري على جميع الحضارات في نظر ابن نبي لأن ” المدنيات الإنسانية حلقات متصلة تتشابه أطوارها مع أطوار المدنية الإسلامية والمسيحية، إذ تبدأ الحلقة الأولى بظهور فكرة دينية، ثم يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض عليها، بعد أن تفقد الروح ثم العقل”[9].

فقانون النهوض والسقوط الحضاريين في فلسفة ابن نبي مداره على الإيمان، المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية الذي لا يعوضه معوض[10]، فكلما قوي تأثير الروح في الإنسان كلما تأتى له النهوض الحضاري، وكلما ضعف تأثيره كان إلى السقوط أسرع[11]، وهو القانون نفسه الذي جرى على الحالة الإسلامية التي انتهضت حضاريا بالبعثة الروحية للدين ثم هوت إلى البدائية بعد الدخول في الخلافات والحروب[12].

فقول ابن نبي بمعيارية الدين في تركيب وتفعيل مكونات المعادلة الحضارية لا يرتبط بلحظة زمنية ما ولا بخصوصية مكانية ما وإنما الأمر يتعلق بحقيقة جوهرية في الدين، يقول: ” فإن قوة التركيب لعناصر الحضارة خالدة في جوهر الدين، وليست ميزة خاصة بوقت ظهوره في التاريخ، فجوهر الدين – حسب العبارة الشائعة – مؤثر صالح في كل زمان ومكان”[13].

وهكذا استطاع مالك بن نبي رحمه الله توظيف العامل الغيبي منهجيا في تشكيل النهوض الحضاري القائم على المبادئ والقيم قبل أن يقوم على المنتج المادي، وفي السقوط الحضاري التاريخي كذلك حين تضعف جذوة الإيمان.

ثانيا: الأصل التاريخي والاجتماعي

يقصد مالك بن نبي بهذا الأصل مراعاة منطق التاريخ في مجريات أحداثه[14]، وهي متوالية الأسباب والمسببات التي وضعها الله في كونه سنة ثابتة لا تتغير، اعتمد عليها ابن نبي في دراسة تاريخ الحضارات تكاملا مع الأسباب الغائية بمقتضى الأصل الغيبي السابق، وذلك أخذا من دعوة القرآن الكريم إلى الدرس التاريخي قصد التأمل في المعادلة الحضارية عبر الأمم لإدراك كيف تتركب الكتلة المخصبة من التراب والإنسان والزمن[15].

وكثيرا ما أنكر القرآن على من تجاهل قانون السببية المطرد في المجتمعات وناقضوه بظلمهم وتكذيبهم، كقوله تعالى: “أولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا  أشد منهم قوة وأثاروا الارض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” (الروم: 8)، وقوله تعالى في بيان أن مفاسد الأرض إنما هي نتائج مقدمات أفعال الناس: “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون” (الروم: 40)، وقوله تعالى في بيان أن الظلم وسيلة إلى مفاسد خراب المجتمعات ودمار الحضارات: “ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا”( يونس من الآية 13)، ثم ذكر لنا سبحانه نماذج من تلك الأمم التي اختارت مسلك الظلم فقادها بمقتضى سنة الله في ارتباط الوسائل بنتائجها إلى الدمار، في قوله سبحانه: “وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين، وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين، فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” ( العنكبوت:38- 40)، وغير هذا كثير في القرآن.

ومن هذه النصوص القرآنية ومثيلاتها قرر ابن خلدون قاعدته الشهيرة: “الظلم مؤذن بخراب العمران”[16] من حيث إن الظلم ينافي سنة العدل التي أقام الله عليها السموات والأرض “والسماء رفعها ووضع الميزان” (الرحمن: 5)، وقد ربط ابن خلدون بين النفي الشرعي للظلم وبين ما ينتجه في الأرض بمقتضى الوضع البشري فقال: “واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم، وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه، وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري”[17].

وهكذا وفق ابن نبي إلى حد كبير في جمع ما فرقه غيره في منهجه في قراءة التاريخ حين جمع بين العامل الغيبي والعامل السنني، وذلك ما أكسب رؤيته للتاريخ الحضاري عمقا ونقدا قل نظيره، ونجد عبد السلام ياسين في منهجه في قراءة التاريخ الإسلامي يتوافق إلى حد كبير مع منهج ابن نبي، وخصوصا في قراءة مفاصل الأحداث التاريخية في ضوء عامل الإيمان بالغيب وفقه السنن التاريخية[18].

ومعلوم أن قراءة التاريخ الإسلامي ظل إشكالا منهجيا قائما بين مناهج متعددة، لمدارس مختلفة[19]، منها المنهج المادي الغربي بشقيه الليبرالي والماركسي، وقد تميز بجملة من التناقضات، منها إسقاط المنهج على الموضوع، وتوطين الإشكال فيه، مخالفا بذلك قواعد المنهج العلمي، ثم المنهج العاطفي الذي يتغاضى عن الأخطاء، ويبالغ في التمجيد والتقديس، ويستميت في الدفاع عن أخطاء الرجال، ويتكلف في تأويل الأحداث، ويعتبر الحديث عن الخطأ خطأ[20].

المطلب الثاني: المعلم التاريخي:

انطلاقا من الرؤية المنهجية التي رصدناها قبل لابن نبي في قراءة التاريخ الحضاري، ننتقل تبعا إلى تتبع ذلكم المنهج في تطبيقاته التاريخية من خلال تعامله مع مفاصل الأحداث، فقد تميز ابن نبي بوضع تحقيب حضاري ثلاثي لتاريخ المسلمين: حقبة التأصيل، وحقبة التوفيق، وحقبة التلفيق، وهو تصنيف ينبئ عن استراتيجية واضحة ومتكاملة في قراءة تاريخ المسلمين الحضاري.

فالحاجة إلى هذا النوع من التحقيب للعمر الزمني للتاريخ راجعة إلى الواقع الموضوعي لتاريخ المسلمين، فهو حافل بوقائع وأحداث لا تحصى، يتفاوت أثرها وقوتها في الأمة، غير أن فلسفة بناء الوعي الحضاري من أجل استئناف النهوض في أمتنا، تقتضي وجوب التمييز بين الأحداث الكلية النوعية ذات التأثير في الحركة التاريخية، وبين الأحداث الجزئية المتفرعة عنها لنعتمدها معايير التغيير الحضاري النوعي في تاريخنا، مسترشدين بنصوص الوحي وسنن التاريخ.

يقول عماد الدين خليل منبها على معيارية الأحداث النوعية في التحقيب التاريخي: “يبدو ضروريا اعتماد مقاييس التغيير النوعي في الحركة التاريخية، بين مرحلة وأخرى، وعصر وعصر، وعلى سائر المستويات السياسية والعقدية والحضارية، أي أن التقسيم الزمني للمراحل يجب ألا ينصب على المتغيرات الفوقية، بل يمتد إلى قلب المجتمع في تمخضه وتحوله الدائمين “[21].

أولا: حقبة التأصيل:

فحقبة التأصيل عند ابن نبي تمتد من غار حراء إلى صفين[22]، وهي المرحلة التأسيسية التي تجلت فيها الروح وشحنت المعادلة الحضارية وفعّلت مكوناتها الثلاثة بعد طول خمول حتى نشأت الحضارة الإسلامية الجديدة[23]، ولذلك سماها مرحلة السمو الروحي[24]، والمرحلة الدينية البحتة[25] التي تأسس عليها ما بعدها نهوضا وسقوطا كما سنرى لاحقا، وهي مرحلة النبوة والخلافة الراشدة إلى حدود حدث صفين التي أرسيت فيها أصول وقواعد البناء الحضاري، ومنها صناعة نماذج بشرية بلغت من السمو الروحي والعلو الإيماني ما جعلهم يضربون أروع الأمثلة في النهوض الحضاري في عمر زمني محدود، وقد وصفها ابن نبي بقوله: “فترة التخلق الدستوري التي تصب خلالها النصوص النظرية في الحقائق الاجتماعية، في أعمال وسلوك الجيل الذي وضع المشروع الديمقراطي الإسلامي في طريق التحقيق، من اليوم الذي أشرقت فيه الهداية المحمدية إلى يوم صفين”[26].

ولعل مذهب ابن نبي في التحقيب يجد سنده في التحقيب النبوي لمسيرة أمته في التاريخ في حديث طويل نورد منه الشطر الأول المتعلق بموضوعنا، وذلك جريا على عادة المحدثين في تقطيع الحديث حسب المناسبة: ذلكم قوله صلى الله عليه وسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا…الحديث”[27].

الشاهد عندنا في الحديث مزايلته صلى الله عليه وسلم بين مرحلتي النبوة والخلافة على منهاج النبوة، – وهي المقصودة بحقبة التأصيل عند ابن نبي- وبين مرحلة الملك العاض، وذلك بناء على أن مرحلة الخلافة تعد – اتفاقا- امتدادا لمرحلة النبوة، لقيامها على منهاجها، بينما الملك العاض يمثل حالة المخالفة مبنى ومعنى.

ثانيا: حقبة التوفيق:

وهي المرحلة الممتدة بين الحدث التاريخي المحوري “صفين” سنة ثمان وثلاثين للهجرة وبين سقوط دولة الموحدين نهاية القرن الثامن الهجري، وهي الفترة التي تمثل عنده كذلك مرحلة الامتداد والتوسع العقلي، والتوفيق الذي أضيفت إليه هذه الحقبة هو العنوان المعبر عن المنحى العام لأعمال وأنشطة هذه المرحلة.

فإذا كانت حقبة التأصيل قامت على التأسيس والتشييد لأصول وقواعد البناء الحضاري الذي ضمن دفعة حضارية قوية امتدت في الزمن، فإن حقبة التوفيق كان مدار العمل فيها على تأويل الشريعة لتتوافق مع الواقع المكروه المتولد عن انفصال صفين، وقد جلاه ابن نبي بأفصح بيان حين اعتبر ما جرى في تلك المرحلة “محاولة للتوفيق بين واقع الأمر المتخلف عن صفين وبين ما جاء به الإسلام، ولقد جهدت مدارس الفقه لتحقيق هذا التوفيق، ووقف الأئمة في وجه الحكم الملكي – غير الإسلامي – المتعصب المستبد، حتى إننا نرى أن الحضارة الإسلامية آنذاك لم تنشأ عن مبادئ الإسلام، بل إن هذه المبادئ هي التي توافقت مع سلطة زمنية قاهرة”[28]، وهذا التحليل يدفعنا للتساؤل: ما وزن ما حدث في صفين حضاريا عند مالك بن نبي؟  ولم كل هذا التركيز على هذا الحدث المؤسس لهذه الحقبة؟

إن ما حدث في صفين في نظر مالك بن نبي وغيره من كبار أهل العلم والفكر[29] لم يكن مجرد خلاف سياسي آل إلى صراع عسكري بل هو انكسار تاريخي “وحدث محوري في تاريخ الإسلام… ورجَّة عظيمة مزقت كيان الأمة المعنوي فبقي المسلمون يعانون من النزيف في الفكر والعواطف منذئذ، ويؤدون إتاوات باهظة لما ضعُف من وحدتهم وتمزق من شملهم وتجزأ من علومهم وأقطارهم”[30].

فلا غرو أن نجد مالك بن نبي يعد حدث صفين أصل البلايا التي لحقت بالأمة الإسلامية وعلة الانحطاط اللاحق ولو بعد حين، وذلك حين شخص هذا الحدث بقوله: “فلقد عرف هذا العالم أول انفصال في تاريخه في معركة صفين عام 38 للهجرة، إذ كان يحمل بين جنبيه بعد قليل من سنوات من ميلاده تعارضا داخليا، كانت حمية الجاهلية تصطرع مع الروح القرآني، فجاء معاوية فحطم ذلك البناء ومنذ ذلك الانفصال الأول فقد العالم الإسلامي توازنه الأولي، على الرغم من بقاء الفرد المسلم في قرارة نفسه متمسكا بعقيدته التي نبض بها قلبه المؤمن”[31].

بهذا التشخيص الحضاري الدقيق والتحليل العميق للحدث ينأى بنا مالك بن نبي عن نظرات التسطيح للمعرفة التاريخية التي تنظر إلى الأحداث التاريخية كوقائع معزولة لا امتداد لها[32]، دون إدراك مالها من مآلات حضارية استراتيجية، فقد أكد رحمه الله أن الحدث يتعلق بلحظة التحول التاريخي المؤسف “نتج عنها التذبذب في الاختيار، الاختيار المحتم بين علي ومعاوية، بين المدينة ودمشق، بين الحكم الديمقراطي الخليفي، والحكم الأسري، ولقد اختار المجتمع الإسلامي في هذه النقطة الفاصلة في تاريخه الطريق الذي قاده أخيرا.. أخيرا إلى القابلية للاستعمار وإلى الاستعمار”[33].

وبناء على هذا التفكيك الحضاري للحدث والتشخيص الدقيق لمخلفاته، يمكن عرض ما رصده مالك بن نبي من التحولات الحضارية التي نتجت عن انفصال صفين على النحو التالي:

1) التحول في نظام الحكم السياسي من نظام قائم على الشورى والعدل والحرية والكرامة إلى نظام العصبية الوراثية القائم على منطق السيف وبيعة الإكراه، وهذا الذي سماه مالك بن نبي بإحلال السلطة العصبية محل الحكومة الديمقراطية الخليفية[34]، ورأى أن من خطورة هذا التحول منع “المشروع الديمقراطي الإسلامي من أن يواصل سيره في التاريخ”[35] ، وقد تجلى هذا التحول السياسي واضحا في موقف معاوية حين قال: ” من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه  ومن أبيه”[36].

وقد كان ذلك تأسيسا لبداية المصادرة لحق الأمة في اختيار الحاكم، ترسخت في أنظمة الحكم المتوالية في الأمة، كما نقرأ في أول خطبة لأول ملك من ملوك بني العباس: أبو العباس السفاح، جاء فيها: ” وزعمت السبئية أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم…”[37]، واطرد مبدأ المصادرة لحق الأمة في الاختيار في نظام المسلمين السياسي حتى قال داود بن علي العباسي في خطبته حاسما: “…فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم”[38].

2) ظهور شرخ بين الدولة والضمير الشعبي الإسلامي، ذلك أن هذا الضمير لم يقبل التخلي بسهولة عن القيم السياسية التي تأصل عليها، ويظهر ذلك واضحا في نظر ابن نبي فيما عرفته هذه المرحلة التاريخية من انتفاضات واحتجاجات المعبرة “عن استمرار الروح الديمقراطي الإسلامي عبر التاريخ قرونا طويلة”[39].

3)  تمزق الأخوة الإسلامية في صفين وظهور التناقضات السياسية بدأت تباعا في الانفجار[40]، فالأمة التي ظلت قوية بوحدتها السياسية والفكرية طوال مرحلتي النبوة والخلافة الراشدة آلت في مرحلة ما بعد صفين إلى التفكك الفكري والاضطراب السياسي، وذلك باندلاع الخلافات السياسية بين المسلمين منذ مقتل الخليفة عثمان، لم يتمكن معها أهلها من حسن تدبيرها مما أفضى إلى فتن الاقتتال الداخلي، تولد عن ذلك التمسك بالحكم وراثة في الحكم بعد أن أصبح غلبة.

ومن الناحية الفكرية انقسمت الأمة إلى فرق كلامية من سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة وغيرها[41]، كل فرقة تجادل عن نفسها متحصنة بمذهبها العقدي، كلما تسللت فرقة إلى السلطة عملت على فرض مذهبها ونقمت من مخالفيها، كما فعل الأمويون بالشيعة، والمامون العباسي بعلماء أهل السنة حين تبنى هذا الأخير مذهب المعتزلة في قضية خلق القرآن[42].

4) غلبة مظاهر القيصرية والأبهة والعظمة[43]، و “تقهقر الروح الديمقراطي الإسلامي”[44] ، وغياب الوعي الجماعي[45].

ثالثا: حقبة التلفيق:

ويقصد بها ابن نبي مرحلة الانحطاط الحضاري والانهيار العام التي أعقبت سقوط دولة الموحدين، أواخر القرن الثامن الهجري إلى حدود بداية الاستعمار الحديث، ويسميها ابن نبي مرحلة الغريزة التي ضعف فيها الروح والعقل[46]، وهي في بعدها الحضاري عند ابن نبي مآل مأساة صفين[47]، ومدارها على التلفيق بين مستحدثات مستعارة ورواسب متوارثة[48]، وهي المرحلة التي بلغت فيها عوامل التعارض الداخلية قمتها وتمزق عالم واهن، وظهور مجتمع جديد ذي معالم وخصائص واتجاهات جديدة، وبداية انتشار المشاكل التي تعرض لها العالم الإسلامي[49].

والتفسير الحضاري للانحطاط عند ابن نبي يتمثل في أن “الإنسان والتراب والوقت لم تعد عوامل حضارة بل عناصر خامدة ليس بينها صلة مبدعة”[50]، افتقرت إلى عنصر الدين مركب القيم الاجتماعية، الذي تحول إلى إيمان فردي دون إشعاع، فتحققت بذلك ما سماها ابن نبي حالة العجز عن الدفع الحضاري[51]،    فإدراكنا العميق لأبعاد صدمة صفين التاريخية من خلال هذه المقاربة الحضارية لابن نبي، يجعلنا نقف على أصل البلاء فينا، ونفقه ما تناسل منه من إحباطات وانتكاسات أضعفت تماسك البناء الداخلي لمجتمع المسلمين، وهيأته لصدمة تاريخية أخرى في العصر الحديث وهي صدمة الاستعمار، وذلك مقتضى معادلة القابلية للاستعمار والاستعمار عند ابن نبي[52].

المطلب الثالث: المعلم النقدي التشخيصي للواقع:  

نروم من خلال هذا المعلم الكشف عن الجهود الفكرية النوعية التي بذلها ابن نبي في سياق تفاعله مع واقع أمته، وهو يبحث عن مداخل استئناف النهوض الحضاري، وذلك من خلال المداخل التالية:

أولا: نقد واقع العالم الإسلامي

إن ما قام به ابن نبي من قراءة حضارية متمعنة لتاريخ المسلمين أكسبه القدرة على تحليل دقيق لواقع الأمة لتحديد عوائق استئناف النهوض الحضاري، فقد أجمل القول في وصف واقع الأمة المتردي الملفق بأنه “خليط متناقض غر مترابط من رواسب قديمة وأجلاب ثقافية حديثة ومستحدثات لم تتم تنقيتها جاءت بها حركة الإصلاح والحركة الحديثة على شكل فوضى”[53].

فهذا الواقع المتضارب في كل شيء حتى في ذوقه وأشكال تدينه قاد الأمة إلى الحرص على جمع وتكديس أشياء مما يلبي بعض حاجاتها دون البحث عن الأفكار والوسائل[54]، ومن مظاهر الخلط والتلفيق في هذا الواقع الذي رصده ابن نبي التعليم الذي عني بمظهره وشكله الحديث دون تجديد مضمونه القديم[55]، وهذا وجه من أوجه الفوضى والتنافر الحاد بين أشكال قديمة وأشكال حديثة في عموم المجتمع.

أما الوجه الثاني للعائق الاجتماعي في العالم الإسلامي فيتمثل فيما لاحظه ابن نبي من حالة العجز عن التفكير وعن العمل معا، وغياب علاقة منطقية جدلية بين الفكر والعمل، سواء في النشاط الاجتماعي أو الفردي[56]، بينما الوجه الثالث للعائق الاجتماعي فيجمله ابن نبي في تعود الوراثة السلبية المتفشية فينا، والإفلاس الخلقي والاجتماعي والفلسفي والسياسي، كل ذلك متمثل في الإنسان ما بعد الموحدين (إنسان القابلية للاستعمار)[57].

ويتأكد أن الأوجه السابقة للعائق الاجتماعي في النهوض الحضاري متفرعة عن العائق الأصلي وهو القابلية للاستعمار المتفشية في إنسان ما بعد الموحدين، يقول ابن نبي: ” إن هناك حركة تاريخية ينبغي ألا تغيب عن نواظرنا وإلا غابت عنا جواهر الأشياء فلم نر منها غير الظواهر، هذه الحركة لا تبدأ بالاستعمار بل بالقابلية له، فهي التي تدعوه”[58].

ويفسر ابن نبي القابلية للاستعمار بأنها “ما للاستعمار من قوة خفية في نفوس المستعمرين على توجيه الطاقة وتبديدها وتشتيتها، تجعل المستعمر مستعدا لخدمة المستعمر”[59]، ولذلك فالاستعمار “ناتج عن وجود قابلية للاستعمار”[60]، وعليه “فإن التحرر منه يتم بالتحرر من القابلية”[61].

ثانيا: نقد الحركة الإصلاحية

بعد عملية التحليل النقدي لواقع الأمة المستعمرة، ينتقل ابن نبي لقراءة نقدية لمشاريع الإصلاح المنبعثة التي تحاول أن تجيب عن سؤال النهضة، وهي مشاريع تحملها مدرستان مختلفان مرجعية ووجهة، وهما مدرسة تيار الإصلاح، ومدرسة التيار الحديث.

فيرى ابن نبي أن مدرسة تيار الإصلاح قطعت الصلة بماضي ما بعد الموحدين، بينما مدرسة التيار الحديث ربطت الاتصال بالفكر الغربي على نحو سطحي لم يرق إلى إدراك روح الحضارة الغربية الشيء الذي أدى إلى اقتناء المنتجات الغربية وتفشيها في المجتمع دون السؤال عن كيفية تصنيعها، كما تفشى الاكتفاء باستظهار القرآن دون فهمه[62].

كما انتقد هذه الحركة الإصلاحية بشقيها في المفارقة بين خطابها ومقتضاه العملي، مما يدل في نظره على أن خطاب الحركة قائم على غير ضرورة اجتماعية[63]، ويرجع ابن نبي ذلك إلى قصور تيار الإصلاح في الرجوع إلى أصول الفكر الإسلامي من جهة، وقصور التيار الحديث في رجوعه إلى أصول الفكر الغربي من جهة أخرى[64].

وعن علاقة التيارين الإصلاحيين بسؤال النهضة، يرى ابن نبي أن تيار الإصلاح لم يضيع جوهر النهضة ولكن لم يحقق شروطها العملية منهجيا، بينما فكرة النهضة عند التيار الحديث ثانوية لعدم مخالطتهم لواقع بلادهم إلا في الجانب السياسي، ولذلك فهم لا يسعون للنهوض بقدر ما يسعون لانتشال العالم الإسلامي من الفوضى السياسية ليلحقوه زبونا بالحضارة الغربية لا متعلما ذكيا[65]، ولذلك حكم ابن نبي على هذا التيار بأنه أقل عمقا وأكثر سطحية حتى في استيعاب روح الحضارة الغربية فضلا عن خصوصية واقعه[66].

كما أن هذا الفعل الإصلاحي اعتراه في نظر ابن نبي خلل منهجي آخر، وهو الخلط بين جوهر الظواهر وأشكالها، فكانت النهضة دون توجيه منهجي، وكانت الحركة بعد طول سكون لكن دون بوصلة[67].

وفي نقده لرواد تيار الإصلاح يرى ابن نبي أن بطلها الأفغاني لم يكن مصلحا يتجه إلى بناء الإنسان، وإنما اعتمد المقاربة السياسية الجماهيرية على حساب إصلاح الفرد، في حين آل مشروع محمد عبدو إلى الانشغال والانحصار في علم الكلام بدعوى إصلاح العقل، وهو خلاف مطلوب إصلاح النفس وإحياء الوظيفة الاجتماعية للقيم الدينية، فالقصة في نظر ابن نبي ليست في إثبات وجود الله وإنما في إثبات وجود الإنسان، وموضوعه ليس من علم الكلام[68].

ومن خلال دقة فحص وتحليل ابن نبي لواقع مجتمعه الفكري والاجتماعي بحثا عن عوائق النهوض، استطاع أن يرصد طبيعة الذهنيات السائدة في العالم الإسلامي بعد الموحدين، ومنها الذهنية التجزيئية اللفظية المهوسة بشهوة الكلام في مدح الماضي والتشبث به على حساب الفاعلية والعمل، والذهنية الحرفية العاطفية التي احترفت إطلاق الكلام والأحكام بعيدا عن مقتضياته الوظيفية، فكان الإصلاح الذي قادته هذه الذهنية إصلاحا خجولا مغرقا في السطحية لكونه لم يستند إلى نظرية واضحة في الثقافة[69]، غير أنه نجح من باب الإنصاف في نظر ابن نبي في إزالة الركود السائد في مجتمع ما بعد الموحدين رغم عجزه عن إحياء الوظيفة الاجتماعية للدين[70].

المبحث الثاني: أثر فلسفة التاريخ لابن نبي في النهوض الحضاري

لقد خاض ابن نبي رحمه الله في أعماق التاريخ الحضاري للعالمين الإسلامي والمسيحي يردد النظر في أحداثه ويتأمل محطاته، يستنطق عللها ويتأمل في مدلولاتها ومآلاتها، وذلك بحثا عن جواب علمي حضاري لسؤال استئناف النهوض بمجتمع ما بعد الموحدين المستعصي، فاستطاع أن يكون رؤية واضحة في النهوض الحضاري، نقدر أنها تأسست على ثلاثة مقومات:

أولا: مقوم التأصيل:

لقد قرر ابن نبي من منطلق إيمانه وسعة اطلاعه أن الحضارة مفهوم أصيل لا يمكن تصوره إلا ناشئا عن الدين، ولذلك فلا يستقيم الحديث عن استئناف النهوض الحضاري في العالم الإسلامي إلا على أساس مرجعيتهم الدينية وشريعتهم الإسلامية، خصوصا وأن عن هذه المرجعية نشأت الحضارة العملاقة التي تهاوت في مجتمع ما بعد الموحدين، بسبب الإخلال بمقتضيات تلك المرجعية الدينية نفسها، كما رأينا في المبحث السابق.

وبناء على ما ذكر فإن إجراءات وشروط استئناف النهوض الحضاري يرى ابن نبي أنها تتم أصالة وفق التعاليم الإسلامية الحقة، ومناهج العلم الحديثة تبعا، وذلك بعيدا عن أي استيراد، لأن شروط النهوض الحضاري تنبعث من الخصوصية الحضارية الذاتية لا من خارجها[71].

وقول ابن نبي باعتماد مناهج العلم الحديثة في استئناف النهوض الحضاري قول مؤصل بالضرورة من جهة فعل الله الكوني الذي يكتمل مع قول الله الشرعي، لأنه ينظر إلى تلك العلوم على أنها عطاء من عطاء الله غير المحظور، يجريه على يد مجتمع استكمل شروط الفعل الحضاري وفق قانون الدورة الحضارية، فابن نبي هو من علمنا أن كل دورة محددة بشروط نفسية زمنية خاصة بمجتمع معين، وتنتقل بقيمها إلى بقعة أخرى وتستمر في هجرة دائمة، تستحيل في كل دورة إلى شيء آخر لتعد تركيبا خاصا للإنسان والتراب والزمن[72].

ومن الأحكام التأصيلية الكونية التي أقام عليها ابن نبي فكرة استئناف النهوض الحضاري قاعدة ارتباط الأسباب بمسبباتها والنتائج بمقدماتها، حين أدرك أن “كل شعب يستسلم للنوم فإن الله يبعث عليه سوطا يوقظه”[73].

ومن القضايا التي ينبغي تأصيلها من القرآن وإبرازها في البيان في سياق النهوض الحضاري في نظر ابن نبي النزعة الإنسانية للإسلام كموقف أبي بكر في الحرب وموقف عمر من كنيسة القيامة[74] وغيرها من أوجه التأصيل للنزعة الإنسانية التي نقابل بها الإنسانية المزيفة المزدوجة لأوروبا، وهي التي وصفها ابن نبي بأنها إنسانية أوروبية في الداخل، وإنسانية استعمارية في الخارج[75].

ثانيا: مقوم التجديد

لما كان التجديد بمفهومه الحضاري الأصيل مؤسسا على مرجعية معيارية أصيلة، كان البحث ابتداء عن المرجعية الأصيلة التي اعتمدها مالك بن نبي في مشروع استئناف النهوض الحضاري، حتى إذا ما تقررت المرجعية واتضحت المعايير الحضارية انتقلنا إلى قضية التجديد باعتبارها إجراء علميا وعمليا لتهيئ وإصلاح واقع الأمة لتستأنف نهوضها الحضاري المرتقب.

فمن خلال المجهود الفكري الكبير الذي قام به مالك بن نبي مأجورا مرحوما في تحليل تاريخ الأمة الحضاري، وتشخيص واقعها المفكك المنحل فكريا وعمليا خلص إلى ضرورة التجديد مخرجا شرعيا وواقعيا نحو النهوض الحضاري.

فالواقع موضوع التجديد لا يمكن إلغاؤه جملة ولا إبقاؤه كلية، فليس ذلك من منهج الشرع ولا من سنن الكون، إنما الشأن رصد أوجه الاختلالات الفكرية والعملية الناتجة عن سوء تنزيل مقتضى المرجعية في الزمان والمكان، وتقويمها وفق ذلكم المقتضى المرجعي ومطلوب اللحظة الحضارية الزمنية.

ومن القضايا التي ألح ابن نبي على تجديدها التمييز بين المعرفة الشرعية الأصيلة وبين غواشي التراث الناشئ عن مرحلة صفين من أجل إعادة بناء حضارة الإسلام بسيادة الفقه الخالص على الواقع السائد بعد صفين[76]، خصوصا وأن “مواريث صفين” كما يسميها ابن نبي ظلت تشكل بتراكمها في الأذهان وفي الأعيان على مدى قرون من الأزمان عائقا معرفيا ومنهجيا وحضاريا في النهوض. وهذه إحدى الدرر الغالية لابن نبي رحمه الله ما زالت الأمة الآن في حاجة إلى استيعاب معناها وفقه مقتضاها، وهي مراجعة التراث العلمي وفق معايير المرجعية الأصيلة.

ومن جملة ما ترتب عن هذا الموروث المختلط الذي انحدر إلينا من لحظة الانكسار والانفصال ما رصده ابن نبي من ثنائية “الأفكار الميتة والأفكار المميتة”، فهو الداء الفكري الذي ينبغي تنقية فكر الأمة منه وجوبا، يقول: ” فإن تصفية الأفكار الميتة وتنقية الأفكار المميتة يعدان الأساس الأول لأية نهضة”[77].

وقد عمل ابن نبي في مسيره التجديدي على تجاوز عائق الانفصال بين النظر والعمل الذي سقطت فيه الحركة الإصلاحية نفسها[78] إلى تحويل الأفكار إلى مشاريع عمل، وبذلك يتم تحريك قوى الجمود النفسية والذهنية داخل الحضارة نحو العمل، فأصالة الأفكار فعاليتها في الواقع[79].

ثالثا: مقوم التشييد:

ونقصد بمقوم التشييد عند ابن نبي ما خلص إليه من دراسته التاريخية للحضارتين الإسلامية والأوروبية في موضوع الشروط العملية لإعادة بناء الحضارة في العالم الإسلامي بناء على قاعدة التأصيل والتجديد.

فمالك بن نبي يدعو ابتداء إلى البناء والتشييد على قاعدته الشهيرة في المعادلة الحضارية (الإنسان والتراب والوقت وعامل تركيب من الدين)[80]، لأن الإشكال الحضاري في نظر ابن نبي قائم على عجز الناس عن تطبيق مواهبهم الخاصة على التراب والوقت، وليس البحث عن النظم[81]، وذلك خلافا للتوجه السائد في شراء منتجات حضارة أخرى والعمل على تكديسها، فبناء حضارة لا تكون بمنتجات أخرى وإنما بحل المشكلات الثلاثة[82].

فبهذه المعادلة العميقة في التشييد الحضاري يلغي مالك بن نبي المقاربة الكمية للحضارة التي ظل يشنعها على أهل زمانه[83]، لأنها تمثل وضعا مقلوبا لمشكلة الأمة الحضارية[84]، فليست قيمة المجتمع في نظر ابن نبي بما كدسه من الأشياء وإنما بما يملك من الأفكار[85].

فمن خلال هذه القواعد الفريدة في التشييد الحضاري يعلمنا ابن نبي أن الزاد الحضاري الذي ينبغي الاهتبال به عند التشييد هو زاد المبادئ المؤسس لما سواه، قبل الالتفات إلى المنتج الحضاري من العلوم والفنون[86].

ومن أولويات البناء الحضاري التي قررها ابن نبي أولوية العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية والإنسانية المعاصرة على العلوم المادية[87]، بحيث تستثمر مناهجها في التشييد الحضاري، ولعل هذا متوقف على قضية مركزية فشلت فيها الأمة لحد الآن، وهي منهج الإفادة من الحضارة الغربية.

فقد ذهب ابن نبي الخبير بخفايا وأسرار الحضارة الغربية إلى وجوب اكتشاف سر فعالية الحضارة الغربية في تطوير تلك العلوم من خلال تحققها بسنن الله في الأنفس والمجتمعات والتاريخ في سياق دورة الحضارة السننية، فهو المدخل للإفادة من هذه الحضارة، وإلا فالجهل بتاريخ هذه الحضارة في نظر ابن نبي هو السبب في عجز الإنسان ما بعد الموحدين عن فهم نشأتها وتطورها ونقائصها وتناقضاتها وتعارضها مع القوانين الإنسانية[88].

فمن الأولويات المنهجية المسعفة في الإفادة من الحضارة الغربية على نحو سليم الوعي بأنها “وفدت إلى العالم الإسلامي مستعمرة لا ممدنة”[89]، فاصطحبت إلى العالم الإسلامي ما به تحقق مصالحها كالمدرسة لكن وفق مفهومها وأهدافها منها وحجمها التعليمي المسقوف، وأن من هذه المدرسة تخرجت الحركة الحديثة في العالم الإسلامي[90].

هذه هي أهم مقومات النهوض الحضاري عند مالك بن نبي التي أسسها على فلسفته للتاريخ الحضاري للعالمين الإسلامي والمسيحي، أرجو أن أكون قد وفقت في عرضها ولم أسئ فهما.

خاتمة

في ختام هذه الجولة العلمية الماتعة في ثنايا سؤال التاريخ وفلسفته وأثره في النهوض الحضاري عند مالك بن نبي رحمه الله، أود تقرير ما خلصت إليه في الفقرات التالية:

–  من أبرز ما تمخض عنه هذا البحث ما أثله مالك بن نبي من فلسفة معرفية تاريخية عميقة ومتماسكة خاض بها على سبيل المقارنة تاريخ الحضارتين الإسلامية والمسيحية، ميز في ذلك كله بين الثابت المشترك من السنن التاريخية في كلتا الحضارتين وفاقا أو خلافا، وبين الخصوصيات الثقافية المرتبطة بأحوال الإنسان زمانا ومكانا، وقدم ذلك في قواعد حضارية ثابتة قابلة لاستئناف البناء الحضاري عليها.

– كما استطاع مالك بن نبي أن يصوغ فلسفته التاريخية الحضارية من عمليات التأصيل والتأريخ والتشخيص والتنظير على نحو متكامل ومتناغم، يندر حصوله في فكر واحد.

–  تميز مالك بن نبي في فلسفته التاريخية بالجمع في التحليل التاريخي بين عامل الإيمان بالغيب، وبين السنن الكونية، مما جعل قراءته للتاريخ جامعة متكاملة إلى حد كبير.

– الجميل والأهم في فلسفة مالك بن نبي التاريخية انتظامها وظيفيا في سلك هم النهوض الحضاري.

والحمد لله رب العالمين

لائحة المصادر والمراجع

* القرآن الكريم برواية ورش من طريق الأزرق.

* ابن حجر العسقلاني،

  • فتح الباري شرح صحيح البخاري ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب، بيروت: طبعة دار المعرفة 1379هـ، بدون رقم.

* ابن حنبل، أحمد.

  • المسند، شرح وفهرست أحمد محمد شاكر، أتمه عبد المجيد الحسيني ط4

* ابن خلدون، عبد الرحمن.

–  المقدمة، بيروت: دار الكتب العلمية، ط 9، 2006م،

– المقدمة، بيروت: دار صادر، طبعة2/2005م.

*خليل، عماد الدين.

  • ضوابط ومعايير أساسية في منهج كتابة التاريخ الإسلامي، مجلة الجامعة الإسلامية، العدد 24، 1411هـ- 1990م،

*رفيع محماد،

  • شباب الأمة بين سؤال الوعي التاريخي وإشكال بناء الرؤية المستقبلية، القاهرة: دار السلام، ط1، 2011م،

*أبو زهرة محمد،

  • تاريخ المذاهب الإسلامية، بيروت: دار الفكر العربي، ط 1987م

*الطبري، ابن جرير محمد.

  • تاريخ الأمم والملوك، تحقيق إياد القيسي، بيروت: دار ابن حزم، ط 1، 2005م.

* مالك بن نبي،

–  شروط النهضة الحضارية، ترجمة عبد الصبور شاهين وعمر كامل مسقاوي، دمشق: دار الفكر، إصدار ندوة مالك بن نبي.

–  القضايا الكبرى، دمشق: دار الفكر، طبعة2000.

– فكرة الإفريقية ألأسيوية دمشق: دار الفكر، طبعة 2001م

– وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دمشق: دار الفكر، طبعة1/1986.

*ابن العربي أبو بكر

. العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، ومحمود مهدي الاستانبولي، بيروت: دار الجيل، ط2، 1987م.

*عويس عبد الحليم،

بنو أمية بين السقوط والانتحار، دراسة حول سقوط دولة بني أمية في المشرق، القاهرة: دار الصحوة، ط 1، 1987م.

*ياسين عبد السلام،

  • الخلافة والملك، البيضاء: مطبعة الأفق، ط1/2001م.
  • نظرات في الفقه والتاريخ، المحمدية: مطبعة فضالة، ط1/1989م، والخلافة والملك، البيضاء: مطبعة الأفق، ط1/2001م.

 

[1] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة الحضارية، ترجمة عبد الصبور شاهين وعمر كامل مسقاوي، دمشق: دار الفكر، إصدار ندوة مالك بن نبي، ص62.

[2] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق.

[3] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق.

[4] – ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، بيروت: دار الكتب العلمية، ط 9، 2006م، ص8.

[5] – ينظر مالك ابن نبي، شروط النهضة ص 62.

[6] – مالك بن نبي، المصدر السابق.

[7] – مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دمشق: دار الفكر، طبعة1/1986، ص31.

[8] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص57، ووجهة العالم الإسلامي ص32.

[9] – مالك بن نبي، شروط النهضة ص53.

[10] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص31.

[11] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص53.

[12] – ينظر المصدر السابق.

[13] – مالك بن نبي، المصدر السابق ص58.

[14] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص62.

[15] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص52.

[16] – ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، بيروت: دار صادر، طبعة2/2005م، ص213.

[17]– ابن خلدون، المصدر السابق، ص214.

[18]– ينظر ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، المحمدية: مطبعة فضالة، ط1/1989م، والخلافة والملك، البيضاء: مطبعة الأفق، ط1/2001م.

[19]– ينظر تفاصيل القول في تلك المناهج في محماد رفيع، شباب الأمة بين سؤال الوعي التاريخي وإشكال بناء الرؤية المستقبلية، القاهرة: دار السلام، ط1، 2011م، ص15 فما بعدها.

[20] –  نذكر من أصحاب هذا المنهج من القدامى: ابن العربي في العواصم من القواصم، ومن المعاصرين: عبد الحليم عويس في كتابه: بنو أمية بين السقوط والانتحار، وحمدي شاهين في كتابه: الدولة الأموية المفترى عليها، وغيرهما.

[21] –  خليل، عماد الدين. ضوابط ومعايير أساسية في منهج كتابة التاريخ الإسلامي، مجلة الجامعة الإسلامية، العدد 24، 1411هـ- 1990م، ص 195.

[22] – مالك بن نبي، شروط النهضة ص52.

[23] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص51.

[24] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص53.

[25] – ينظر المصدر السابق ص52.

[26] – مالك بن نبي، القضايا الكبرى، دمشق: دار الفكر، طبعة2000، ص152.

[27] –  أحمد في مسنده بسند صحيح، والحديث فيه رواية أخرى عند البزار فيها زيادة مهمة توضح وتكمل رواية أحمد.

[28] – مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص62.

[29] – كأبي الأعلى المودودي في كتابه الخلافة والملك، وعبد السلام ياسين في كتابيه الخلافة والملك، ونظرات في الفقه والتاريخ.

[30] – عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، المحمدية: مطبعة فضالة، ط1/1989م.ص 28-29.

[31] – مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص29-30.

[32] – كما نقرأ في كتاب العواصم من القواصم لابن العربي المعافري غفر الله لنا وله

[33] – مالك بن نبي، فكرة الإفريقية ألأسيوية دمشق: دار الفكر، طبعة 2001م، ص109.

[34] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص36.

[35] – مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص168، وشروط النهضة ص52.

[36] – ابن حجر، فتح الباري، كتاب الاعتصام، فصل ط ف، 1/150.

[37] – الطبري، ابن جرير، تاريخ الأمم والملوك 4/346.

[38] – الطبري، المصدر السابق 4/348.

[39] – مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص163.

[40] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص36.

[41] – ينظر في تفاصيل تلك الفرق أبو زهرة محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية، بيروت: دار الفكر العربي، ط 1987م

[42] – ينظر تفاصيل ذلك في أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية ص151 وما بعدها، وتاريخ الجدل، بيروت: دار الفكر العربي، ط. 1980م، ص 253 وما بعدها.

[43] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص52.

[44] – مالك بن نبي، القضايا الكبرى ص162.

[45] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص73.

[46] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص48.

[47] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص36.

[48] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص78.

[49] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص31.

[50] – مالك بن نبي، المصدر السابق.

[51] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص32.

[52] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص93.

[53] – مالك بن نبي، المصدر السابق ص78.

[54] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق.

[55] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص78.

[56] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص83.

[57] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص38.

[58] – مالك بن نبي، المصدر السابق ص 93.

[59] – مالك بن نبي، شروط النهضة ص154

[60] – مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص93.

[61] – مالك بن نبي، المصدر السابق ص95.

[62] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص65.

[63] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص70.

[64] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص71.

[65] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص71.

[66] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص48.

[67] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص84.

[68] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص54.

[69] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص58-59.

[70] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص61.

[71] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص48.

[72] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص27.

[73] – مالك بن نبي، شروط النهضة ص150.

[74] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص19.

[75] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص20.

[76] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص62.

[77] – مالك بن نبي، المصدر السابق ص83.

[78] – وقد ذكر ذلك سلفا في نقد الحركة الإصلاحية.

[79] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص28و85.

[80] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص44-45-46.

[81] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص36.

[82] – ينظر مالك بن نبي، شروط النهضة ص42-43.

[83] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص44.

[84] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص36.

[85] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص 43 فما بعدها.

[86] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص50.

[87] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص38.

[88] – ينظر مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي ص70.

[89] – مالك بن نبي، المصدر السابق ص64.

[90] – ينظر مالك بن نبي، المصدر السابق ص63. XeltovoPrime

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2