الإسلام والبروتستانتية ونموذج الإصلاح
Islam and Protestantism: A Paradigm for Reformation
د. إدريس الكنبوري[1] PhD. Idriss ELGANBOURI
ملخص البحث:
تسعى هذه الدراسة إلى إعادة النظر في إشكالية الإصلاح الديني في أوروبا، ونشأة المذهب البروتستانتي، الذي يُطرح في الواقع الإسلامي المعاصر كنموذج للإصلاح الديني في الإسلام يمكن إعادة إنتاجه، وتحاول الإجابة عن سؤال مركزي: هل ما حصل في المسيحية خلال القرن الخامس عشر كان إصلاحا دينيا أم انشقاقا داخل الديانة المسيحية؟
وللإجابة عن هذا السؤال توقفت الدراسة عند أهم الأفكار التي جاءت بها البروتستانتية، لقياس مدى بعدها أو قربها من المذهب الرسمي، وهو الكاثوليكية، فيما يتعلق بالموقف من المسلمين واليهود والحروب الصليبية، وذلك بهدف معرفة حدود مقولة الإصلاح الديني في المسيحية. وقد توصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن البروتستانتية لم تكن إصلاحا دينيا جذريا داخل المسيحية، بل كانت مجرد مذهب جديد مثله مثل المذاهب التي ظهرت في المسيحية في القرون الأولى لظهور الديانة المسيحية والصراع داخل الكنيسة الرسمية.
[ الكلمات المفتاح: الإصلاح الديني – البروتسنتانتية – الكاثوليكية – لوثر – الحروب الصليبية – الحرية الدينية ]
Abstract:
This study re-considers the problematic of the religious reform in Europe and the rise of the protestant doctrine which is sometimes presented as a reform that could be reproduced in the modern Islamic culture. This paper addresses this central question: is what happened in Christendom in the fifteenth century a religious reform or a mere division within the Christian religion?
To address this question, this study outlines the main ideas that constitute the protestant doctrine in order to gauge the extent to which it diverges from the official doctrine, Catholicism, especially in terms of its attitude with regards to Muslims, Jews and the crusades.
The study concludes that the Protestantism was not a radical religious reform within Christianity. Instead, it was merely a new doctrine similar to the ones which emerged as a result of the internal conflicts in the church in the first centuries of the emergence of Christianity.
[ Keywords: Protestantism – Reform – Islam – Model ]
مقدمة:
في غمرة النقاش السائد حول الإصلاح الديني في العالم العربي خلال العقدين الأخيرين بوجه خاص، أخذ الكثير من الباحثين العرب يستعيد تجربة الإصلاح الديني في المسيحية و«النحلة البروتستانتية» التي ظهرت في القرن الخامس عشر في ألمانيا ثم انتشرت في بعض بلدان أوروبا، مع بعض التحويرات بما يناسب كل بلد، مثل الكالفانية في سويسرا، وذلك بهدف خلق نوع من المماثلة بين هذه التجربة وبين مشروع الإصلاح الإسلامي، كما أن عددا من الباحثين الأوروبيين صاروا يدعون إلى ضرورة إيجاد «لوثر مسلم».
وترمي هذه الدراسة إلى الوقوف على حقيقة الإصلاح البروتستانتي، وما إن كان بالفعل قطيعة مع العقيدة المسيحية التقليدية، خصوصا في ما يرتبط بالموقف من الإسلام والمسلمين واليهود؛ ومعرفة ما إن كانت التلويح بالبروتستانتية لتبرير الإصلاح الديني في الإسلام حديثا أم إنه يعود إلى عهود سابقة، ثم اختبار الحاجة في الإسلام إلى «بروتستانتية» وحدودها.
المبحث الأول: الدين والسياسة في الإصلاح البروتستانتي
إن عبارة الإسلام البروتستانتي قد تبدو غريبة للقارئ، ولكنها عبارة تعكس الحقيقة التي تجري اليوم أمام أعيننا. فقد بدأ هذا التعبير في الانتشار في الصحافة ووسائل الإعلام الغربية والأوروبية، يستخدم للإشارة إلى جيل جديد من الباحثين الذين ظهروا في العقدين الأخيرين في العالم العربي يتحدث عن الإصلاح الديني في الإسلام. بل هناك أحد الباحثين العرب صار الإعلام الغربي يصفه بأنه «لوثر الإسلام»، ويبدو أنه هو أيضا استمرأ اللقب واعتبره إطراء يليق به، ولكني أرى في اللقب ازدراء به وطعنا في سمعته.
بيد أن كلمة الإصلاح تستدعي وقفة عابرة. يقابل الإصلاح الفساد، لأن ما يتم إصلاحه هو ما تحقق فساده ولم يعد صالحا أو مفيدا. وإذا كنا نتكلم في سياق عربي فإن التعبيرات العربية واجبة الاحترام، إذ لا يجوز ترجمة كلمة أجنبية إلى اللغة العربية ثم التحول إلى اعتماد تلك الترجمة على أنها الأصل، بينما الكلمة ذاتها في الاشتقاق العربي لها معنى مغاير. لقد تمت ترجمة كلمة (Réforme) الفرنسية والإنجليزية إلى اللغة العربية بكلمة الإصلاح، وهي ترجمة سليمة، ولكن نقل المعنى إلى السياق العربي في المجال الديني خلق الكثير من الغموض، اللهم إن كان ذلك مقصودا.
إن كلمة إصلاح، التي تم استعمالها من لدن رواد الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر، وصارت في كتابات المؤرخين الأوروبيين تعبيرا عن تلك المرحلة ومخاضاتها، لا تعني إصلاح الدين بدرجة أساسية. لقد شاع هذا الخطأ في كتابات المثقفين والمفكرين العرب للأسف الشديد بسبب سوء فهم العلاقة بين الدين والمؤسسة الدينية في أوروبا. إن كلمة الإصلاح التي جرى استعمالها من لدن مارتن لوثر وزملائه في ألمانيا للدلالة على حركة الثورة ضد الكنيسة في روما الإيطالية هي كلمة ذات محتوى سياسي لا ديني. فالإصلاح المنشود كان يرمي إلى القضاء على فساد الكنيسة الكاثوليكية في روما والسلطة البابوية، أي أن الإصلاح هنا كان موجها إلى محاربة فساد سياسي يستند على مبررات دينية. وبمعنى أوضح، ولد الإصلاح بسبب القلق من سلطة الكنيسة لا بسبب القلق من المسيحية نفسها. فالذين قاموا بالإصلاح الديني في ألمانيا كانوا من المسيحيين، بل كانوا من أشد المؤمنين بالمسيحية ولم يكونوا من الملاحدة، ولوثر نفسه لم يكن فقط مجرد مسيحي، بل كان أكثر من ذلك صوفيا ذاب في شخصية المسيح حد التماهي، وكان أكثر زملائه إيمانا بالجن والأرواح من منطلق ديني، ولكنه كان حاقدا على السلطة الكنسية في روما، لأن الإيطاليين كانوا يحتقرون الألمان، كونهم يحتضنون مقر الكنيسة والبابا، بينما الآخرون تبع لهم. وقد ثار لوثر ومن معه ضد روما بسبب النزعة القومية الجرمانية أيضا، والشعور بأن ألمانيا فوق الجميع. والنزعة الجرمانية لم تكن فقط لدى لوثر ورفاقه بل وجدت حتى لدى فلاسفة عصر التنوير الألمان، مثل هيجل ونيتشه، وهي نفسها ما كان وراء ظهور النازية ونزعة التفوق الألماني على الأوروبيين. وقد لا تكون مجرد مصادفة أن ما كان يجمع لوثر وهتلر بعده بثلاثة قرون هو الكراهية القوية لليهود، فقد كان لوثر يصفهم بـ»الكلاب»، و«أعداء المسيح»، إلى حد أنه كتب إلى زوجته في أخريات أيامه أنه يخاف من المرور بقرب الأحياء التي يقيم بها اليهود[2]. وعلينا أن ندرك بأن لوثر عاش في الفترة ما بين 1483 و1546، وفي تلك الفترة كانت محاكم التفتيش على قدم وساق في إسبانيا ضد المسلمين واليهود، وفي باقي أنحاء أوروبا ضد اليهود، ولكن لوثر لم يعبر عن أي موقف رافض لما يحصل، لأنه كان يبارك الحرب المسيحية ضد أتباع هاتين الديانتين، لأن كتاباته نفسها كانت تسير في نفس الاتجاه، على نحو ما سنرى.
كلنا يعرف أن الكنيسة الكاثوليكية في عصر الإصلاح الديني في أوروبا لم تكن فقط مؤسسة دينية، بل كانت مؤسسة سياسية أيضا، تبسط سيطرتها على الدين والدنيا معا. لقد كانت سلطة سياسية أداتها الدين، في عصر لم يكن التمييز فيه بين الدولة والدين قد حصل بعد. ولم يكن من الممكن التعرض لهيمنتها ومواجهتها من دون اعتماد الدين كسلاح، لأنه لا يمكن الحد من سلطتها الدنيوية بينما سلطتها الدينية ممتدة في العقول. ولذلك أطلقت على تلك الحركة التمردية تسمية الإصلاح (Réforme) أو (Réformation)، بمعنى الإصلاح أو التصحيح، لأن الهدف كان هو إصلاح الكنيسة[3].
وهكذا عندما ولدت فكرة التمرد على سلطة البابا في روما لم يكن السبب دينيا في البداية، بل كان سياسيا بسبب خلاف تنظيمي. لقد كان لوثر ورفاقه في مدينة إيرفورت (Erfurt) الألمانية يريدون توحيد الأديرة المسيحية، لأسباب تتعلق بالتدبير المالي بسبب ندرة الموارد المالية، لكن كان عليهم أن يأخذوا الإذن أولا من أسقف مدينة ماغديبورغ (Magdebourg)، التي كانت إيرفورت تابعة لها. غير أن الأسقف رفض الاقتراح، الأمر الذي حدا بجوهان ستوبيتز (Johann Von Staupitz)، كاهن الطائفة الأوغسطينية التي كان لوثر نفسه ينتمي إليها، إلى إيفاد بعثة من ثلاثة أشخاص بينهم لوثر إلى روما لمقابلة البابا وعرض الاقتراح عليه. لكن البابا رفض هو الآخر فعاد الوفد خاوي الوفاض، وعاد لوثر وهو أكثر حقدا على البابا وكنيسة روما[4].
وهكذا فالبداية لم تكن تمردا على الدين، بل على سلطة الكنيسة. إن الهدف الرئيسي الأول الذي وضعه المصلحون اللوثريون لم يكن تصحيح الدين المسيحي، بل نيل استقلال الكنيسة الألمانية عن الكنيسة الأم في روما، وأمام تعنت أتباع الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا حصل الانفصال بينهم وبين لوثر ورفاقه الذين أطلقوا على أنفسهم تسمية البروتستانت، التي تعني الاحتجاج. وكلمة الاحتجاج، مثل كلمة الإصلاح، هي أيضا عبارة تنتمي إلى السياسة لا إلى الدين.
ويؤيد المؤرخ ول ديورانت، في كتابه الموسوعي الكبير «قصة الحضارة»، هذا الكلام الذي أذهب إليه. فهو يقول بأن ثورة لوثر كانت «موجهة ضد النظام الكاثوليكي وطقوسه أكثر منها ضد العقيدة الكاثوليكية، ولازمه معظم هذه الثورة إلى النهاية»[5]. فلوثر لم يخرج من معطف المسيحية ولا من عقيدتها القروسطية الموغلة في الخرافية، ولم تكن مشكلته مع الديانة بقدر ما كانت مع المؤسسة الممثلة للديانة، أي الكنيسة؛ فلم يرفض فكرة أن المسيح هو الله، ولا أن المسيح هو المخلص، ولا أنه يتجسد جسدا وروحا في الخبز والخمر، خلافا لكثير من رفاقه الذين كانوا يرون أن ذلك مجرد رمز فقط، وليس حقيقة، والذين انتهى لوثر بالتآمر عليهم لإبعادهم من حركته. ويقول ديورانت إن لاهوت لوثر «قام على تصديق حرفية ما جاء بالكتب المقدسة»، وإن تفسيره «احتفظ لاشعوريا بالروايات المأثورة في القرون الوسطى المتأخرة»[6].
وكان يدافع عن الكتاب المقدس «باعتباره صحيحا بحذافيره وحرفيا»[7]، ويرى أنه صادر عن الله، رغم كل العقائد الوثنية الكامنة فيه. كما أدان الفلاسفة الكلاميين الذين حاولوا استعمال العقل في تفسير النصوص الدينية «لأنهم سلموا للعقل بكثير من الأمور ولأنهم حاولوا أن يثبتوا العقائد المسيحية بالخضوع لمقتضى العقل، ولأنهم حاولوا أن يوفقوا بين المسيحية وبين فلسفة أرسطو ذلك الوثني الداهية المغرور اللعين»[8]، وكان يرفض العلم وهاجم نظرية كوبرنيك، وقد كان معاصرا له، حول مركزية الشمس وكون الأرض تدور في فلكها «لأن يشوع أمر الشمس ـ لا الأرض ـ أن تقف»، فلم تستطع البروتستانتية أن تؤيد العلم «لأنها أسست صرحها على كتاب مقدس معصوم»[9].
لقد رفض لوثر الكنيسة كمؤسسة لأن البابوات كانوا يتعاملون معها على أنها مقدسة في ذاتها كمكان، وكانت بذلك الاعتبار تشكل مصدرا للسلطة السياسية والدينية بالبنية الهرمية التي تعتمد عليها، والطقوس الشكلية التي تميزها، والتي تجعلها جزء من الدين نفسه. وبدل ذلك وضعت البروتستانتية بديلا لها هو الهيكل temple، الذي حل محل تسمية الكنيسة église. وخلافا للكنيسة المقدسة أصبح الهيكل مقرا للعبادة وسماع كلمة الرب فقط، لا مكان مقدسا في ذاته. لكن جوهر الديانة لم يتغير، بشبكة المفاهيم العقدية، وهذا ما دفع الكثير من الباحثين إلى اعتبار ظهور البروتستانتية مجرد انشقاق داخل المسيحية نفسها، مثل الانشقاق الشهير بين الكنيستين الشرقية والغربية في القرن الثاني عشر[10]، والعجيب أن الدكتور محمد حسين هيكل (1888-1956) كان من أبرز المفكرين العرب الذين اهتدوا إلى هذا التحليل في وقت مبكر[11].
المبحث الثاني: إصلاح ديني أم انشقاق؟
ولكن السؤال هو: لماذا أخذ الانشقاق البروتستانتي كل هذا الاهتمام في التاريخ الأوروبي الحديث بينما الانشقاق الأول لا يحتل نفس القيمة، بل لا يكاد الكثيرون يعرفونه؟
تكمن الأسباب في أن الإصلاح البروتستانتي حصل في مرحلة تاريخية فاصلة بالنسبة للتاريخ الأوروبي. فقد تزامن أولا مع ظهور الطباعة، التي لعبت دورا أساسيا وحاسما في التبشير بالديانة الجديدة، إذ جعلها لوثر «آلة للدعاية والحرب»[12]. كما أنها تزامنت مع ظهور اللغات الأوروبية المحلية الحديثة التي خرجت من اللاتينية، وكانت العلاقة بين اللغة والسياسة قوية بحيث كانت اللاتينية هي لغة الكنيسة المقدسة التي من خلالها يمر «النبأ السعيد» أي كلمة المسيح[13]، ولذلك كان من الطبيعي أن يرتبط التمرد على الكنيسة بالتمرد على اللغة نفسها. أما السبب الثالث، المرتبط بالسبب الآنف الذكر، فهو ظهور النزعة القومية في عموم أوروبا، وكانت البروتستانتية بمثابة الشرارة الأولى. فقد رأينا أعلاه كيف أن ظهور البروتستانتية كان تمردا على مركزية روما، وتعبيرا عن نزعة قومية ألمانية ناشئة. والسبب الرابع والأخير، المرتبط بالسببين السابقين، هو بداية نشوء الفكرة الجنينية لفصل الدين عن الدولة، التي ستصبح الفكرة المسيطرة بعد ذلك في فلسفة التنوير.
وهذا العنصر الأخير يعد من أهم العناصر الجديدة التي جاء بها الإصلاح البروتستانتي، لأن تأثيره على الفكر الأوروبي الحديث اللاحق لنشأة البروتستانتية سيكون كبيرا وحاسما، وسيلعب الدور الأساسي الأكبر في نشأة الفكر السياسي الحديث بأوروبا، الذي سيمهد للفصل العضوي بين الدولة والكنيسة، وبين المسيحية والسياسة. فبتقويضه لسلطة الكنيسة، قوض لوثر نفوذها السياسي على العامة، وقدم هدية ثمينة لا تقدر للأباطرة والملوك في أوروبا. وكانت أهم مسألة أثارها ودافع عنها هي وضع كل أملاك الكنيسة الكاثوليكية بيد الدولة، لتجريدها من سلطتها المادية التي تمنحها القوة على البطش والتجاوزات، وهو ما وافق رغبة الملكيات الأوروبية التي كانت تبحث عن مصادر للتمويل، فشكلت البروتستانتية بذلك أداة فاعلة في نقل الثروة من الكنيسة إلى الدولة وفي تفكيك الملكية الخاصة للكنيسة[14].
إن هذا هو ما يفسر الموقف السلبي الذي اتخذه لوثر من ثورة الفلاحين والفقراء في عدد من المدن الألمانية عام 1525، الذين ثاروا ضد الكنيسة الكاثوليكية وبدأوا في السطو على أملاكها والدفاع عن الديانة الجديدة. فبدلا من أن يساند لوثر المحتجين الذين انتشروا في الشوارع ويقيمون المنصات للخطابة ودعوة الناس إلى التمرد، وقف إلى جانب الإمبراطور وأيد القمع الدموي الذي ووجه به المتمردون، حيث قتل عشرات الآلاف منهم في مجازر جماعية.
ويعكس هذا الموقف من لوثر تجاه تلك الانتفاضة، التي لا تزال حتى اليوم تسمى «انتفاضة اللوثريين» نسبة إلى الأفكار التي دعا إليها هو، موقفه الجديد إزاء الدولة بوصفها سلطة مدنية بديلة عن السلطة الدينية للكنيسة. فهو لم يكن يرفض القمع، بل كان يرفض القمع الصادر عن الكنيسة، لذلك جاء موقفه داعما لسلطة الدولة في فرض النظام والقضاء على المتمردين على سلطتها. وهنا لعبت الديانة الجديدة، أي البروتستانتية «دورا في حماية النظام وطرد غير المرغوب فيهم» من طرف الدولة[15].
لقد كان لوثر يرى أن الإنجيل نفسه يفصل بين السلطتين الدينية والزمنية، وهي القراءة نفسها التي بنى عليها الفلاسفة الأوروبيون في عصر الأنوار مواقفهم السياسية، أمثال توماس هوبز الذي جاء بعد قرن من لوثر في إنجلترا وألف كتابه الشهير «الليفيثان»، فقد أخذ عن لوثر قوله بأن الأصل في الإنسان التوحش، فطور الفكرة في مشروع فلسفي أصبح مرجعا لمفكري عصر الأنوار الأوروبي أمثال روسو، كما أخذ عنه أهم شيء وهو تقسيم السلطة إلى دينية ومدنية، وانتهى إلى نفس الخلاصة التي وقف عندها لوثر، وهي أن التمرد ضد الملك هو تمرد على الرب[16]. فمثله مثل لوثر، لم يفعل سوى نقل السلطة القهرية من يد الكنيسة إلى يد الملك.
ففي كتاباته لعام 1520 التي جاءت تحت عنوان «الأعمال الجيدة»، ويقصد بها الأعمال الجيدة التي يجب على المسيحي الفاضل أن يتحلى به، وفي باب تحت عنوان «الخضوع للسلطة الزمنية»، يكتب قائلا:»العمل الثالث من هذه الوصية هو الخضوع للسلطة الزمنية، كما يعلمنا بولس في رسالته إلى أهل رومية»[17]، ويستدل بما ورد في الإصحاح الثالث عشر من الرسالة المذكورة التي تقول:»لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة، فإن الحكام ليسوا خوفا للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه». وفي باب آخر تحت عنوان «الخضوع لمن هم فوقك» يقول: العمل الرابع من هذه الوصية من الله هي الطاعة الواجبة على الأجراء والصناع لرؤسائهم وأسيادهم ومعلميهم»[18]. وفي نفس الباب يطلب من الزوجة طاعة زوجها «كما تخضع لسيدها، وعليها أن تنصاع وتصمت وتمنحه الحق كما يجب وأن لا تكون عكس إرادة الله»[19].
وبالنسبة للحرية الدينية أو حرية العقيدة، فإن لوثر لم يكن مؤيدا لها بالمعنى الذي نعرفه اليوم، ولا بالمعنى الذي جاء به الإسلام وعرفه المسلمون، ولا أيضا بالمفهوم الحديث الحالي الذي صار متعارفا عليه، أي حرية أن يعتنق الشخص الدين الذي يشاء، وأن يكون مختلفا دينيا. فقد رأينا كيف أنه كان شديد العداء لليهود لأنهم أعداء المسيح، وسوف نرى لاحقا كيف أنه كان شديد العداء للمسلمين لأنهم أتباع دين شيطاني. إن مفهوم الحرية عنده دقيق بحيث يجب فهمه داخل الإنجيل لا خارجه، وهو لم يتبن الفكرة إلا لكونها تسمح له بأن يكون ضد السلطة الروحية للكنيسة الكاثوليكية؛ فهي حرية دينية إزاء هذه الأخيرة، لا مطلقة في ذاتها كمبدأ عام.
ففي رسالته تحت عنوان «رأي في نذور الأديرة» كتبها عام 1521، يقول: «سنعالج هذه المسألة لنرى طبيعة الحرية المسيحية. إن الحرية المسيحية أو الإنجيلية هي حرية الضمير التي من خلالها يضع الوعي مسافة بينه وبين الأعمال، ليس بمعنى أن يتم التخلي عن القيام بها، بل بمعنى أن لا يتم الاعتماد عليها». وهذا يعني أن المؤمن المسيحي لا ينبغي أن يعول على عمله لنيل الخلاص، بل على رحمة المسيح فقط «فقد حرره المسيح من الأعمال عندما علمه في الإنجيل أن لا يثق في أي عمل، بل فقط في رحمته»[20]. وقد كان هذا المبدأ واحدا من أهم المبادئ التي قوضت سلطة الكنيسة، لأنه جردها من ادعاء الوساطة بين المؤمن المسيحي وبين الرب، والتدخل لفائدته لدى هذا الأخير عبر بيعه صكوك الغفران.
المبحث الثالث: لوثر والتشدد الديني ضد المسلمين
هذه هي الحرية المسيحية عند لوثر، وهي لا تعني حرية الناس في الإيمان بعقائدهم، فقد كان معروفا بالتشدد الديني، إلى درجة أنه كان يدعو إلى إحراق كتب الكاثوليك ولا يسمح لهم بأن يعبروا عن أفكارهم، بحيث كان هو أول من سن سياسة إحراق الكتب المخالفة داخل الديانة المسيحية[21]. ولنعرف جيدا كيف كان يفكر في الحرية الدينية لنقرأ هذه الفقرة من رسالته الشهيرة التي كتبها عام 1928 تحت عنوان «عن الحرب ضد الأتراك» ـ وكلمة تركي في العصور الوسطى بأوروبا كانت تعني المسلم وليس العثماني ـ حيث نراه يعتبر أن الحرية هي السماح بالهجوم على نبي الإسلام: «لقد كان يتوجب علي أن أنخرط في هذه الصلاة ضد المسلمين بسبب الحاجة الملحة في هذا الوقت، لأن المسلم، كما قيل، هو خادم الشيطان، وهو لا يكتفي فقط بإلحاق الخراب بالأراضي والسكان بسيفه، كما سمعنا لاحقا، بل كذلك لأنه يلحق الخراب بالإيمان المسيحي وبربنا السيد المسيح. إن هناك من يشيد بحكومة الأتراك لأنها تسمح لأي شخص بأن يعتقد ما يريد طالما هم يتولون السلطة الزمنية، ولكن هذه الإشادة ليست صحيحة، لأنهم لا يسمحون للمسيحيين بأن يجتمعوا في مكان عمومي، ولا أحد منهم يمكنه أن يعبد المسيح أو يصلي أو يهاجم محمدا. فما هذه الحرية الدينية عندما لا يستطيع أحد أن يصلي أو يعبد المسيح؟»[22]. وقد يتساءل القارئ: ما هذه العلاقة بين عبادة المسيح والهجوم على نبي الإسلام؟ والجواب بسيط للغاية، لأن العبادة الحقيقية للمسيح لدى المسيحيين المتعصبين ترتبط لزوما بالهجوم على الشياطين وأعداء المسيح، وكان اليهود والمسلمون هم من يمثل هؤلاء عند المسيحيين. كما لا ينبغي أن يخفى على القارئ اللبيب أن الكنيسة الكاثوليكية في الحروب الصليبية لم تنجح في تعبئة المحاربين النصارى إلا لأنها أنجزت هذا الربط بين عبادة المسيح ومحاربة الشياطين، أي المسلمين.
أما موقفه من الإسلام فقد كان أشد تطرفا، لا يوازيه سوى تطرفه في موقفه من اليهود، بل يفوقه بكثير. فالمسلمون في عصره كانت لديهم دولة قوية، هي الدولة العثمانية، بينما لم يكن لليهود دولة تمثلهم، وهذا كان أحد أسباب تخفيف لهجته ضد اليهود مقارنة بالمسلمين.
كتب لوثر رسالته المشار إليها أعلاه إلى نيكولاس هوسمان، قس مدينة تسفيكاو الألمانية، في الفترة التي كان العثمانيون على أبواب أوروبا، بعد عام على بدء حصار مدينة فيينا عام 1927. وقد بدأها بالقول بأن الكثيرين كانوا يطلبون منه منذ خمس سنوات (أي منذ 1925) أن يكتب عن المسلمين، وإنه لم يقم بهذه المهمة إلا اليوم عندما بدأ الأتراك يقتربون من أبواب أوروبا. ويقول إن هناك انقساما في ألمانيا حيال العثمانيين بين أربع فئات، الأولى ترى أنه لا يجب قتالهم، والفئة الثانية التي ينعت أصحابها بالمجانين، ترى أن الشعب الألماني شعب متخلف ومن الأفضل أن يأتي العثمانيون ليحكموه، والفئة الثالثة، التي يصف أصحابها بالحمقى، هي فئة الذين يرون أن المؤمن المسيحي يجب أن لا يرفع سيفا لقتال، أما الفئة الرابعة، التي ينتمي إليها هو، فترى أنه يجب قتال العثمانيين لأن ذلك واجب مسيحي[23].
وقد اعتبر العثمانيين عقوبة أرسلها الرب إلى المسيحيين بسبب خطاياهم، أو عصا، بالتعبير الذي استخدمه[24]. ومن ثم قال إن المسيحيين والأمراء الأوروبيين الذين يريدون قتال العثمانيين يجب أن يصبحوا مسيحيين حقيقيين أولا، أي أن يعودوا إلى الدين. ورأى أن رجال الدين الفاسدين هم سبب الهزائم أمام العثمانيين، فقد تساءل: «كم من حرب خضناها، معاليكم، ضد الأتراك لم نكن لنتكبد فيها خسائر جسيمة لو لم يشارك فيها القساوسة ورجال الدين؟»[25]. وأشار إلى معركة فارنا Varna التي حصلت بين العثمانيين في عهد مراد الثاني وعدة بلدان أوروبية في تلك المنطقة البلغارية التي حملت المعركة اسمها، عام 1444، انتصرت فيها الدولة العثمانية. ثم يقول بأن ملك بلغاريا هزم لأنه أخذ معه رجال الدين إلى المعركة، وأن الهنغاريين قتلوا الكاردينال جوليان سيساريني Julian Cesarini بعد الهزيمة لأنهم تشاءموا منه.
ووصف العثمانيين بأنهم أعداء المسيح، ويجب قتالهم «تحت إسم المسيح»، ووصفهم بـ»الشيطان الذي يجب قتاله «بكلمة الرب والصلاة»[26]، وقال إن «الرب يعاقب بهم العالم»[27]، وأنهم «عصا الرب وخدام الشيطان، ليس هناك أدنى شك في ذلك»[28]. ودعا كل شخص أينما كان في الأرض إلى أن يقاتل العثمانيين، وقال إن من يقاتلهم «لديه تفويض من الله ويعمل الحق»[29].
لقد قرأ لوثر القرآن في ترجمته اللاتينية التي ظهرت في عهده، وقام هو بنفسه بكتابة تقديم للترجمة بصحبة راهب آخر، ولذلك فقد كانت لديه رؤية عامة عنه. وفي رسالته تلك نجده يعتبر بأن القرآن هو «العقيدة الأساسية لإيمان الأتراك، وفيه تجتمع كل الأحقاد والأخطاء والشياطين مرة واحدة»[30]. ويقر بأن القرآن «يشيد بالمسيح ومريح كثيرا جدا ويعتبر أنهما وحدهما كانا بلا خطيئة، ولكنه لا يؤمن بأي شيء آخر يتعلق بالمسيح ما عدا أنه نبي مقدس مثل إرميا أو يونس، ويرفض أن يكون إبن الإله أو إلها حقيقيا. أكثر من ذلك لا يؤمن بأن المسيح هو مخلص العالم، وأنه مات من أجل خطايانا»[31].
ويصف القرآن بأنه «قرآن محمد»، ويقول إنه مليء بالأكاذيب وقاتل و«يهدم نظام الإيمان والحقيقة ويخرب كل نظام زمني أرساه الرب»[32]. ويشير إلى أن المسلمين في المعارك يكررون كلمة «الله، الله»، ثم يشرح ذلك قائلا: «كلمة الله في اللغة العربية تعني الإله، وهي تحريف لكلمة إيلوها العبرية، لأنهم ـ أي المسلمون ـ يؤمنون في القرآن بأن عليهم أن يمجدوا هذه الكلمة باستمرار «لا إله إلا الله»، وكل هذا اختراع شيطاني، إذ لماذا يجب أن يقال «لا إله إلا الله» دون تمييز بين إله وآخر؟ إن الشيطان هو أيضا إله وهم يمجدونه بتلك العبارات، فهذا لا شك فيه»[33]. ثم يقول: «إنني أعتقد بأن رب الأتراك (يستخدم كلمة الله Turks’ Allah) لديه دخل في الحرب أكثر من الأتراك أنفسهم، إنه يمنحهم الشجاعة والخداع، ويقود السيف والقبضة، الحصان والراكب»[34]. ويدعو إلى قتل رب المسلمين لأنه الشيطان نفسه: «كل هذا كنت أريد أن أقوله للإنسان الأول، أي جماعة المسيحيين، بأن عليه أن يعرف ويدرك الحاجة الكبيرة إلى الصلاة، وحاجتنا إلى القضاء على رب الأتراك، إلههم، الشيطان، وقلب حكمه وربوبيته»[35].
وقد كان شائعا في تلك المرحلة في أوروبا المسيحية بعد الانقسام بين الكاثوليك والبروتستانت أن يشبه بعضهم البعض بالمسلمين كنوع من الحط من كرامتهم، ولذلك كثيرا ما نجد لوثر في رسالته يلصق أوصاف المسلمين، كما يراها، بأوصاف البابوات. فعندما يريد أن يطعن في القرآن يشبهه برسائل البابوات، حيث يقول: «إنني أتوفر على قطع من قرآن محمد، الذي يمكننا أن نسميه بالألمانية كتاب المواعظ، أو العقائد الشبيهة برسائل البابا»[36]. كذلك الأمر عندما يستبشع تكرار المسلمين لعبارات «الله الله»، إذ يتحول إلى الكاثوليك فيقول: «وبنفس الطريقة يصرخ جنود البابا «إكليسيا إكليسيا»، ولكي أكون صريحا: الكنيسة اللعينة»[37].
ويصنع مقارنة بين المسلمين والبابوات الكاثوليك فيقول: «ولكنك تقول لي مرة أخرى: إذا كان البابا سيئا مثله مثل التركي، وأنت نفسك تسميه عدو المسيح مع كهنوته وأتباعه، فإذن التركي مثله مثل البابا في الناحية الدينية، لأنه يعرف الأناجيل وموسى وكتاب الأنبياء، ولكننا لا نقاتل البابا كما نقاتل التركي، أو على الأقل نقاتله أقل مما نقاتل التركي. والجواب: أنا، مارتن لوثر، لا يمكنني أن أنفي أن التركي يرى أن الأناجيل من الرب وأنها صحيحة، كما هو الشأن مع كتاب الأنبياء، وأنه كذلك يتحدث بطريقة سامية عن المسيح وأمه مريم، ولكنه في نفس الوقت يؤمن بأن محمدا فوق المسيح وأن المسيح ليس هو الرب، كما قلت سابقا»[38].
وإذا كان لوثر يرى أن البابا وأتباع الكنيسة الكاثوليكية يشبهون المسلمين في «الانحراف» عن العقيدة الصحيحة، فإنه يرتب نفس الجزاء على الطرفين من لدن السلطة الزمنية، إذ يرى بأنه «إذا هجم البابا أو أتباعه على الإمبراطورية بالسيف، كما يفعل الأتراك، فإنه يستحق نفس المعاملة التي يستحقها الأتراك، وهذا ما حصل له على يد جيش الإمبراطور شارل قبل بافيا Pavia»[39]، ومعركة بافيا هي كانت معركة حاسمة في الحرب الإيطالية السادسة التي أنهت حكم ملوك فرنسا في شمال إيطاليا على يد شارل الخامس، أو كارلوس كما يسميه الإسبان[40].
وقد دفعت الحرب مع الأتراك لوثر إلى التنبؤ بنهاية الإمبراطورية الرومانية، بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الثاني عام 1453، لكنه زعم بأن زوالها سيكون بداية لعودة المسيح، وكتب يقول: «إنني أعتقد، في هذا الوقت الذي سقطت فيه الإمبراطورية الرومانية نهائيا تقريبا، ويوجد فيه المسيح على الأبواب، أن الأتراك هم علامة على هذا الزوال النهائي، والضربة الأخيرة للإمبراطورية الرومانية. لكن كما كان هناك عداء بين هيرودوس Herod (ملك مملكة يهوذا في القرن الرابع قبل الميلاد) وبين اليهود، حيث كانوا يكرهون بعضهم بعضا، رغم أنهما كانا متفقين في عدائهما للمسيح، فإن الأتراك والبابوية يكرهان بعضهما بعضا، رغم اتفاقهما على العداء للمسيح ومملكته»[41].
وليس هناك أدنى شك في أن لوثر كان صليبيا خالصا، وما ينبغي لخصومته مع البابوية أن تحجب عنا حقيقته كشخص دموي ومتسلط وعدواني. فهو مع قتال المسلمين لأنهم أتباع الشياطين، وهو يعتبر القرآن إلهاما من الشيطان، كما رأينا آنفا، ويعتبر أن مملكة المسيح هي التي يجب أن تسود في الأرض. والخلاف بينه وبين الكنيسة الكاثوليكية كان واحدا من الخلافات الكثيرة التي حصلت في تاريخ المسيحية منذ بولس، وهي خلافات لم يسلط عليها الضوء كثيرا كما لم يكن لها أي تأثير على التاريخ المسيحي، لأنها حصلت في أزمنة قديمة مغايرة للزمن الذي عاشه لوثر، الذي استفاد من الظروف التاريخية والمناخ السياسي لإنجاح تجربته في الإصلاح الكنسي، مثل ظهور النزعة القومية في أوروبا، وظهور المطبعة، وبروز نزعة الاستقلال لدى الملوك المسيحيين عن سيطرة البابا. ولا يخفى علينا أن عددا من هؤلاء الملوك تبنوا آراء لوثر وجعلوها عقيدة لهم ليس حبا فيها، ولكن لأنها كانت تسمح لهم بأن يرفضوا وصاية البابا؛ فلم يكن هناك ملك أحمق يمكنه أن يرفض دعوة تقول بأن السلطة الزمنية يجب أن تسود على حساب السلطة الدينية، وأن أملاك الكنيسة يجب أن تتحول إلى هذه السلطة الزمنية، وأن الرعية يجب أن تخضع للسلطة الزمنية للملوك وليس للسلطة الروحية للكنيسة.
لذلك لم يكن غريبا أن يعتبر لوثر بأن هناك شخصين فقط في الأرض يجب أن يخضع لهما المرء، هما الفرد المسيحي والإمبراطور شارل الخامس، فقد كتب قائلا: «من جهة ثانية يجب أن يكون الإنسان، حيثما كان، وهو يتوجه إلى محاربة الأتراك، على يقين بأن لديه تفويضا من الرب وبأنه يفعل الصواب، ولا يجب عليه أن يقع في خطيئة الانتقام أو أن يكون لديه أمة هوجاء أخرى أو حافز آخر. يجب أن يكون على يقين من هذا، لأنه سواء انتصر أو هزم، فسيكون في وضعية الخلاص وتحت هيمنة الرب. هناك شخصان فقط بين هؤلاء الناس، ويجب أن يكون إثنان فقط: الأول إسمه المسيحي، والثاني هو الإمبراطور شارل»[42]. فقد كان لوثر يرى أن شارل الخامس هو سلطان الأرض الذي حل محل سلطة الكنيسة، منذ أن جرى تعيينه إمبراطورا أعظم لروما عام 1519، لا توهب الطاعة لغيره في الأرض ولغير المسيح في السماء، وبذلك فرق بين مملكة الأرض ومملكة السماء، وهو التمييز الذي سيرثه مفكرو عصر الأنوار في أوروبا.
وكان من الطبيعي، وفقا للمواقف التي سار عليها لوثر، أن يدعم كارلوس الخامس في سياسته الاستبدادية، خاصة في إسبانيا، حيث تابع سياسة سلفه فرناندو الخامس، الذي كان يسمى «الكاثوليكي» بسبب تشدده الديني، في إبادة المسلمين وتنصيرهم بالعنف والقوة وإقامة محاكم التفتيش. فعند توليه الحكم استبشر المسلمون خيرا لأنهم تخلصوا من فرناندو، وأملوا في الحاكم الجديد، فرفعوا دعوى أمام المحكمة المسيحية لإلغاء قرار تنصيرهم بالقوة، لكن المحكمة أبقت الحكم لأنه لا يجوز التخلي عن النصرانية بعد أن اختاروها بإرادتهم، حسب رأي المحكمة. وبدل أن ترتفع معاناة المسلمين زادت في عهده، فقد قمع هذا الإمبراطور المسلمين الذي ثاروا ضد الاستبداد في سرقسطة وبلنسية وأراغون وغيرها من المدن الأندلسية، وأصدر عام 1526 قرارا بتنصير جميع مسلمي أراغون قسرا، وقرارا آخر يمنع المسلمين في جميع أنحاء الأندلس من بيع الحرير والذهب والفضة والحلي والجواهر، وفرض على من يريد أن يبقى مسلما أن يسجد في الطريق لدى مرور الأحبار، أي رجال الدين المسيحي[43].
وعلينا أن نعرف أن هذا كان يحصل في الوقت الذي كان لوثر يكتب ويخطب عن «الحرية المسيحية» أو الإنجيلية، ويشيد بكارلوس الخامس، ويتقزز من اليهود.
المبحث الرابع: بين الإسلام والبروتستانتية
إن المشكلة الرئيسية التي تشكل مصدر خلط لدى العديد من الباحثين والمثقفين العرب، خاصة أولئك الذين ينافحون على مضمون التنوير من زاوية معينة ضيقة تنتهي بهم إلى تبني أطروحات الأوروبيين دون غربلة أو تمحيص، أن الكثيرين منهم يكتفون في إنشاء القناعات انطلاقا من قراءاتهم لما يكتبه الآخرون عن تجاربهم التاريخية والدينية والسياسية، بدل أن يعودوا، هم، إلى المصادر الأصلية. فنحن نعرف أن كثيرين من الباحثين الأوروبيين يكتبون عن تاريخهم بكثير من التمجيد والإشادة، ويقدمون للقارئ رؤيتهم الخاصة للقضايا التي أثيرت في التاريخ، ما يجعل القارئ يتبنى تلك الأطروحات وكأنها الأطروحات الأصلية، بينما هي أطروحات مرت عبر عدسة الكاتب. وما كتب عن لوثر والبروتستانتية مثال واضح على هذا، فما من شخص إلا ويعرف شيئا واحدا عن هذه الديانة، وهو أنها كانت تجربة في الإصلاح الديني. وحين يسمع عبارة الإصلاح الديني يتبادر إلى عقله أنها كانت ثورة خارج الكنيسة المسيحية، بينما لم تكن سوى مجرد زقاق فتح على هامش الشارع الكبير، الممثل في الديانة المسيحية الكبرى.
وأي شخص أمكنه الاطلاع على التاريخ المسيحي سوف يقف على تجارب كثيرة في عملية الإصلاح التي تمت داخل المسيحية وجرى قمعها بالعنف والدم، قبل البروتستانتية بقرون عدة، بل إن هذه الأخيرة ما كان لها أن تتبلور في تصور واضح ضد الكنيسة لو لم يكن وراءها رصيد من التجارب السابقة، وسلسلة من نماذج التمرد على الكنيسة والبابوية.
غير أن المثير في الأمر أن العقيدة البروتستانتية التي جاء بها لوثر كانت أقل جرأة بكثير من تجارب عدة سبقته، لم تقف فقط ضد السلطة الكنسية، بل وقفت ضد العقيدة الكاثوليكية الصميمة، وتجاوزت ذلك إلى التمرد حتى على الأناجيل الأربعة المعروفة، التي تعتمدها الكنيسة الكاثوليكية. ومن ضمن تلك الأفكار الجديدة التي دافعت عنها حركات الإصلاح القديمة قبل لوثر أن المسيح ليس هو الرب وليس إبن الإله، وأنه مجرد بشر كسائر البشر، وأن فكرة الثالوث ليست صحيحة، والتمرد على فكرة الثالوث كان مغامرة كبرى في المسيحية لم يكن لوثر يستطيع المساس بها، لأنه كان مسيحيا متدينا يرى أن كل ما جاء في الأناجيل صحيح، وكان يمزج إيمانه المسيحي بالخرافة، وكل ما كان يريده هو إسقاط هيمنة الكنيسة كمؤسسة، لا كعقيدة دينية، وقد رأينا أن البروتستانتية ثارت ضد الكنيسة لكنها أقامت كنائس جديدة لها على قواعد مختلفة.
لقد رفض لوثر الجانب المرتبط بتفسير الكنيسة للعقيدة، ولم يرفض العقيدة في ذاتها كما توارثتها المسيحية الكاثوليكية من خلال النصوص المعتمدة. فالمعروف أن العقيدة الكاثوليكية تم تكريسها في مجمع نيقية الشهير عام 325 للميلاد، حيث تم تقنين العقيدة كما هي معروفة اليوم، والتي تقول بالتثليت والخلاص والبنوة. وكانت تلك العقيدة واحدة من حوالي مائة عقيدة مسيحية شارك أصحابها في المجمع، لكن انتصرت تلك العقيدة وتم القضاء على العقائد الأخرى بالقمع والعنف[44]. وطيلة التاريخ المسيحي، منذ ذلك المجمع إلى حين ظهور البروتستانتية، ظهرت في مختلف بلدان أوروبا حركات إصلاحية دينية في مواجهة الكنيسة، مثل الإيروسية والألبيجية والكاتارية وغيرها، لكن كان يتم قمعها بدعوى أنها حركات هرطقة منحرفة عن الديانة الرسمية القويمة[45].
وبعض القضايا والعقائد التي طرحها لوثر في كتاباته وفي أطروحاته الخمسة والتسعين الشهيرة، التي علقها على باب الكاتدرائية الرئيسية في فيتنبرغ، والتي تشكل اعتراضاته على الكنيسة الكاثوليكية، هي قضايا جاء بها الإسلام منذ قرون عدة، ومن جملتها أن المؤمن حر في التعامل مع الكتاب المقدس دون انتظار تفسيرات رجال الدين المسيحيين، وأن البابا ليس له الحق في بيع صكوك المغفرة، لأنه لا توجد وساطة بين المؤمن المسيحي والرب، وأن الكنيسة لا ينبغي لها أن تكون لها أملاك مادية، وغيرها. ورغم أن لوثر قرأ القرآن مترجما إلى اللاتينية بل وكتب مقدمة الترجمة بشكل مشترك مع راهب آخر، إلا أنني لا أزعم ـ كما لا أنفي ـ أنه تأثر ببعض التعاليم الإسلامية، فقد يكون هذا صحيحا وقد لا يكون، لكن ذلك لا يمس بجوهر الموضوع، وجوهره أن الفطرة الإنسانية تهتدي بنفسها إلى الأعمال الخيرة وتستطيع التمييز بينها وبين نقائضها، وأن القضايا الكبرى في حياة البشرية هي قضايا مشتركة كالحرية والعدل والخير والسعادة، يشترك الجميع في تمجيدها، كما يشتركون في رفضها، وما حصل مع لوثر وزملائه أنهم عرفوا تلك القيم من خلال نقضيها الذي تمارسه الكنيسة، فاشتركوا في تمجيدها واشتركوا في الكفاح من أجلها.
والواقع أن مقولة الإصلاح الديني في ما يتعلق بالمسيحية يجب أن تحظى منا بكثير من العناية والانفتاح العقلي. إننا نحن المسلمين نؤمن بأن الديانات الثلاث كلها، اليهودية والمسيحية والإسلام، خرجت من مشكاة واحدة، وكان مصدرها الوحي الإلهي، ولكن حصلت التحريفات في اليهودية والمسيحية فبعث الله الإسلام خاتما للرسالات. وبهذا المعنى فإن الإسلام كان تصحيحا للفساد الذي شاب المسيحية وقبلها اليهودية، فجاء بالإصلاح لكي يستقيم ما اعوج في تدين الناس.
لقد كانت مختلف الحركات الإصلاحية التي ظهرت من داخل المسيحية، سواء من أجل إصلاح عقيدة الكنيسة، أو من أجل تطهير العقيدة المسيحية نفسها من بعض العقائد مثل التثليت أو القول بالخلاص، تسعى إلى محاربة ما تراه فسادا في ممارسة الكنيسة أو في العقيدة ذاتها. ولم تكن تلك الحركات جديدة، فقد نشأت كما رأينا منذ الأزل، ولم يكن مجمع نيقية في القرن الرابع للميلاد بداية ظهورها بل كان فقط محاولة لحسم الخلافات بينها، ومعنى ذلك أن فكرة أن المسيحية قد دخلها الانحراف هي فكرة قديمة وجدت عند المسيحيين.
هذه الفكرة، التي كان الكثير من المؤمنين المسيحيين مقتنعين بها منذ قرون طويلة، هي ذات الفكرة التي تبناها القرآن. فقد دخل القرآن في حوار مع النصارى حول العديد من العقائد التي تم تكريسها بعد وفاة المسيح عيسى عليه السلام، وكان بين تلك العقائد عقائد رفضها المسيحيون أنفسهم، مثل التثليت كما سبق القول وفكرة بنوة المسيح للرب وفكرة الخلاص والقول بأن عيسى هو الله، ولكن الزاوية التي نظر منها هؤلاء إلى حل المعضلات في النصرانية لم تكن هي الزاوية نفسها التي قدمها القرآن. اتفق القرآن مع هؤلاء في وجود مشكلة في المسيحية، لكنهم اختلفوا معه في طرق العلاج.
وكما قلنا سابقا، لم يكن الخلاف داخل المسيحية جديدا، بل يعود إلى قرون غابرة. ولكن الخلافات القديمة كانت أكثر جوهرية من الخلافات التي حصلت في القرن الخامس عشر وأفرزت البروتستانتية كجناح ثان مقابل الكاثوليكية. فقد مست تلك الخلافات جوهر المسيح ذاته، وهل هو بشر أم إله أم إبن إله أم نصف إله، وهل مريم أم الرب أم زوجته، وإذا كانت أم الرب فهي أيضا إله، وكيف يمكن التوفيق بين كون الإبن إلها وكون الأم مجرد بشر، وهكذا. ولسنا هنا في معرض تقديم تاريخ للعقيدة المسيحية، فقد قمنا بذلك في كتاب آخر يمكن للقارئ أن يرجع إليه، ولكننا نكتفي هنا فقط بالإشارة إلى ما كان موضوعَ الإصلاح في المسيحية المبكرة، وإلى القضايا التي عالجها القرآن وكانت موضوع جدال وقتال بين المسيحيين أنفسهم.
خلال القرن الرابع الميلادي كانت هناك مدرستان لاهوتيتان تتنازعان حول العقيدة المسيحية، مدرسة أنطاكية في تركيا الحالية، ومدرسة الإسكندرية في مصر. وقد هيمنة خلال تلك الفترة أفكار رجل دين في الإسكندرية يدعى آريوس (Arius)، عرفت تحت إسم الآريوسية (Arianism). وكانت فكرة آريوس ـ على وجه الاختصار ـ أن المسيح ليس هو الله، بل هو مخلوق له بداية ونهاية، مقابل الله الذي هو الخالق ويتسم بالأزلية والسرمدية، ولكن المسيح يستمد ألوهيته من الله المفارق له في الصفات، أي أن صفاته اللاهوتية مستمدة من الله وليست مشاركة له. والنتيجة أن المسيح والله ليسا واحدا وليسا من نفس الجوهر أو الطبيعة. كما قال آريوس إن الله خلق المسيح فقط، الذي أطلق عليه العقل الأول (Logos)، وإن هذا اللوغوس هو الذي خلق الأشياء الأخرى في الكون، لذلك فهو ليس إلها حقيقيا، بل إله فقط بمعنى ثان مغاير[46]. ولكن مجمع نيقية انتصر للأقلية التي تقول بأن المسيح هو الله، وتم القضاء على آريوس وطرده من الكنيسة بتهمة الهرطقة[47].
وقد بسط القرآن هذا الموقف، ردا على أولئك الذين يقولون بألوهية المسيح، فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ (النساء 171). وقال تعالى أيضا:»لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم» (المائدة 72)، إلى غير ذينك من الآيات.
كما أثيرت لدى المسيحيين في مرحلة ما قبل الإسلام قضية ولادة المسيح، وهل هو منبثق عن الله، في علاقة مع فكرة الثالوث المسيحية التي تعتبر أكثر العقائد غموضا وارتباكا على الإطلاق في المسيحية، أو «اللغز الأكبر»[48]. فقد تحير المسيحيون حول العلاقة بين الآب والإبن والروح القدس، وأيهما خرج من الآخر، ففي حين كان مجمع نيقية في القرن الرابع قد قرر بأن الروح القدس «ينبثق من الآب»، ما يعني أن الروح القدس ينبثق من الآب ولكن «من خلال» الإبن، وليس بشكل مباشر، أي أن الإبن وسيط بين الروح القدس والآب، قرر مجمع طليطلة أن الروح القدس «ينبثق من الآب والإبن» معا. وقد عرف هذا الصراع بـ «معركة فيليوكي»، وهي اختصار للعبارة اللاتينية[49] (ex Patre Filioque procedit).
وردا على ذلك نص القرآن على أن المسيح مجرد بشر مخلوق، فقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران 59). ورد على فكرة التثليت، الركن الأساسي في العقيدة المسيحية كما وضعها بولس، فقال تعالى:﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (المائدة 73)، وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء 171).
كما عولجت أيضا قضية ألوهية مريم، فقد قال بطريق القسطنطينية نسطور، خلال القرن الرابع الميلادي، بأنها إله لا بشر، لأنها كانت «حاملة الله» (Théotokos).[50] وقد رد القرآن على ذلك أيضا فقال: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (النساء 156)، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة 116).
والقضية الأخرى التي أثيرت بين المسيحيين، لكن مؤرخي المسيحية لا يتطرقون إليها، ولم تثر علنا إلا في العصور الحديثة مع البروتستانتية، وهي المتعلقة ببيع صكوك الغفران وعبادة البابا ورجال الدين، أثارها القرآن. فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (التوبة 34)، وقال: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ (المائدة 63)، وقال أيضا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة 31).
وبهذا نلاحظ بأن الإصلاح الديني الذي جاء به لوثر لم يكن سوى تعديلا داخل المسيحية القديمة الموروثة عن مجمع نيقية، فهو لم يمس بثوابت الديانة التي تجرأ من سبقوه على المساس بها، ودافعوا عن أفكارهم ومواقفهم من داخل المجمعات الكنسية، لكن الكنيسة تكفلت بالقضاء عليه، وتكفل التاريخ بوضعهم في خانة النسيان.
ومهما يكن الأمر فإن البروتستانتية كانت تيارا زحزح الكنيسة الكاثوليكية وضربها في مقتل، لأنه جردها من السلطة الدنيوية التي كانت تملكها على الناس، وجرد بابا روما من الكثير من السلطات الروحية والدنيوية التي كان يتوفر عليها. ولكن لا يجب أن ننسى بأن البروتستانتية هي أيضا مارست العنف ضد الكاثوليك لفرض نفسها على المسيحيين، وتحالفت مع الملوك ضد البابوات ورجال الدين. ولو لم يحصل الفصل بين المسيحية والدولة في أوروبا الحديثة لكان للبروتستانتية شأن آخر، فقد قضت الدولة العلمانية الحديثة على سلطة الدين ووضعت كلا من الكاثوليكية والبروتستانتية في معسكر الضمير المسيحي الفردي الذي لا دخل له في الشؤون العامة للناس.
والسؤال الآن هو: ما هي العلاقة بين الإصلاح البروتستانتي ومسألة الإصلاح والتجديد في الإسلام؟
لقد رأينا أعلاه كيف أن القرآن رد على العقيدة المسيحية في توابثها الرئيسية، ومعنى ذلك أنه يضع نفسه في مقابلها جملة وتفصيلا من حيث العقيدة والأساس الاجتماعي للدين، أي جعل الدين سلطة يوظفها طرف في مواجهة الطرف الآخر، سواء كانت سلطة دينية تتذرع بالسياسة، أو كانت سلطة سياسية تتذرع بالدين. ولم يضع الإسلام كهنوتا أو طبقة دينية لديها الحق الحصري في تفسير الدين أو فرضه على الناس. وفي الوقت الذي كانت الكنيسة المسيحية تعيش صراعا عنيفا مع المخالفين لفرض هيمنتها ورأيها الوحيد كان المسلمون يختلفون في ما بينهم بكل حرية في أمور الاجتهاد في النصوص الدينية وفي علم الكلام، وهو أخطر العلوم التي خاض فيها العلماء طوال قرون، لأنه يرتبط بقضايا تمس الذات الإلهية نفسها وصفاتها. وفي حين كان المسيحيون لا يستطيعون الخوض في شخصية المسيح كان المسلمون يتبارون في تحديد صفات الله، وتنقل لنا كتب التراث اليوم خلافاتهم وصراعاتهم التي كانت تتم في مناخ من الحرية بوجه عام. ولو لم تكن تلك الحرية موجودة لكان مصير كل كتب علم الكلام المخالفة الحرق والتدمير، ولكن هذه الكتب موجودة اليوم بين أيدي الناس على حين أن الكنيسة الكاثوليكية دفنت كل الكتب المخالفة تحت التراب، بما في ذلك الأناجيل التي رفضتها لأنها هرطقة لا تليق بالديانة.
ولكن الذين يطرحون الإصلاح البروتستانتي كمرادف للإصلاح في الإسلام، ويريدون أن يكون هذا مثل هذا، هم طائفة من اثنتين، إما طائفة تجهل معنى الإصلاح البروتستانتي، وإما طائفة تجهل معنى الإسلام. وأما الذين لا يجدون مشكلة في الربط بين الإثنين فإن لديهم أزمة تفكير وأزمة منهج.
والواقع أن هذا التوجه لا نجده إلا لدى طائفة من أولئك الذين يعتبرون الفكرالأوروبي مرجعا في كل شيء، ولذلك فإن الدفاع عن الإصلاح البروتستانتي في السياق الإسلامي هو فرع عن تبني أطروحات الفكر الأوروبي جملة وتفصيلا.
خاتمة:
ليس في الإسلام مؤسسة دينية تملي مواقفها على الناس بالإكراه، كما ليس فيه هيئة تفصل في من يكون عالما ومجتهدا ومن لا يكون. ونحن نرى كل يوم أشخاصا يظهرون في كل مكان يتحدثون في أمور الدين الأكثر تعقيدا وقد يفتون في النوازل دون أن يتصدى لهم أحد، لأنهم تعلموا القرآن والعربية وأخذوا من الحديث نصيبا وتوفرت فيهم المؤهلات التي أجمع عليها العلماء في مختلف العصور، ووضعوها لكي يأخذ بها الناس، ولم يقترحوها على الدولة أو على مؤسسة دينية معينة تحميها وتفرضها على الناس وتوزع عليهم شواهد الأهلية.
لائحة المصادر والمراجع
مراجع باللغات العربية:
• ديورانت، ول، قصة الحضارة، ترجمة عبد الحميد يونس، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، د. ت، الجزء الثاني من المجلد السادس.
• ديورانت، ول، قصة الحضارة، ترجمة: فؤاد أندراوس، مراجعة: علم أدهم، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، د. ت، الجزء السادس من المجلد السادس.
• عنان، محمد عبد الله، دولة الإسلام في الأندلس: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1966، العصر الرابع، المجلد الرابع.
• هيكل، محمد حسين، الشرق الجديد، دار المعارف، القاهرة، 1978.
• Blondy, Alain, Nouvelle histoire des idées, Du sacré au politique, Editeur : Perrin, Paris, 2016.
• Chavot, Pierre, L’ABC des religions, Hachette, Paris, 2009.
• Green Grass, Mark, La déconstruction de la cristiandad, Europa 1571 – 1648, Barcelona, Pasado y presente, 2015.
• Hobbes, Thomas, Léviathan, ou Matière, forme et puissance de l’État chrétien et civil, Gallimard, 2000, Traduction: Gérard Mairet.
• Johnson, Paul, La Historia del Cristianismo, Traducción: Aníbal Leal y Fernando Mateo, Sipan Barcelona Network S.L, 1999.
• Lutero, Martín, Obras reunidas: 1 – Escritos de reforma, Edición de Pablo Toribio, Editorial Trotta, Madrid, 2018.
• Luther, Martin, On War Against the Turk, in: Works of Martin Luther With Introductions and Notes: A. J. Holman Company, 1931, Volume V.
• Miquel, Pierre, Les guerres de religion, Fayard, Paris, 1989.
• Mitre, Emilio y Granda, Cristina, Las grandes herejías de la Europa cristiana (380-1520), Istme, Madrid, 1999.
• Murphy, John L., The General Councils of The Church, Hardcover, 1960.
• Rodríguez, Pepe, Mentiras fundamentales de la Iglesia Católica, Negro grafics, Barcelona, 2012.
• Roper, Lyndal, Martìn Lutero, Renegado Y Profeta, Traducción de Sandra Chaparro, Taurus, Barcelona, 2017.
• Walter, Henriette, L’aventure des langues en occident, leur origine, leur histoire, leur géographie, Paris, Robert Laffont, 1994.
[1] باحث في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان – المغرب.
[2] ألفت الباحثة البريطانية ليندال روبر كتابا ضخما عن حياة لوثر وحركته يعد من أهم ما كتب عنه، لأن الباحثة قضت سنوات طويلة للتنقيب في الوثائق الخاصة بلوثر ورسائله الشخصية.
Roper, Lyndal, Martìn Lutero, Renegado Y Profeta, Traducción de Sandra Chaparro, Taurus, Barcelona, 2017, p 92.
[3] Blondy, Alain, Nouvelle histoire des idées, Du sacré au politique, Editeur : Perrin, Paris, 2016, p 85.
[4] Roper, Lyndal, Martìn Lutero, Op. Cit, p 74.
[5] ديورانت، ول، قصة الحضارة، ترجمة عبد الحميد يونس، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، د. ت، الجزء الثاني من المجلد السادس، ص 58.
[6] نفسه.
[7] م ن، ص 57.
[8] قصة الحضارة، م س، الجزء الثاني من المجلد السادس، ص 56- 57.
[9] ديورانت، ول، قصة الحضارة، ترجمة: فؤاد أندراوس، مراجعة: علم أدهم، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، د. ت، الجزء السادس من المجلد السادس، ص 115.
[10] Green Grass, Mark, La déconstruction de la cristiandad, Europa 1571 – 1648, Barcelona, Pasado y presente, 2015, p 27.
[11] هيكل، محمد حسين، الشرق الجديد، دار المعارف، القاهرة، 1978، ص 31-34.
[12] قصة الحضارة، م س، الجزء الثاني من المجلد السادس، ص 53.
[13] Walter, Henriette, L’aventure des langues en occident, leur origine, leur histoire, leur géographie, Paris, Robert Laffont, 1994, p 136.
[14] Green Grass, Mark, La déconstruction de la cristiandad, Op. Cit, p 522-523.
[15] Miquel, Pierre, Les guerres de religion, Fayard, Paris, 1989, p 81.
[16] Hobbes, Thomas, Léviathan, ou Matière, forme et puissance de l’État chrétien et civil, Gallimard, 2000, Traduction: Gérard Mairet, p 544.
[17] Lutero, Martín, Obras reunidas: 1 – Escritos de reforma, Edición de Pablo Toribio, Editorial Trotta, Madrid, 2018, p134.
[18] Ibid, p 138.
[19] Ibid, p 139.
[20] Lutero, Martín, Obras reunidas: 1 – Escritos de reforma, Op. Cit, p 433.
[21] Roper, Lyndal, Martìn Lutero, Op. Cit, p 111.
[22] Luther, Martin, On War Against the Turk, in: Works of Martin Luther With Introductions and Notes: A. J. Holman Company, 1931, Volume V, p 92-93.
[23] Luther, Martin, On War Against the Turk, Op. Cit, p 79.
[24] Ibid, p 81.
[25] Ibid, p 86.
[26] Ibid, p 83-84.
[27] Ibid, p 88.
[28] Ibidem.
[29] Ibidem.
[30] Luther, Martin, On War Against the Turk, Op. Cit, p 94.
[31] Ibid, p 94-95.
[32] Ibid, p 98-99.
[33] Ibid, p 101.
[34] Ibidem.
[35] Ibid, p 102.
[36] Ibid, p 88.
[37] Luther, Martin, On War Against the Turk, Op. Cit, p 88.
[38] Ibid, p 115-116.
[39] Ibid, p 117.
[40] Roper, Lyndal, Martìn Lutero, Op. Cit, p 276.
[41] Luther, Martin, On War Against the Turk, Op. Cit, p 118.
[42] Luther, Martin, On War Against the Turk, Op. Cit, p 88.
[43] عنان، محمد عبد الله، دولة الإسلام في الأندلس: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1966، العصر الرابع، المجلد الرابع، ص 650 – 354.
[44] Rodríguez, Pepe, Mentiras fundamentales de la Iglesia Católica, Negro grafics, Barcelona, 2012, p 465.
[45] Mitre, Emilio y Granda, Cristina, Las grandes herejías de la Europa cristiana (380-1520), Istme, Madrid, 1999, p 107-125.
[46] Murphy, John L., The General Councils of The Church, Hard over, 1960, p 25-26.
[47] Ibid, p 40.
[48] Rodríguez, Pepe, Mentiras fundamentales de la Iglesia Católica, Op. Cit , p 465.
[49] Chavot, Pierre, L’ABC des religions, Hachette, Paris, 2009, p 263-264.
[50] Johnson, Paul, La Historia del Cristianismo, Traducción: Aníbal Leal y Fernando Mateo, Sipan Barcelona Network S.L, 1999, p 128. XeltovoPrime