الحداثــة بين الفاعليّة والاستلاب

0

Modernity between Agency and Alienation

د. البشير لسيود[1]    PhD. Elbachir LASYOUD

ملخص:

تمثّل استقلاليّة العقل المبدأ المميّز للفكر الحداثيّ الذي لا يقبل إلّا التفسيرات المستندة إلى العقل، فالحداثة تشير إلى منهج جديد في التفكير يعتمد على قدرة العقل في التأسيس لكلّ القيم، إنّها لحظة انتصار للعقل وللثقة في قدرته على وضع أسس لكلّ أبعاد الوجود عند الإنسان، لذلك مثّلت اللحظة الديكارتيّة نقطة مفصليّة في الحداثة من خلال إعادة اكتشاف الإنسان بوصفه ذاتا قادرة على إثبات ذاتها بذاتها استنادا إلى فعل التفكير، ليصبح إنسان الحداثة ليس في حاجة إلى إثبات وجوده باعتراف اجتماعيّ أو دينيّ أو سياسيّ، فالفرد العقلانيّ مستقلّ بذاته، موجود بذاته، كما نصّ على ذلك الكوجيطو الديكارتي، لذلك استفادت الذاتيّة من الرؤية الحداثيّة فأصبح الفرد يمثّل العلم والمعرفة والحريّة والأخلاق، فهو رمز لكلّ القيم الإنسانيّة الجميلة. 

[ الكلمات المفتاح: الحداثة – الفاعلية – الاستيلاب – العقل – الوجود]

Abstract:

The autonomy of reason represents the distinguishing principle of the modernist thought, which accepts only interpretations that are based on reason. Modernity refers to a new approach in thinking that depends on the ability of reason to establish all values. It is a moment of victory for reason and its ability to lay the foundations for all dimensions of human existence. Hence, the Cartesian moment represented a turning point in modernity through the rediscovery of man as an entity capable of proving itself by itself on the basis of the act of thinking.

In this sense, modern man does not need to prove his existence through social, religious or political recognition. The rational individual is self-dependent and self-sufficient as stipulated by the Cartesian Cogito. Subjectivity becomes the core of modernity wherein the individual becomes the source and representative of science, knowledge, freedom, morals, and all beautiful human values.

[Keywords: Modernity – Effectiveness – Alienation – Mind – Existence ].

مقدمة:

تمثّل استقلاليّة العقل المبدأ المميّز للفكر الحداثيّ الذي لا يقبل إلّا التفسيرات المستندة إلى العقل، فالحداثة تشير إلى منهج جديد في التفكير يعتمد على قدرة العقل في التأسيس لكلّ القيم، إنّها لحظة انتصار للعقل وللثقة في قدرته على وضع أسس لكلّ أبعاد الوجود عند الإنسان، لذلك مثّلت اللحظة الديكارتيّة نقطة مفصليّة في الحداثة من خلال إعادة اكتشاف الإنسان بوصفه ذاتا قادرة على إثبات ذاتها بذاتها استنادا إلى فعل التفكير، ليصبح إنسان الحداثة ليس في حاجة إلى إثبات وجوده باعتراف اجتماعيّ أو دينيّ أو سياسيّ، فالفرد العقلانيّ مستقلّ بذاته، موجود بذاته، كما نصّ على ذلك الكوجيطو الديكارتي، لذلك استفادت الذاتيّة من الرؤية الحداثيّة فأصبح الفرد يمثّل العلم والمعرفة والحريّة والأخلاق، فهو رمز لكلّ القيم الإنسانيّة الجميلة.

يعكس مفهوم الحداثة لحظة التخلّص من الفكر القروسطي، والقطيعة مع مختلف تصوّراته، فهو إعلان عن ولوج مرحلة جديدة تشمل مختلف المعارف التي تحيط بالإنسان، أي تجدّد النظرة إلى القضايا السائدة من خلال مناهج مبتكرة وطرق جديدة على خلاف التاريخ الوسيط الذي يتميّز بالرؤية الأحاديّة للكنيسة ويختزل الصواب والحقيقة في تفسيرات رجال الدين وآرائهم، فالعقل «ملزم» بعدم تجاوز المساحة التي حدّدتها الكنيسة، وإلّا يُعتبر هرطقيّا ولا يحسن التفكير.

اعتبر زعماء الحداثة أنّ التخلّص من الدين هو الوسيلة الكفيلة لتحقيق التحرّر الكامل بسبب المظالم التي مارسها رجالاته باسم الكنيسة، لذلك تمسّكت الحداثة بالعقل كمقياس وحيد للمعرفة، وكل معرفة يعجز العقل عن إدراكها يتمّ إيداعها في خانة الميتافيزيقا، فانحسرت بذلك التصوّرات الميتافيزيقيّة بانخراط المعارف في المسار العقليّ وتتالت الاكتشافات العلميّة، وما كان مجهولا أصبح معلوما.

فما الحداثة؟ وما تأثيراتها على المجتمعات الغربيّة والعربيّة؟ وهل حقّقت الحداثة مشروعها في بناء الإنسان المأمول ووفّرت حاجياته الماديّة والوجدانيّة؟

المبحث الأول: مشروع الحداثة

يتمثّل رهان الحداثة في اعتبار الإنسان ذاتا مؤسّسة لكل أبعاد وجودها المعرفيّ والأخلاقيّ والسياسيّ، فالطموح الحقيقيّ لها يتجلّى عندما يصبح الإنسان «سيّدا ومالكا للطبيعة» استنادا إلى استعمال العقل حسب التصوّر الديكارتيّ، لأنّها مشروع يقوم على ثنائيّة العقل والعلم، ذلك أنّ أبعاد الوجود الطبيعيّة والإنسانيّة لا يمكن إدراكها إدراكا حقيقيّا وصارما إلّا من خلال العقل وحده، وهو ما أفرد الحداثة بالعقلانيّة، ولا نعني بالعقلانيّة مجرّد استعمال العقل كما هو الشأن في الفلسفة الإغريقيّة والحضارة الإسلاميّة، بل يتعلّق الأمر بالانتصار للعقل باعتباره مرجع التفسير الوحيد الذي تُردّ إليه كلّ المسائل الطبيعيّة منها والإنسانيّة، فتتحوّل العقلانيّة بذلك إلى ضرب من «الديانة»، أو «المذهبيّة» التي لا تدين إلّا بالعقل وحده.

إن هذا الطرح الجديد للعقلانيّة يدفع نحو التمييز بين ما هو عقلي (Le rational) وما هو عقلاني (Le rationalisme)، فالعقلي، هو الذي يستند إلى العقل أو يتّسم ببعده العقليّ، في حين أنّ العقلانيّ هو ذاك الذي ينتصر للعقل كمبدإ تفسير لكلّ المسائل سواء أكانت دينيّة أو أخلاقيّة أو روحيّة أو وجدانيّة أو عاطفيّة، فالعقلانيّة تمتاز بسمة اختزاليّة، أي بفهم الأشياء المعقدة وتحويلها إلى مجموعة من التفاعلات من خلال أجزائها، أي بإرجاعها إلى أجزاء بسيطة أو أكثر عمقا.

تسعى الحداثة إلى إبداع رؤية جديدة يخضع العقل بمقتضاها إلى قواعد للتفكير قد شرّعها بذاته لذاته في إطار الصرامة المنهجيّة، فالفرد عند الإغريق مثلا هو الأداة، والدولة والمجتمع هما الغاية، لذلك يصبح من المشروع التضحية بالفرد وما يتمتع به من حريّة وحقوق من أجل المحافظة على المجتمع والدولة. أمّا في الدولة الحديثة فالفرد هو الغاية، والدولة وسيلة وأداة لخدمة الفرد من خلال حماية حقوقه وحريّاته وملكيّته، فالحداثة في التصوّر الليبرالي تعتبر أنّ مهمّة الدولة هي حماية حريّة التملّك من خلال «إرساء الأسس الفلسفيّة والسياسيّة للحداثة والمتمثّلة في الفكر الفرديّ والعقلانيّ الحديث كما تمثّله العقلانيّة وفلسفة الأنوار»[2].

تقوم الحداثة على اعتبار العقل هو المؤسّس للمعرفة وللقيم القانونيّة والجماليّة والسياسيّة، لأنّه يتميّز بالاستقلاليّة عن كلّ الإكراهات، فهو عقل حرّ ومحرّر ومستقلّ ينتظم وفق قواعد حدّدها لذاته بذاته، فأصبح حضور الذات عنصرا أساسيّا في فلسفة الحداثة، ولم يعد الفرد ذلك الشخص الذي يسلّم بأوامر رجل الدين أو بالتصوّرات الميتافيزيقيّة بل أصبح الإنسان سيدا على نفسه وعلى الطبيعة بالعقل، لذلك اشتغل كلّ من ديكارت وسبينوزا وليبنتز بقواعد المنهج لتمكين العقل من إدراك قواعد التفكير الصارم الذي يجعله قادرا على بلوغ اليقين اعتمادا على قدراته في التفكير.

فالحداثة هي الإيمان المطلق بالعقل وقدرته على إيجاد الحلول لمختلف القضايا والمشاكل التي تعترض الإنسان وتحيط بوجوده، فهي لحظة ميلاد للفكر والحضارة الغربيّين ممّا أسفر عن ظهور مجموعة من القيم مثل الحريّة والعدالة والحق والعقلانيّة والديمقراطيّة.

استنادا إلى العقل سيصبح إنسان الحداثة المشرّع الذي يضع لنفسه قوانين ينتظم بها وجوده، سواء تعلّق الأمر بالتشريع السياسيّ أو القانونيّ أو الأخلاقيّ أو الجماليّ، لأنّ عقل الحداثة هو عقل مؤسّس، وبذلك يصبح المشروع الأساسيّ للحداثة هو التأسيس العقليّ للعلم واليقين، أي المعرفة اليقينيّة بالطبيعة من خلال ردّ الظواهر الطبيعيّة إلى تفسيرات عقليّة تستند إلى إدراك ومعرفة يقينيّة للعلاقات العليّة، فالمعرفة العلميّة هي التأسيس العقليّ من خلال اعتماد الفهم العقليّ لعلاقة السبب بالنتيجة، فالعقل وحده يحدّد القواعد التي يشتغل وفقها مثل الانقلاب الكوبرنيكي على حدّ عبارة كانط والمتمثّل في اكتشاف مركزيّة الشمس، فالعقل كان في انفعال وتفاعل مع الحسّ في الطبيعة، أي حسب ما توحي له به، كاعتبار الأرض ساكنة والشمس تدور حولها. لقد كان معيار الحقيقة يظهر في تطابق العقل مع الحسّ، فما كان متطابقا مع الطبيعة عُدّ ضربا من الحقيقة، وما كان غير متطابق معها عُدّ ضربا من الخطإ، وهو ما أبقى على العقل طيلة قرون رهين المعرفة الحسيّة الطبيعيّة.

كرّست الحداثة مبدأ خلاص العقل من الخضوع للطبيعة، وتحرّره من مبدإ تطابق العقل مع الحسّ، من خلال التأسيس لقواعد المعرفة العلميّة التي تقتضي المنهج الذي يحدّد للعقل كيفيّة دراسة الظواهر الطبيعيّة، فالانتقال من العلم ما قبل الحديث إلى العلم الحديث يشترط استقلال العقل وتشريعه لمنهج وقواعد يفرضها على الطبيعة، فالقول بمركزيّة الشمس كان نتيجة لهذا التحوّل الابستيمولوجيّ المتمثّل في الانتقال من عقل خاضع للطبيعة إلى عقل مؤسّس للمعرفة العلميّة وفق قواعد يفرضها على الطبيعة كقواعد المنهج التجريبيّ، وهو منهج عقليّ حدّده العقل لنفسه في دراسته العلميّة وفرضه على الطبيعة.

تتميّز الحداثة عن ما قبل حداثة بإحداثها لوعي بخصوصيّات الفكر ما قبل حديث مقابل فهم خصوصيّات الفكر الحديث وذلك بإدراك الخطّ الفاصل بين ما قبل الحداثة والحداثة، أي بخصوصيّات الوعي ما قبل حديث مقابل الوعي الحديث، لذلك سعى كانط برؤيته الفلسفيّة إلى تجاوز الفكر الديكارتيّ أي الارتحال من «الأنا» إلى «العقل» والانتقال من مركزيّة الذات إلى مركزيّة العقل، مع تسطيره لحدود العقل حتى يُبقى مجالا للاعتقاد، وهو ما يعني رسم جغرافيّة العقل برسم الحدود التي تتحرّك في إطارها المعرفة العقليّة مقابل المعرفة غير العقليّة، وبذلك يحدّد كانط مستطاع العقل بإجابته عن سؤال: ماذا يمكنني أن أعرف؟، «من أجل ذلك يقترح علينا كانط أن نفتح العقل على الدين والدين على العقل، بحيث نستطيع أن نعتبر أحدهما «دائرة أوسع للإيمان، ينطوي في ذاته على الآخر بوصفه دائرة أضيق من الأولى»، يدور كلّ من العقل والدين حول «مركز واحد»، وعلى الفيلسوف أن يكشف النقاب عنه»[3].

المبحث الثاني: مجالات الحداثة

يشمل تيار الحداثة مختلف المعارف العلميّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة، فتحولت بذلك إلى مدرسة متكاملة (نسق فكري) تسعى إلى معالجة مختلف نواحي الحياة الإنسانيّة وإيجاد تفسيرات للمسائل المعرفيّة وتأويل القضايا الوجوديّة. وبما أنّ الإنسان يمثّل عنصرا من عناصر الوجود فقد سعى المسار العلميّ إلى إيجاد مبرر لوجوده من خلال تأصيله، فاعتبرته قردا متطوّرا حسب التصور الدرويني، وهو ما يعكس سيطرة التفسير العلميّ من خلال المراهنة على المعرفة العقليّة وزرع الوعي ونشر الثقافة بمختلف الوسائل الاتصاليّة المتوفّرة آنذاك كالكتب والصحف والإعلام.

ساهم اكتشاف الطباعة في التسريع في سير نسق الحداثة وتطوّرها بنشر المعارف العلميّة وتبادلها من خلال المؤلّفات التي ساعدت على التواصل بين العلماء والمختصّين والشعوب والحضارات بصفة عامّة، فتطوّر وعي الإنسان وتجاوز العلاقة التقليدية مع الوجود الذي تحوّل من علاقة تأمل إلى علاقة كشف واكتشاف لتبديد المجاهيل، فالإدراك لم يتوقّف عند معالجة المسائل الطبيعيّة بل أعاد النظر في المسائل العقليّة، لذلك لم يقتصر التفسير العلمي على مجال محدّد بل شمل مختلف القطاعات، وهو ما وضع الإنسان أمام مجموعة من الحداثات منها: «الحداثة التقنية، وتعني استحداث واستخدام الآليات والتقنيات المختلفة ابتداء من المحرك البخاري إلى الصاروخ»[4]، و«الحداثة الاقتصاديّة فتعني الانتقال من الإنتاج اليدوي إلى الإنتاج الآلي»[5] إذ تحوّلت الزراعة من الزراعات التقليديّة اليدويّة إلى توظيف الآلات الفلاحيّة الكبرى وما ترتّب عن ذلك من تشجيع وتخطيط حقّق المزيد من الإنتاج والأرباح تحت شعار «دعه يعمل دعه يمر».

أمّا في المجال السياسيّ فقد تحوّلت الرؤية السياسيّة من عقد الهيّ أي تفويض رجال الدين لربط العلاقة بين الإنسان والله، إلى عقد اجتماعيّ يربط الإنسان بالإنسان، وقد تطوّرت هذه الرؤية مع هابرماس من خلال إخضاع السياسة إلى المعايير الأخلاقيّة حتى يتحقّق التواصل من خلال الفضاء العام الذي يعتبره «مساحة يشارك فيها الناس كأنداد في نقاش عقلانيّ طلبا للحقيقة والصالح العام»[6] والأمر ذاته بين مختلف الحضارات والشعوب.

وفي المجال الدينيّ، لم يعد فهم النصوص المقدّسة حكرا على رجال الدين بل أصبح مجالا مفتوحا للبحث والدراسة والنقد والفهم من طرف الفلاسفة والمفكّرين الذين ولجوا منطقة الشرح والتأويل والتفسير، فمفكّرو الحداثة مطالبون بفهم الكتاب المقدّس وتقديم شروحاته حسب جهودهم الفكريّة وتصوّراتهم، لا كما يسعى رجالات الكنيسة إلى تمريرها، وهو ما كشف عن عدّة قراءات فلسفيّة تعتمد النقد والتأويل قصد إعادة فهم النصوص الدينيّة وشرحها على غرار الجهد السبينوزي الذي ظهر في أعماله مثل اللاهوت والسياسة، وعلم الأخلاق، وهو ما أدى إلى محاولة قتله من طرف خصومه «المفكّرين» الموالين للسلطة الدينيّة بسبب نقده اللّاذع لها وتشكيكه في صدقيّتها. وقد سبقه إلى ذلك ديكارت الذي سعى إلى تأسيس عقلانيّة لا تتعارض مع الدين ظاهريّا تجنّبا للتصادم مع أهل الكنيسة بل قال أومن بدين أجدادي. لذلك سمّيت الديكارتية بالفلسفة الخجولة لأنّ ديكارت لم يتجرّأ على النظر في كل المسائل بالعقل، وأعفى نفسه من دراسة الدين، وهي الخطوة التي أقدم عليها سبينوزا من خلال التجرؤ على نقد الكتاب المقدّس والتأكيد على أنه خال من كل بعد فلسفيّ وأنه محرّف وكُتب في فترات تاريخيّة متباعدة ومن طرف أناس مختلفين.

أمّا في ميدان علم الاجتماع فقد تمّت تشيئة الإنسان ليصبح شيئا وآلة كباقي الموجودات إذ سيطرت النظرة الميكانيكيّة على تفسير وجوده تحت تأثير الثورة الصناعيّة، فالإنسان لم يعد ذلك الكائن المتميّز بالعقل، بل كاد يصبح جهازا ميكانيكيّا متحرّكا خاليا من كلّ المشاعر والعواطف والأحاسيس، فانتقلت «البنيات الاجتماعيّة القائمة على العلاقات والروابط والعصبيّات القرابيّة والدمويّة والإقليميّة إلى البنيات الاجتماعيّة القائمة على العلاقات الموضوعيّة المتمثلة في أولويّة الاقتصاد والأدوار الاقتصادية»[7].

لم تتوقف تأثيرات الحداثة عند الجوانب الدينيّة والعلميّة والسياسية والاجتماعيّة والاقتصاديّة بل شملت مختلف مجالات المعرفة، فالفن مثلا تحوّل من محاكاة للمثل مع أفلاطون ومحاكاة للطبيعة مع أرسطو إلى لحظة إبداع حر للجمال من خلال الذات المبدعة التي تحرّرت من كل أشكال المحاكاة، «إذن فاستقلاليّة الذات (Autonomous) وتبعيتها (Heteronomous) هما اصطلاحان أساسيّان لدى كانط في تعاليم فلسفته الأخلاقية، وعلى أساسهما يقال إن إرادة الإنسان وطبيعته العقلانيّة هما المرتكز المستقل لإقرار القوانين الأخلاقية»[8].

استطاعت الحداثة أن تؤسس لإنسان جديد يقطع مع كل أشكال التقليد والقديم أي القطيعة الشاملة مع كل المعتقدات والأسس الدينية والسياسية، فكانت النتيجة تحقيق تطوّر علمي وفكري واجتماعي واقتصادي وصناعي وسياسي وقد نجحت في ذلك بسبب اعتمادها الكلي على العقل، لأن شعار الحداثة يتأسّس على فكرة لا أومن إلا بما أعقل وهو ما يعني رفض كلّ المعارف التي لا تخضع للعقل.

المبحث الثالث: الإنسان والعقل في مشروع الحداثة بين الإبداع والأسر

راهنت الحداثة على ثنائيّة الإنسان والعقل: الإنسان كفاعل ومحرّك للمعرفة وقيم الحداثة والعقل كأداة للإبداع والابتكار والخلق، قصد تحقيق ذات الإنسان في الوجود من خلال مزايا العقل وآماله باعتباره الأداة الفاعلة التي تكشف الحقيقة وتُنصف الإنسان، لذلك فإن انخراط الإنسان في مسار المعرفة العقليّة مكّنه من السيطرة على الطبيعة وتفسير ظواهرها القائمة والمستحدثة تفسيرا علميّا، فلم يعد الوجود نكرة، بل أصبح حقيقة يمكن تفسيرها ومعرفة خفاياها، لذلك تمّ تأنيسه والاستئناس به، فالطبيعة لم تعد لغزا ولا كائنات غريبة أو سلسلة من المجهولات، بل أصبحت صديقة للإنسان وفي ذلك تجاوز للنظرة الأرسطيّة للوجود المتّسمة بالتجزئة والتي تعتبر أنّ لكلّ عنصر في الطبيعة ماهيّته الخاصة ووجوده المستقل وعالمه المتميّز.

لذلك فتحت الحداثة آفاقا كبيرة للإنسان على مستوى التفكير والتعبير والانجاز بسبب التقدم العلميّ والصناعيّ الذي أفرزته، بالإضافة إلى تحريره من هيمنة الكنيسة. فمن العدل والموضوعيّة الاعتراف بمزايا الحداثة على الإنسان كانتشار المعارف والازدهار الاقتصاديّ وضمان الحريّات الفرديّة، إجمالا لقد غيّرت نمط حياته ومناهج تفكيره، لذلك علّقت الإنسانيّة آمالا كبيرة عليها باعتبارها مصدرا للسعادة والرفاهيّة قادرة على تخليصها من سلطة الكنيسة وإقطاعية رجال المال والأعمال.

يبدو أنّ المسار التطبيقي للحداثة كشف عن المفارقة الكبيرة بين الانتظارات المأمولة والواقع العمليّ، فالإقرار بالمزايا المتعدّدة التي حقّقتها الحداثة لا يخفي تحوّلها إلى ضرب من الهيمنة بعد أن حظيت بالثقة لمدّة قرنين إذ اهتز عرشها من خلال نقد فلاسفة ما بعد الحداثة بسبب الأثر الكارثيّ الذي دمّر كلّ معاني الخلق والابتكار والجمال وحوّل الإنسان إلى ترس صغير في آلة صناعيّة كبيرة تطحن القيمة الحقيقيّة لمعنى الوجود، فلئن انبهر العالم بالحداثة وبقيت صامدة تحيط بها هالة من القدسيّة فإن انخراطها في الزمن كشف المساوئ المترتّبة عنها بسبب تحوّلها إلى ضرب من السلطة، إذ قدّست العقل وحوّلته إلى أداة للهيمنة على الإنسان ذاته فجعلته مقهورا ومضطربا بين العقل الميكانيكيّ والإنسان المستعبد فـ «في عالم الحداثة لا يوجد شكل مفهوم، إذ يفقد الإنسان ما يميّزه كإنسان ويتساوى الرجل مع الشيء، بل تتحرّر الأشياء من الإنسان وتسيطر عليه»[9].

إنّ رهان الحداثة حول مسألة القطع الكليّ مع الماضي جعلها عرضة إلى الانتقادات العميقة فالإنسان مهما تطوّرت اكتشافاته وتقدّمت علومه وتحسّنت ظروف حياته لا يمكن أن يُضفي الفاعليّة الحقيقيّة على وجوده دون مرجعيّة وجدانيّة يستند إليها لذلك أصبح الإنسان العقلانيّ الحداثيّ فاقدا للقيم الإنسانيّة، لا على مستوى الأفراد فحسب بل على مستوى المجتمعات والدول، فالحضارة الغربيّة «قد بدأت بإعلان موت الإله باسم الإنسان ومركزيّته، ولكنها انتهت بإزاحة الإنسان عن المركز لتحلّ محله مجموعة من المطلقات أو الثوابت الماديّة مثل المنفعة المادية، التقدم، معدلات الإنتاج، قوانين الحركة، اللذة الجنسيّة»[10].

أفرز هذا الفقد القيمي استعمارا عسكريّا وثقافيّا من القوى العظمى للدول الضعيفة وما رافقه من سيطرة على مقدّراتها واستغلال لثرواتها، لذلك انتهى مسار الحداثة على المستوى العمليّ  إلى الإنسان المادّي المتوحّش الذي يسكنه الطموح المستمر لتحقيق الأرباح والمكاسب الماديّة دون مراعاة لأخيه الإنسان، فأصبحت الحداثة ضربا من الماديّة الصلبة على مستوى الإنتاج والماديّة السائلة على مستوى الوعي والإدراك، وهو ما يعني تقلّص المساحة الفلسفيّة كمخبر لابتكار المفاهيم وخزان يبشّر بالقيم، واندحار الفن كطاقة مولّدة للإحساس، «فبينما يتحدّثون عن أن الحضارة التكنولوجيّة ستأتي بالسعادة للإنسان، وأنّها ستشيّد له فردوسا أرضيّا، نجد أنّ الأدب الحداثيّ في الغرب يتحدّث عن (الأرض الخراب) التي خلّفها التقدّم التكنولوجيّ وعن عبثيّة الحياة في العصر الحديث، ونجد علم الاجتماع الغربيّ يتحدث عن التنميط وسيطرة النماذج الكميّة على المجتمع وعن التسلّع والتشيّؤ»[11].

وقع الإنسان في مأزق العقل عندما راهن عليه كمصدر لتحقيق السعادة وتوفير الرفاهيّة فحوّله إلى أداة للمكننة. وبذلك تتأرجح مسألة الحداثة بين الطموح المستمر للخطاب العقليّ والعلميّ الذي أغرى الفلاسفة والعلماء والباحثين، وبين حاجة الإنسان للوجدان باعتباره كائنا يمتلك أحاسيس ومشاعر، وهو ما صيّر الإنسان ضحيّة لأناقة العقل، فعوض أن يكون العقل وسيلة إبداع في خدمة الإنسان أصبح وسيلة إنتاج اقتصاديّة في يد الدولة وأصحاب رؤوس الأموال.

إنّ من انعكاسات الحداثة تحويل الدول الفقيرة إلى سوق لترويج البضائع الاستهلاكيّة، وهو ما يجعل الغرب في حالة تناقض صريح بين الخطاب والفعل، إذ يؤمن بالعدل والمساواة وحقوق الإنسان وحقّ الطفل وحقّ المرأة في إطار الجغرافيا الغربيّة الضيّقة، في حين تصبح هذه القيم ليست ذات أهميّة على أرض بقيّة الشعوب، وهو ما يناقض مبشّرات الحداثة في مطلع ظهورها باعتبارها بريق أمل وخلاص للإنسان من مختلف السلط التي تحدّ من عطائه وفاعليّته وحريّته وما يحدوه من رغبة في التحرّر من  السلطة الدينيّة والهيمنة السياسيّة والاستغلال  الاقتصاديّ حيثما كان. لذلك تعتبر الحداثة إنجازا غربيّا رائعا لكن تم اختطافه من طرف أصحاب رؤوس الأموال الذين حوّلوا الإنسان إلى أداة للإنتاج فسحقوا إرادته وغيّبوا وجدانه فظلّت الحداثة مشروعا غير مكتمل.

المبحث الرابع: العرب بين طموح الحداثة ومأزق التحديث

بداية وجب التمييز بين مفهومي الحداثة والتحديث بسبب الخلط النظريّ والعمليّ الذي يطالهما أحيانا، فالحداثة تعني العصرنة  (La modernité) أمّا التحديث فيعني (La modernization)، فالحداثة موقف عقليّ إزاء المناهج التي يستخدمها العقل لتحقيق معرفة علميّة ملموسة عند قراءة مختلف المجالات التي تحيط بحياة الإنسان كالعلم والاقتصاد والسياسة والاجتماع والدين، أمّا التحديث فهو عمليّة استجلاب للتقنية والمخترعات، فهو يعكس الجانب العمليّ للحداثة وكيفيّة تحقيق الاستفادة الماديّة منه، لذلك فإنّ ما وقع ويقع في المجتمع العربيّ هو تحديث وليس حداثة لانحصار مجاله  في محاكاة مظاهر الحياة الغربيّة واستيراد إنتاجات التقدّم العلميّ دون إضافة أو تطوير.

لقد رفع روّاد الحداثة في العالم العربيّ شعارات تتأسّس من حيث المطلبيّة على قيم أصيلة مثل علويّة المعرفة العقليّة، واحترام حريّة التفكير والتعبير ومبادئ حقوق الإنسان ودولة القانون والمؤسّسات والتبشير بالاعتماد على الذات واستثمار الثروات الطبيعيّة والوطنيّة وموارده البشريّة، لكن عمليّا لم تجد هاته الطموحات تطبيقا بل انخرط زعماء الحداثة العربيّة في صراعات ثنائيّة تجلّت في الخصومة الدائمة بين التيّار الأصوليّ والتيّار الحداثيّ وهو ما عمّق من ضعف الاستفادة من الحداثة فعوض أن تكون الحداثة رافدا إنسانيّا وثقافيّا يساهم في إعادة تشكيل العقل العربيّ أصبحت عائقا للوعي الإيجابيّ وساحة للتنافي السياسيّ والصراع الإيديولوجيّ، لذلك «مازال المفكر العربي يعاني صدمة التحوّلات الكبرى التي تقع أمام أعينه دون أن تكون له فيها مساهمة تذكر. بل مازال يأخذ منها أحيانا مواقف تحدّدها مرجعيّة ماضويّة تقليديّة»[12].

أدّى هذا الفهم الخاطئ للحداثة والتحديث إلى الانفصام داخل المجتمع بسبب مواكبة الحداثة على مستوى الاستهلاك وغياب الحداثة كرؤية وتصوّر وبراكسيس وما ينجرّ عن ذلك من قطيعة بين «زعماء الحداثة وأنصارها» من جهة، والمحافظين الذين يعتبرون أنّ الحداثة تحوّلت إلى عمليّة تشويه للفرد والمجتمع على مستوى السلوك والمظهر والاستهلاك دون تحقيق التقدّم العلميّ المرجوّ من جهة أخرى. لذلك عكس التحديث المنجز في الفضاء العربيّ صورة مناقضة للحداثة التي عوّلت عليها المجتمعات العربيّة لتخلّصها من التخلّف والجهل، لأنّها لم تتحوّل إلى لحظة وعي أي الجمع بين الحداثة كمشروع وفكر وبين التحديث كفعل وإنجاز، أي الجمع بين الفهم النظريّ والتطبيق العمليّ.

المبحث الخامس: الحداثة من الاستلاب إلى الاستثمار

نلاحظ أنّ الانعكاسات السلبيّة لاستتباعات الحداثة لم تتوقّف عند الغربيّين بل شملت بقيّة الشعوب المستضعفة من خلال ظاهرة الاحتلال التي تمّت في حقّها، لذلك فإنّ المأزق الحقيقيّ الذي انتهت إليه الحداثة في الفكر الغربي وامتدت خيوطه إلى الحضارات الأخرى يفرض التساؤل حول كيفيّة استثمار مكتسبات الحداثة دون الخلط بين الاستفادة والاستلاب؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الانفتاح على التراث الفكريّ الإنسانيّ الذي قد يوفّر لنا ملاذا وسندا يسمح بالتوفيق بين مطلب الحداثة كمشروع إنسانيّ يهدف إلى تقويم الإنسان فكرا وممارسة، من خلال تحريره من الرؤى التقليديّة الانفصاميّة، والإنسان ككائن مالك للمشاعر والأحاسيس وهو ما يستوجب التأكيد على ضرورة استحضار البعد الوجدانيّ للإنسان وأن الوجود ليس إلّا فضاء للعطاء والإبداع في ظلّ اللقاء بين فاعليّة الجسد كجهد لا يتوقّف عن العطاء، والنفس كخزّان للسعادة لتحقيق التوازن الوجداني والسعادة النفسيّة  للإنسان.

إن الوجود الإنسانيّ يحتاج إلى اتّجاهين أساسيّين أو علاقتين محوريّتين، علاقة عموديّة بين الإنسان والمطلق يستمد فيها الأوّل من الثاني كلّ القيم الروحيّة والأخلاقيّة الجميلة التي توفّر له السعادة والطمأنينة، وعلاقة أفقيّة بين الإنسان وأخيه الإنسان، هذه العلاقة ستكون إيجابيّة عندما تتأسّس على القيم الإنسانيّة الأصيلة التي تؤمن بالعدل وحقوق الإنسان وحقّ تقرير المصير، وستكون عدائيّة عندما يتجرّد الإنسان من كل ضروب القيم والمعاني التي تحدّ من عدائيّته، لذلك تصبح عمليّة المزاوجة بين العقل والمطلق ضروريّة لإحداث التوازن على مستوى تفكير الإنسان حتى يتمكّن من تلطيف سلطة العقل.

إنّ استثمار الحداثة يقتضي إعادة التأسيس لقراءة التراث والمعارف من خلال مكتسبات الحداثة ذاتها وذلك باكتشاف مساحات جديدة في المعنى ومن المقاصد على ضوء استثمار إبداعات العقل وإنجازات الحداثة، وهو ما عبّر عنه كانط بالكنيسة المناضلة (Streitend) التي تعمل على تحقيق «الإيمان الديني المحض، الذي يتأسّس تأسّسا كاملا على العقل، هو وحده الذي يمكن الاعتراف به بوصفه ضروريّا»[13]، فالكنيسة المناضلة هي الكنيسة الحقيقيّة الفاعلة التي تجعل من الإيمان حصيلة العقل، فهو حقيقة عقليّة وليس ضربا من الذلّ والخنوع والطاعة المزيّفة، يسعى هذا الصنف من التفكير الكنسيّ من منظور كانطي إلى أن تصبح الكنيسة للجميع قيما وفكرا وممارسة وليست حكرا على رجال الدين كما هو الحال لدى كنائس العصور الوسطى، فهي تتطلّع «إلى أن تؤول في النهاية إلى الكنيسة الثابتة والموحّدة للناس كافّة، المنتصرة، ويسمّى الإيمان الذي لكلّ فرد، الذي يحمل معه الاستعداد الخلقي لأن يكون سعيدا أبدا، الإيمان المخلّص»[14]. يؤسّس كانط إلى تحوّل مفصليّ لدور الكنيسة من خلال إدخال فاعليّة جديدة تتمثّل في الجمع بين الإيمان والعقل وتحريرهما من دور الوصيّ على تكريس الفهم التقليديّ للدين وتخليصهما من وظيفة الوسيط بين الله والإنسان.

هذا الفهم الجديد لدور الكنيسة والدين وربطه بالعقل، من منظور كانطيّ،  من شأنه أن يحدث فاعليّة جديدة لدى الإنسان وهي تحريره من كلّ أشكال الاستلاب، لما يحقّقه للإيمان من حضور فاعل في حياة الإنسان وأنماط تفكيره، فلم يعد الإيمان يعني الاستسلام والخنوع والذلّ بل على خلاف ذلك تحوّل هذا النوع الجديد من الإيمان الكانطي المبتكر إلى ضرب من الإيقاعات التفكّريّة التي تدفع الإنسان نحو التحرّر والانعتاق باستثمار ملكة العقل وتوظيف مكتسبات الحداثة، وبذلك يعود كانط إلى الرسالة الحقيقيّة للدين بما هي فعل تحرّري وسعادة تُعاش، «فالمبادئ الخلقيّة مقدّمة على التعاليم الدينيّة، وعلى هذا الأساس فالدين الذي لا يقول بهذا التقدّم لا يعدّ دينا حقيقيّا»[15]، فالأخلاق عند كانط هي قيمة ومبدأ ومرجع أساسيّ في الوجود الإنسانيّ، لذلك يرفض كل الأشكال النفعيّة للدّين والأخلاق.

سعى هابرماس إلى تطوير التصوّر الكانطي للحداثة من خلال التأكيد على الوعي الأخلاقي والفعل التواصليّ لتحقيق العدالة وبناء الصواب الأخلاقيّ، وهو ما يعني تجاوز الحداثة كرواية تاريخيّة، عرفها المجتمع الغربيّ بداية من العصور الوسطى إلى أواخر القرن العشرين، إلى رواية تجاوزيّة وهادفة تستجيب لشروط التطوّر الاجتماعيّ بما يحقّق مجتمعا متضامنا وإنسانيّة راقية، فكلّ «مفهوم يتمحور حول فكرة وحيدة: الديمقراطيّة الليبراليّة تقوم على فكرة حقوق الإنسان، والجمهوريّة المدنيّة على فكرة سيادة الشعب»[16].

لا يقطع هابرماس مع الحداثة على غرار فلاسفة مدرسة فرانكفورت وغيرهم من أنصار ما بعد الحداثة الذين يعتبرون «أنّ العنف قد أصبح في عصر ما بعد الحداثة سمة أساسيّة للعلاقات البشريّة والاجتماعيّة والدوليّة لأنّ القيم قد أنهارت»[17] بل سعى إلى إعادة بناء الحداثة وتقويم العقلانيّة بالاعتماد على المعايير الأخلاقيّة التي تضبط العقلنة الأداتيّة وتضمن سُبل التواصل مع الآخر والاعتراف به ككائن يتمتّع بكافة حقوقه في ظلّ القيم الأخلاقيّة الكونيّة من خلال العقل الخاضع للمعايير الأخلاقيّة، لذلك «يتّسم نهج هابرماس بأنّه إصلاحيّ لا تاريخيّ»[18] وهو ما مكنّ رؤيته  من التحرّر من آفات العقلانيّة الأداتيّة.

إنّ المسار الذي اتّبعه كانط وهابرماس يتساوق فكريّا مع ما عبّر عنه الطاهر بن عاشور بالعقل الجديد في الفكر المقاصدي، ذلك أن العنوان الكامل لكتاب «التحرير والتنوير» هو «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، فاختيار هذا العنوان هو تأكيد على أنّ المعرفة لا تتحقّق إلّا بتحقّق كل أشكال التحرّر، الفكريّ والثقافيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، أي تحرّر الوعي إجمالا. وهو ما سيفضي إلى كلّ أشكال التنوير، فالتحرير شرط التنوير وأساسه، لذلك «فالمقدار الذي يستطيعه من التفكير يجب عليه تصحيح تفكيره فيه، والمقدار الذي لا يستطيعه يجب عليه تطلب الإعانة فيه بمن يبلغه إلى الحقّ الصحيح فيه»[19]. يدعو ابن عاشور إلى التصحيح المستمر للتفكير والاستعانة بمن هم أكثر عمقا ودراية وتجربة، وكذا الشأن مع الحداثة التي رغم نشوئها الغربيّ أصبحت مكسبا إنسانيّا تساهم في تحرير الإنسان وتنويره. لذلك لا ينبغي أن «ننظر إلى الواقع بمنطق التقابل الجغرافيّ بين شرق وغرب، فالحداثة غزتنا على مستويات متنوّعة، ويعيش الناس على خريطتها طوعا أو كرها، لذلك لا بدّ للأفراد والجماعات من أن تستوعب ما جرى ويجري… فكيف يمكن للمناضل من أجل العدالة أن يهمل ما فعلته الحداثة بالاجتماع والاقتصاد والسياسة؟ وكيف يمكن للساعي إلى التغيير أن يتحرّك في مجتمع تبدّلت ملامحه وتشظّت أنساقه المعرفيّة والأخلاقيّة بل والعمرانيّة؟»[20]، لذلك تقتضي الموضوعيّة العلميّة والقراءة الواقعيّة عدم رفض الحداثة باعتبارها صناعة غربيّة لا تنسجم مع هوانا، والاعتراف بها كإنجاز تاريخيّ غيّر نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الوجود، وفي الوقت ذاته ضرورة البحث عن كيفيّة الاستفادة منها كمكسب إنسانيّ باعتبارها «روح عالميّة وإنسانيّة»[21] وليست «من صنع المجتمع الغربيّ الخاصّ حتى كأنّه أنشأها من عدم، وإنّما هي من صنع المجتمع الإنسانيّ في مختلف أطواره»[22].

خاتمة:

دفعت استتباعات الحداثة نحو البحث عن الحلول لتجاوز المأزق الذي انتهت إليه وضعيّة الإنسان، وهو ما يعني ضرورة إعادة البحث في القيم الإنسانيّة الأصيلة التي أقرّها الإنسان منذ الإغريق إلى عصرنا الراهن للتأكيد على وحدة ذواتنا وحاجتها إلى إحياء القيم الإنسانيّة والكونيّة الخالدة التي تساهم في سعادة الإنسان وتحقّق توازنه الروحيّ والنفسيّ، لأنّ القيم سند الوجود الإنسانيّ المعتدل، فالحضارة التي تفقد قيمها تفقد إنسانيّتها، لذلك وجب استثمار التراث الفكريّ الإنسانيّ كمرجع للقيم الإنسانيّة، والعقل كأداة للمعرفة تخدم الإنسان وتحرره من الأنساق الميكانيكيّة المكبّلة للإرادة الحقيقيّة للإنسان، وهو ما يعني إعادة طرح دور الفلسفة المعاصرة ومدى قدرتها على المساهمة في تجاوز مأزق الحداثة بصفة عامّة والعمل على استثمارها كمشروع قيميّ يساهم في زرع الوعي المؤهّل لتحرير العقل وبناء الإنسان، فالحداثة ليست إيديولوجيا أو غاية بل هي مشروع في حاجة دائمة إلى الشذب والتطوير ليتحقّق إرساء نظام اجتماعيّ إنسانيّ يتأسّس على الأخلاق والقانون، لذلك أشاد هابرماس بالحداثة لكنّه في الوقت ذاته نصّص على أنّها مشروع في حاجة إلى الاكتمال حتى يستوفي شروط تحقّقه وسبل نجاحه، فهي ليست مجرّد «حقبة تاريخيّة» منتهية بل تعكس كافّة الظروف التاريخيّة المحايثة للإنسان، لذلك تميّزت بالديمومة والصيرورة  وقابليّة التطوير بما يخدم الإنسان ويضمن له الحريّة والعدالة  وحقّ التعايش الحضاريّ المشترك.

لائحة المصادر والمراجع

• ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الشركة التونسيّة للتوزيع والمؤسسة الوطنيّة للكتاب، تونس، ط2، 1985.

• أحمدي، علي أكبر، الحداثة عند كانط في رحاب آراء الشيخ مرتضى مطهّري، ترجمة: أسعد مندي الكعبي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، ط1، 2017.

• زيجمونت، باومان، الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2016.

• سبيلا، محمد، مدارات الحداثة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2009.

• طه، عبد الرحمان، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس حداثة إسلامية، المركز الثقافي العربّ، الدار البيضاء، ط1، 2012.

• الفراك، أحمد، الحداثة في فلسفة طه عبد الرحمان من النقد إلى التأسيس، مجلة دراسات، عدد1، أفريل 2019.

• فينليسون، جيمس جوردن، مقدمة قصيرة جدا: يورجن هابرماس، ترجمة: أحمد محمد الروبي، مراجعة ضياء وراد، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط1، 2015.

• كانط، ايمانويل، الدين في حدود مجرّد العقل، ترجمة: فتحي المسكيني، جداول للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 2012.

• المسيري، عبد الوهاب، والتريكي، فتحي، الحداثة وما بعد الحداثة، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003.

• Fieni, David, Configuring the Decay of Colonial Modernity, in: French and Arabic, Ph. D. University of California at Los Angeles, 2006.

• Thrift, Nigel, The Rise of Soft Capitalism, cultural values, chap. III, vol. 1, N°: 1, April 1997.

• Touraine, Alain, Can we live together?, Equality and difference Broché, European journal of social theory, vol. 1, N°: 2, November 1998.


[1] جامعة الزيتونة – تونس.

[2]  سبيلا، محمد، مدارات الحداثة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2009، ص 236.

[3]  كانط، إيمانويل، الدين داخل حدود مجرّد العقل، ترجمة: فتحي المسكيني، ط1، 2012، ص 14.

[4]  سبيلا، محمد، مدارات الحداثة، م. س، ص 238.

[5]  نفسه.

[6]  فينليسون، جيمس جوردن، مقدّمة قصيرة جدا: يورجن هابرماس، ترجمة أحمد محمد الروبي، مراجعة ضياء وراد، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط1، 2015، ص 28.

[7]  سبيلا، محمد، مدارات الحداثة، م. س، ص 238.

[8]  أحمدي، علي أكبر، الحداثة عند كانط في رحاب آراء الشيخ مرتضى مطهّري، ترجمة أسعد مندي الكعبي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، ط1، 2017، ص 86.

[9]  المسيري، عبد الوهاب، والتريكي، فتحي، الحداثة وما بعد الحداثة، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003، ص 13.

[10]  نفسه.

[11]  الحداثة وما بعد الحداثة، م. س، ص15.

[12]  المسيري، عبد الوهاب، والتريكي، فتحي، الحداثة وما بعد الحداثة، م. س، ص 211.

[13]  كانط، ايمانويل، الدين في حدود مجرّد العقل، م. س، ص 193.

[14]  م. ن، ص 194.

[15]  أحمدي، علي أكبر، الحداثة عند كانط في رحاب آراء الشيخ مرتضى مطهّري، م. س، ص 103.

[16]  فينليسون، جيمس جوردن، مقدّمة قصيرة جدا: يورجن هابرماس، م. س، ص 118.

[17]  المسيري، عبد الوهاب، والتريكي، فتحي، الحداثة وما بعد الحداثة، م. س، ص 311.

[18]  فينليسون، جيمس جوردن، مقدّمة قصيرة جدا: يورجن هابرماس، م. س، ص 35.

[19]  ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الشركة التونسيّة للتوزيع، والمؤسسة الوطنية للكتاب، تونس، ط2، 1985، ص 53.

[20]  من تقديم كتاب: زيجمونت، باومان، الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبوجبر، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2016، ص 17.

[21]  الفراك، أحمد، الحداثة في فلسفة طه عبد الرحمان من النقد إلى التأسيس، مجلة دراسات، عدد1، أفريل 2019 [صص 88-103].

[22]  طه، عبد الرحمان، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس حداثة إسلاميّة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2012، ص31. XeltovoPrime

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2