أصول الفقه قبل التدوين وبعده

0

✍🏽⁩ د. حسن يحياوي / الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة طنجة تطوان الحسيمة – المغرب.

ملخص: 

إن الانطلاقة الفعلية للحركة المعرفية في الفكر الإسلامي كانت مع فجر الإسلام، وبداية نزول القرآن الذي استهل بالدعوة إلى النظر والقراءة، فاشتملت آياته على مجموعة من الأحكام والفوائد، المرتبطة بمصالح الناس في المعاش والمعاد، فأدرك الناس من خلال التوجيه النبوي بأن امتثال الأوامر يفضي إلى المصالح، وأن ترك النواهي يفضي إلى تجنب المفاسد.

فاهتم المسلمون بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، حفظا وفهما وعملا. ساعدهم على ذلك كونهم عربا فصحاء بمقتضى السليقة، بالإضافة إلى معرفتهم بسياق نزول الخطاب وأسباب نزوله، فإن التبس عليهم شيء رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتلقي البيان.

واستمر هذا الأمر طيلة القرن الأول الهجري. لكن مع بداية القرن الثاني، ظهرت بوادر أزمة فكرية، نتجت عن الفهم السيء للخطاب الشرعي قرآنا وسنة، بسبب اختلاط اللسان العربي بباقي اللغات الأخرى.

انتبه لهذا الإشكال أهل الاختصاص، فدونوا أصول الفقه من أجل تحقيق سلامة الفهم على خطى السلف الصالح، وكان أشهرهم هو محمد بن إدريس الشافعي في كتابه الرسالة، فكان تدوينه مرتبطا بجمع الأصول التي كانت راسخة في طبائع الصحابة رضوان الله عليهم.

تواصل التقعيد والتدوين لهذا العلم، من طرف العلماء من مختلف المذاهب الفقهية، قصد الإجابة على مختلف التحديات التي تواجه الأمة في مختلف المجالات، فكان من أشهرهم في التقعيد والتجديد الإمام الجويني والغزالي والشاطبي.

الكلمات المفتاحية: أصول الفقه – التقعيد – التدوين.

Abstract:

The inception of knowledge in the Islamic thought was sparked by the Qur’ānic call at the dawn of Islam to reflect and read. Being native Arabic speakers and witnesses of the circumstances of the unfolding of the Qur’ān, early Muslims found full inspiration, guidance and knowledge in the Book of God and the tradition of the Prophet. However, signs of an intellectual crisis emerged by the turn of the second century AH, resulting, in particular, from a poor understanding of the religious discourse – the Qur’ān and the prophetic tradition – mainly due to the intermingling between the Arabic tongue and the other incoming languages. Alert to this problem, scholars in the field codified the principles of jurisprudence in order to achieve a sound understanding of the foundational religious texts similar to that of their righteous predecessors. The most well-known  of these codifications was Al-Risala by Muhammad ibn Idris al-Shafi’i. The codification and recording of this science was resumed by jurists from different schools of jurisprudence, mainly by al-Juwayni, al-Ghazali, and a-Shatibi, in response to the various challenges facing the Ummah.

Keywords: Usul al-Fiqh – recording – codification.

֍֍֍֍֍

Loader
Loading…
EAD Logo
Taking too long?
Reload Reload document

|

Open Open in new tab

لتحميل البحث كاملا [0.00 B]

مقدمة

إن الانطلاقة الفعلية للحركة المعرفية في الفكر الإسلامي كانت مع فجر الإسلام، وبداية نزول الوحي الذي استهل بالدعوة إلى النظر والقراءة، سواء في الكون المنظور، أو الكتاب الرباني المسطور، فقال جل ذكره: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ” الشرح 2، وقال جل ثناؤه: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” محمد 24، فاشتملت آياته على مجموعة من الأحكام والفوائد، المرتبطة بمصالح الناس في معاشهم ومعادهم، فأدركوا من خلال التوجيه الرباني والنبوي بأن امتثال الأوامر يفضي إلى المصالح، وأن ترك النواهي يفضي إلى تجنب المفاسد.

فاهتم الصحابة بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، حفظا وفهما وعملا وساعدهم على ذلك أمران:

أحدهما: فصاحتهم الفطرية، فكانوا خبراء بمعاني اللسان العربي وضعا واستعمالا، لأنهم نشأوا في بيئة عربية خالصة، فلم تختلط ألسنتهم بلغات أخرى، حيث كانت عادة العرب في الجاهلية أنهم يرسلون أولادهم إلى البوادي من أجل الرضاعة والفصاحة، بعيدا عن ضوضاء المدن، واختلاط الألسن واللهجات، فصاروا بلغاء وفصحاء. على وزان هذا اللسان العربي الفصيح، نزل الخطاب الشرعي قرآنا وسنة، ففهمه الناس بشكل سهل وواضح، على الأقل في مستواه الوضعي.

والثاني: معرفة مساقات الخطاب وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومكيه ومدنيه وهلم جرا. فإن التبس عليهم شيء رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أجل التوضيح والبيان، فعرفهم الشارع الحكيم باصطلاحاته الدينية والشرعية، كالإيمان والفسق والكفر، والصلاة والزكاة والصيام وغيرها.

هذه الأصول المتعلقة بتوثيق الخطاب وفهمه، لم تكن مدونة زمن النبوة، بل كانت مركوزة في طبائع الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم، بمعنى أن توظيفها كان حاضرا في الفهم والبيان، لكن تدوينها كان غائبا.

استمر هذا الأمر طيلة القرن الأول الهجري. لكن مع بداية القرن الثاني، ظهرت بوادر أزمة فكرية، نتجت عن الفهم السيء للخطاب الشرعي قرآنا وسنة، بسبب اختلاط اللسان العربي بباقي اللغات الأخرى، هذا الاختلاط أدى إلى الوقوع في اللحن والخطأ، الشيء الذي أفضى إلى الانحراف في الاعتقاد والسلوك، حيث صار الناس يفهمون الخطاب الشرعي بلغة عربية محرفة، نتجت عن الجمع بين العربية الأصيلة واللغات الأخرى كالفارسية والقبطية وغيرها، فعسر على الناس فهم الخطاب الشرعي بشكل صحيح، وتعارضت نصوصه عليهم، فظهر التفسيق والتبديع والتكفير بين أفراد الأمة، فشاه اللسان وشاه معه الفهم والاستنباط بسبب العجمة، ولله در الإمام الشافعي الذي قال: ” لا يعلم مِن إيضاح جُمَل عِلْم الكتاب أحد، جهِل سَعَة لسان العرب، وكثرةَ وجوهه، وجِماعَ معانيه، وتفرقَها. ومن علِمه انتفَتْ عنه الشُّبَه التي دخلَتْ على من جهِل لسانَها.” ([1])

انتبه علماء أصول الفقه قديما لهذا الإشكال، فقعدوا ودونوا القواعد الأصولية والفقهية من أجل تحقيق علمية الفهم عن الله ورسوله، فجمعوا الفروع الجزئية في قضايا كلية، تسهل التصور الكلي لفلسفة الفقه الإسلامي، من ذلك ما كتبه الإمام مالك وأبو حنيفة وغيرهما، إلا أن التقعيد الكلي للعلم وضع أسسه محمد بن إدريس الشافعي في كتابه الرسالة، فكان رضي الله عنه رجلا عربيا فصيحا نشأ في قبيلة هذيل، ينهل من معين الفصاحة والبلاغة، فلم يختلط لسانه، بل بقي على السليقة والفطرة العربية الفصيحة، يميز بين منطوق الخطاب، ومفهومه ومعقوله، فكان اختياره لتدوين العلم وتقعيده مقصودا. ولم يكن عمله رحمه الله أمرا خارجا عن الدين وقواعده، بل كان يدون القواعد والضوابط التي كانت مركوزة في طبائع الصحابة، سواء كانت لغوية أو شرعية. فأخرج للناس رسالته العلمية، لتكون لبنة أصيلة في الفهم الدقيق عن الله ورسوله، فاستمر التأليف والتدوين الخاص بهذه الصناعة على مر العصور.

إن الدرس الأصولي قبل التدوين وبعده، يعد فلسفة إسلامية، تلوح من خلالها منهجية البحث والتفكير عند علماء الإسلام، كما يعد استحضاره وتقعيد قواعده عبر العصور دليلا واضحا على ضرورته العلمية والحضارية في مواكبة مختلف النوازل والمستجدات، قصد جعل الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان. إذا كان الدرس الأصولي بهذه الأهمية، فما الوظيفة المعرفية والمنهجية التي يقدمها للناظر؟ وهل هذه الوظيفة خاصة بذلك الزمن، أم يمكن الاستفادة منها في وقتنا المعاصر؟

ويمكن اختصار أهداف هذا البحث فيما يلي:

ــ تبين أسس فهم الخطاب الشرعي زمن النبوة

ــ تأصيل القواعد الأصولية قبل التدوين

ـــ تبين دواعي التأصيل والتقعيد لعلم أصول الفقه

ــ تبين مظاهر التجديد والتقعيد في علم الأصول

ــ تبين منهجية الفهم والتحليل في الفكر الإسلامي …

وقد قسمت الموضوع إلى مبحثين:

الأول التقعيد الأصولي قبل التدوين

والثاني مظاهر التقعيد الأصولي زمن التدوين وبعده

وقد اعتمدت على المنهج السردي في عرض النصوص والقضايا التي تؤصل لفكرة البحث، مع محاولة تحليلها ومناقشتها.

المبحث الأول: أصول الفقه قبل التدوين

إن الحديث عن الدرس الأصولي هو تنظير يتضمن قواعد الأصول، باعتبارها أسسا يعتمد عليها في فهم الخطاب وتحليله تحليلا علميا، هذه القواعد يغلب عليها الجمع بين وضع اللغة ومعهود العرب في الخطاب. كما يتضمن هذا النظر ضوابط التنظير المقاصدي، باعتباره ثمرة النظر اللغوي اللساني، فيعتمد فيه على التعليل والقياس والموازنة بين المصالح والمفاسد. يقوم بهذه المهمة المفتي والمجتهد الذي يشترط فيه الاتصاف بمجموعة من الشروط تؤهله للقيام بمهمة الإمامة في الدين والتوقيع عن رب العالمين.

هذه القواعد ما كانت مدونة زمن النبوة ولا في عصر الصحابة، بل كان ممارسة تطبيقية تعتمد على الفطرة والسليقة اللسانية من جهة، وعلى البيان النبوي المتعلق بالأحكام والأسامي الشرعية من جهة أخرى، فكان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم حينما يلتبس عليهم الفهم، ولا تسعفهم اللغة وحدها في تبين المقصود، فيأتي البيان الشرعي في القرآن أو السنة، هذا البيان كان فقها مقرونا بدليله، استنبط واستشف إبان مرحلة التدوين، كما استنبطت ودونت قواعد اللغة العربية من مظانها.

المطلب الأول: أصول الفقه زمن النبوة وعصر الصحابة

كانت قواعد الدرس الأصولي متداولة بين الصحابة، من غير تدوين، فإذا كان العرب يرفعون الفاعل وينصبون المفعول به، وينصبون اسم إن ويرفعون خبرها … في تواصلهم، فقد كان الصحابة كذلك حيث كانوا يميزون بين منطوق الكلام ومفهومه وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه، فقد كانوا أهل فصاحة وبيان، نشأوا في البوادي وتعلموا اللسان العربي الفصيح، فكان بيانهم وفصاحتهم، مؤسسة على الفطرة والسليقة.

يمكن القول إذن بأن الأصول وقواعده كانت سلفية، وليست أمورا محدثة في الدين تنقده وتنقضه، ومن الأمثلة على ذلك:

أ ــ قوله عليه الصلاة والسلام: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ([2]).

فكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنف أحدا منهم يستفاد منه، إقراره عليه الصلاة والسلام على الاجتهاد المعتبر، بيانه أن قوله ” لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة” لفظ ظني الدلالة يحتمل أداء صلاة العصر في بني قريظة ــ وهو الظاهر المتبادر إلى الذهن ــ ويحتمل الإسراع في المشي حتى يدركهم العصر هناك، وهذا المعنى وإن كان مرجوحا ومخالفا للأصل الراجح، إلا أنه معزز بقرائن أخرى فهمها الذين صلوا في الطريق. فالحديث تأصيل للاجتهاد من حيث المبدأ، وتأصيل لبيان محله المعتبر. هذا البيان ليس اعتباطيا، مجردا من التقعيد، بل هو بيان يتضمن قواعد لسانية وشرعية.

ب ـــ اشتمال القرآن والسنة على ألفاظ حقيقية ومجازية، وعلى ألفاظ عامة وخاصة، وعلى منطوق ومفهوم، فإذا ذكر اللفظ خال من القرائن، كان القصد مدلوله الحقيقي، وإذا استعمل للدلالة على معاني مجازية، أضيفت له قرائن تفيد ذلك. فإذا قرأنا قوله عز وجل:” وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ” البقرة 228، وجدنا بأن هذا العام لا يقصد به الحامل المطلقة ولا اليائس، وإن كان اللفظ صالحا لهما من حيث الوضع. فقد ذكر الحق سبحانه الآيات الخاصة بعدتهما، وفي هذا فقه يستدعي البحث والنظر والتقعيد، رفعا للتعارض بين الخطاب الشرعي.

فوجود اللفظ العام في القرآن والسنة، لا يدل على الاستغراق والشمول دائما، بل قد يدل على البعض، وهذا مستفاد من معهود العرب في الاستعمال، دليله أيضا قوله تعالى: ” الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ” آل عمران 173، قال الشافعي: فالدلالة بيِّنة مما وصفت من أنه إنما جمع لهم بعضُ الناس دون بعض… فلما كان اسم الناس يقع على ثلاثة نفر،  وعلى جميع الناس، وعلى مَن بين جمعهم وثلاثةٍ منهم، كان صحيحاً في لسان العرب أن يقال: ” الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ”، وإنما الذين قال لهم ذلك أربعةُ نفر ” إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ،  يعنون المنصرفين عن أُحُدٍ([3]).

ج ـ ورود الأمر في الخطاب الشرعي بمختلف صوره الدالة على الوجوب والندب والإباحة، والإرشاد والتخيير، فحمله الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوجوه، اعتمادا على سياق الخطاب وأسباب نزوله … وكذلك الأمر في النهي فميزوا منه ما كان حراما وما كان مكروها، جمعا في ذلك كله بين فقه اللغة وفقه الخطاب الشرعي.

د ــ عملهم رضوان الله عليهم بالاجتهاد والقياس، واستنبطوا ذلك من خلال الإشارات القرآنية والأحاديث النبوية. قال الإمام الشافعي إثر تأصيله للاجتهاد زمن النبوة والصحابة: أن يكون الله أو رسوله حرم الشيء منصوصاً، أو أحله لمعنى، فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم يَنُصَّ فيه بعينه كتابٌ ولا سنة: أحللناه أو حرمناه؛ لأنه في معنى الحلال أو الحرام([4]).

المطلب الثاني: مقاصد الشريعة زمن النبوة وعصر الصحابة

كان الدرس المقاصدي حاضرا زمن النبوة ممارسة عملية من خلال التوجيهات القرآنية والنبوية، علما بأن حديثنا عن المقاصد ليس كلاما مستقلا عن الأصول، بل هو فرع منه. ومن الأمثلة على ذلك:

أ ــ تصريح الشريعة الإسلامية بأنها جاءت لرعاية مصالح العباد في العاجل والآجل، فيذكر الأمر والنهي مصحوبا بالتعليل المصلحي تصريحا أو تلميحا، ومنه قوله تعالى: وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” المائدة 6. فبين الحق سبحانه أن القصد من الوضوء تحقيق طهارة الإنسان من الأوساخ المادية والمعنوية، وليس القصد منه إلحاق المشقة بالمكلف، وفيه إشارة إلى التعليل، وكذلك أمر الحق سبحانه بالصلاة والزكاة والصوم وغيرها من التكاليف الشرعية، وبين علل ذلك تصريحا أو تلميحا. ومنه أيضا قوله تعالى: ” اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ” العنكبوت 45، فبينت الآية الكريمة أن الصلاة الكاملة تمنع صاحبها من الوقوع في الفحشاء والمنكر، وهذا عين المصلحة في المعاش والمعاد.

ب ــ الموازنة بين المصالح والمفاسد حالة التعارض، حيث يقدم الأصلح على الصالح، ويرتكب أخف الضررين، وتقدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة حالة التعارض وهلم جرا، من ذلك قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الْأَنْعَامِ108.

كذلك يمكن أن نستفيد هذا الأمر من خلال مجموعة من القصص القرآني، فالخضر عليه السلام خرق السفينة، وهذه مفسدة ظاهرة، لكنها دفعت مفسدة أكبر منها، وهي سرقة السفينة بالكل، فيتحمل الضرر الأصغر دفعا للضرر الأكبر. وهذا وغيره يراعى فيه الموازنة بين المصالح والمفاسد، فيفضي إلى تغير الأحكام اعتبارا للمآل.

ج ــ كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل في مواقف ومحال عديدة عن أفضل الأعمال، فيجيب بأجوبة مختلفة على السؤال الواحد، فيوهم ذلك تعارضا في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الأمر كذلك، بل القصد أنه عليه الصلاة والسلام يجيب كل سائل بحسب ما يصلح أمور معاشه ومعاده، فقد يكون مندوب معين مصلحة لمكلف ما في زمن ومكان معين، لكنه مفسدة وضرر على آخر. فكان عليه الصلاة والسلام، يمنعه عن الثاني ويبيحه للأول، وكذلك في تكليف أصحابه بتدبير الشؤون العامة للمسلمين، حيث يعين الرجل المناسب في المكان المناسب. صحيح أنهم رضوان الله عليهم كلهم عدول ثقاة، لكن أداءهم للمهام والوظائف يختلف من صحابي لآخر، بسبب اختلاف طبائعهم وعاداتهم، فمنهم من كان متميزا في الفقه ومعرفة الحلال والحرام، ومنهم من كان حكيما في العدل والقضاء، ومنهم من كان قدوة في التخطيط والدهاء والقوة في الحرب … فكان الاختلاف بينهم اختلاف تنوع في الفضل والخير، لا اختلاف تمايز وتفاضل.

مثال ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: ” “يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي؛ لَا تَأَمَّرنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ”([5])، وهذا المنهي عنه من الأعمال الصالحة التي تقرب من الحق سبحانه، بشهادة الأدلة النقلية المختلفة، لكن النبي الكريم علم من أحوال أبي ذر ما خفي علينا، فنهاه عن هذا العمل المستحب، الذي قد يفضي بسببه مفسدة على أبي ذر خاصة([6])، وعلى المجتمع بشكل عام، فلربما كان عطاء أبي ذر رضي الله عنه في مجال آخر، أولى من هذا الأمر.

فالتأمل في هذا الفقه النبوي، يمكن من استنباط بعض الأصول والضوابط التي تفسر أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، في مختلف الأغراض والمناسبات، وتتخذ قواعد للفهم والنظر اقتداء بالنبي.

المبحث الثاني: مظاهر التقعيد الأصولي زمن التدوين وبعده

المطلب الأول: قضايا التدوين في الدرس الأصولي

يعتبر القرن الثاني الهجري قرن تدوين الأمة الإسلامية لذاكرتها، فشمل ذلك تدوين العلوم بصفة عامة وتدوين العلوم الشرعية بصفة خاصة، فانتقلت الأمة من مرحلة الحفظ في الصدور إلى مرحلة الحفظ في السطور. فالأمة العربية زمن النبوة، كانت تغلب عليها الأمية وما كانت تقرأ وتكتب إلا قليلا، وعندما أذن في التدوين كان الأمر مرتبطا بالقرآن الكريم من جهة المتن، أما فيما يتعلق بعلومه وأصول تفسيره فدونت فيما بعد.

وإن الناظر في هذه الفترة يجد بأن أرجح الكتب التي ألفت في هذا العلم، هو كتاب الرسالة للإمام الشافعي. صحيح أن هناك كتابات أخرى في هذا المجال عند مالك وأبي حنيفة وغيرهما، لكن يبدو أن من أفرد التأليف لهذه الصناعة هو الإمام الشافعي، قال الفخر الرازي: ” كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع. فثبت أن نسبة الشافعي إلى علم الشرع كنسبة أرسطا طاليس إلى علم العقل “([7])

وقد تضمنت رسالة الشافعي مجموعة من القضايا الأصولية والفقهية، المرتبطة بثبوت الخطاب ودلالته، وهذا ما تدل عليه رسالة عبد الرحمان بن مهدي حيث كتب وهو شاب للشافعي أن يضع له كتابا فيه معاني القران ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القران والسنة. فوضع له كتاب الرسالة ([8])

فذكر له أصول الأحكام وحجيتها، وبين له طرق دلالتها على المعاني، مستعينا في ذلك بفصاحته وسلامة لسانه من العجمة والرطانة، فكان يرد سوء الفهم عن الله ورسوله، إلى الجهل أو ضعف الملكة اللسانية. إن تقعيد الإمام الشافعي في الحقيقة يعد تقعيدا لفلسفة اللسان العربي، وهو المبحث الدلالي الكبير والمهم في الدرس الأصولي. قال رحمه الله: “فإنما خاطب الله بكتابه العربَ بلسانها، على ما تَعْرِف مِن معانيها، وكان مما تعرف من معانيها: اتساعُ لسانها، وأنَّ فِطْرَتَه أنْ يخاطِبَ بالشيء منه عامًّا، ظاهِرًا، يُراد به العام، الظاهر، ويُسْتغنى بأوَّل هذا منه عن آخِرِه. وعاماً ظاهراً يراد به العام، ويَدْخُلُه الخاصُّ، فيُسْتَدلُّ على هذا ببَعْض ما خوطِبَ به فيه؛ وعاماً ظاهراً، يُراد به الخاص. وظاهراً يُعْرَف في سِياقه أنَّه يُراد به غيرُ ظاهره. فكلُّ هذا موجود عِلْمُه في أول الكلام، أوْ وَسَطِهِ، أو آخِرَه ([9]).

بيان ذلك من خلال الأمثلة الآتية:

أ ــ القرآن الكريم: ذكر الشافعي أن الكتاب تضمن قضايا قطعية لا تحتمل الاجتهاد وليست محل خلاف، كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، ومنها العام الذي يراد منه العام ولا يدخله التخصيص، كقوله تعالى: ” وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا” هود 6، فهذا عام لا خاصَّ فيه ([10]). كما اشتمل القرآن على خطاب واضح من جهة ومجمل من جهة أخرى، فجاءت السنة فبينته إما من خلال التخصيص أو التقييد وغير ذلك، كوجوب الصلاة، فهو أمر واضح من هذه الناحية لكنه يحتاج إلى بيان كيفية الصلاة وهيئتها وعدد ركعاتها، وهو أمر تكفلت به السنة النبوية([11]).

ومنه آيات يحتاج فيها إلى فقه اللسان العربي لتبين معناها ودلالتها، ومن ذلك العام الذي أريد به الخاص كقوله تعالى:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ” الحج 73 قال: فمَخْرَجُ اللفظ عامٌّ على الناس كلهم، وبيِّنٌ عند أهل العلم بلسان العرب منهم: أنه إنما يُراد بهذا اللفظ العامِّ المخرجِ بعضُ الناس، دون بعض؛ لأنه لا يُخاطَب بهذا إلا من يدعو من دون الله إلَهًا، تعالى عما يقولون عُلُوًّا كبيرا؛ لأن فيهم من المؤمنين المغلوبين على عقولهم، وغير البالغين ممن لا يدعو معه إلها([12]).

ب ــ وهناك الصنف الذي يدل لفظه على باطنه، دون ظاهره كقوله تعالى: “وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا، وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا، وَإِنَّا لَصَادِقُونَ” يوسف 82. فهذه الآية في مثل معنى الآيات قبلها، لا تختلف عند أهل العلم باللسان، أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير، لأن القرية والعير لا يُنْبِئَانِ عن صدقهم.([13])

ج ـ السنة النبوية: أصل الشافعي رحمه الله حجية العمل بالسنة وبخبر الواحد، فقام بتقديم بعض الأدلة على ذلك([14]) .كما بين بأنها كالقرآن تتضمن مسائل قطعية وأخرى ظنية، تحتاج إلى بيان وتفسير، وقدم لذلك مجموعة من الأمثلة المرتبطة بالأحاديث المختلفة، التي يوهم ظاهرها التعارض، وبين منهجية رفع الخلاف فيها. ومن ذلك ذكره لحديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، ثم ذكره للحديث الذي يدعو إلى الأكل والتصدق والادخار من هذه اللحوم، فبين وجوه الجمع بين الحديثين، ومحال كل واحد منهما.([15])

د ــ ذكره رحمه الله لقضايا الاجتهاد والقياس، دون تفريق بينهما، فأصل حجيتهما، وبين ضوابطهما، قال تعالى:” وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ” البقرة 150. فَدَلهَّم جل ثناؤه إذا غابوا عن عين المسجد الحرام على صواب الاجتهاد، مما فرَض عليهم منه، بالعقول التي رَكَّب فيهم، المميزةِ بين الأشياء، وأضدادها، والعلامات التي نَصَب لهم دون عين المسجد الحرام الذي أمرهم بالتوجه شطره “([16]).

فالشافعي يسعى من خلال هذه القضايا أن يضع بين يدي الناظر إطارا كليا لضبط عملية الفهم عن الله ورسوله، له مفاهيمه وقواعده ومناهجه. إذ لم يكن عمله نظرا جزئيا في قضايا ونماذج، بل هو تأسيس لعلم أصول الفقه ومقاصد الشريعة. أهله لذلك فصاحته وسلامة لسانه، فهو الشاب الذي تذوق بالسليقة فقه اللسان العربي وضعا وقصدا في قبيلة هذيل، فحفظ الشعر والنثر، وضبط أساليب العربية، يميز بين منطوق الكلام ومفهومه ومعقوله. فكان اختياره لهذه المهمة الحضارية مقصودا.

المطلب الثاني: تدوين مقاصد الشريعة

الراجح أن نتعامل مع المقاصد على أساس أنها مبحث مهم من مباحث الدرس الأصولي، وليست علما مستقلا عنه، فهي ثمرة النظر الدلالي اللساني، ومن غير اللائق الفصل بين الأصل والثمرة. نعم يمكن الفصل بينهما عندما يتعلق الأمر بالجانب التعليمي التربوي، لكن الفصل بينهما على أساس أنهما علمان مستقلان، فالظاهر أنه أمر مرجوح والله أعلم.

لم تكن المقاصد غائبة عن التقعيد، بل كانت حاضرة في كل مراحل التدوين، على اعتبار أنها جزء أساس من الدرس الأصولي. ومن الأمثلة على ذلك:

ــ أن الشافعي رحمه الله بين بأن التكاليف الشرعية تثمر الصلاح في المعاش والمعاد، فالفهم الصحيح للخطاب الشرعي والعمل به، يفضي إلى تحقيق الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة فقال: إن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة([17]).

فكلامه إشارة إلى أهمية امتثال الأمر الشرعي، الذي يفضي إلى تحقيق المصلحة للإنسان سواء في معاشه أو معاده، وكذلك اجتناب النهي يفضي إلى تجنب المفاسد الدنيوية والأخروية.

كذلك كان مالك بن أنس رحمه الله، فقد كانت كتبه تتضمن تأصيلا وتعقيدا للدرس الأصولي والمقاصدي، فعرف مذهبه بسد الذرائع، ومراعاة الخلاف والاستحسان وغيرها، وهي قواعد مآلية، تراعي الترجيح بين المصالح والمفاسد حالة التعارض، لكن هذا النوع من التقعيد لم يصل درجة التنظير الكلي لمقاصد الشريعة.

ومن الأمثلة التي ذكرها مالك في هذا المحل، اعتماد سد الذرائع، فقَاعِدَةُ الذَّرَائِعِ حَكَّمَهَا مالك في أكثر أبواب الفقه([18]). فقد سُئِلَ هَلْ يُسَلَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ، فَلاَ أَكْرَهُ ذلِكَ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ، فَلاَ أَحِبُّ ذلِكَ([19]). فالسلام على الشابة مظنة الوصول لأمر آخر محرم، وبالخصوص عند من في قلبه مرض، فمنع مالك ذلك سدا لطريق الرذيلة، وأباحه مع القواعد من النساء…

وَلَمَّا هَمَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ أَنْ يَبْنِيَ الْبَيْتَ عَلَى مَا بَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ شَاوَرَ مَالِكًا فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: “أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ بَعْدَكَ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُغَيِّرَهُ؛ إِلَّا غَيَّرَهُ فَتَذْهَبَ هَيْبَتُهُ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ. فَصَرَفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِ؛ لَمَّا ذَكَرَ مِنْ أَنَّهَا تَصِيرُ سُنَّةً مُتَّبَعَةً بِاجْتِهَادٍ أو غيره؛ فلا يثبت على حال([20])… فيبدو أن مالكا رحمه الله هنا، اعتمد على قاعدة سد الذرائع، فاعتبر بأن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مصلحة مطلوبة، لكنها ستفضي إلى مفسدة أو مفاسد أكبر منها.

إلا أن البحث والتأليف في مقاصد الشريعة، سيعرف تنظيرا موسعا كليا، فيفرد بالتأليف والتصنيف، وخصوصا مع قرون الاجتهاد والتجديد.

المطلب الثالث: أصول الفقه بعد التدوين

توالى التأليف والتدوين في الدرس الأصولي بعد الإمام مالك والشافعي وغيرهما، فظهرت المدارس والمذاهب في هذه الصناعة، وتم التدقيق والتفريع للمصطلح دلالة وتقعيدا، علما بأن هذا التنظير لم يكن مطلوبا لذاته، إنما استدعته الضرورة الحضارية للأمة الإسلامية، التي كانت كلما نزلت بها النوازل والمستجدات، رجعت لأهل الاختصاص في الأصول والمقاصد. وإن الناظر في تاريخ التشريع يجد بيانا شافيا لهذا الأمر. فإذا كانت المشكلة زمن الشافعي بيانية، بسبب العجمة المفهومية التي أصابت اللسان العربي، فإن التحدي الذي واجه الأمة الإسلامية فيما بعد، كان تحديا فلسفيا ومقاصديا.

بعد انفتاح الأمة الإسلامية على العالم، ترجمت كتب المنطق والفلسفة وتأثر بها المسلمون، فألف الأصوليون الكتب التي تبين الموقف الصحيح من الفكر الفلسفي والمنطقي، فكان لهذا المصطلح حضور مهم في مؤلفاتهم، من ذلك ما ألفه أبو الحسين البصري والجويني والغزالي، فهؤلاء وغيرهم تأثروا بالمصطلح الفلسفي، فظهر ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم الخاصة بالصناعة الأصولية، فاستعملوا الكل والجزء والاستقراء والاستنباط والنظر والقضية وغيرها، واعتمدوا على المقدمات في التأليف والتقعيد …

بلغ هذا العلم مكانة معتبرة في التقعيد والتنظير، خصوصا في القرن الرابع والخامس، يتجلى ذلك من خلال مجموعة من الإبداعات الفكرية، أشهرها لحجة الإسلام الإمام الغزالي، فبالإضافة إلى إبداعه الفلسفي، كان رحمه حجة في التقعيد والتجديد في علم الأصول، سواء على المستوى المفهومي أو المنهجي. وإن الناظر في كتاب المستصفى، يجد مظاهر الإبداع والتصنيف في الأصول. حيث قسمه إلى أربعة أبواب رئيسة: وهي مبحث الأدلة والدلالة والثمرة أو الأحكام، ومبحث المجتهد والمفتي([21])، كما قسم مباحث الدلالة إلى ثلاثة مباحث وهي المنطوق والمفهوم والمعقول.([22])

إن التقعيد والتدوين في هذه الفترة كذلك عرف تطورا وتجديدا في القضايا والمنهج، حيث ميز العلماء بين الاجتهاد والقياس، بل قسموا الاجتهاد إلى عدة أقسام فميزوا بين المنقطع منه وغير المنقطع إلى قيام الساعة، وبينوا الفرق بين الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وتخريجه وتنقيحه([23]). وفي باب القياس عرفوه وذكروا أنواعه، وميزوا فيه بين العلة النصية والعلة الإشارية([24]) …

ولم يتوقف الحد عند القياس والاجتهاد فقط، بل شمل ذلك عدة مباحث، حيث ناقش علماء الأصول كالجويني مسألة القطع والظن في دلالة الخطاب الشرعي، فكان الراجح عند المازري، غلبة الظن على دلالة الخطاب الشرعي حيث قال: ” وهو ـ يعني النص ـ عزيز وجوده في الألفاظ، لا تكاد تجد لفظة عارية من الاحتمال، وأخذ الأصوليون في عد ما وقع منه في الشرع، فلم يجدوا إلا نزرا يسيرا”([25])، وكذلك الإمام الشاطبي، حيث ذكر أن الغالب على الخطاب الشرعي هو الظهور، بعدما برهن على عزة النصوص([26])، بمعنى ندرة الخطاب القطعي دلالة، الشيء الذي يفسح المجال أمام النظر والاجتهاد، قصد جعل الشريعة مواكبة وصالحة لكل زمان ومكان.

ثم توالى التأليف بعد ذلك دراسة ونقدا، استجابة للتحديات التي واجهت الأمة الإسلامية في هذه الفترة، حيث بدأت معالم التخلف والسقوط تظهر على العالم الإسلامي، فاشتغل الناس بحب الدنيا والتنافس عليها، وتثاقلوا عن الجهاد وصد العدوان، فرضوا بالدنية ومحبة الخضوع للأغيار… فانبرى علواء الأصول من جديد لرتق الفتق الذي تعاني منه الأمة الإسلامية، وضبط الموازنة بين مقاصد الشارع وحظوظ الخلق، فألف العلماء وخبراء الاجتماع في مقاصد الشريعة وسنن العمران البشري، من أجل إعادة الاعتبار للتدين، وحسن الموازنة بين المصالح والمفاسد حالة التعارض… من أعلام هذه الصناعة نجد العز بين عبد السلام والقرافي، وابن تيمية والشاطبي وغيرهم.

فاهتم هؤلاء العلماء بمواصلة التقعيد والتدوين والتجديد، فميزوا بين القواعد الأصولية والفقهية، ثم بينوا وظيفة كل نوع منها، وهذا ما أشار إليه القرافي وغيره، حيث قال: “وَأُصُولُهَا{الشريعة} قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا الْمُسَمَّى بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ فِي غَالِبِ أَمْرِهِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا قَوَاعِدُ الْأَحْكَامِ النَّاشِئَةُ عَنْ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ خَاصَّةً”([27]). ثم تواصل التقعيد والتنظير مع العز بن عبد السلام([28])وابن تيمية([29]) وأبي إسحاق الشاطبي في موافقاته، حيث قسم المقاصد إلى قسمين: قصد الشارع وقصد المكلف([30])، وبين بأن قصد الشارع يضم أربعة أركان: وهي القصد الابتدائي، والإفهامي، والتكليفي والامتثالي([31])، وكل ركن يتضمن مسائل عديدة. علما بأنه ما كان يفرق بين المقاصد والأصول، بل يجعلهما علما واحدا، فقال: ” تكاليف الشريعة تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَقَاصِدِهَا فِي الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ لَا تَعْدُو ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أحدها أن تكون ضرورية والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية “([32]). إذ التكاليف هي ثمرة القواعد الأصولية، وهذه التكاليف هي التي تفضي إلى بناء مقاصد الشريعة. كما بين أصول الترجيح بين هذه الكليات حالة التعارض وأنه يقدم الضروري على الحاجي، والحاجي على التحسيني.

إلا أن عمل الشاطبي وغيره ممن أفرد هذه الصناعة بالتأليف، هو جمع ما كتب في الموضوع، وإخراجه على شكل إطار كلي نظري لقواعد المقاصد. خصوصا مع مرحة النضح والتجديد التي عرفها علم الأصول.

خاتمة:

نستخلص مما سبق بأن مسألة تدوين العلوم وتقعيدها، بشكل عام، وعلم الأصول بشكل خاص ليس بالأمر الهين، بل يحتاج إلى علماء ربانيين، بلغوا درجة الإحسان في الفقه والفهم عن الله ورسوله، حتى يكون نظرهم معتبرا ومطابقا للصواب.

ومن الخلاصات التي آلت إليها المباحثة العلمية:

ــ قواعد الأصول والمقاصد كانت متداولة زمن النبوة من غير تدوين.

ــ الخطاب الشرعي يتضمن الفقه ودليله.

ــ الإمام الشافعي يعتبر أول من دون الإطار الكلي النظري لعلم الأصول.

ــ التقعيد الأصولي عند الشافعي، مبني على فقه اللسان وقصد الشارع.

ــ تدوين علم الأصول اشتمل على تدوين أصول اللسان وقواعده، وتدوين أسس ومقاصد الشريعة.

ــ علم أصول الفقه منهج مهم يعصم الفكر الإسلامي من الوقوع في الزلل.

ــ التقعيد الأصولي كان استجابة للتحديات التي تواجه الفكر الإسلامي.

ــ لم يتوقف التقعيد والتدوين للعلم بعد الشافعي، بل واصل أهل الاختصاص التجديد والإبداع في ذلك.

ــ معرفة أسس تدوين العلم، يمكن من مواصلة التقعيد والتجديد.

فسبحانك اللهم وبحمدك نستغفرك ونتوب إليك.

 

المصادر والمراجع:

ــ البخاري محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه “صحيح البخاري”، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ.

ــ الرازي فخر الدين، محمد بن عمر بن الحسن، مناقب الشافعي، تحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا. الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، الأزهر، القاهرة.

ــ الشاطبي إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي (المتوفى: 790هـ) ــ الموافقات في أصول الشريعة، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان. الطبعة: الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م.

ــ الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ) الرسالة، المحقق أحمد شاكر، الناشر مكتبة الحلبي مصر، الطبعة الأولى 1358ه ــ 1940.

ــ الغزالي أبو حامد محمد بن محمد الطوسي (المتوفى: 505هـ، المستصفى في علم الأصول، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1413هـ – 1993م.

ــ المازري أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري 536ه، إيضاح المحصول من برهان الأصول دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور عمار الطالبي الأستاذ بجامعة الجزائر، دار الغرب الإسلامي.

ــ مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ) الموطأ، المحقق: محمد مصطفى الأعظمي، الناشر: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية – أبو ظبي – الإمارات، الطبعة: الأولى، 1425 هـ – 2004 م.

ــ مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي – الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت.


 

[1] – الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ) الرسالة، المحقق أحمد شاكر، الناشر مكتبة الحلبي مصر، الطبعة الأولى 1358ه ــ 1940. 1/ 47.

[2] – البخاري محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ، عدد الأجزاء: 9 بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الأَحْزَابِ، وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ، رقم الحديث 4119، 5/ 112.

[3] – الرسالة، م س، 1/ 58.

[4] – الرسالة، م س، 1/34.

[5] –  مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)،  المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي – الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت – عدد الأجزاء: 5 ، بَابُ كَرَاهَةِ الْإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، رقم الحديث 1826. 3/ 1453،.

[6] – الشاطبي إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير (المتوفى: 790هـ) ــ الموافقات في أصول الشريعة،. المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان. الطبعة: الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م عدد الأجزاء 7 . 5/ 29 30 31 32.

[7] – الرازي الإمام فخر الدين، محمد بن عمر بن الحسن، مناقب الشافعي، تحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا. الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، الأزهر القاهرة. ص 157

[8] – الرسالة، م س، 1/ 11.

[9] – الرسالة، م س، 1/ 50.

[10] – الرسالة، م س، 1/ 53.

[11] – الرسالة، م س، 1/ 28 ـ 31.

[12] – الرسالة، م س،1/ 60

[13] – الرسالة، م س،1/ 64

[14] – الرسالة، م س، 1/8 400 ـ 401ـ 407 ..

[15] – الرسالة، م س، 1/ 251

[16] – الرسالة، م س، 1/34.

[17] – الشافعي الرسالة 1/19

[18] – الموافقات، م س، 5/182

[19] – مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ) الموطأ، المحقق: محمد مصطفى الأعظمي، الناشر: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية – أبو ظبي – الإمارات، الطبعة: الأولى، 1425 هـ – 2004 م. 5/1398.

[20] – الموافقات، م س، 4 / 113.

[21] – الغزالي أبو حامد محمد بن محمد الطوسي (المتوفى: 505هـ، المستصفى في علم الأصول، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1413هـ – 1993م.  1/ 7.

[22] – المستصفى، م س، 1/ 7.

[23] – الموافقات، م س، 5/ 11 ـ 12 …19.21 ـ 22ـ 23، فذكر الإمام الشاطبي هذه المفاهيم وقدم تعريفا لها.

[24] – المستصفى، م س، 1 / 308.

[25] – المازري أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي 536، إيضاح المحصول من برهان الأصول دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور عمار الطالبي الأستاذ بجامعة الجزائر، دار الغرب السلامي ص 305.

[26] – الموافقات، م س، 5/ 401

[27] – القرافي أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير (المتوفى: 684هـ)، الفروق أنوار البروق في أنواء الفروق، بأعلى الصفحة: كتاب «الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق» للقرافي، بعده (مفصولا بفاصل) : «إدرار الشروق على أنوار الفروق» وهو حاشية الشيخ قاسم بن عبد الله المعروف بابن الشاط (723هـ) لتصحيح بعض الأحكام وتنقيح بعض المسائل، بعده (مفصولا بفاصل) : «تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية» للشيخ محمد بن علي بن حسين مفتى المالكية بمكة المكرمة (1367هـ) ، وفيها اختصر الفروق ولخصه وهذبه ووضح بعض معانيه. 1/ 2

[28] – في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام

[29] – في كتبه كالفتاوى الكبرى وغيرها.

[30] – الموافقات، م س، 2/ 7 ـ 8

[31] – الموافقات، م س، 2/ 8

[32] – الموافقات، م س، 2/ 17 Drezinex

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2

2